التصنيفات » دراسات

الردع الاسرائيلي بعد عملية "الجرف الصامد"

بقلم: مارك هيلر
       كما باقي جميع الحروب والعمليات العسكرية الاسرائيلية، بدأت عملية "الجرف الصامد" بسبب ان الردع الذي أملت به اسرائيل ان يتم بواسطة التهديدات او الاجراءات القديمة قد انهار – الامر الذي اصبح حقيقة في وقت لاحق. ومثل ما حدث في عمليات اخرى مشابهة، فإن مساهمة "الجرف الصامد" في تحسين قوة الردع الاسرائيلية سيتم إدراكها، اذا تم ذلك، فقط بعد ان تتبين هي ايضا فيما بعد انها مقيدة بوقت او في نطاق. هذا لا يعني ان الجهود المبذولة من اجل سيطرة الردع هي عقيمة وان لا مكان للاستمرار بها، بل فقط انه من الصعب تحديد مدى التأكد من ذلك، والى متى سوف تقطف هذه الجهود ثمارها. احتمالات نجاح استراتيجيا الردع تظهر بصورة جلية عندما يتم الدمج بين تهديدات ذات مصداقية بجني اثمان غير مقبولة في حالة قيام العدو بأعمال غير مرغوبة، وبين الضمانات – سواء من الخصم او لاطراف اخرى هامة بالنسبة لنا – والافضليات التي سيفوز بها في حال الامتناع عن القيام بذلك. 
          الردع العسكري يوجد في مركز النظرة العسكرية الاسرائيلية منذ تأسيسها على ايدي ديفيد بن الاساسي للردع كان دائما وابدا يمثل ادارة الصراعات، ووجد تعبيره الاساسي من الرواية المعروفة والشاملة من القرن الرابع للميلاد للكاتب الروماني فوبليوس فلبيوس وجاتيوس si vis pacum, para bellum (من اراد السلم، عليه ان يستعد للحرب). واساسها، ان تفسير الردع العسكري هو منع الخصم من القيام بعمل غير مقبول من قبيل الردع، وذلك عن طريق التهديد بالعواقب غير المقبولة في حال قيامه بمثل هذا العمل. ومع ذلك، فإن انتشار هذا المصطلح لا تعكس تركيبته اللانهائية تقريبا. في نهايات سنوات الخمسين من القرن الـ 20 كتب توماس سيلينغ، والذي يعتبر من قبل الكثيرين "اب" نظرية الردع الحديثة، بأن هذا المصطلح بقي مشوشا وعديم الجاذبية، وان فحواه وتحسيناته المستمرة ساهمت فقط بالقليل جدا في فهم التعليمات العملية لاتخاذ القرارات.
          وذلك، لانه من الصعب احيانا بل ومن غير الممكن تقدير فيما اذا كانت التغيرات التي تحدد فيما اذا كان الردع موجود ام لا، وهل سيستمر بالوجود مستقبلا. ومن بين هذه المتغيرات يتم احتساب تفكير الخصم فيما يتعلق بفعالية وجدوى العمل او غير العمل (بشكل خاص تقديره لمصطلح غير مقبول وفقا لمنطقه هو، وليس وفقا للرادع)، وقياس كونه لاعبا مميزا ومحصنا امام وجهة مضللة واحتساب الاخطاء، وطبيعة فهمه لمدة صدق التهديد، ومع ذلك ايضا استعداد الجانب الرادع وقدرته لتنفيذ تهديده والتسبب بعواقب سلبية على الجانب الذي يقوم بالتهديد.
بالنظرة الاولى، التزام منظمة حماس الايدويولوجي لابادة دولة اسرائيل الكامله يشير الى ان غياب العمل ضد اسرائيل يخفي سبب وجودها، (raison detre)، وان العاقبة الوحيدة التي يعلو وزنها وقيمتها على سعر عدم العمل هو التهديد الصادق لجوهر وجود المنظمة. ووفقا لهذا المنطق، فإن التهديد الفعلي لجوهر وجودها هو المؤهل لردعها عن القيام بدعم تجديد القتال ضد اسرائيل، او تشجيعه او تنفيذه بشكل عملي. اسرائيل لم توجه تهديدا مباشرا من هذا النوع تجاه حركة حماس خلال عملية "الجرف الصامد"، لانها كانت موجودة سواء في وضع من الردع الذاتي (الخوف من الخسائر البشرية) او في وضع الردع من قبل الآخرين (الخوف من الانتقاد الدولي على العنف المطلوب لتنفيذ مثل هذا الغرض). وعلى ما يبدو انها اقتنعت عن طريق تحليل ذاتي ان تصفية حماس لا يخدم المصالح الواسعة لها. المنطق يقول انه في حال من هذا النوع، فإن حماس كانت مستعدة للاستمرار بالقتال الى حين استنفاذ كامل القدرة الهجومية لاسرائيل. مع ذلك، فإن حماس في الجانب العملي وافقت في النهاية على وقف النار بدون شروط في نهاية شهر آب، وبدون ان تحقق انجازا واحدا من اهدافها المعلنة، وعمليا على قاعد نفس الشروط التي عرضت على المنظمة قبل سبعة اسابيع من ذلك.
          احد التفسيرات الممكنة لذلك هو – على الرغم من تصريحات النصر التي خرجت بها حماس في اعقاب انتهاء القتال – فإن المنظمة وصلت الى استنتاج مفاده ان الاستمرار في القتال يشكل تهديدا محتملا على سيطرتها السياسية على قطاع غزة، وعلى وجودها ايضا. بكلمات اخرى، طالما ان حماس ليست على استعداد للتنازل عن عدائها الايديولوجي لاسرائيل – وعمليا ان اسرائيل لا يمكنها القيام بأي عمل من شأنه ان يقنع حماس بالتنازل عن هذا العداء – يبدو ان تحقيق هدفها الاساسي لن يكون ذو افضلية او استعجال في اللحظة الممكنة. عندما تتواجه حماس مع عدم قدرتها على تحقيق ضرر فعلي لاسرائيل، مع عمق استراتيجي غير مهتم بل ومعادي ( في لندن وباريس جرت مظاهرات ضد اسرائيل اكثر مما حصل في العواصم العربية)، ومع موجة الدمار التي تعاظمت في اوساط المدنيين في قطاع غزة، توصلت قيادة حماس على ما يبدو الى استنتاج بأن استمرار القتال سوف يكون ضدها، وانه من الافضل الانتظار (والامل) لتغيير ايجابي في طبيعة القوى قبل تجدد القتال العنيف.
          بالاضافة الى ذلك، فإن السؤال الذي سيظل مفتوحا هو – الى اي فترة ممكنة ستكون اسرائيل مؤهلة لمنع مثل هذا التغيير وهل بوسعها ذلك – فمن جهة، يبدو ان الدعم الفلسطيني من وجهة النظر العالمية وبمنظور حماس لم يتضرر بشكل فعلي، على الاقل على المدى القصير. وعلى العكس فإن استطلاعات الرأي التي جرت فور الاعلان عن وقف النار اشارت الى ميل قليل حول تحميل حماس للمسؤولية عما جرى في القطاع. واكثر من ذلك، تم تسجيل دعم متزايد لموقف حماس من الصراع الفلسطيني الاسرائيلي، وقبول واسع لادعاءات المنظمة بأن الردع الاسرائيلي قد لحقه الضرر، وايضا (حسب 80 بالمئة من المستطلعين) الموافقة على الرأي بأن القتال اسفر عن نصر فلسطيني – تفسير غير منطقي لتحليل القوة العسكرية. جميع ما ذكر اعلاه يشير الى ان حماس لم تدفع ثمنا باهظا بدون مقابل بسبب عملية "الجرف الصامد" - وبالتأكيد ليس ثمنا باهظا كافيا لتهديد سلطتها على قطاع غزة، وعلى وجودها في الضفة الغربية، مقابل الثمن الذي كان يردعها للبدء بجولة عنف جديدة.
          ومن جهة اخرى، نماذج خاصة لعدم المتابعة تشير الى ان التفكير السياسي للمنظمة حول الموضوع سوف يكون اقل تشجيعا. فقبل انتهاء القتال ، شعرت حماس بضرورة القيام باعدام علني بدون محاكمة لعشرات الاشخاص، والتي لقبتهم بـ "العملاء"، ولكنه كان معروفا للجميع انهم ينتمون الى حركة فتح وجهات معارضة اخرى، وذلك من اجل "تشجيع الاخرين". بالاضافة، الى ان حماس لا يمكنها تجاهل ان نسب التأييد لها في الضفة الغربية – حيث هناك تسببت تبعاتها بشعور من الفخر والغضب فقط – مرتفعة اكثر مما في قطاع غزة، حيث ادت سياستها هناك (القطاع) الى الموت والدمار( وهناك من الخطر ايضا للتعبير عن رأي لا يدعم حماس). زيادة على ذلك، فإن اكثر من 77.6 بالمئة ممن سئلوا في قطاع غزة يعتقدون ان "اسرائيل تلقت ضربة مؤلمة من قبل المقاتلين الفلسطينين"، كما اعرب 72.5 بالمئة عن مخاوفهم من مواجهة عسكرية مقبلة مع اسرائيل – الامر الذي يشير الى ان جولة قتال اضافية ستقابل بقليل من الحماس والتشجيع، وبشكل خاص فيما اذا كان عمل دبلوماسي معين او تغيير آخر في الظروف السائدة في الضفة الغربية سيعزز من موقف السلطة الفلسطينية، التي تسيطر عليها فتح.
          نقطة اضافية – راس مال حماس السياسي يتأثر بعدة عناصر ليست تحت سيطرة اسرائيل الوحيدة. هكذا سيكون الحال داخل قطاع غزة، ويشكل خاص بكل ما يتعلق بالترتيبات المرتبطة بالتحكم بالاموال ، المخصصة لاصلاح الاقتصادي، وكذلك لاي تواجد امني (وغير ذلك) لفتح او طرف ثالث. الامر الصحيح فيما يتعلق المحيط السياسي – الاستراتيجي الاقليمي. طالما ان مصر تحت سيطرة سلطة معادية بشكل قاطع للاخوان المسلمين، سيكون من الصعب على حماس ضمان الدعم الدبلوماسي الفعلي من قبل الدول المحيطة، او اقناع مصر للتخفيف من اصرارها على منع حماس من تجديد مخزونها من الوسائل القتالية. في حال تعززت قوة الاسلام المتطرف، فإن حماس سوف تكون اكثر ترددا تجاه الاعمال العدوانية، الامر الذي سيزيد من الاعتراف بها من قبل تلك الجهات الاقليمية والدولية الذين دعوا للوقوف في وجه هذه الموجة والتي لا تشكل قطر وتركيا بديلا حقيقيا – فيا اذا كانت المنظمة ستخرج اكثر قوة من الموجة الهستيرية الواضحة للعيان. على اية حال، جميع هذه هي مواضيع تأثير اسرائيل عليها هو قليل.
          وحتى المواضيع التي يبدو ان لاسرائيل سيطرة عليها – بشكل خاص التهديد بالقوة العسكرية واستخدامها من اجل التأثير على حسابات الربح والخسارة لدى الخصم – هي ايضا معطيات مقيدة الى حد بعيد. وعليه، الاعتبارات السياسية الدولية تحول دون صدق التهديد الاسرائيلي لالقاء كامل قوتها العسكرية  على قطاع غزة، او التصرف وكأنها في حالة حرب كاملة مع غزة – والذي سيكون تفسيره لاحقا هو منع الغذاء، الوقود، المياه، الطاقة والمواد الحيوية الاخرى. حيث لا يوجد لاسرائيل القدرة لتحقيق نصر استراتيجي شامل على حماس، او ترتيبات مؤقتة لتقليل الخيارات السياسية لديها، كـ تخفيض حافة "العواقب غير المقبولة" للمنظمة، بإمكانها ربما تأخير قدرة حماس، ولكن من الصعب عليها ردع المنظمة بشكل مباشر لفترة غير محدودة من الوقت.
          هذه المعطيات لا تمنع إمكانية الردع "غير المباشر"، مثل، التهديد باستخدام القوة او استخدامها بصورة تمس بصورة حماس في اوساط الفلسطينيين وفي اوساط قوى اخرى في الساحة السياسية الفلسطينية، وعندها حافة "العواقب غير المقبولة" لهم من شأنها ان توجد ايضا امام تهديد فعلي لتصفية حماس. صحيح انه ليس جميع الفلسطينيين يشاركون حماس حماسها لقتال اسرائيل، وحتى في اوساط اولئك الذين يتعاطفون مع رؤيتها النهائية، فليس جميعهم شركاء بتعهداتها، او انهم جاهزين لتحمل نفس الاثمان من اجل تحقيق رؤيتها. لذا، في حال اقتنعت حماس ان تجديد الاعمال العدائية سوف يلاقي معارضة في اوساط مؤيديها الى درجة يهدد وجودها، فإن ذلك قد يشكل رادعا فاعلا اكثر من تهديد اسرائيل المباشر لها – ومحدود من اساسه – او من اي عمل اسرائيلي موجه بشكل مباشر ضدها.
          يبدو انه من الممكن الاستمرار بتنفيذ حجم القوة المطلوبة لتحقيق الردع غير المباشر بواسطة القوة العسكرية فقط، بما في ذلك التهديدات والاعمال لتقييد قدرة حماس. هذا الاتجاه يلزم بدون شك رؤية عدم الصبر لاي استخدام من قبل حماس للسلاح، او استيراد الاسلحة الى قطاع غزة او لانتاجها في مناطقها، وكذلك لبناء الانفاق تحت حدودها. ولكن، من المؤكد ان رؤية تتضمن فعالية اكبر هي تلك التي تدمج بين التهديد باستخدام القوة وباستخدامها مع جهود سياسية لتقليل الاحتمالات، اي لتخفيض حافة" العواقب غير المقبولة" للفلسطينيين الذين هم ليسوا عضاء في حماس. رؤية من هذا القبيل تشير بشكل واضح الى تقديم تسهيلات معينة مقابل رفض دعم حماس او لوقف دعمها، وذلك من حيث تحسين اوضاع سكان القطاع الاقتصادية، او من حيث رسم افق سياسي واضح لجميع الفلسطينيين، من قبيل، ماذا سنخسر – الى جانب التهديد بالاثمان التي ستدفع في حال الامتناع عن ذلك.
          وايضا الاستراتيجية الاكثر عقلانية – ليس باستطاعتها ضمان الردع، وحتى اذا امتنعت حماس عن اتخاذ خطوات غير مقبولة من ناحية اسرائيل، سيكون من الصعب معرفة اذا كان الامر تحقق في اعقاب ردع حماس، او لاي سبب آخر (جر مواقف، سلم افضليات آخر، تقييد قدرات وما شابه). على اية حال، التأثير المزدوج الداخلي هو ما يفسر عدم قيام حزب الله بالاعمال ضد اسرائيل، بما في ذلك تأخير تقديم الدعم من قبله والتي وجهتها له حماس خلال عملية "الجرف الصامد": من واقع الافتراض ان العقوبة التي انزلتها اسرائيل على حزب الله في العام 2006 مستمرة في ردعه، سواء بشكل مباشر او غير مباشر، ان الامر غير مؤكد انه لا يوجد تفسير آخر لضبط النفس هذا، او لان يمتنع حزب الله من العمل ضد اسرائيل في المستقبل، وبشكل خاص في ظروف متغيرة، ضمن إطار مواجهة محتملة بين اسرائيل وايران.
اذا كان بالامكان تقييم الردع الناجح، فقط فشل الردع هو الذي يمكن اثبات ذلك بشكل واضح ( اذا كان نعم، ليس بالتأكيد فهمهما بصورة سليمة)، وعندها ايضا – فقط בדיעבד.هذا ليس سببا لاستبعاد الردع كمركب اساسي في سياسة الامن، ولكن الامر  يشكل سببا لبحث عن رؤية متعددة الاوجه  التي تعطي سواء للدوافع او للقدرات، وعندما تحاول لتعزيز كلال المركبين واحتساب الربح والخسارة وتنقل رسالة ليس للخصم نفسه فقط – في هذه الحالة حماس – بل لكل الخصوم الاضافيين في الجهاز السياسي المهمين له. في حالى حماس الحديث يدور عن مجمل التركيبة السياسية الفلسطينية. 
آثار ودرروس"، معهد بحوث الامن القومي ، جامعة تل ابيب، تشرين الأول، 2014.

2015-03-04 14:10:41 | 797 قراءة

التعليقات

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد
مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية


آخر الأخبار