التصنيفات » دراسات

علاقات تركيا بحماس بين التقديرات الاستراتيجية والقرب الايديولوجي *

بقلم: غاليا لندنشتراوس وسفيان قادركيفن
      

 مقدمة:
          توجد اسباب كثيرة للتدهور الذي طرأ على علاقات اسرائيل بتركيا في العقد الاخير، لكن يبدو أن الشيء الذي سرع هذا التدهور أكثر من غيره هو العلاقات الطيبة التي نشأت بين الحكومة التركية بقيادة حزب العدالة والتنمية وبين حماس. ويمكن بالاعتماد على هذه العلاقات أن نفسر واقعة "مرمرة" في أيار 2010 التي أفضت منذ ذلك الحين الى ازمة عميقة في العلاقات بين اسرائيل وتركيا. وعلى ذلك توجد من وجهة نظر اسرائيلية أهمية كبيرة لفهم العلاقات بين تركيا وحماس مع نقاط قوتها وضعفها.
          بعد سقوط حكم محمد مرسي في مصر في تموز 2013 والتباعد الذي حدث بين حماس وايران في أعقاب الحرب الاهلية في سوريا، زُعم أن تركيا وقطر هما الداعمتان الرئيستان لحماس بالمال. ويوجد جدل يتعلق بالمبالغ المالية الدقيقة، لكن يبدو أن تركيا وعدت على الاقل بأن تحول الى حماس بين 250 الى 300 مليون دولار كل سنة. ومع كل ذلك أثبتت الوحدة بين حماس وفتح في نيسان 2014 ومحاولات حماس مراودة الايرانيين أن تركيا وقطر ليستا شريكتين قويتين بقدر كاف من وجهة نظر حماس وأنهما غير قادرتين وحدهما على مساعدتها على مواجهة وضعها الحالي الصعب. وستفحص المقالة بغية تقدير اتجاه العلاقات بين تركيا وحماس في المستقبل، ستفحص في البدء عن التطورات التي طرأت على العلاقات بين تركيا وحماس في السنوات الاخيرة وستُحلل بعد ذلك بواعث تركيا المركزية على تقوية صلتها بالمنظمة.
       استعراض تاريخي
          برغم حقيقة أن نجم الدين اربكان رئيس حزب "الرفاه" الاسلامي الذي عمل في وقت ما رئيسا لحكومة تركيا في السنتين 1996 – 1997 هو الذي دعا الى تقوية العلاقات بحماس، لم يتحقق ذلك الحلم الى أن تولى حزب العدالة والتنمية الحكم في الالفية الثالثة. كان احمد داود اوغلو حتى 2009 المستشار الاعلى للشؤون الخارجية لرئيس الوزراء، وفي 2009 عُين لمنصب وزير الخارجية. وفي خلال تلك الفترة كلها قويت مشايعة تركيا لحماس. ومنذ 2006 قويت العلاقات بحماس بعد أن حصلت المنظمة على 44 بالمئة من الاصوات في الانتخابات الفلسطينية العامة (في مقابل 41 بالمئة حصلت عليها فتح) – وهي نتيجة منحتها 74 مقعدا من 132 مقعدا في المجلس التشريعي الفلسطيني. وعلى إثر تلك الانتخابات أُنشئت حكومة وحدة بين حماس وفتح.
          في 2007 وبسبب الصعاب التي واجهتها حكومة الوحدة وبعد صراع عنيف، أحرزت حماس السيطرة على قطاع غزة. وعلى إثر ذلك وسعت تركيا علاقاتها بحماس وبدأت بمحادثات مباشرة مع ممثليها. ومثل خالد مشعل رئيس المكتب السياسي حماس في اللقاءات في الاساس، لكن مثلها ايضا رئيس حكومة حماس في غزة اسماعيل هنية الذي زار تركيا في 2012. واستضاف رجال أرفع المستويات في تركيا – رئيس الوزراء رجب طيب اردوغان ووزير الخارجية داود اوغلو – كثيرا من هذه اللقاءات. وكانت المواضيع المركزية التي أثيرت فيها مساعدة اقتصادية تركية واعترافا بدولة فلسطين في الامم المتحدة ومساعدة تركيا لحماس على جهودها لاخراج المنظمة من قوائم منظمات الارهاب في الولايات المتحدة واوروبا. وأفضت تلك اللقاءات الى أن أرسلت تركيا مساعدة الى غزة عن طريق الوكالة التركية للاعمال والتنسيق (تي.آي.كي.إي). وشملت تلك المساعدة فيما شملت بناء مستشفى في غزة ومنح معدات لتنقية الماء.
          بعد عملية الرصاص المصبوب في غزة اصبح انتقاد اسرائيل في تركيا – وبخاصة انتقاد اردوغان لها – شديدا بصورة مميزة. وفي الحادثة التي حدثت خلال المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس في 2009، غادر اردوغان غاضبا ندوة مباحثات مشتركة مع الرئيس شمعون بيرس بعد أن أعلن أن غزة هي "سجن كبير"، واتهم بيرس بقوله "حينما يكون الحديث عن قتل فانكم تعرفون جيدا كيف تقتلون". لكن يوجد جدل ما في مقدار دعم حزب العدالة والتنمية ومساعدته لصندوق المساعدة الانسانية "آي.اتش.اتش" في قافلة الحرية الى غزة "مرمرة" في أيار 2010، لكن على إثر تلك الحادثة انحصر تناول المشكلة الفلسطينية في "غزة" فقط في الخطاب العام في تركيا. وفي تموز 2011 خلال خطبة خطبها اردوغان في مجلس النواب، بين أن شروطها الثلاثة لتطبيع العلاقات باسرائيل تشمل اعتذار اسرائيل وتعويضات و"رفع الحظر عن غزة". ولم يفِ اردوغان بعد في الحقيقة بوعده بزيارة قطاع غزة على إثر واقعة "مرمرة"، لكن وزير الخارجية داود اوغلو وابن اردوغان بلال، زارا غزة في تشرين الثاني 2012 جزءا من وفد وزراء خارجية الجامعة العربية على إثر عملية عمود السحاب.
       مطامح تركيا الاستراتيجية وسبل العمل الجديدة لاحرازها
          بخلاف سياسة تركيا في فترة الحرب الباردة حينما كانت تحاول أن تُبعد نفسها عن سياسة الشرق الاوسط، اصبحت تحاول في الوقت الحالي أن تقوي تأثيرها في الشرق الاوسط. وتوجد عدة اسباب لتغير الاتجاه هذا. فأولا لم تعد تركيا راضية عن الوضع الراهن وتفضل أن يكون لها تأثير أكبر في المنطقة. وثانيا ميول حزب العدالة والتنمية العثمانية الجديدة تعبر عن رغبته في أن يثبت مجددا تأثيرها في المناطق التي كانت في الماضي جزءا من الدولة العثمانية. وثالثا يمكن أن تُلبى حاجات اقتصادها النامي وحاجات الدولة المتزايدة الى الطاقة، تلبية جزئية على الأقل بتقوية نسبية للاتجار مع دول الشرق الاوسط. ويبدو في النهاية أن مسار انضمام تركيا الى الاتحاد الاوروبي لا يتقدم ولهذا تميل الى البحث عن خيارات اخرى. وفي هذا السياق اصبحت معارضة اسرائيل تُرى طريقة سهلة لحشد الشعبية في العالم العربي. هذا الى أن ذلك جزء من ميل تركيا المتزايد الى استعمال "القوة اللينة" وسيلة لتقوية تأثيرها في الساحتين الدولية والاقليمية. وفي ضوء حقيقة أن تركيا تولي الآن السياسة التي تقوم على القيم أهمية أكبر، يمكن أن نرى وقوفها في وجه ما يبدو في ظاهر الامر أنه عدوان اسرائيل على احكام الحرب – ولا سيما فيما يتعلق بالوضع في غزة – طريقة اخرى لتثبيت مكانتها باعتبارها عاملا اخلاقيا.
          يمكن أن نرى أن الانتقاد الشديد لاسرائيل هو ايضا طريقة لعرض موقف "أكثر استقلال" في السياسة الدولية. إنضمت تركيا الى حلف شمال الاطلسي في سنة 1952 وكانت منذ ذلك الحين في الاكثر عضوا مخلصة في الحلف، لكن الجانب التركي كان يخشى دائما ألا يقف الحلف الى جانبه ساعة الامتحان. وعلى ذلك فان تركيا معنية بمضاءلة تعلقها بالغرب من جهة اقتصادية ومن جهة عسكرية ايضا. وإن تحديها للغرب ولا سيما الولايات المتحدة في شأن سياستها نحو اسرائيل يمكن أن يرى طريقة لاظهار هذا الاستقلال المتزايد. ويوجد هنا ايضا تحذير لحليفاتها الحالية ("لا تنظروا الينا وكأننا شيء مفهوم من تلقاء ذاته")، وفرصة ايضا لتطوير شراكات جديدة مع جهات اخرى تحاول أن تجابه الغرب مثل روسيا والصين وايران. وفي حين ليست مواقف تركيا من الصراع الاسرائيلي الفلسطيني بعيدة جدا بالضرورة عن مواقف عدد من الدول الاوروبية، يمكن أن نرى حقيقة تأكيدها أن حماس جسم سياسي شرعي – لا منظمة ارهاب – ويمكن أن نرى الاسلوب التحرشي الذي التزمت به في الآونة الاخيرة (غضب اردوغان في دافوس وازمة مرمرة) وسائل للايحاء بموقفها المستقل الذي يزداد قوة. وبرهنة على أنها لا تحجم عن انتقاد الولايات المتحدة في قضايا ما.
          قد يكون من المبالغ فيه من وجهة نظر اقليمية أن نزعم أن تركيا تعاون حماس متحدية تحديا مباشرا التأثير الاقليمي لايران أو مصر، لكن يمكن أن نقول إنه تختلط هنا صراعات قوة ما. فعلى سبيل المثال كان الانتقاد التركي لاسرائيل في شأن الوضع في غزة أعلى صوتا لكن الاتراك في عهد مبارك وبعد عزل مرسي ايضا صدر عنهم من آن لآخر انتقاد للقيود التي تفرضها مصر على التنقل الى غزة ومنها ولا سيما الاغلاق المكرر للمعبر الحدودي في رفح. وحقيقة أن اردوغان لم ينجح في زيارة غزة خلال ولاية مرسي قد تكون شهادة اخرى على التوتر بين تركيا ومصر في قضية غزة. هذا الى أن ادعاء تركيا أنها قادرة على تشجيع اعتدال حماس هو انتقاد تكتيكي للوجهة التي تحاول ايران جذب المنظمة اليها.
          اسباب عقائدية
          لما كانت حماس وحزب العدالة والتنمية يُريان ذوي صلة بحركة الاخوان المسلمين العالمية فانه يبدو أنه توجد صلة عقائدية بين الاثنين ايضا. ومن المهم أن نذكر أن عددا من الشخصيات الرائدة في حركة الاخوان المسلمين تشك في أن يكون حزب العدالة والتنمية متابعا "حقيقيا" لنهج الاخوان المسلمين لأن الحديث عن حزب لا يرفض رفضا باتا فكرة الحكم العلماني، ويفضل في واقع الامر أن يعرض نفسه على أنه حزب محافظ ديمقراطي لا حزب اسلامي. ويلاحظ مع كل ذلك أن حزب العدالة والتنمية يظهر التأييد لاحزاب اسلامية في دول اخرى اكثر من أكثر الحكومات السابقة في تركيا. ويبدو أن حماس ايضا بخلاف الاخوان المسلمين في مصر لا تشكك في الجانب الاسلامي للحزب التركي بل بدا في الآونة الاخيرة أن حماس ترى فوز حزب العدالة والتنمية في الانتخابات المحلية في تركيا حافزا وتوجها مضادا مشجعا بعد أن "خسرت" مصر بسقوط مرسي. ويبدو ايضا أن حزب العدالة والتنمية معني بأن تكون له علاقات بحماس أكثر من فتح لأنه يصعب عليه قبول تراث فتح العلماني.
          ومن وجهة نظر اردوغان فان حقيقة أن فوز حماس في انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني في 2006 لم تُقبل على أنها شرعية تشبه صورة قبول فوز حزب العدالة والتنمية في انتخابات مجلس النواب التركي في 2002 حينما صعب عليه ايضا أن يحظى بشرعية كاملة في سنوات حكمه الاولى. وأوضح اردوغان في مقابلة صحفية أجراها في صحيفة "واشنطن بوست" في كانون الثاني 2009 هذا الموقف بقوله: "دخلت حماس الانتخابات حزبا سياسيا ولو أن العالم أتاح لها فرصة ان تصبح لاعبة سياسية فلربما كانت على هذه الحال بعد فوزها في الانتخابات. إن العالم لا يحترم الارادة السياسية للشعب الفلسطيني". ولما كان الامر كذلك تولت تركيا دور تهيئة اللقاءات بين مندوبي حماس ومندوبي الدول الغربية في محاولة تغيير سياسة منع الاتصالات الرسمية بحماس لمشاركتها في اعمال ارهابية.
          واصبحت تركيا تبرز في السنوات الاخيرة ايضا الجانب الحضاري وتؤكد حقيقة أنها ترى نفسها ممثلة للحضارة الاسلامية ولهذا لا يجوز لها أن تسكت عن اعمال اسرائيل العنيفة على السكان في غزة خلال عمليات عسكرية مثل الرصاص المصبوب أو عمود السحاب. ولذلك أعلن اردوغان في خطبة خطبها في جامعة القاهرة في 2012 قائلا: "كما أن مكة والمدينة والقاهرة والاسكندرية وبيروت ودمشق وديار بكر واسطنبول وأنقرة أخوات، يجب على العالم أن يعلم ويدرك أن رام الله ونابلس وأريحا ورفح وغزة والقدس مدن أخوات وأن (سكانها) إخوتنا. وكل قطرة دم تسفك في هذه المدن هي من الدم نفسه الذي يجري في عروقنا... وكل دمعة دمعة منا... وليعلم الجميع أنه سيُنتقم عاجلا أم آجلا للاولاد الأبرياء الذين ذبحوا في غزة بطرق غير انسانية".
          تقديرات داخلية ومنظمات ضغط
          حينما نفحص عن التقديرات الداخلية التي تبين لماذا انشأ حزب العدالة والتنمية علاقات قريبة بحماس، يمكن أن نرى أن السبب الرئيس لذلك أن اكثر المصوتين للحزب يشعرون بأنهم قريبون من عدد من الاشخاص العرب المسلمين بسبب مواقفهم الدينية المحافظة. وهناك سبب مؤثر آخر في الجمهور العريض وهو كون ارض اسرائيل من آخر اراضي الدولة العثمانية ولهذا توجد لها أهمية كبيرة عندهم. ويمكن أن نلاحظ مناصرة للقضية الفلسطينية في جميع أجزاء الطيف السياسي في تركيا حتى بين الجماعات غير المتدينة تقريبا (كمنظمات اليسار). ولذلك فان مشايعة الجمهور في تركيا للفلسطينيين توجب على الساسة أن يتابعوا عن كثب ما يجري في الصراع بين اسرائيل والفلسطينيين وأن يردوا على التطورات.
          وهناك تفسير مهم آخر لكون تركيا انشأت علاقات قريبة بحماس وهو جهود منظمات اسلامية غير حكومية للتأثير في الدولة ولا سيما الـ آي.اتش.اتش التي لها تأثير في السياسة التركية. إن هذه المنظمة التي أنشئت في 1992 وبين يديها الحرب في البوسنة وسجلت رسميا في تركيا في 1995، ترسل اليوم مساعدات انسانية الى أكثر من 120 دولة، وهي منظمة غير حكومية مركزها في تركيا وذات ميل ايديولوجي اسلامي قوي. وتزعم اسرائيل أن الـ آي.اتش.اتش جزء من شبكة جمع الاموال لحماس بل إن المانيا اغلقت في تموز 2010 فرع المنظمة في فرانكفورت بسبب علاقاتها بحماس. واذا تجاوزنا الجذور العقائدية الدينية المشتركة بين حزب العدالة والتنمية ومنظمة الـ آي.اتش.اتش، رأينا أن كثيرا من كبار المسؤولين في المنظمة عُينوا لمناصب رفيعة في الحزب. فعلى سبيل المثال انتخب زيد أسلان الذي كان من مؤسسي الـ آي.اتش.اتش بعد ذلك ممثلا لحزب العدالة والتنمية في مجلس النواب عن مدينة توكات. وفي مدة ولاية أسلان عضوا في مجلس النواب انتخب لمنصب رئيس "منظمة الصداقة البرلمانية بين تركيا وفلسطين" وكان واحدا من أشد منتقدي اسرائيل. وبرغم أن الحكومة منعت اعضاءا من مجلس النواب واشخاصا رسميين ينتمون الى حزب العدالة والتنمية من السفر في "مرمرة" في أيار 2010، انضم ممثلون للحزب الى القافلة الثالثة لمنظمة "تحيا فلسطين" (التي شاركت فيها الـ آي.اتش.اتش ايضا)، والتي أمدت غزة بالمساعدة عن طريق مصر في كانون الاول 2009 – كانون الثاني 2010. وينبغي أن نذكر دون أن نقلل من مقدار القرب بين حزب العدالة والتنمية ومنظمة الـ آي.اتش.اتش، ينبغي أن نذكر أن المنظمة لها صلة بحزب أكثر محافظة هو حزب "السعادة"، الذي انفصل عن حزب "الاخلاق" بعد أن أُخرج هذا خارج القانون بحسب قرار المحكمة الدستورية التركية في 2001 (كان الاعضاء الاكثر اصلاحية في حزب "الاخلاق" هم الذين اجتمعوا معا على انشاء حزب العدالة والتنمية). ويمكن أن نشير باعتبار ذلك جزءا من توترات ما موجودة وربما تكون مستقبلية بين الحكومة برئاسة حزب العدالة والتنمية وبين منظمة آي.اتش.اتش، يمكن أن نشير الى الضغط الذي حاول ممثلو الحكومة استعماله على عائلات قتلى "مرمرة" للتخلي عن دعاواهم المدنية على ضباط كبار من الجيش الاسرائيلي (وهذه معركة قضائية تجريها منظمة آي.اتش.اتش) – وهو ضغط لم يثمر الى الآن. والسؤال الذي يثار هو ماذا سيحدث اذا استقر رأي اردوغان على التدخل في هذه القضية، وكيف سيؤثر هذا التدخل في علاقات الحزب بالمنظمة. وأثيرت كذلك شبهات تتعلق بالتعاون بين رجال الـ آي.اتش.اتش ومنظمة القاعدة (وشمل ذلك مداهمة الشرطة لمكاتب محلية لـ آي.اتش.اتش في كلّس في كانون الثاني 2014).
          في لقاء أجرته مجلة "أنلايس" في 11 شباط 2010 مع بولانت يلدريم رئيس منظمة آي.اتش.اتش، وصف تأثير المنظمة في سياسة تركيا الخارجية على النحو التالي: "أُديرت شؤون تركيا الخارجية زمنا ما على أساس اعتبارات عرقية. أما السلوك اليوم فمتعدد الوجوه ويتفق الجميع على أن لنا تأثيرا كبيرا في ذلك... ومن الواضح كذلك أن لسلوك تركيا الحالي في الشؤون الخارجية تأثيرا ايجابيا في عملنا لأننا نشترك في شؤون كثيرة في تصورات متشابهة ونعمل بصورة متشابهة. وتوجد قضايا كثيرة نعمل فيها معا في الميدان. وفي حين يجب على منظمات رسمية أو شبه رسمية أن تنتبه الى التوازن بين اطراف مختلفة، تستطيع منظمات غير حكومية أن تتحرك سريعا... وباختصار كلما كانت المنظمات غير الحكومية اكثر نشاطا قويت الدول التي تعمل فيها في الساحة الدولية".
         
          استنتاجات
          في ضوء أن تركيا أيدت انسحاب اسرائيل من غزة من طرف واحد، ينبغي أن نفحص حقيقة أن صلاتها بحماس بلغت الى المستوى الحالي ايضا بسبب التأثيرات السلبية والاخطاء التي تمت في ادارة هذا الانسحاب. ولأن الانسحاب لم ينسق مع السلطة الفلسطينية فانه قوى حماس. إن القيود الكثيرة التي فرضتها اسرائيل على حركة الناس والسلع الى غزة ومنها – عقب سيطرة حماس على قطاع غزة – أثارت الانتقاد لاسرائيل في العالم ولا سيما من تركيا. ولم تنجح اسرائيل كذلك في اقناع تركيا بقيادة اردوغان بأن حماس منظمة ارهابية. وتركيا هي التي تبذل جهودا كبيرة لاقناع زعماء الغرب بأن حماس كيان سياسي ذو شرعية.
          إن حماس في حضيض ولهذا من الواضح كثيرا أن الدعم التركي لا يمكن أن يكون تعويضا عن سقوط نظام مرسي في مصر، ولا يمكن أن يحل محل ايران شريكة لحماس. وفي هذا السياق تشهد العلاقات بين تركيا وحماس ايضا على حدود تأثير تركيا في الشرق الاوسط، وتنبع هذه الحدود من حقيقة أن عددا من الدول العربية – المسلمة تحاول أن تكف محاولات تركيا أن يكون لها تأثير اكبر، ومن حقيقة أن تركيا غير مستعدة "للمضي حتى النهاية" في علاقاتها بحماس لأن الثمن الذي قد تدفعه للدول الغربية قد يكون باهظا جدا. وهكذا يفضي التأكيد التركي لـ "استقلال" السياسة الخارجية، يفضي بتركيا في واقع الامر الى سياسة متناقضة، ونشك في أن تبقى في المدى البعيد. ومع ذلك أسهمت واقعة "مرمرة" وتأثيراتها اسهاما كبيرا في تقوية العلاقات بين تركيا وحماس، وسيصعب على اسرائيل جدا في هذا السياق أن تضغط على تركيا لتغير اتجاهها في هذا المجال.
          إن رد تركيا على جهود حماس وفتح في ربيع 2014 لانشاء حكومة وحدة مؤقتة كان ايجابيا. فقد هنأ وزير الخارجية التركي الطرفين لأنهما توصلا الى اتفاق مصالحة آخر واقترح مساعدة انسانية. وجاء في اعلان للصحافة نشر بعد ذلك من قبله أن الانتخابات المتوقع اجراؤها قريبا ستعزز "الشرعية الديمقراطية في فلسطين". وقد أكد زعماء تركيا في سنوات خلت أهمية اتفاق الوحدة وحاولوا أن يكونوا وسطاء لاحراز هذا الهدف. وبرغم أنه يبدو أن تركيا لم تكن مشارِكة مشاركة فاعلة في التفاوض الحالي، أكدت في الماضي لحليفاتها في الغرب أنها ترى نفسها تؤدي دور زيادة اعتدال حماس وأنها تحاول أن تحث المنظمة على قبول حل الدولتين. وأعلنت تركيا في الماضي ايضا أنه سيجب على فتح في اتفاق الوحدة هذا أن تلتزم بموقف أكثر تشددا من اسرائيل. ولذلك تستطيع تركيا أن تزعم أن لها دورا غير مباشر في مسار المصالحة الحالي بين فتح وحماس وهو مسار نشأ وبين يديه تعليق التفاوض بين اسرائيل والفلسطينيين.
          اذا فشلت محاولة المصالحة الحالية فانه يُخشى أن يستمر تدهور الوضع في غزة وأن يظل لذلك نقطة احتكام مركزية بين تركيا واسرائيل. وينبغي أن نضيف الى ذلك ايضا تعليق محادثات السلام بين اسرائيل والفلسطينيين لأنها تُرى ايضا مصدر قلق بالنسبة لمجموع العلاقات بين تركيا واسرائيل بعد أن تحسنت تحسنا ما في المدة الاخيرة. ولذلك يمكن أن نزعم أن الانقسام بين الفلسطينيين لا يضر فقط بالقدرة على التوصل الى اتفاق سلام شامل معهم بل يضر ايضا ببعض علاقات اسرائيل الخارجية. * تقدير استراتيجي – مجلة 17 – العدد 2، معهد بحوث الامن القومي، تموز 2014.


 

2014-10-10 11:54:15 | 1066 قراءة

التعليقات

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية