التصنيفات » دراسات

نفقات الأمن والتحديات الاجتماعية في اسرائيل*


بقلم: شموئيل إيفن

 قوّى الاحتجاج الاجتماعي من جهة وتحديات الأمن من جهة اخرى الجدل في اسرائيل في ترتيب الأولويات الوطنية بين النفقات على الرفاه الاجتماعي والنفقات الامنية. يقول مؤيدو نقل موارد من الامن الى الرفاه ان "الأخطار الاجتماعية في الوقت الذي نحن فيه لا تقل عن الأخطار الامنية ويطلبون تغيير تأكيد ميزانية الدولة النسبية لهما". ويقوم في مقابل ذلك من يقولون ان الميزانية الامنية أقل من الحاجة بقدر كبير.
 ويثير هذا الاختلاف اسئلة مثل: كيف يعبر عن ترتيب الأولويات الوطنية تخصيص الموارد بين القطاع الامني والقطاع المدني؟ وكيف يتقرر ذلك؟ وما هو مجال المداورة في مسألة نقل موارد من القطاع الامني الى القطاع المدني؟.
 تعرض هذه المقالة تحليلا لترتيب الأولويات الوطنية الظاهر (بالفعل) في تقسيم الموارد القومية بين القطاع الامني والقطاع المدني (العام والخاص)، وذلك بحسب مفاهيم ومعطيات الحسابات القومية المشهورة التي يقوم بها المكتب المركزي للاحصاء. وتقول المعطيات ان القطاع المدني يستمد اليوم نحو 94 في المائة من الموارد ("الموارد الاقتصادية") في الجهاز الاقتصادي في حين يُفرد للامن 6 في المائة تقريبا ("عبء الأمن"). إن عبء الأمن وبرغم ان الحديث عن معطى مرتفع جدا قياسا بدول اخرى منخفض اليوم على نحو لم يكن عليه في اسرائيل منذ نشأت الدولة. إن هذا الوضع الذي هو جزء من توجه بعيد الأمد وهو زيادة الاستهلاك المدني وخفض الاستهلاك الامني، يعبر عن تغيير جوهري في ترتيب الأولويات الوطنية الظاهر.
 إن طريقة اجراء النقاش في المستوى الوطني في ترتيب الأولويات هذا يبدو مثل "شد حبل" بين ممثلي المالية الذين يريدون الاقتطاع من ميزانية الامن، وبين ممثلي جهاز الامن الذين يريدون زيادتها. ففي تباحث تم مثلا في الحكومة في آب 2012 في ميزانية الامن لسنة 2013 وقف الفرق بين الطرفين على 11.5 مليار شيكل وامتنعت الحكومة عن بت قرار. ويُثبت هذا السلوك ضرورة وجود عمل مقر عمل اعدادي قبل عرض ميزانية الدولة للنقاش والموافقة عليها في الحكومة.
 إن النقاش العاصف في ميزانية الامن الذي يتكرر على الدوام كل سنة يصرف احيانا الانتباه عن أمور ثقيلة اخرى تتعلق بالجدوى الاقتصادية من استغلال الموارد القومية في القطاع المدني الكبير مثل تحسين جدوى النفقة في مجالي التربية والصحة، وتطوير مراكز مدنية جديدة في اسرائيل تفضي الى خفض اسعار السكن، والانفاق على محركات نجاح للمستقبل وغير ذلك. ومعلوم ان كل ذلك لا يفترض ان يأتي في مكان رقابة وثيقة على نفقات الامن تفحص عن جدوى النفقة وعن مبلغ اسهام النفقات والانتاجات الامنية المختلفة في حاصل الأمن وعن الثمن البديل للنفقات الامنية بمعاني الحاجات الاجتماعية والأخطار الاقتصادية.
 سلة الاستعمالات القومية
 على حسب معطيات الحسابات القومية التي ينشرها المكتب المركزي للاحصاء تشتمل سلة الاستعمالات (نحو من 875 مليار شيكل لسنة 2011) على ثلاثة استعمالات وهي: الاستهلاك العام والاستهلاك الخاص والاستثمارات. وتساوي هذه حاصل المصادر الاقتصادية ("الموارد") التي يملكها الجهاز الاقتصادي.
 النفقة على الاستهلاك العام تشمل استهلاك القطاع الحكومي: الحكومة ومؤسسة التأمين الوطني والسلطات المحلية والمؤسسات القومية ومؤسسات بغير قصد الربح تمول الجهات التي ذكرت آنفا معظم نفقاتها، ويمكن ان يُقسم الاستهلاك العام الى نوعين رئيسين: أ- استهلاك فردي يقدمه القطاع الحكومي – وهي نفقات مخصصة لتقديم خدمات يستهلكها كل فرد في المجتمع بصورة مستقلة وعلى نحو شخصي كخدمات التربية والصحة والثقافة؛ وب- استهلاك جماعي للحكومة – نفقات لاستهلاك أمني ونظام عام وادارة وبحث وتطوير وحماية البيئة، أي أنها منتوجات عامة تخدم كل سكان الدولة بصورة جماعية. ونقول من اجل التمثيل انه في سنة 2011 وقف الاستهلاك العام على 207.7 مليار شيكل منها 106.6 مليار شيكل استهلاك فردي و101.1 مليار شيكل استهلاك جماعي.
 والفرق بين نوعي النفقة هو ان الحكومة تستطيع فيما يتعلق بالاستهلاك الفردي كخدمات التربية والصحة ان تقرر بأي قدر يزود الجهاز العام بها: هل بمستوى عال يوجب جباية ضرائب عميقة ("دولة رفاه")، أم بمستوى أساسي مع تمكين السكان من الحصول على خدمات محسنة في نطاق الاستهلاك الخاص كشراء الخدمات الصحية وخدمات التربية المتممة في السوق الحرة (توجه رأسمالي)، وفي مقابل ذلك وفيما يتعلق بالاستهلاك الجماعي ولا سيما الاستهلاك الامني فان هذا البديل غير ممكن لأن الحكومة هي الوحيدة التي تستطيع والتي يحق لها ان تنشيء جيشا بحسب القانون.
 نفقة الاستهلاك الخاص وتُعرف بأنها حاصل نفقات أرباب البيوت على خدمات ومنتوجات منتهية باستثناء البناء السكني. وقد وقف الاستهلاك الخاص في سنة 2011 على 506.5 مليار شيكل.
 والاستثمار هو نفقة عامة مدنية وخاصة على بنى تحتية ووسائل انتاج ترمي الى التمكين من زيادة الانتاج في المستقبل. في سنة 2011 وقفت النفقة في الجهاز الاقتصادي الاسرائيلي على 161.4 مليار شيكل. والاستثمارات في القطاع الامني مشمولة في الاستهلاك الامني.
 تقسيم الموارد بين الاستهلاك الامني والاستهلاك المدني والاستثمارات
 إن تنظيما آخر لسلة الاستعمالات، بحسب معطيات الحسابات القومية، يُفرق بين الاستهلاك المدني والاستهلاك الامني والاستثمارات للمستقبل التي تساوي هي ايضا بالطبع المصادر الاقتصادية التي يملكها الجهاز الاقتصادي.
 نفقة الاستهلاك الامني وهي جزء من الاستهلاك العام وتعبر عن حاصل النفقات المباشرة من الدولة على الأمن. يوجد في النفقة على الاستهلاك الامني تفريق بين استهلاك امني محلي (بالشواقل) وبين استيراد امني يُنفق عليه كله تقريبا من اموال المساعدة الامريكية ولهذا فهو ليس عبئا على الاقتصاد الاسرائيلي. وتوجد علاقة طردية بين زيادة الاستهلاك الامني وزيادة التهديدات الامنية الخارجية (جيوش اجنبية ومنظمات سرية وما أشبه)، لكن الاستهلاك الامني يميل الى الازدياد ايضا مع زيادة المصادر الاقتصادية. وتظهر هذه الصلة ايضا في مخطط تقرير لجنة بروديت لسنة 2007 الذي قضى بأن يزيد الاستهلاك الامني بنسبة 1.3 في المائة كل سنة بفرض ان نمو الاقتصاد سيكون نحوا من 4 في المائة كل سنة.
 وقفت نفقة الاستهلاك الامني في سنة 2011 على 53.7 مليار شيكل تبلغ نحوا من 26 في المائة من الاستهلاك العام ونحوا من 6.5 في المائة من الانتاج العام (832.8 مليار شيكل في 2011). ووقف الاستهلاك الامني المحلي (دون مشتريات ينفق عليها من اموال المساعدة الامريكية) على 45.3 مليار شيكل تبلغ نحوا من 22 في المائة من الاستهلاك العام ونحوا من 5.4 في المائة من الانتاج العام.
 نفقة الاستهلاك المدني وهي حاصل الاستهلاك الخاص والاستهلاك العام المدني. وعلى نحو عام يفضي الانخفاض الحقيقي للاستهلاك المدني للفرد الى انخفاض مستوى العيش وزيادة الأخطار على الاستقرار الداخلي. وتكون هذه الظاهرة مصحوبة بانخفاض الدخل الحقيقي وزيادة البطالة وزيادة الضرائب وارتفاع الاسعار وانخفاض مستوى الخدمات وغير ذلك، أو نابعة منها. وفي مقابل ذلك كلما زاد الاستهلاك المدني للفرد بصورة حقيقية يفترض ان يرتفع مستوى العيش ومعه رضى السكان عن القيادة وعن الاستقرار الداخلي. لكن هذه الصلة غير موجودة بالضرورة لأن زيادة الفروق في الدخل بين طبقات السكان وزيادة الفروق في توقعات الرفاه، قد تُحدث شعورا عاما بالمرارة حتى حينما يزيد الاستهلاك المدني في الحاصل العام.
 وقف الاستهلاك المدني في اسرائيل في 2011 على 660.7 مليار شيكل، كانت النفقة الخاصة منها 506.5 مليار شيكل وكانت النفقة العامة المدنية 154.2 مليار شيكل. وتستطيع ان تغير الدولة صورة ترتيب الاستهلاك المدني بزيادة الاستهلاك العام المدني مثلا على حساب الاستهلاك الخاص المدني (بزيادة الضرائب وزيادة مواد الميزانية المدنية)، أو تغيير توزيع الاستهلاك الخاص بين طبقات السكان (بخفض الضريبة التنازلية مثلا ورفع الضريبة التصاعدية)، وذلك من غير تغيير النفقات في ميزانية الدولة، أي انه توجد مسارات واسعة لتحسين الرفاه في اسرائيل لا تقتضي الاقتطاع من الميزانية الامنية.
 إن مقارنة مواد الاستهلاك المدني بمواد الاستهلاك الامني الوطني في سنة 2011 تُبين ان الاستهلاك الوطني للتربية وقف على 73.4 مليار شيكل (8.4 في المائة من الانتاج العام)، وأن الاستهلاك الوطني للصحة وقف على 67.4 مليار شيكل (7.7 في المائة من الانتاج العام)، وهذه النفقات أكبر من الاستهلاك الوطني الامني ويُحتاج فيها الى زيادة نجوع بقدر لا يقل عن القطاع الامني.
 إن تحليل الاستعمالات القومية يعرض اذا على نحو واضح ترتيب الأولويات الوطنية أكثر من فعل ميزانية الدولة العامة لذلك وهي التي لا تشتمل على نفقات كثيرة لا تتحملها الحكومة بصورة كاملة بل تُحملها للمواطن بطرق اخرى وهي لذلك مشمولة في الاستهلاك الخاص.
 إن تحدي الحكومة هو ان تُقسم على أفضل نحو حاصل المصادر الاقتصادية في الدولة (875 مليار شيكل في 2011) بين الاستهلاك المدني والاستهلاك الامني والاستثمارات كي تبلغ بالفائدة للدولة في الأمد البعيد أقصاها. ولما كانت هذه الاستعمالات تمنح الدولة فوائد مختلفة في فترات مختلفة فان التقسيم الأمثل يفترض ان يعطي حلا متزامنا لمعضلتين:
1- المعضلة الاولى هي – كيف يُقسم حاصل المصادر الاقتصادية بين الحاجات الجارية في الحاضر وبين حاجات الدولة في المستقبل. أي كيف يُقسم حاصل المصادر الاقتصادية بين الاستهلاك الجاري (الاستهلاك المدني والامني) وبين الاستثمارات (الاستهلاك في المستقبل). وبت الامر في هذه المعضلة قد يدل على تصور الدولة للمستقبل لأنه كلما كان المستقبل يوجهها عملت على زيادة الاستثمارات، وكلما كانت مغروسة في مشكلات الحاضر – الامنية أو الاجتماعية – زادت نسبة الاستهلاك الجاري على حساب الاستثمارات.
2-  المعضلة الثانية وهي كيف تُقسم الموارد المخصصة للاستهلاك الجاري بين الاستهلاك الامني والاستهلاك المدني من اجل المعادلة بين الحاجات الامنية الموجهة نحو الأخطار من الخارج وبين الحاجات الاجتماعية الاقتصادية الموجهة نحو الداخل والمتعلقة باستقرار المجتمع والجهاز الاقتصادي.
سنرى فيما يلي كيف "حلّت" حكومات اسرائيل هاتين المعضلتين، أي كيف قُسمت المصادر الاقتصادية القومية بين الاستعمالات في الجهاز الاقتصادي على مر السنين.
جانب نوعي
 إن الازمة الاقتصادية التي أصابت العالم الغربي منذ 2008 جاءت معها تساؤلات عن صورة النظام الاقتصادي الاجتماعي الذي يحسن ان تستعمله الدول الديمقراطية على المصفوفة بين الرأسمالية الشديدة الوطأة والاشتراكية الساذجة. فمن جهة أثبتت الازمة في الولايات المتحدة النتائج المرة للتوجه الرأسمالي. ومن جهة ثانية أثبتت الازمة الاقتصادية في اوروبا التي تعبر عنها صعوبة قضاء ديون وبطالة ثقيلة في دول مثل اليونان واسبانيا وايطاليا فشل دول في تصريف اقتصاداتها دون حرص على معايير اقتصادية متشددة.
 إن الواقع الاقتصادي العالمي في السنوات الاخيرة يزيد في الحيرة: فهل التوجه الرأسمالي هو الذي يلائم احترام حرية الفرد في السيطرة على ملكه وساعات عمله وثروته وتحقيق قدراته حتى النهاية من اجل مصالحه، أو ان الحديث عن توجه يطبق على العالم مفاهيم غائية لربح وخسارة ماليين ويزيد عدم المساواة الاجتماعية وقد يُفرغ الدولة من أعمالها الاجتماعية. وفي مقابل ذلك هل التوجه الاشتراكي هو الملائم لأنه يؤيد المساواة الاجتماعية ويهتم بالضعفاء ومن لا حظ لهم، أو ان الحديث عن طريقة تضر بحقوق وبواعث أصحاب المواهب والنشطاء في المجتمع وتشجع البطالة لأن الفائدة من العمل تقل كلما ارتفعت الضرائب واتسعت خدمات الرفاه والتحويلات من طرف واحد من الحكومة الى الطبقات الضعيفة.
 إن التوجهات المختلفة في الغرب في المجال الاقتصادي الاجتماعي لا تختلف جوهريا في نظرتها الى نفقات الأمن باعتبارها عبئا اقتصاديا على الاقتصاد توجبه الضرورات الامنية والسياسة الخارجية لدول مختلفة. وعلى ذلك فان الاقتطاع من النفقات الامنية في جهاز اقتصادي ناجع يفترض ان يحسن بالضرورة وضع القطاع المدني كما يُبين منحنى العوض سواء أوجهت تلك الموارد الى رفاه المجموع أم خُصصت في الأساس لتطوير القطاع الخاص. وفي الحالة الاسرائيلية على الأقل توجد علاقات وثيقة بين القطاع الامني والقطاع المدني تقلل من الجدوى الاقتصادية والاجتماعية التي قد تنبع من اقتطاع عميق من النفقات الامنية. والى ذلك تواجه اسرائيل تهديدات أمنية كبيرة نسبيا قياسا بدول اخرى بحيث إن اقتطاعا كبيرا من نفقاتها الامنية قد يكون قرارا مصيريا. وهذان الأمران يجعلان من الصعب جدا استنتاج استنتاجات مقارنة بين عبء الأمن الثقيل في اسرائيل ودول اخرى ومسألة الاقلال منه.
 في وضع اسرائيل الامني قد تكون النفقات الامنية ايضا ذات عائد اقتصادي عال لأنها تمنع أضرارا اقتصادية وتكاليف عدم أمن هي نتائج الخسائر التي يسببها عدم الأمن للاقتصاد أو أضرار أمنية كان يمكن منعها أو مضاءلتها بتقوية الجهاز الامني. ومن الامثلة على ذلك: أ- النفقة الكبيرة على تطوير منظومة القبة الحديدية لاعتراض الصواريخ قللت جدا الخسائر من الأرواح والممتلكات ومكّنت الجهاز الاقتصادي من تأدية عمله تحت النار في فترة عملية "عمود السحاب" (تشرين الثاني 2012) بل يبدو أنها منعت الى الآن الحاجة الى عملية برية خطرة باهظة الكلفة. والى ذلك قد تكون المنظومة كنزا اقتصاديا وسياسيا باعتبارها تصديرا أمنيا. ب- النفقة على جدار الأمن على الحدود مع مصر "تتضاءل جدا بازاء الفائدة للجهاز الاقتصادي بمنع دخول متسللين الى اسرائيل. ج- إن عملية "السور الواقي" في آذار – ايار 2002 التي أفضت الى وقف الانتفاضة الثانية وارهاب المنتحرين أعادت الحياة المعتادة والنمو الى الاقتصاد الاسرائيلي.
 ويوجد للنفقات الامنية الى ذلك فوائد اقتصادية غير مباشرة لأنه يوجد للجيش الاسرائيلي الى جانب الاسهام الأمني منتوجات غير مباشرة تسهم في الاقتصاد والمجتمع يمكن ان نعد منها انه مصدر عيش لعمال ذوي خبرة ولمديرين ومبادرين في الجهاز الاقتصادي (ولا سيما في فرعي التقنية والاتصالات)؛ واسهام في التطوير التقني واسهام في الصناعات الامنية وغير ذلك. والجيش الاسرائيلي من نواحي كثيرة هو مدرسة ومركز اعداد ذو قيمة كبيرة للقطاع المدني.
 ويمكن ان نجد في الصعيد الاجتماعي علاقات متبادلة وثيقة بين الجيش والمجتمع في اسرائيل في مجالات الاندماج الاجتماعي ودعم أطراف المدن. فالجيش الاسرائيلي قاعدة تحتية للاندماج والريادة الاجتماعية ومنح تساوي في الفرص للطبقة الوسطى والطبقة الدنيا. وهو يُمكّن السكان من جميع أطراف البلاد من اكتساب معلومات فنية وعادات عمل وصفات قيادة وتميز وما أشبه. ويُمكّن الجيش المستمرين في الخدمة العسكرية من مسار تقدم مع أفق طويل وأجرة عالية نسبيا وغير ذلك وبهذا يخرق موانع اجتماعية تنبع من بُعد الأطراف عن المركز وموانع دخول دراسة رسمية في بدء طريقها. وفيما يتعلق بالفائدة للأطراف تستعد قوات الجيش الاسرائيلي في الأساس في مناطق الأطراف وتُقدم العمل للعسكريين الدائمين والعمال والمقاولين من الطبقة الوسطى. والى ذلك تكون بلدات الأطراف القريبة من الحدود معرضة لأخطار أمنية أكثر من مركز البلاد ولذلك تكون قدرتها على تصريف حياة اجتماعية واقتصاد سليم وعلى التطور أكثر تعلقا من بلدات اخرى بقدرات الجيش الاسرائيلي وموارده. وعلى ذلك فان الاقتطاع من النفقات الامنية قد يضر بها ضررا خاصا من جهة أمنية واقتصادية واجتماعية.
 يُبين ما ذكرناه آنفا ان استقرار الرأي على نقل موارد من الأمن الى حاجات اجتماعية ينبغي ان يأخذ في حسابه ايضا الضرر الاجتماعي الاقتصادي الذي ينبع من الاقتطاع من النفقات الامنية، أي انه ينبغي ان يؤخذ في الحسبان ايضا ذيول توابع هذا الاجراء لا اسهام الموارد التي اقتطعت من الأمن من اجل القطاع المدني.

 عدم وجود حوار يتعلق بالميزانية الأمنية
 على أثر الاحتجاج الاجتماعي في اسرائيل في 2011 انشأ رئيس الوزراء "لجنة التغيير الاقتصادي الاجتماعي" برئاسة البروفيسور مناويل تريختنبرغ والتي عُد بين اعضائها مسؤولون كبار في المجالين الاقتصادي والاجتماعي في اسرائيل. وأوصت اللجنة بافراد نفقات تبلغ 30 مليار شيكل توزع على السنوات الخمس القريبة لاستعمالات مدنية في مقدمتها التربية والرفاه وذلك في الأساس على حساب الاقتطاع من الميزانية الأمنية. وكذلك اقترحت اللجنة ان يُخصص في السنة المالية 2012 أكثر من 4 مليارات شيكل لهذه الأهداف وان تكون الميزانية الأمنية مصدر 2.5 مليار شيكل منها. وبُين في الوثيقة التي تشمل وصول تقرير اللجنة الذي سمي "في التمهيد لتشكيل مجتمع اسرائيلي أكثر عدلا" الحاجة الى صرف موارد من الأمن الى الرفاه: "في حالتنا فان المعنى المركزي لتغيير ترتيب الأولويات هو مضاءلة كبيرة للميزانية الأمنية من اجل التمكين من زيادة موازية على النفقات الاجتماعية. وهذا الأمر غير سهل ألبتة وتصاحبه أخطار كبيرة ويحتاج الى ادارة المستوى السياسي الذكية، لكنه في الوقت الذي نوجد فيه فان الأخطار الاجتماعية لا تقل خطرا عن الأخطار الأمنية وتحتاج الى تغيير في التأكيد النسبي الذي يُمنح لها في ميزانية الدولة".
 وكان هناك تغيير آخر اقترحته اللجنة وهو اعادة تنظيم الاستهلاك المدني في واقع الامر ولا سيما الخاص بواسطة الغاء مخطط خفض ضريبة الدخل ورفع نسبة ضرائب اخرى (نحو من 6 مليارات شيكل في 2012)، وخفض الضرائب غير المباشرة في مقابل ذلك ومنح نقاط استحقاق، تبلغ الى نحو من 6 مليارات شيكل. وتوقعت اللجنة ان تُمكّن هذه الاجراءات من "خفض الاسعار وتخفيف غلاء المعيشة وقُرب متناول الخدمات العامة وتخفيف ملحوظ لمدفوعات التربية وزيادة الدخل الصافي بسبب نقاط استحقاق اخرى وما أشبه".
 تم تطبيق عدد من توصيات تقرير لجنة تريختنبرغ في الحقيقة لكن النفقات الامنية في 2012 لم تقل بل زادت وذلك برغم الزيادة العظيمة في عجز خزينة الدولة بسبب انخفاض جباية الضرائب الذي لم يتوقعوه والذي يوجب اقتطاعا عميقا من نفقات الوزارات الاخرى. ولم تقبل الحكومة اذا فرض أو استنتاج اللجنة وهو ان تهديد الاستقرار الاجتماعي أكبر من التهديد الأمني.
 كيف يمكن ان نُفسر ذلك؟ إن لجنة تريختنبرغ التي اشتملت على خبراء بارزين من المجالين الاقتصادي والاجتماعي فقط اقترحت على حكومة اسرائيل ان تنفذ اقتطاعا كبيرا من الميزانية الامنية لكنها لم تُقدم لها تفسيرا لمعنى الاقتطاع لمفاهيم زيادة عبء الأخطار الامنية. أي أي الأخطار الامنية يجب ان تتكلفها حكومة اسرائيل من اجل نقل الموارد الى القطاع المدني من اجل تنفيذ توصياتها في هذا المجال. وتذكرون ان زيادة 1 في المائة على الاستهلاك المدني توجب اقتطاع 15 في المائة من الاستهلاك الامني. ولذلك السبب يصعب على الحكومة قبول توصيات وزارة المالية بالاقتطاع من النفقات الامنية.
 ويُستنتج مما ذكرنا آنفا أنه يفضل ألا تشير مكاتب حكومية مدنية ولجان تشتغل بالرفاه الاجتماعي الى الحاجة الى نقل موارد من الميزانية الامنية دون عرض المخاطرة الامنية التي تنبع من مضاءلتها بل أن تعرض تغييرا في ترتيب الأولويات في داخل القطاع المدني نفسه الذي يتغذى أصلا على نحو من 94 في المائة من موارد الجهاز الاقتصادي.
 التباحث في الميزانية الامنية في الحكومة
 تم في 15 آب 2012 في الحكومة تباحث في الميزانية الامنية للسنة 2013 وبيّن رئيس الوزراء في بدء التباحث "ان الحكومة ستحتاج لا الى أن تقرر فقط كم من المال سيُنفق على الأمن بل على أي شيء سيُنفق المال في داخل جهاز الامن". وعرضت وزارة المالية وجهاز الامن كما كان متوقعا موقفين متناقضين فقد طلبت المالية ان تُقلص الميزانية الامنية لسنة 2013 وتقف على 50.5 مليار شيكل غير صافية (في مقابل ميزانية أصلية بلغت 55.8 مليار شيكل غير صافية في 2012)، أما وزارة الدفاع فطلبت 62 مليار شيكل غير صافية (في مقابل ميزانية مُحدثة بلغت 58 مليار شيكل في سنة 2012). ولم تبت الحكومة قرارا في هذا الشأن.
 قد تدل صورة التباحث في الحكومة في الميزانية الامنية في الحقيقة على تحسن ما في نوعية التباحث في هذه الميزانية (الاستعداد للتباحث في مضمونها لا في مقدارها فقط)، لكنها تُبين انه لا يوجد اليوم ايضا حوار جدي في المستوى المختص يتناول مقدار الميزانية الامنية وتركيبتها قبل عرضها على الحكومة. والحال اليوم هي ان خبراء الاقتصاد في وزارة المالية الذين يطلبون تقليصا عميقا من الميزانية الامنية لا يتحملون مسؤولية عن أمن الدولة وليسوا هم الخبراء بتحليل التهديدات الامنية وسبل العمل المطلوبة لمواجهتها. وفي مقابلهم فان العاملين في وزارة الدفاع يحددون مقدار الميزانية دون ان يكونوا مسؤولين عن الحاجات الاجتماعية واستقرار الجهاز الاقتصادي. ينبع من هنا انه عُرض في الحالتين على الحكومة تقديرات من طرف واحد لا تقدير مشترك ضروري لاتخاذ قرارات. ومع وجود هذه المواقف المتناقضة من طرف واحد لا عجب من ألا يستطيع الوزراء بت الأمر في المعضلة التي عُرضت عليهم وعقد جسور على فروق كبيرة جدا. والاستنتاج المطلوب هو ان حكومة اسرائيل تحتاج الى تقديرات مختصة تعتمد على نظرة شاملة في الحاجات الامنية والحاجات الاجتماعية تجعل الأخطار الاجتماعية – الاقتصادية في مواجهة الأخطار الامنية، وكذلك ايضا جدوى تفضيل الموارد في هذا الجانب على الجانب الآخر.
 ومن اجل انشاء عمل عام كهذا من اجل متخذي القرارات تم اقتراح اجراء حوار رسمي بين الوزارات في نطاق مقر الامن القومي مثلا وبمشاركة المجلس القومي للاقتصاد ومندوبي جهاز الامن وبنك اسرائيل والمكاتب ذات الصلة ومستشاريها. إن استعمال الحوار بين الوزارات جزءا لا ينفصل عن عمل مقر العمل أفضل من انشاء لجان لاغراض محددة مهما تكن جيدة تطور علما لا يُستعمل بعد ذلك. فالحوار بين الوزارات قد يؤسس لطريقة تفكير وثقافة تنظيم ويوجب على كبار المسؤولين في الوزارات ان يتحملوا مسؤولية عن نصائحهم. وستكون نتيجة هذا الحوار رسم عدة سيناريوهات لميزانيتي الأمن والمجتمع، وسيُبين كل واحد من السيناريوهين أي قدر من الأمن سيتم احرازه (بمفاهيم القدرات الامنية)، وما هو الثمن الاجتماعي البديل لهذا السيناريو وأي الأخطار الامنية لا يغطيها، وعلى هذا النحو يستطيع اعضاء الحكومة ان يبتوا أمر ترتيب الأولويات الوطنية في السياق الامني والمخاطرة بصورة محسوبة.
 نجاعة النفقة الأمنية
إن جهاز الامن يلزمه واجب ان يزيد جدواه في كل آن ويجب عليه ان يقدم أكبر قدر من الامن بموازنة معطاة كما تُلزم وزارة التربية ان تقدم أقصى قدر من التربية بموازنتها العامة. ويجب على جهاز الامن لذلك ان يعرض أهدافا لزيادة جدواه وان يُبدي أكبر قدر من الشفافية لوزارة المالية ومجلس الامن القومي. ومع ذلك يحسن الفصل بين الحديث عن مقدار النفقة المطلوبة للامن التي تقوم على تسعير القدرات والاعمال المطلوبة لمواجهة التهديدات الامنية وبين الطلب الى جهاز الامن ان يزيد في جدواه. إن اشتراط تحويل موارد الى جهاز الأمن بالبرهان على زيادة الجدوى قد يعرض للخطر استعداد الجيش الاسرائيلي بل قد يجلب كارثة (كما بيّن تقرير مراقب الدولة عن كارثة الكرمل).
الخلاصة
يشير التحليل الكمي لتخصيص الموارد القومية الى ان تغيير ترتيب الأولويات الوطنية – زيادة نصيب الاستهلاك المدني ومضاءلة نصيب الاستهلاك الامني – موجود في واقع الامر على نحو دائم، أو منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي بل قبل ذلك على الأقل. ويُبين التحليل النوعي ان للاستهلاك الامني في اسرائيل اسهاما اقتصاديا واجتماعيا كبيرا يضاف الى المنتوجات الامنية. ويُبين التحليلان ان اقتطاعا عميقا من الميزانية الامنية اليوم لن يفضي الى تغيير جوهري في مستوى العيش في اسرائيل لكن يبدو انه سيفضي الى ضرر جوهري بالأمن.
ويُبين ما قلناه آنفا ان تحسين مستوى العيش في اسرائيل يوجب قبل كل شيء تنفيذ تغييرات عميقة في الاستهلاك المدني واستثمارات القطاع المدني التي تبلغ نحوا من 94 في المائة من الاستعمالات في الدولة. إن التباحث في تغيير ترتيب الأولويات في الصعيد الامني الاجتماعي مهم في الحقيقة لكنه ليس مصدر حل مشكلات اسرائيل الاجتماعية الاقتصادية ويبدو انه يبعث على مباحثات لا تقل أهمية في جدوى الاستعمالات المدنية.
يبدو ان الخطاب الحكومي والعام عن تغيير ترتيب الأولويات في الصعيدين الامني والاجتماعي غير منظم ومن المؤكد انه غير ناجع ومن جملة اسباب ذلك ان خبراء الأمن يزعمون انه يُحتاج الى زيادة اخرى على الميزانية الامنية دون ان يؤخذ الجانب الاجتماعي في الحسبان، أما خبراء الاقتصاد والمجتمع فيزعمون انه ينبغي الاقتطاع من هذه الميزانية دون فهم لها أو تحمل للمسؤولية عن ذلك. ويوجب تحسين الخطاب واتخاذ القرارات ان يشترك خبراء ذوو تصورات مختلفة. ويمكن ان يتم هذا الحوار بصورة رسمية ومؤسسية بواسطة مجلس الامن القومي والمجلس القومي للاقتصاد وبمشاركة الوزارات ذات الصلة. وأن يوضع في مركز النقاش سؤال كيف تتم الموازنة بين الرد المطلوب للتقليل من التهديدات الامنية وبين الرد المطلوب للتقليل من تهديدات استقرار المجتمع والاقتصاد في اسرائيل في الحاضر والمستقبل.
إن التقدير الأهم لتحديد نفقات الامن، مع المعطيات الحالية يجب ان يكون صورة التهديدات والتحديات الاستراتيجية – الامنية لاسرائيل وتغيرها في السنوات الاخيرة. والمقارنة بدول اخرى ذات أهمية ثانوية. فاذا أخذنا هذه التحديات في الحسبان صعب ان نرى كيف تستطيع اسرائيل ان تقتطع كثيرا من النفقات الامنية بل بدا انه يوجد داعٍ لزيادتها. وحتى لو وجد من يعتقدون انه لم يحدث تغيير جوهري في التهديد الامني العام لاسرائيل بازاء ظهور تهديدات ما وسقوط تهديدات اخرى، فان مجرد الاستعداد الامني الجديد لمجموع التهديدات التي أخذت تتشكل يوجب في حد ذاته زيادة على النفقات الامنية.

* * *




 

2013-07-03 12:31:40 | 1844 قراءة

التعليقات

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية