التصنيفات » دراسات

حزب الله: دعوة للرواية




 
سيف دعنا

«أيحتاج دم بهذا الوضوح إلى معجم طبقي كي يفهمه؟»
مظفّر النوّاب

لم يعد الإعلام العربي يتحدث عن الكيان الصهيوني، كما يسمّيه السيد نصر الله (ففي خطاب السيد نصر الله، الذي يحاربه الإعلام العربي، لا يشكل شذّاذ الآفاق من المستوطنين الأوروبيين أمة، وليست دولتهم دولة _ أمة شرعية، بل هم حالة استعمارية مصيرها إلى زوال ككل استعمار سبقها) أو «إسرائيل»، كما يسمونها هم، مطلقاً تقريباً. مادة حديث الإعلام النفطي الأساسية هي حزب الله تقريباً.
في لحظة كتابة هذه السطور، مثلاً، يوجد أكثر من ستة مقالات في أقسام الرأي تهاجم حزب الله في جريدتي «الشرق الأوسط» و«الحياة» فقط (وهذا اليوم ليس إلا نموذجاً ليوم عادي). ليس الهدف هنا هو عرض مسح آخر للصحافة النفطية وهجومها حتى على فكرة المقاومة (وقد فعلت ذلك سابقاً هنا في «الأخبار» في 27 تموز 2012)، بل التعليق السريع فقط على تطورها وعلى كثافتها _ في الأشهر الخمسة الماضية فقط كتب طارق الحميد، رئيس تحرير الشرق الأوسط السابق 30 مقالاً إما عن حزب الله أو لها علاقة به (بمعدل ستة مقالات شهرياً)، فيما كتب عبد الرحمن الراشد، مدير قناة العربية الحالي ورئيس تحرير الشرق الأوسط السابق، خمسة عشر مقالاً (بمعدل ثلاثة مقالات شهرياً) حسب محرك البحث في الجريدة في الفترة نفسها، وهذا لا يشمل الطامحين الآخرين من الصغار. أما الحال في «الحياة»، فلا تختلف كثيراً. فثمانية من مقالات حازم صاغية العشرة الأخيرة (من 23 نيسان حتى 1 حزيران) هي عن حزب الله أو لها علاقة به (حتى إن عنواني اثنين منهما يتضمنان «نصر الله»، وعنوانين آخرين يتضمنان «حزب الله»، ومقالاً خامساً عنوانه «قيادة محور المقاومة»). وليعرف القارئ أكثر عن هذه الحملة، يكفي أن يعرف أن أغلب مقالات الثلاثة، السالفي الذكر، تركّزت في الشهر الأخير، وتحديداً في الأسبوع الأخير منه فقط.
الأسبوع الأخير من أيار نموذجاً
في الأسبوع الأخير من أيار، دخل الإعلام العربي النفطي الرسمي والمدعم بكل أذرعه مرحلة الجنون. الصحف والفضائيات والمدونات والفيسبوك والتويتر النفطية أعلنت حرباً عالمية شاملة على حزب الله شارك فيها هذه المرة، بالإضافة إلى الفضائيات وأصحاب ألقاب المفكرين والمثقفين والكتّاب والمذيعين ومعدّي البرامج والتقارير المعتادين (من العيار الثقيل)، كل من لديه لوح مفاتيح يستطيع عبره الدخول إلى العالم الافتراضي والإدلاء بدلوه في شؤون العالم والمنطقة والدنيا والآخرة. ظهرت إلى العلن نظريات جديدة وتحليلات عبقرية لم يسمع بها علم السياسة ولا علم الاجتماع من قبل. من عبد الرحمن الراشد وطارق الحميد إلى حازم صاغية وفيصل القاسم وماجد عبد الهادي وغيرهم الكثير من الذين يعتبرون الأسلحة الثقيلة في إعلام الغاز والنفط (ذكر الجميع قد يتطلب كل صفحات الجريدة). حتى ذلك التافه، وزير خارجية البحرين وجدها فرصة ليثبت أنه، وبعكس بعض أقرانه من الأمراء، يعرف الكتابة فغرّد مجعجعاً: «نصر الله إرهابي» (جاء في باب حرف الجيم في لسان العرب، الجزء 14: «وتجعجع البعير وغيره أي: ضرب بنفسه الأرض من وجع أصابه أو ضرب أثخنه»). المسرحجي فيصل القاسم بدوره أصابه الرعب من نتائج التصويت الأولى على سؤال حلقته الوقح: «هل تعتقد أن حزب الله أصبح عدواً في نظر غالبية العرب والمسلمين؟»، فغرّد طالباً العون ومعلناً أن التصويت يتعرض «لهجوم كاسح من جماعة حزب الله وأنصاره كي يغيروا النتيجة». على الفور، استجاب له الشيخ العريفي، صاحب فتوى «جهاد النكاح»، وأعاد نشر التغريدة، فيما بعض أتباعه المتحمسين عمدوا الى حثّ المؤمنين على التصويت حتى لا يُخَرِّب جماعة حزب الله الفصل الأول من مسرحية «الاتجاه المعاكس»، الذي يبدأ بسؤال عن نتيجة التصويت. (ربما يفسر هذا السرد لماذا كانت «السعودية أعلى الدول مشاركة في التصويت» بنصف الأصوات تقريباً (306.548 صوتاً من أصل 623.548 هو إجمالي الأصوات، كما جاء في خبر «الجزيرة نت»)، ورغم ذلك صَوَّتَ ثلث المشاركين تقريباً (%27.2) بلا على السؤال. ولا شك أن بعضهم أيضاً كان من السعودية، حيث هناك بلا شك مؤيدون كثر للمقاومة ومعارضون للنظام كذلك من أهلنا في السعودية). فصاحب فتوى «جهاد النكاح» هذا سلاح من العيار الثقيل، فلديه أكثر من خمسة ملايين متابع لآلاف التغريدات التي لا تخلو من التحليلات الفذة، كان من آخرها توقعه بأن تعمد إيران الى اغتيال نصر الله لدفن الأسرار (جاء في «لسان العرب»، الجزء 15، حرف الهاء: «وفي حديث أم حارثة بن سراقة: ويحك أو هبلت؟ هو بفتح الهاء وكسر الباء، وقد استعاره ههنا لفقد الميز والعقل»).
تحريفيّو النفط
كم مرة سمعتم أو قرأتم مثل هذه العبارة مؤخراً: «أنا ناصرت وأيّدت حزب الله في حرب 2006، ولكن تدخل الحزب في سوريا يدفعني إلى إعلان الطلاق معه»؟ هؤلاء يُعَيِّرون حزب الله بادعائهم تأييد المقاومة في حرب تموز لأنهم يظنون حقاً وفعلاً أنّ الوقوف إلى جانب الكيان الصهيوني في حروبه الفاشية على لبنان والعرب كان ولا يزال خياراً متاحاً لهم، لكنهم تمنّنوا علينا وفضّلوا على رؤوسنا بتأييد المقاومة ولولاهم ما انتصرت. طبعاً، لولا معرفتهم بالمزاج الشعبي حينها، والذي كان سيدوسهم بالأحذية، فلربما كانوا اصطفوا فعلاً مع الكيان الصهيوني علناً وهلّلوا لجنوده، كما رأينا في التهليل الوقح للاعتداء الصهيوني على دمشق مؤخراً. لكن هذه الموضة من الوساخة تقادمت الآن. الحرب العالمية التي يشنها الإعلام العربي والغربي على حزب الله تتطور باطّراد وتبدو منسقة جداً وممولة إلى حد التخمة وأكثر مما قد يعتقد القارئ الذي قد يعتمد مصدراً واحداً لأخباره فقط. فيندر أن يمر خطاب واحد للسيد حسن نصر الله، مثلاً، من دون أن تعمد الصحافة الغربية، والأميركية تحديداً، إلى تشويه محتواه وإعادة صياغته، بما فيها الخطاب الأخير كما فعلت «نيويورك تايمز»، وفي أحيان عديدة حتى اختلاق حديث لم يقله مطلقاً (انظر مدوّنة أسعد أبو خليل الذي يحسن متابعة وفضح تزوير الصحافة الأميركية). أما في الصحافة العربية، فهناك موضة جديدة سأسميها «التحريفيين الجدد».
هؤلاء التحريفيّون يتبنّون هذه الأيام فرضيّة عبقرية للغاية، مفادها أنّ الحزب لم يتغيّر كما يعتقد من توقف عن تأييده بعد 2006، بل إن العرب أساؤوا فهم ظاهرة حزب الله منذ البداية، وحين اكتشفوا حقيقته توقفوا عن تأييده. يزعم حازم صاغية، مثلاً، أن منتقدي حزب الله اليوم أساؤوا التقدير، لحسن النية كما يشير، حين ظنّوا أن حزب الله قاوم إسرائيل قبل أن ينتقل لاحقاً إلى سوريا («قراءة متأخرة لحروب حزب الله» الحياة، 25 أيار 2013). النظرية العبقرية الجديدة لصاغية تقول: حزب الله لم يقاتل إسرائيل أصلاً من أجل التحرير وحتى إنه، على العكس، «لم يكن مرتاحاً للتحرير». يعني «إسرائيل» خلقت أزمة لحزب الله بإعلانها الانسحاب وتظاهرها بالهزيمة لتكشفه على حقيقته (يحميك من العين على هالنظرية). في اليوم نفسه، يكتب عبد الرحمن الراشد في «الشرق الأوسط»، «حزب الله، كذبة الإعلام العربي» ليخبرنا: «الحقيقة أن حزب الله اليوم هو حزب الله الأمس، لكن ما تغيّر هم معظم العرب، الذين اكتشفوا الحقيقة متأخرين جداً». هل هناك من عبقرية في التحليل أكثر من هذه _ فهؤلاء لم يكتشفوا حقيقة حزب الله فقط، بل اكتشفوا أيضاً أن الـ 350 مليون عربي كانوا أيضاً أغبياء جداً، واستطاع الحزب خداعهم لأكثر من ثلاثين عاماً. كم سيحسدكم طارق الحميد على هذه النظرية العبقرية، فالمسكين يبدو متخلفاً، فكرياً، مقارنة بالتحريفيين. فأكثر ما استطاع كتابته بعد كلمة السيد في عيد التحرير كان مقال «هل يستدعي نصر الله الأسد الى الضاحية؟». ليؤكد أنه يكتب فقط، ولا يقرأ، من ضمن أشياء كثيرة، ما يقوله أقرانه (مثل ذاك الذي اضطر في «القدس العربي» من أجل التعليق على خطاب يوم المقاومة والتحرير الأخير إلى أن يعود ثلاثين عاماً ليثبت أن حزب الله أداة إيرانية). لكن للأمانة، الحميد يقرأ «واشنطن بوست» ويقتبسها كما فعل في مقاله عن «شيعة العراق» (28 أيار 2013) لأن المصدر الأفضل لمعرفتنا عن أخبار بلادنا هو صحافة السيد الأبيض! والحميد رغم ذلك، مثل صواريخ «إس 300» الروسية، يمكنه مهاجمة أهداف متعددة في مقال واحد، فهو أيضاً هاجم إسماعيل هنية في (30 أيار 2013) لأنه طالب مصر بإعادة النظر في «كامب ديفيد»، وشبّهه في سعيه ذاك بالسيد نصر الله، وكأن في ذلك ما يخجل لهنية أو لنصر الله.
الأهم، هل كانت صدفة بحتة أن يكتب صاغية (الذي عاد وعدل من نظريته في «نصر الله، الكلمات والمقاصد»، واستهزأ في الأول من حزيران بادعاء حزب الله وحماس للانتصار، ولم يترك لنا في عدم تفسيره لانسحاب الكيان من لبنان وغزة سوى الرواية الصهيونية) والراشد الفكرة نفسها في جريدتين مختلفتين في اليوم ذاته؟ وقبل أن يأخذ القارئ على كاتب هذه السطور اعتماده نظرية المؤامرة بسبب الفكرة الأخيرة، يحق السؤال: هل يوجد حقاً تفكير مؤامراتي، وغبيّ أيضاً كما يجدر القول أكثر من القول إن حزب الله الذي بلغت عدد عملياته قبل التحرير ضد الاحتلال الصهيوني الآلاف في بعض الأشهر، وقدّم أمينه العام ابنه البكر شهيداً في الخطوط الأمامية للمواجهة بأنه لم يكن يهدف إلى تحرير أرض الجنوب، بل أقلقه التحرير أيضاً؟ يعني، السيد نصر الله وآلاف الآباء والأمهات الأشراف قدموا أغلى ما عندهم (أبناؤهم وبناتهم وأنفسهم وبيوتهم وأموالهم) ليس لتحرير الأرض، بل ليخدعوا العباقرة الراشد وصاغية فقط (وهذه النظرية طبعاً غير نطرية صاغية السابقة التي ينكر فيها سايكس _ بيكو كلياً في «سايكس _ بيكو: خير إن شاء الله»).
الرواية كل شيء
إذا كان القارئ ممن استفزهم تأريخ أحمد منصور للانتفاضات العربية في «شاهد (ما شفش حاجة) على الثورة»، والتي استضاف فيها بعض الذين ينتمون إلى تيارات يَعْرف كل العرب أنها فاوضت النظام المصري، فيما كانت دماء أهل المحروسة تسيل في الشوارع وحَوَّلَهُم إلى أبطال الثورة الحقيقيين، فستستفزّه أكثر محاولته السخيفة الأخيرة في جريدة «الشروق» المصرية للنيل من عبد الناصر («التنظيم السري لجمال عبد الناصر داخل القضاء» 22 و23 أيار 2013 _ لمن يريد أن يعرف شيئاً عن القصة، انظر: محمد حسنين هيكل «لمصر لا لعبد الناصر» تحديداً «الحديث الرابع»، «حكايات المذابح»، ص: 49-64). كان كافياً، مثلاً، لحلقات الشاهد الإخواني هوشي منه صفوت حجازي العشر أن ينسفها كلها تحدّ واحد صغير للصحافي الشجاع عبد الحليم قنديل. قنديل تحدى حجازي بأن يثبت بدليل واحد فقط أنه (والإخوان) كان (وا) من أنصار الثورة على المخلوع مبارك قبل اندلاعها بيوم واحد فقط. لكن منصور بمقالاته الأخيرة لا يفعل أكثر من الانضمام إلى حملة تصدّرها العريان ومرسي (صاحب ما أدراك ما الستينيات الذي نسي أن الأرض التي تملكها عائلته جاءت بفضل برنامج الإصلاح الزراعي الناصري)، لكنه أثبت أنه يجهل تماماً الفرق بين الدعاية الصحافية والاستقصاء والتأريخ _ أن تُخضع جميع البراهين لإثبات مقولات إيديولوجية وقناعات مسبقة ورغبات غريزية ليس تأريخاً _ هذه دعاية تنطلي على الأغبياء الذين لا يميّزون بين سرد النوادر والتأريخ وعلى المؤدلجين الجاهزين للتصفيق لأي خزعبلات ولا يقع فيها حتى طالب مبتدئ في مناهج البحث في أي تخصص _ سأعود لعبد الناصر مرة أخرى قريباً جداً.
بعد كل ما حصل، هل يمكن لأي أورويلية أو كوميديا من كل الأنواع أن تحيط بالسخرية المتمثلة بحديث الجماعة عن الثورة المضادة واتهامهم من يعارض حكم المرشد بها، وأيضاً هجومهم على عبد الناصر، فيما هم غارقون في تبيّن واستكشاف عبقرية أدبيات بنك الاستعمار الدولي عن القروض والخصخصة والهيكلة. لكن هدف هذه المحاولة الثاني ليس الرد على تحريفية الراشد أو صاغية، ولا تفكيك سردية أحمد منصور، لأن هذا يبدو غير مفيد في سياق الصراع السياسي الراهن الذي تستخدم فيه كل الأسلحة، وليس الحوار أو الإقناع أحدها. كيف يمكن أن تحاور من ينكر سايكس _ بيكو ويظن أن الكيان الصهيوني خرج من لبنان وغزة منتصراً؟
بل، إنها دعوة للرواية _ دعوة لحزب الله أن يسرد قصته بلسانه وأن يرفع صوته وأن لا يترك لهؤلاء كتابة تاريخه وتاريخ المرحلة والمنطقة، وأيضاً دعوة لغير المنتفعين وغير المأجورين والأشراف والمستقلين من المثقفين العرب للعمل على كسر احتكار السردية من قبل إعلام البترول. لم يعد هناك مجال للسكوت ولا للحياد، فالنفطيون أعلنوها حرباً شاملة على المقاومة وعلى عقول الناس وعلينا جميعاً، وأعلنوا تحالفاً استراتيجياً مع العدو الصهيوني (هل قرأتم عن الممثلية الدبلوماسية الثالثة في الخليج؟ اعْرِفْ من الدول العربية التي تعترف بالكيان الصهيوني سراً وعلانية فقط وستعرف سبب الهجوم على حزب الله). حتى الحياد السلبي الآن يبدو شراكة في الهجوم على المقاومة، أشرف ظاهرة عرفها التاريخ العربي المعاصر على الإطلاق.
في سياق هذه الحرب الشاملة، لا داعي للقول بأهمية ومركزية القوة العسكرية والتنظيم. لكن هناك ضرورة للتذكير بأنّ ذلك وحده قطعاً لا يكفي. ومن دروس تجربة الحملة الشرسة على إرث عبد الناصر وشخصه، بعد رحيله بأكثر من أربعين عاماً، سيكون كابوساً أن نتخيّل أن يعود بعض المؤرخين في المستقبل حتى إلى بعض هذه المصادر لكتابة تاريخ الحزب الذي قدم آلاف الشهداء من أجل تحرير الأراضي العربية. تاريخ الانتفاضات العربية أيضاً يُحَذِّرُنا. فمن كَتَبَ تاريخها منذ اليوم الأول وهيمن على سرديتها امتطاها وأعاد توجيهها إلى ما هي عليه الآن (هل تذكرون نظريات الفيسبوك، لا عنف جين شارب الديموقراطي، الربيع النيوليبرالي، والديموقراطية الليبرالية أو الرأسمالية البرلمانية _ كل ما يحتاج إليه القارئ هو مراجعة عيّنة من الصحافة والتصريحات الغربية الرسمية في مرحلة بداية الانتفاضات العربية ليرى كيف فرضوا علينا توصيف انتفاضات شعوبنا، وساعدهم في ذلك طبعاً منظّرون ليبراليون عرب استبدلوا العدالة الاجتماعية بصندوق الاقتراع وصندوق النقد الدولي).
عن المذهبية مرة أخرى
لا تحتاج إلى أن تكون عبقرياً لتدرك أن الانقسام العربي على مأساة سوريا هو انقسام سياسي وعابر للمذاهب بامتياز، ولا يخدعنّ أحد احتفاء «الجزيرة» و«العربية» و«الشرق الأوسط» وغيرهم بما يظنون أنه استعراض «للمعارضة الشيعية لحزب الله»، فهذه ليست سوى جزء من الدعاية والتحريض المذهبي المضاد للمقاومة (وبعد التدقيق وللتأكد حتى لا نقع في الخطأ، كان اسماعيل هنية حتى لحظة كتابة هذه المحاولة لا يزال سنياً، ولكن ذلك لم يشفع له عند طارق الحميد حين طالب مصر بإعادة النظر في معاهدة «كامب ديفيد». «إسرائيلكم» إذاً هي السبب وراء الهجوم على المقاومة، أليس كذلك؟). لكن، ما معنى أن تستضيف «الجزيرة»، مثلاً، شخصيات شيعية فقهية للحديث عن سياسة حزب الله سوى أن نظرتها هي (الجزيرة) لحزب الله مذهبية بامتياز، هذا إذا استثنينا وظيفتها السياسية الأساسية. لماذا لا يُترك التعليق على سياسات قوة إقليمية مثل حزب الله لخبراء السياسة بدل الفقهاء، الذين لا يمكن أن يكونوا الممثلين السياسيين لمذهب أفراده، مثل كل المذاهب غير متجانسين سياسياً _ حزب الله ادّعى المقاومة، نعم، وهو قاوم وحرر ودعم المقاومة الفلسطينية (لم ولن ننسى اسم سامي شهاب، وشكراً دائماً). لكنه لم يَدَّعِ يوماً احتكار تمثيل الإسلام أو حتى الشيعة (تخيّلوا، مثلاً، لو عمدت قناة «العربية» إلى استئجار فقهاء سنّة وتوظيفهم ضد حماس أثناء انخراطها في المقاومة؟ هل كان ذلك سينطلي على أحد؟ طبعاً شكّك البعض حينها بسنّيتها لقبولها دعم إيران، ولكن مقاومتها كانت السبب). لكن لو كان القارئ محايداً فعلاً، وسواء اتفق أو اختلف مع حزب الله في مأساة سوريا، فهل له أن لا يرى أن الخطاب الوحيد تقريباً الذي سمعناه مؤخراً من زعيم أو قائد مؤثر وكان حديثاً عقلانياً خالصاً في السياسة هو خطاب السيد نصر الله الأخير. فالسيد تحدث كما يتحدث دوماً عن قوى سياسية محلية وإقليمية وعالمية، عن أجندات سياسية متعارضة، عن ترتيب إقليمي ومنظومات وتحالفات سياسية. السيد هو الوحيد الذي يحترم عقل مستمعيه ولا يدخل في خزعبلات وخرافات الطوائف والمذاهب ويتحدث سياسة وفي السياسة فقط _ من يستخدم المذهبية هو الذي يريد إخراجنا من السياسة. إذاً، ما معنى أن يستضيف برنامج القرضاوي عن الشريعة والحياة فقيه شيعي ليحلل سياسة حزب الله سوى أنهم يبحثون عن مرجع شيعي يتبرأ من حزب الله وسياساته باسم الشيعة (ربما لهذا السبب كتب الراشد يمدح بعضهم في «مواقف شيعية شجاعة ضد نصر الله، «الشرق الأوسط، 28 أيار 2013، وتبعه متحمسون وطامحون آخرون في «الشرق الأوسط» أيضاً). لماذا يصرّون على النظر لحزب الله والمقاومة من الزاوية المذهبية فقط؟ وماذا عن السنّة وغير الشيعة، وهم كثر، المؤيدون لحزب الله؟ ألا يعني هذا أنهم يبحثون عمّن يتبرأ من الحزب شيعياً بعدما كفّروه باسم السنّة المغلوب على أمرهم (قلة قليلة عالية الصوت وحسنة التمويل من السنّة تحتكر الحديث باسمهم وتُرعب الكثيرين منهم وتكفّر من تشاء من كل من يعارضها حتى من السنّة. نعم، هناك من السنّة، وهم كُثر، ما يقلقه ويرعبه التكفيريون أكثر من غيرهم). لكن كيف نفهم الهجوم على عبد الناصر أيضاً _ آخر المشاركين في الجوقة كان القرضاوي في كلمته أو خطابه الذي كفّر فيه كل العلويين («النصيريون أكفر من اليهود» قال حسب ما نشرت «القدس العربي» في الأول من حزيران) واعتبر أنه أخطأ في رؤيته لحزب الله وأن شيوخ السعودية كانوا على حق. القرضاوي جمع العلويين، حزب الله، وعبد الناصر في كلمة واحدة. طبعاً سيغضب سماحته لو اتهمه أحد بالتكفير لأنه كفّر طائفة كاملة، فيبدو أن مستوى الاتهام بالتكفير بمقاييسه يجب أن يشمل أكثر من ثلاث طوائف على الأقل. (لكم أرغب بالكتابة عن فقيه السلطان المزيف أحمد بن سهل الأشناني، قاضي محكمة الحلاج، لكن المساحة لا تسمح هذه المرة).
خاتمة: حَدِّثْهُمْ يا صلاح
في اليوم التاسع والعشرين من أيار 2013، أعلنت «الجزيرة نت» من على صفحتها الإلكترونية حزب الله «عدواً للعرب والمسلمين». فعلها زُلُمْ المنتصر بن المتوكل الجديد (هل تعرفون كيف قتل المنتصر أباه من أجل الحكم، وقوّض بذلك الحكم العباسي (والعربي) كله؟ «باغته المسلحون وهم أنفسهم من أفراد القصر في حجرته وخبطوه بسيوفهم جهاراً. وكان واضحاً أن الابن يقف وراء المؤامرة، وهو ما جاهر به البحتري في مرثيته لوليّ نعمته: «أكان وليّ العهد أضمر غدرة»؟. انظر هادي العلوي: «الاغتيال السياسي في الإسلام»). لكن هذه هي الموضوعية والمهنية الإعلامية للجزيرة: يطلب القاسم المعونة لتغيير نتائج التصويت عبر التحشيد المذهبي وتكتيكات التخويف ليستنفر كل ذي همة مذهبية، ثم يسأل بكل وقاحة: كيف نفسر نتائج التصويت (بسيطة: عيّنتك غير العشوائية وغير الممثلة للعرب لا تشمل عشرات الملايين من الذين ليس لديهم خدمة إنترنت منهم، والسعودية حيث شن أصحابك حملة مذهبية لدعم التصويت فيها أعلى نسبة استخدام للإنترنت في الوطن العربي، وكثيرون ممن عندهم انترنت توقفوا عن قراءة صفحة الجزيرة، إذا كنت تتابع الاستطلاعات الحقيقية، أو هم يعرفون الفرق بين الإعلام والمسرح ولا يشاركون في مهزلة كهذه). «الجزيرة» بدورها تعتمد نتائج التصويت المهزلة وتعلنها على صفحتها ليومين متتاليين وكأنها صادرة عن أهم مراكز الأبحاث في العالم. هل تتخيلون نتائج التصويت الحقيقي على موقف العرب من دور حكام قطر الحالي؟ ليجرب القاسم ذلك إن كان شجاعاً وسيرى.
لكن، لم تَرْوِ المقاومة الإسلامية قصتها بعد، وربما عليها أن تفعل. فما كنا لنعرف عن الشهيد حسين أيوب، مثلاً، لولا طائرته التي حلقت في سماء فلسطين، ولا يعلم إلا الله والمقاومة كم من حسين أيوب لا نعرف. لكن الشواهد كثيرة. في الطريق من بيروت إلى متحف المقاومة في مليتا سيمر الزائر بالكثير من المعالم، وسيمر بنصب صغير جميل للاستشهادي صلاح غندور (ملاك) في صف الهوا بالقرب من بنت جبيل. قفوا على نصب صلاح ليحدثكم قليلاً عن هذه المقاومة وعن 1276 شهيداً آخر من حزب الله سقطوا حتى عام 2000 فقط في المواجهة مع الكيان الصهيوني وغيرونا وغيروا الكيان، وغيروا وجه المنطقة (انظر كلمة السيد نصر الله في وداع غندور – «حدثهم يا صلاح عن القلوب الوالهة»).
ربما يستطيع شيوخ محميات النفط شراء ما يريدون من إعلام وإعلاميين وكتاب ومفكرين وفقهاء، لكن كل بترول الأرض لن يستطيع شراء الكرامة والبطولة والشرف المجبولة بالدم في حجر صغير من حجار مليتا. هناك فقط وفي حضرة البطولة تشعر كم هي صغيرة هذه الدنيا وكم هي صغيرة ممالك ومشيخات النفط وكم هي عظيمة هذه المقاومة. وهناك ستعرف شيئاً من قصة المقاومة وبطولاتها، ويمكنك بعدها أن تقف في نهاية جولتك تحت العلم الأصفر لتسمع أصوات الشهداء تصرخ في وجه كل متآمر: «كد كيدك واسع سعيك وناصب جهدك فوالله لا تمحو ذكرنا ولا يسقط عنك عار ما فعلت». المقاومة هي الحل.(الأخبار- 12-6-2013)
* كاتب عربي


2013-06-12 10:00:14 | 1188 قراءة

التعليقات

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية