التصنيفات » دراسات

قراءة هادئة في تحويل مجرى النيل الأزرق وخيارات التعامل معه

الدكتور أسامة الأشقر
المستشار السياسي بمجموعة الراصد للدرسات والعلوم - الخرطوم

بين التخوّف الكبير من نتائج هذا القرار الإثيوبي على صعيد أمن المياه القومي المصري والسوداني ، والتطمينات الحذرة من أن هذا القرار ذو تأثير محدود على تدفق المياه إلى مصر ، فلاشك أن هناك قراءات علمية متباينة توحي كلها بأن القراءة العلمية للنتائج ما تزال تستكمل الدراسة وأنه ليس هناك أمر حاسم ، وهذا بحد ذاته مبعث قلق كبير .
ويزيد القلق في أن تفاصيل الدراسات الإثيوبية غير واضحة وغير منشورة، وهذا يعود بالأساس إلى أن الدراسات الأولية في معظمها كانت دراسات إسرائيلية ستثير حفيظة المصريين والسودانيين، قامت بها جهات متخصصة بأغطية غربية ، وقد حذرنا كثيراً منذ عام 2006 بأن هذه الدراسات ستجد طريقها للتنفيذ عاجلاً أم آجلاً، وكان العائق الكبير هو في توفّر التمويل الدولي لهذا المشروع الضخم ، وبما أننا لا نعرف الممولين الكبار لهذا المشروع فإننا على موعد مع مفاجأة أخرى قد تكون صادمة أيضاً؛ ويبدي المسؤولون الإثيوبين غضباً كبيراً من السياسة المصرية السابقة بمنعهم من استثمار حقوقهم في مياه النيل عبر الاعتراض على طلبات التمويل الدولية، وقد نُفاجأ أيضاً بالمستوى الفني التنفيذي والرقابي على هذا المشروع والذي ستديره جهات فنية ستكون ذات صلة بأجهزة سيادية لدول غير مرغوب فيها من طرف مصر والسودان، لاسيما أن إثيوبيا ما تزال بحاجة إلى شبكةٍ ضخمة لتوصيل هذه الطاقة الكهربائية إلى المدن والمصانع الأثيوبية عبر مسافاتٍ شاسعة وتضاريس صعبة .
هذا المشروع الحساس هو المشروع الاستراتيجي الأول الذي تخطط له الدراسات الإسرائيلية قديماً لضمان تحييد مصر عن الصراع معها، والمشروع الثاني الأخطر والأكثر كلفة هو تحويل جزء كبير من المياه إلى مجاري جديدة تتوجه جنوباً عبر الأراضي الإثيوبية لتصبّ في كينيا أو تنزانيا، لأن منابع النيل الأزرق الإثيوبية في مناطق شديدة الوعورة والجفاف وتكاد تكون عديمة الإنتاج الزراعي والرعوي بسبب عدم وجود مساحات زراعية مستوية أو قابلة للتشكّل ، ومحدودية الحضور السكاني في المنطقة وبالتالي محدودية النشاط البشري هناك. ويعتقد الإثيوبيون أن النهر الكبير في أقصى حدودهم الشمالية لا يؤمن لهم لقمة العيش منذ عقود طويلة، وينظرون بحسرة إلى المزارع العريضة التي تمتد على جانبي النيل في مصر والسودان، فيما يستمرون في تلقّي المعونات الغذائية من المنظمات الدولية، ويعتقد الإثيوبيون أن المسألة عندهم هي أمن قومي اجتماعي واقتصادي كما هو الحال في مصر تماماً، وفي حقيقة الأمر فإن المشروع ينطوي أيضاً على تقديم إثيوبيا الذي ينبع منها اثنا عشر نهراً تفيض كلها إلى خارج حدودها كقوة توليد كهربائية إقليمية ستكون مصدر نفوذها الإقليمي.
والأخطر في هذه الملف أن إثيوبيا انفردت بقرارها وقبل اكتمال النقاش فيه بين دول المنبع والمعبر والمصب، وزاد الأمر سوءاً أنه جاء عقب زيارة الرئيس المصري لإثيوبيا، وهي الزيارة التي أظهرت الإيجابية المصرية في التعاطي الدبلوماسي الهادئ وعلى أعلى المستويات في هذا الملف، وفي اليوم التالي لمغادرة الرئيس المصري أعلنت إثيوبيا الإجراء التنفيذي لعملية تحويل المجرى ، وهو ما فسره الجميع بأنه ضربة سياسية موجعة لمصر ممثلة في أعلى هرم فيها.
وأنا هنا أدعو لمحاولة وضع سياق قد يكون صحيحاً لفهم الأداء السياسي الإثيوبي الذي يمتاز بالضعف وعدم الخبرة والتعاطي المرتجل وغير المدروس مع القضايا العادية والحساسة على السواء مما يتسبب عادة في مشكلات سياسية لا حصر لها ، وقد يكون هذا الموضوع من هذا القبيل وإن كنتُ لا أجزم بذلك، وقد يكون لدى الأوساط الدبلوماسية المصرية المعلومات الأدق في هذا الباب، لاسيما مع التأكيد الإثيوبي الدائم على حسن النوايا رغم التحفظات الإثيوبية المعلنة.
هذا المشروع في شكله الإيجابي يهدف إلى زيادة النمو الاقتصادي المحلي من خلال المتاجرة بالكهرباء المتولدة عن مساقط المياه، وهي تجارة تتعدى الحاجة الإثيوبية المحلية إلى تصدير الكهرباء إلى دول الإقليم مثل السودان ويوغندا وكينيا وجنوب السودان ، وهذه الدول ذات مصالح في وصول الكهرباء الرخيصة ذات المصدر المائي الصديق للبيئة إليها، وتقليل مخاطر الفيضان الذي يهددها كل عام ، وتقليل نسبة تدفق الطمي الذي يسد منافذ السدود في السودان خاصة.
وهذا المشروع لن يتوقف عند حدود الإنتاج الكهربائي بل ستكون منطقته مركز نشاط استثنائي لاكتشاف خيرات المنطقة المعدنية مما سيعزز الحضور الأجنبي والمصالح الغربية الأمريكية والفرنسية والإسرائيلية والإيطالية والصينية في المنطقة وهو ما سيجعل المنطقة أكثر تعقيداً لاختلاط المصالح الإقليمية بالمصالح الدولية.    
وينبغي أن نؤكد أن هذا التهديد ليس هو الأول من إثيوبيا، بل سبقه تهديد تحذيري حظي بموافقة إقليمية من خلال اتفاقية عنتيبي أو الاتفاقية الإطارية التي وقعت عليها 6 دول من أصل إحدى عشرة هي دول حوض النيل (وهي إثيوبيا ورواندا وكينيا وتنزانيا وأوغندا وجنوب السودان وبوروندي ورواندا والكنغو الديمقراطية ومصر والسودان) لإعادة توزيع حصص مياه النيل، وهو ما رفضته دولتا المعبر والمصب مصر والسودان؛ وبناءً على هذه الاتفاقية شرعت إثيوبيا في بناء السد.
ومن الضروري أيضاً أن نفهم وجهة النظر الإثيوبية التي تتهم الدول العربية ولاسيما مصر في عهد مبارك بأنها تريد منها الكثير ولا تعطيها سوى القليل المتناقص فيما تتردّى أوضاع إثيوبيا الاقتصادية ويزداد عدد سكان إثيوبيا إلى نحو 88 مليون نسمة معظمهم تحت خط الفقر، في الوقت الذي تزداد فيه العروض الاستشارية الإسرائيلية ، وعروض الخدمات والتسويق الإسرائيلية ، وهي غير عروض التمويل ، فـ"إسرائيل" مجرد سمسار كبير في المنطقة، ولديها نفوذ يتطاول هناك في غياب الرؤية العربية المصرية.
ومن الضروري أيضاً أن نفهم وجهة النظر السودانية التي تحرص على الانسجام مع المصالح المصرية لأغراض استراتيجية أكبر في نظرها، وإن كانت تنظر بعين أخرى إلى مصالح حقيقية لها في التعاون مع جارتها الإثيوبية التي لها مصالح استراتيجية مع السودان بوصفها المنفذ البحري الوحيد لها، ومن الضروري الاستماع إلى تقديرات السودانيين وقراءاتهم ومحاولة التقارب مع مصالحهم ، فالسودانيون يحاولون إيجاد توازن صعب في العلاقات بين الجارين الكبيرين مصر وإثيوبيا.
ومن الضروري أيضاً أن نقترب من المعادلة الصومالية التي لها تأثير مباشر على إثيوبيا، وتعتبر واحدة من أكثر الملفات حساسية في الملف الأمني والعسكري نظراً لامتداد الصومال إلى عمق الشرق الإثيوبي ومطالبة الصوماليين بعودة هذه الأراضي إلى الحضن الصومالي حيث الأغلبية الصومالية والديانة الإسلامية، ومن شأن إسناد المطالب الصومالية أن يكون هناك مركز ضغط حقيقي على إثيوبيا ، وتزداد أهمية هذا الملف مع الاستكشافات الحديثة للغاز في منطقة الأوغادين المحاذية للصومال ذات الأغلبية المسلمية؛ ولكن هذا الأمر يحتاج إلى سياسات حاكمة حذرة نظراً لحساسية هذا الملف عند الإثيوبيين وإمكانية تحوله إلى تحدّ يغضب الإثيوبيين ، فالعقل الإفريقي انفعالي وسريع التأثر وغير محسوب العواقب في الغالب، ولاسيما مع وجود وصية قوية لرئيس الوزراء الإثيوبي القوي الراحل مليس زيناوي تلخص الشعور القومي الإثيوبي الذي تؤيده الدول الإفريقية الزنجية المحيطة: إذا أرادت مصر منعنا من الاستفادة من مياه النيل فلتقم باحتلال بلادنا !.  
والاقتراب من المعادلة الإثيوبية الإريترية التي تتسم بالعدوانية ضروري جداً للإشعار بأن ثمة بدائل أخرى للتعامل مع إثيوبيا إذا لم تنجح الدبلوماسية الهادئة، وتنبيه الإثيوبيين أن لها خصوماً كباراً في المنطقة، وليس من الحكمة استعداء قوى إقليمية يمكنها إثارة الخصومات وتأجيج المشكلات الساكنة .
ولا ينبغي لنا في غمرة الانشغال بالإجراء الإثيوبي أن نغفل عن أوغندا التي تدرس مشروعات للاستفادة من مياه بحيرة فكتوريا التي تزود النيل الأبيض أحد رافدي النيل العظيم  بنحو 13% من مياهه.
ومن المؤكد أن المدخل الدبلوماسي في التعامل مع الأزمة قد تراجعت فرصه كثيراً لأنه لم يكن مسنوداً بأوراق ضغط سلبية أو إيجابية مما أشعر الإثيوبيين بالراحة في اتخاذ قرارهم ، وإذا كانت الأوراق غير جاهزة للتعامل مع إثيوبيا الآن فمن الأوجب الآن أن يستكمل الدبلوماسيون عملهم في محاولة إقناع إثيوبيا بالتمهل في التنفيذ تحت مبرّر الحاجة إلى الاتفاق على السبيات والإيجابيات لتتمكن الدول المعنية من اتخاذ الإجراءات اللازمة للتعامل مع الإيجابي أو السلبي، وهذا يتطلب القيام بحملة سريعة لا مجال فيها للبطء أو التراخي، ولابد من إشراك دول ذات مصالح ثقيلة مع إثيوبيا في الضغط ولاسيما المملكة العربية السعودية، وإشراك منظمات دولية وخبراء في تأكيد الحاجة إلى هذا الاتفاق؛ ويمكن الاستفادة كثيراً من المنظمات البيئية التي ترى في المشروع تهديداً للبيئة الخاصة في المنطقة وإقامة بيئات جديدة لا تنسجم مع خصائص البيئة المتوطّنة هناك.
ومن القضايا التي ينبغي طرحها في المفاوضات قضية الملكية المشتركة للسد في المناطق الحدودية ، وأقصد بالملكية هنا ملكية المنفعة باعتبار هذا المشروع من المشروعات التي تمس جميع الدول المتأثرة ، وليس مشروع توزيع مياه النيل العابرة أو تخزينه ضمن الكميات المحددة في الاتفاقيات السابقة.
وأقترح على السياسة المصرية دراسة رؤية تعتمد إيجاد فضاء عربي إسلامي استراتيجي في المنطقة يؤسس لاستراتيجية تدخل إيجابي تنموي في المنطقة يحميها من التدخلات الدولية السالبة ، على قاعدة التعاون المشترك والوحدة المائية، وفتح نافذة في السياسة الصارمة بعدم التفاوض على الاتفاقية السابقة بعدما أثبتت التجربة عدم جدواها لعدم قدرة مصر على حماية هذه السياسة وتحصينها بسبب الانكفاء المصري الطويل عن إفريقيا وخسارة مواقع مصر السابقة لصالح دول متضاربة المصالح بالتوازي مع استراتيجية مصرية قوية لاستعادة النفوذ هناك لحماية ما تبقى لمصر وتحصينه من آثار الغياب ثانية.

 


 

2013-06-01 11:46:38 | 1539 قراءة

التعليقات

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية