التصنيفات » دراسات

الاضطرابات في الشرق الاوسط*

 


بقلم: إفرايم كام وآخرون


          منذ بداية العقد السابق، وتحديدا في السنوات الاربع الاخيرة، مرت على الشرق الاوسط "هزة ارضية" قاسية، والتي ستغير وجه المنطقة على مدار سنوات طويلة. هذا الاضطراب نبع من عدة مصادر: احتلال العراق على ايدي الولايات المتحدة في العام 2003، والذي غير الهيكل السياسي للدولة وكذلك قدرتها العسكرية على المدى المنظور، القلاقل السياسية والاجتماعية التي مرت على بعض الانظمة في العالم العربي، والتي اطلق عليها بداية اسم "الربيع العربي"، تعزيز قوة الحركات الاسلامية المتطرفة في العالم العربي، ظهور بعض المنظمات الارهابية من نوع جديد، في المنطقة، والذي إبتدأ بصعود القاعدة، ووصولها الى الذروة مع صعود "الدولة الاسلامية" (داعش).
          خطورة الاضطراب انعكست في سلسلة من التطورات غير المسبوقة. سقوط خمسة من انظمة الحكم العربية (في العراق، تونس، مصر، ليبيا، اليمن) بواسطة الثورات الداخلية او عبر التدخل الخارجي، ونظام آخر – في سوريا – يقع تحت تهديد خطير. وبدلا من الانظمة التي اسقطت لم تقم لغاية الآن انظمة قوية ومستقرة. بل على العكس، ففي الشرق الاوسط وفي جواره نمت انظمة ضعيفة لا تسيطر على جزء من اراضي دولها. وبدلا منها في هذه المناطق تمسك زمام الامور منظمات ارهابية ومليشيات مسلحة، تبث تهديدا خطيرا سواء تجاه مواطني دولهم، او تجاه جاراتها. ولقد قتل في الحروب الاهلية الدائرة تحديدا في سوريا والعراق، وبمعدلات مقلصة في اليمن وليبيا، مئات الالوف من الاشخاص، معظمهم من المدنيين، وتحول الملايين الى لاجئين، اقتلع جزء منهم من بيوتهم داخل دولهم، وآخرون فروا الى دول مجاورة.
          بعد اربع سنوات من الاضطرابات، من الصعب القول ان هناك ثورة ايجابية من حيث جوهرها او طبيعتها في الانظمة العربية. ظهر على الساحة السياسية لاعبون جدد – حشود الناس في الشوارع والميادين – والذين لم يسمع صوتهم قبل ذلك، الا ان ظهورهم ساهم ولكن بشكل بسيط في توسيع وتعميق الاجراءات الديموقراطية في الدول العربية، والتي اثبتت انها غير ناضجة لثورة ديموقراطية حقيقية. ومن ناحية اخرى، في المرحلة الاولى من هذه الفترة كان يبدو ان الاسلام السياسي يحتل لنفسه مكانة مركزية في العالم العربي، وتحديدا بعد تخبط "الاخوان المسلمين" كقوة صاعدة في مصر ونجاحهم في الوصول الى السلطة في الدولة في منتصف العام 2012 عن طريق انتخابات ديموقراطية. ولكن بعد عام تم ابعادها عن السلطة من قبل الجيش. وعلى الرغم من بقاء المنظمة عنصرا ذو وزن خارج الساحة السياسية المصرية، الا ان طرده منها اضر بالاسلام السياسي في كامل العالم العربي خارج مصر ايضا، وهو يتحسس حاليا طريقه الى المستقبل .
          عمقت الاضطرابات التي مرت على الدول العربية اكثر فأكثر، ضعف العالم العربي المستمر منذ سنوات. فمنذ السبعينيات يفتقد العالم العربي لقائد وقيادة، وغير قادر على التكتل من اجل المواجهة المشتركة مع المشاكل الرئيسية التي تشغله. فيما احتلت دور القيادات العربية في تحديد اجندة المنطقة الاقليمية دول غير عربية: ايران، تركيا وبشكل جزئي اسرائيل. ضعف المعسكر العربي تفاقم نتيجة لحقيقة ان العراق وسوريا – كلاهما دول رئيسية في المنطقة – مشلولة اليوم، وكذلك مصر، زعيمة العالم العربي، غارقة بمشاكلها الداخلية. وعدا عن ذلك، فإن عدة جيوش عربية – تحديدا في العراق وسوريا وليبيا – فقدت الكثير من قدراتها العسكرية، وفي نفس الوقت، فقد سقط جزء من منظومتها العسكرية بأيدي منظمات جهادية وتستخدمها في محاربة خصومها.
          الازمات الداخلية التي تمر على دول عربية لم تمس لغاية الآن بالوضع الداخلي في ايران، ولكن ايران تأثرت منها من نواحي اخرى، وتحديدا من الدول الاكثر قربا منها. نظام بشار الاسد، الحليف الرئيسي لايران في المنطقة، الذي تعرض لخطر السقوط مما اضطر ايران لان ترسل له مستشارون من "الحرس الثوري" ومساعدة عسكرية واقتصادية من اجل دعمه. وفتحت الحرب الاهلية الدائرة في العراق المتواصلة منذ العام 2003، امام ايران فرصة تاريخية لكي تتحول العنصر الخارجي الاكثر تأثيرا في العراق، خاصة في اوساط الشيعة. ومن جانب آخر، فإن ظهور "الدولة الاسلامية" يهدد معاقل ايران في العراق، وسوريا ولبنان، الامر الذي يضطر ايران لمواجهة هذا التهديد، ويجعل من ايران ايضا عنصرا هاما وفاعلا في استقرار الوضع في هذه الدول. وفي منطقة اخرى من المنطقة – انهيار اجهزة السلطة في اليمن وظهور الحوثيين (طائفة من اليزيديين تنتمي للشيعة) كعنصر رئيسي تلعب به ايران وتقيم معه علاقات منذ زمن، وتساعده لكي يقيم لنفسه معقلا مؤثرا على بوابة البحر الاحمر وجنوب العربية السعودية.
          وتتطلع الولايات المتحدة للفراغ الناشئ في المنطقة – خاصة في عهد بوش الابن، وكذلك في هذه الايام في عهد الرئيس الذي يتطلع لتحرير الولايات المتحدة من دور "شرطي العالم" – في محاولة لكبح التهديدات سواء الموجهة اليها او تجاه حلفائها. وهذه المحاولة وجدت تعبيرها في تدخل الولايات المتحدة العسكري في افغانستان والعراق، وفي سعيها لمنع ايران من امتلاك السلاح النووي وعن طريق سعيها لاسقاط نظام بشار الاسد وهزيمة "الدولة الاسلامية". الا ان الولايات المتحدة في العام 2015 ليست هي الدولة العظمى في سنوات التسعينيات وبداية العقد الماضي، حيث عندها بقيت وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي الدولة العظمى الوحيدة التي تجرؤ على القيام بعمليات عسكرية واسعة في الشرق الاوسط. التحديات المطلوب من الولايات المتحدة مواجهتها منذ بداية القرن الحالي اظهرت محدودية قوتها. فتدخلها في افغانستان والعراق، ابقاهما في حالة من الفوضى ودفعت الثمن بالآلاف من الجنود الاميركيين القتلى، الى جانب المصاعب التي تواجهها الولايات المتحدة في مواجهة بعض القضايا المركزية في المنطقة مثل التهديد النووي الايراني، والمشكلة الفلسطينية، وظهور "الدولة الاسلامية"، وكذلك الانتقادات الموجهة اليها من حلفائها في الشرق الاوسط وفي اوروبا – جميع هذا الحق الضرر بمكانتها في الشرق الاوسط، وقلص من قدرتها على توجيه الاجراءات التي من شأنها تقليص الاضطرابات ومصادر التوتر في المنطقة. ولكن تجدر الاشارة، انه على الرغم من هذه الصعاب، فإنه لا يوجد بديل للولايات المتحدة او قوة تعادلها وزنا في منطقة الشرق الاوسط، والاضطرابات الجديدة تدفع بالدول العربية والغربية بالتوجه اليها لقيادة معالجة الازمة. 
          القضايا الاقليمية المصيرية الموجودة اليوم في مركز الاضطرابات في الشرق الاوسط هي نتيجة عوامل تمت منذ سنين. الامور التالية تتناول تأثيرات وتبعات هذه العوامل والتي يتصدرها ضعف العديد من الانظمة العربية، ومن بينها انظمة رئيسية كما في سوريا والعراق، وذلك بالتزامن مع صعود لاعبين ليسوا دولا ولكنهم يملكون قوة استثنائية. ويقود هؤلاء اللاعبين هذه الايام المنظمات الجهادية وفي مقدمتها "الدولة الاسلامية" والتي تمثل اليوم التهديد الرئيسي في الشرق الاوسط والتي ترسم علامات استفهام  ليس فقط تجاه مستقبل بعض الانظمة في المنطقة، بل تجاه السلامة الاقليمية للعديد من هذه الدول. هذا التهديد يستوجب تفحص طرق مكافحة هذه المنظمات  وقدرة الولايات المتحدة وحلفائها في كبح التهديدات الجديدة الناشئة في منطقة الشرق الاوسط، وللتأثير على الاجندة اليومية للمنطقة ولاستقرارها.
خلفية الاضطرابات الحالية في العالم العربي
          المشاكل في الاداء الاجتماعي – السياسي التي تميز عدد كبير من دول العالم العربي منذ بداية القرن الـ 21 ليست خاصة بهذه المنطقة من العالم، ولكن ما من شك في انها لصيقة وعنيفة في هذه المنطقة اكثر من اي مكان اخرى . ووفقا لمفاهيم معينة يعتبر هذا الانحطاط في تلك الدول العربية المعنية استمرارا تاريخيا لانهيار الشرعية والصلاحيات للامبراطورية العثمانية، حيث عرفت من قبل الكثيرين في القرن التاسع عشر بـ "رجل اوروبا المريض". ويمكننا تتبع ضعف القدرة لدى الحركة الاصلاحية الاسلامية على مواجهة تحديات الحداثة بواسطة صيغة توازن بشكل مرضي بين الموروث الثقافي وبين الحاجة للتغيير، اي، بين الاصالة وبين الحداثة. فشل منفذي عمليات الاصلاح في الامبراطورية العثمانية في تحقيق هذه الغاية خلق ازمة في الهوية، والتي تركت بصمتها على كل منطقة من المناطق التي وجدت في الماضي تحت سيطرتها، بما في ذلك بلدان البلقان وتركيا نفسها (وكررت نفسها ايضا في جنوب آسيا). ولكن نتائجها الاكثر خطورة تم الشعور بها في بلدان الشرق الاوسط التي يقيم بها العرب. ويبدو ان الامر نابع من العلاقات التاريخية الخاصة والفريدة من نوعها بين الهوية العرقية/القومية وبين الهوية الدينية في حالة العرب: ففي حين تبنى الآخرون الاسلام او فرض عليهم، فإن العرب هم الذين صنعوا الاسلام.
          مهما يكن السبب في ذلك، فإن نتيجة ازمة الهوية هذه كانت في انتشار الانقسام، عدم التسامح، العنف وانهيار الدول، مع تبعات سلبية على المنطقة وخارجها. هذه التعبيرات للصراعات المتعلقة بالهوية ليست فقط بسبب ما يسمى بـ "الربيع العربي". بل هي تشكل جزءا لا ينفصل من التاريخ السياسي للشرق الاوسط في العصر الحديث، المملوء بفصول مؤسفة من التمييز والقمع، العنيفة احيانا، ضد مختلف السكان عبر مؤشر هام يميز هوية الهيمنة للسلطة السياسية.
          ومع ذلك، فليس من الدقة الادعاء ان انتشار القمع والتمييز هي نتيجة للانظمة الاستبدادية فقط. في الواقع، ففي معظم التركيبات السياسية التي نشأت في الشرق الاوسط في القرن العشرين فقد انحرفت الانظمة الاستبدادية الى الاسوأ، من قمع واعتداء على الاقليات المختلفة، وكانت هذه بمثابة الضعف او الشرخ في غلاق "الدولة الصلبة" والتي ادت الى العديد من المواجهات الاكثر وحشية (كما حدث في يوغسلافيا السابقة). ليس هناك من سبب واحد لتشرذم الدول في الشرق الاوسط. في الحالات الهامة والاكثر بروزا كان ذلك نتيجة للصراعات مع قوى اجنبية و/او تدخل غريب، كما حدث في العراق، وفي ليبيا وحتى في الامبراطورية العثمانية نفسها. وفي حالات اخرى كان ذلك نتيجة الفجوات الجوهرية في خلق تلك الدول، كما حدث في العراق، وكما يدعي الكثيرون – في سوريا ولبنان (وكذلك في قبرص). في حالات معينة كان ذلك خطوات حداثة للحكام انفسهم – الذين آمنوا ان عليهم ان يعززوا من قوة دولهم ورفع مستوى ازدهارها – والتي عززت في ذات الوقت سواء الغضب او الامل لدى تجمعات محلية معينة. فعلى سبيل المثال، فالحداثة في إطار "الثورة البيضاء" للشاه الايراني في بداية سنوات الستينيات من القرن الـ 20 ادت الى خلق معارضة اسلامية لنظام حكمه. وتم الادعاء ان تطورات مماثلة حدثت في مصر في اعقاب جهود كل من – سواء من قبل المترددين، او من عديمي النوايا الحسنة – انور السادات وحسني مبارك على مدار عقد للرد على الضغط الغربي لليبرالية والديموقراطية.  ففي كلا الحالتين ساعدت الردود المضادة لتلك الجهود في كسر قوة الدولة ومكنت القوى الاسلامية من التغلب على عناصر اخرى عارضت  النظام – لفترة قصيرة في مصر، وعلى مدار وقت طويل نسبيا في ايران (على الرغم من ان حكم التاريخ هناك لم يقرر بعد).
          بطبيعة الحال، فإن الخصائص المرضية الأكثر أهمية من عدم وضوح المتعلق في تحديد الهوية البارزة في المجتمعات غير المتجانسة من الناحية الديموغرافية، اي، في الاماكن التي بها الهوية العرقية، الدينية او العشائرية ما زالت قائمة، وتتغلب على الشعور في احتضان ثقافة مدنية او الشعور بمواطنة مشتركة: من هنا نبعت القسوة في المواجهات التي حصلت في العراق، سوريا، ليبيا ولبنان (في الماضي وربما في المستقبل)، وكذلك في اليمن. هناك مشكلة عالمية قائمة، يتوجب على كل مجتمع غير متجانس مواجهاتها، ولكن في الوقت الراهن يبدو انه اكثر تحديا في المجتمعات التي فيها اغلبية مسلمة، وليس فقط بسبب ان الدمج الاجباري بين الدين والدولة قد حظي بتفسيرات مفصلة جدا في الاسلام اكثر من الديات الكبرى الاخرى، فلا يوجد اي امر يحدد انه يجب اعطاء ما للرب للرب وما لقيصر لقيصر. او اساس فكري واسع لفكرة سيادة الشخص الفردية المختلف عن ما للامة. هذه الحقيقة جعلت من المعيقات الماثلة امام القائمين على الاصلاح اكثر تعقيدا، وهؤلاء وجدوا انفسهم في موقف دفاعي من الناحية الايديولوجية وحتى الاعتذارية، لان عليهم الادعاء ان الاصلاحات التي يقدمونها تناسب الى حد ما الاسلام وهي ليست عدائية، بل مشروعة ومطلوبة فقط من ناحية جوهرية بدون اي علاقة مع الخطاب الاسلامي.
          لم يكن من الممكن الوصول الى حل دائم للمواجهات التي زعزعت العالم العربي في هذه الفترة، بدون التطرق مجددا وبشكل اساسي للعلاقة بين الدين والمجتمع، المجتمع والسياسة، والسياسة والفرد، اي – بدون عملية داخلية معمقة توسع المعرفة والاصلاحات. وبالنظر الى تاريخ الاصلاحات في الاسلام خلال القرنين الماضيين، فإن احتمالات في ان يحدث هذا الامر في إطار فترة زمنية ملموسة الى حد ما ليس بعيدة، ولكنها غير مؤكدة. على اية حال، خلق التغيير الايديولوجي بشكل كبير كهذا هي خارج مقدور عناصر خارجية، اصحاب النوايا الحسنة مهما كانت.
لاعبون غير سياسيون في الشرق الاوسط
          في السنة الاخيرة عاد الى البروز  موضوع الارهاب في مفهومة الواسع في شبكة العلاقات الدولية. هذا البروز نبع بشكل اساسي من صعود تنظيم "الدولة الاسلامية" المعروف بإسم داعش على الاجندة العالمية العامة. وفي المقابل ينشط في الشرق الاوسط لاعبون ليسو دولا آخرون، والذين يشكلون جزءا لا ينفصل من التيار الفكري للجهاد العالمي. هذه التنظيمات تستغل الاضطرابات الاقليمية من اجل ان تؤسس مكانتها، وهم يهددون استقرار انظمة الدول المختلفة في منطقة الشرق الاوسط. ومن اجل فهم مستوى التهديد المتوقع من هذه التنظيمات من الضروري ان نميز فيما بينها، لطبيعتهما ولمستوى التهديد الذي يشكله كل تنظيم على انفراد. من خلال الفهم شبكة العلاقات واحيانا الخصومات فيما بينها.
          عنصر التهديد الرئيسي لاستقرار الشرق الاوسط والذي من الممكن ان ينسحب تأثيرة من المستوى الاقليمي الى المستوى العالمي هو تنظيم "الدولة الاسلامية" – بسبب الآليات التي اوجدها، وبدأ بالعمل كشبه دولة، وتنامى بسبب نجاحه في احتلال مناطق في العراق وسوريا والغى الحدود فيما بينها، ومن قوة سيطرته على مساحة جغرافية واسعة، واعلانه عن تشكيل خلافة اسلامية في المناطق التي يسيطر عليها. في وضعه الحالي من الممكن اعتبار "الدولة الاسلامية" والمنطقة التي تقع تحت سيطرته ككيان سياسي اسلامي، والتي تتصرف كدولة تجاه السكان الواقعين في حدود مناطق سيطرتها. لقد اثبتت "الدولة الاسلامية" نفسها كمنظمة مهيمنة في العراق، ويتجه نحو خلق تهديد على بغداد وعلى النظام العراقي.فقد سيطر التنظيم على وسائل قتالية وعلى موارد هامة في المناطق التي يسيطر عليها ونجح في جمع اصول اقتصادية هامة. وهو يهدد سلامة العراق الكاملة ونجاحاته ادت بالدولة الى تجزئة فعلية. كما نجح في سوريا ايضا بإحتلال عدة مناطق، وتحديدا في منطقة الرقة ودير الزور، ويهدد بالاستيلاء على مدينة كوباني التي تتواجد فيها اقلية كردية كبيرة، واحتلالها يعني السيطرة على جزء من منطقة الحدود بين سوريا وتركيا. ويسعى التنظيم الى السيطرة على مناطق اضافية في سوريا وفصلها، على غرار ما حصل في العراق.
          الى جانب "الدولة الاسلامية" تنشط في سوريا منظمات معارضة ليست دولا كثيرة، تسعى لاسقاط نظام الاسد. هذه المنظمات منتظمة في جبهتين مركزيتين: الجبهة العلمانية – جيش سوريا الحر – والجبهة الاسلامية. بالاضافة الى ذلك ينشط في سوريا معسكر جهادي – سلفي. وفيما عدا "الدولة الاسلامية" يبرز في هذا المعسكر "جبهة النصرة" – مندوب تنظيم القاعدة في سوريا الذي يسعى الى إخفاء هذه الحقيقة، ويتركز نضاله في هذه المرحلة على اسقاط نظام الاسد، من خلال التعاون فقط مع "جيش سوريا الحر" ومنظمات من الجبهة الاسلامية.  
          المواجهة في سوريا امتدت الى داخل لبنان، نتيجة لتدخل حزب الله وقوات "الحرس الثوري" الايراني الى جانب نظام الاسد، وتحولوا الى هدف رئيسي لهجمات منظمات الجهاد السلفي في سوريا ولبنان. ويقف في مقدمة الناشطين في مواجهة حزب الله والحرس الثوري الايراني مقاتلي "جبهة النصرة" و "الدولة الاسلامية" وكذلك كتائب "عبد الله عزام" ومجموعات من الجهاد السلفي الاضافية العاملة في مخيم نهر البارد في شمال البلاد، وفي مخيم عين الحلوة في الجنوب. وفي اعقاب الفتوى التي اصدرها الشيخ السني، ابو منذر الشنقيطي، الذي يشجع العمليات الانتحارية ضد حزب الله، قامت هذه التنظيمات  خلال العام 2014 بحوالي 13 عملية انتحارية ضد معاقل شيعية مناصرة لحزب الله في البقاع اللبناني وفي بيروت.
          كما تبرز في دول شرق اوسطية اخرى نشاطات عدد من المنظمات فروع – دولة، والتي تعززت قوتها خلال العام الاخير. فعلى سبيل المثال، يبرز في مصر بشكل خاص نشاط منظمة "انصار بيت المقدس"، والتي اقيمت في نهاية العام 2011 على خلفية الاضطرابات التي مرت بها مصر مع سقوط نظام مبارك. وازداد نشاطها في اعقاب طرد الاخوان المسلمين عن السلطة. هذه المنظمة الجهادية زادت كثيرا خلال السنة الاخيرة من نشاطاتها الارهابية في شبه جزيرة سيناء، مع تركيزها على عناصر الجيش المصري مستخدمة اساليب متعددة في اعتداءاتها بما في ذلك العمليات الانتحارية، وتخريب انابيب النفط والغاز، وكمائن واغتيالات لجنود وضباط كبار في جهازي الشرطة والجيش. والى جانب ذلك تقوم المنظمة بالتعاون مع منظمات اخرى مثل "اجناد مصر" وغيرها بهجمات في قلب القاهرة والاسماعيلية. وفي نهايات العام 2014 قدم تنظيم "انصار بيت المقدس" ولاء الطاعة للدولة الاسلامية. وبذلك حول دعمه اليها (الذي اعطاه لغاية الان لتنظيم القاعدة) وعزز علاقاته معها بشكل وثيق.
          في هذا الاطار برز عمق العلاقة بين انصار بيت المقدس مع منظمات الجهاد السلفي في غزة مثل"شورى المجاهدين واكناف بيت المقدس" والى جانبه تنظيم جديد اعلن عن تأسيسه هذه السنة تحت اسم "الدولة الاسلامية في غزة". ولقد ساهمت المنظمات الجهادية السلفية في غزة ، وان كانت لا تعلن عن ذلك، في قتال الجيش الاسرائيلي خلال عملية "الجرف الصامد"، وقاموا بإطلاق عشرات الصواريخ بإتجاه المناطق الاسرائيلية. كما قام تنظيم انصار بيت المقدس هو ايضا بإطلاق عدة صواريخ بإتجاه الحدود الاسرائيلية، كما ارسل انتحاريا الى معبر كرم ابو سالم على الحدود مع غزة، والذي القي القبض عليه قبل تنفيذ العملية. هذا الاتجاه من التعاون، وتحديدا التضامن مع اعمال "الدولة الاسلامية"سواء في غزة او في مصر، من شأنها ان تشكل محورا ارهابيا بارزا في المستقبل القريب.
          في العام الفائت لم يتم تسجيل اعمال ارهابية من قبل عناصر الجهاد العالمي في الاردن. الا ان الاضطرابات السياسية في الشرق الاوسط منذ بداية "الربيع العربي" وبشكل خاص نشاطات "الدولة الاسلامية" في المنطقة، ادت الى تدفق اكثر من مليون ونصف مليون لاجئ عراقي وسوري على الاردن، والى جانب القلاقل الاجتماعية في الاردن، والتي تم التعبير عنها من خلال المظاهرات المؤيدة للدولة الاسلامية والجهاد العالمي – جميع ذلك من شأنه ان يؤدي الى اعمال عنيفة وعمليات ارهابية في المملكة، ومنها الى الخارج. التغلغل الى الاردن مطروح بشكل معلن من بين الاهداف القادمة للدولة الاسلامية، ويوجد حاليا خلايا للتنظيم في العديد من المناطق في الاردن مثل معان، الزرقاء واربد. لذلك، فإن الربط بين الايديولوجية المتطرفة التي لا تساوم، الى جانب عدم الارتياح الشعبي من شأنه ان يتم التعبير عنه بنشاطات ارهابية مستقبلا، على الرغم من الجاهزية العالية للقوات الامنية الاردنية.
          الى جانب التزايد الكبير في نشاطات منظمات الجهاد العالمي في الشرق الاوسط وكذلك خارجه، وتحديدا بسبب التأثير المتزايد للدولة الاسلامية في انحاء العالم، فإنه يوجد بين هذه التنظيمات عداء خطير، ايدلوجي وتنظيمي معا، والذي اساسه اندلاع الخلاف بين قادة الدولة الاسلامية وقادة تنظيم القاعدة وحلفائها. ونتائج هذه العداوة من المتوقع ان يؤثر على طبيعة نشاط هذه المنظمات ويزيد من تصميمها على تسخير النشاطات الارهابية من اجل نجاحها في الصراع الداخلي في كسب دعم المناصرين. وفي المقابل، فإن المواجهة داخل جبهة الجهاد من شأنه ان يستخدم كأداة هامة وفاعلة في مكافحة تمدد وانتشار هذه التنظيمات المختلفة وإضعافها.
          بالاجمال، يبدو ايضا ان السنة القادمة، على الاقل، سوف تستمر التنظيمات غير – الدولة في الشرق الاوسط في ان تكون عنصرا رئيسيا في محاولة تقويض الاستقرار في انظمة الحكم القائمة في الشرق الاوسط. ومن المتوقع ان تستمر تنظيمات الجهاد العالمي سواء تلك المؤيدة لتنظيم الدولة الاسلامية او تلك المؤيدة لتنظيم القاعدة، في العمل على تغيير النظام الاقليمي القائم منذ ايام سايكس بيكو، من اجل تحقيق رؤيتهما بإقامة الخلافة الاسلامية في بلاد الشام. من المتوقع ان الحرب ضد الدولة الاسلامية والتي اعلن عنها من قبل التحالف الدولي الذي يضم بين صفوفه 60 دولة غربية وعربية في النصف الثاني من العام 2014، سوف تزيد من قدرة الانظمة في كل من سوريا، الاردن وليبيا وحتى في مصر، ولبنان والعراق على مواجهة منظمات الجهاد السلفي في الحرب المتواصلة. وان نجاح او فشل هذه الحرب سوف يؤثر بشكل حاسم على صورة الشرق الاوسط الى ابعد من السنة القادمة.
          وبالنسبة لاسرائيل، من الممكن تزايد التهديد المباشر وغير المباشر عليها من قبل منظمات الجهاد السلفي العاملة على حدودها وخارجها. وعلى الرغم من تركيز كل من جبهة النصرة والدولة الاسلامية والقاعدة على محاربة نظام الاسد، الا انه لن يتم تحقيق حسم في سوريا حتى في السنة المقبلة وسوف يستمر فيها وضع التعادل العسكري، ومن الممكن ان تكون اسرائيل هدفا لنشاطات عسكرية من سوريا ومن لبنان – سواء ردا على ضربات التحالف الذي يقاتل التنظيمات الجهادية، او لان اسرائيل تعتبر عدوا معلن عنه من قبل هذه التنظيمات وكمساعدة للتحالف. وفي المقابل من المتوقع ان يكون هناك مساعدة من قبل الدولة الاسلامية لشركائها في شبه جزيرة سيناء، وفي غزة وفي الاردن وكذلك تشجيع القيام بنشاطات ضد اسرائيل، وعلى ضوء توقع عودة "الابطال" من مناطق القتال ومعسكرات تدريب الدولة الاسلامية، والقاعدة وشركائهما في الشرق الاوسط الى بلادهم، من شأنه ان يزيد من المحاولات للقيام بعمليات ارهابية ضد اهداف اسرائيلية ويهودية في دول مختلفة.
نقاط الاضطرابات
الحرب الاهلية في سوريا وتبعاتها على الدول المجاورة
          لقد شكل نشوب الحرب الاهلية في سوريا خطا فاصلا في الشرق الاوسط. وللمواجهات المتصاعدة في هذه الدولة، لا بد ان تكون تبعات وعواقب خطيرة بعيدة المدى على المنطقة بأكملها. في المقام الاول وفي المقدمة بسبب تفاقم وإلحاحية المآساة الانسانية التي اوجدتها الحرب: فخلال السنوات الثلاث الاخيرة هرب اكثر من 3.5 مليون سوري من بلدهم (بالاضافة الى اقتلاع اكثر من 6.5 مليون انسان من بيوتهم في داخل الدولة)، واغلبهم يبحث عن مأوى في الدول المجاورة. في اعقاب ذلك نشأ ضغط اقتصادي، اجتماعي، ديموغرافي وسياسي كبير على الدول المضيفة، (خاصة لبنان والاردن). بالاضافة الى ذلك فقد فاقمت الحرب الانقسامات التي كانت موجودة اصلا في المنطقة. ونتيجة لذلك ازدادت الخلافات بين المجموعات المختلفة وخاصة تلك الاكثر تطرفا من بينها، عن طريق تحقيق قواعد مناطقية لها وجلب قوى مناصرة للجهاديين من المنطقة ومن العالم باسره.
          النظرة الى المستقبل تعطي صورة قاتمة. ففي كل ما يتعلق بسوريا – مركز عدم الاستقرار الاقليمي – من المنطقي الافتراض انه على المدى القريب والمتوسط سوف تستمر الحرب الاهلية، حيث تتجزأ الدولة عمليا بين منظومات سلطوية مختلفة تتنافس فيما بينها. لذا، فعلى الرغم من حقيقة ان وضعها في ساحة القتال قد يتغير على المستوى التكتيكي، الا انه من الناحية الاستراتيجية فقد نشأ وضع المأزق المؤلم والكئيب. فمن غير المتوقع ان يعمل الجهد الدولي المتواصل ضد تنظيم الدولة الاسلامية في سوريا على ترجيح الكفة لصالح قوى المعارضة السورية. ولا تلوح نهاية للحرب في الافق، ولذا فمن الواضح ان العمليات المتواصلة لتفكيك الدولة وهدم الاساس الاجتماعي لها سوف يستمر – وهو ما يخلق تحديا هائلا ولعدة سنوات امام "اليوم التالي".
          واخيرا، الى ان تنتهي الحرب الاهلية ومن اجل وضع اساس لمنظومة دائمة، فإن الامر يتطلب صفقة شاملة واتفاق سياسي بين الاطراف الاساسية، الى جانب تدخل مؤثر على اطراف القوة الاقليميين مثل ايران والعربية السعودية، كي يقوموا بالمساعدة في بناء منظومة سياسية جديدة في الدولة. ولكن في ظل غياب الارادة السياسية المحلية والاقليمية معا للتحرك بهذ الاتجاه، من المنطقي الافتراض ان مستقبل سوريا الآني يتميز باستمرار المواجهة وتقسيمها بشكل فعلي، مع عواقب كارثية على امن السكان. علاوة على ذلك، فإن تفكك سوريا سوف يخلق تبعات سلبية تقريبا على جميع الدول المحيطة بها. وبشكل خاص، فإن استمرار وضع غياب سلطة مركزية قوية يخلق فراغا تنشط به منظمات ارهابية متطرفة ليس فقط في داخل الدولة، بل ايضا تجاه جيرانها – ومن ضمنها اسرائيل – على الرغم من ان في ذلك اثر ايجابي للوضع وهو انه لم يعد من الممكن ان يكون في سوريا قوة عسكرية مركزية قوية من شأنه ان تهدد اسرائيل.
          لبنان – الارتباط بسوريا برابط تاريخي على المستوى السياسي، الاجتماعي والثقافي -  يجعلها في ان تكون متأثرة بصورة كبيرة من الحرب الاهلية السورية. على الرغم من ان الحكومة في لبنان قررت وبصورة حادة في اكتوبر من العام 2014 تقييد تدفق اللاجئين السوريين الى داخل البلاد، الا ان هذه الدولة الصغيرة التي يبلغ عدد سكانها 4.5 مليون نسمة ما تزال تئن تحت وطأة افواج اللاجئين الوافدين اليها والذين وصل عددهم الى اكثر من 1.1 مليون سوري. وعلى ضوء خطورة وشدة الحرب الاهلية في سوريا فعلينا ان نتوقع ان معظم اللاجئين سوف يبقى في سوريا على المدى المتوسط والبعيد، حيث يشكلون تحديا ملموسا ليس فقط في مفهوم المساعدات الطارئة، بل ايضا في كل ما يتعلق بدمجهم في الدولة. بالاضافة الى انه من المتوقع استمرار المعركة السياسية في لبنان من المعاناة من عملية الاستقطاب العميقة على قاعدة الانقسام السياسي – الطائفي بين المعسكر الشيعي والمعسكر السني، هذه الحقيقة تشكل معيقا امام فعالية الجهاز السياسي. وعلاوة على ذلك، فإن الحرب الاهلية تستخدم ايضا في تحريك التطرف في لبنان، الذي يترافق بإرتفاع عام في صورة ومستوى نشاطات المجموعات السلفية الجهادية. واخيرا، بالاضافة الى هذه المجموعات المحلية، يوجد ايضا منظمات اخرى مثل "جبهة النصرة" او "الدولة الاسلامية" التي وضعت لنفسها لبنان كهدف وخاصة قوات الامن فيه، وكلما استمرت الحرب الاهلية في سوريا، فإن من شأن ذلك ان يزيد في ضبابية وعدم الوضوح في الحدود بين الدولتين.
          وايضا الاردن – تتأثر من عدم الاستقرار الاقليمي وبشكل خاص من الحرب الاهلية في سوريا. وذلك ليس فقط في اعقاب الضغط السياسي، الاجتماعي والاقتصادي الناتج عن استقبال اكثر من 600 الف لاجئ سوري (المسجلين رسميا، بينما الرقم الحقيقي هو اكثر من مليون لاجئ)، والذين يشكلون تحديا اقتصاديا لاقتصاد الدولة الضعيف. بالاضافة الى ذلك، فإن الازمة الاقتصادية المستمرة في الاردن وتحديدا في معدلات البطالة المرتفعة فيها في السنوات الثلاث الاخيرة، ولدت جولات من الاحتجاجات، التي كانت تندمج في احيان متقاربة مع مطالب ليبرالية سياسية، مع ذلك، وعلى ضوء عدم الرضا، يبدو ان مكانة الملك ما زالت مستقرة بصورة نسبية، الا ان المطالبة بمعالجة الشكاوي السياسية والاجتماعية – الاقتصادية مرشحة للاستمرار. وبالاضافة الى ذلك، فإن الاستقرار النسبي للاردن لغاية الآن وبالتزامن مع التهديدات الموجهة لاستقرارها يساعدها بالحصول على المساعدات الاقتصادية الاقليمية السخية جدا. وبنظرة الى المستقبل، فإن الحرب الاهلية في سوريا، وظاهرة الدولة الاسلامية تفاقم من التهديدات الامنية على المملكة. وبسبب الخوف المتزايد من تنامي خلايا للدولة الاسلامية ومجموعات متطرفة اخرى للاسلام المتطرف في الاردن، قررت المملكة حظر نشاط الجهاديين على اراضيها، من خلال طرح قضية الامن الداخلي، ورصد التطرف من الداخل والاهتمام بالدولة الاسلامية.
          العراق – تأثر هو ايضا الى حد كبير بالحرب الاهلية في سوريا. المواجهة في الدولة المجاورة عمق الانقسام القائم منذ زمن بعيد، واوضح بصورة مؤلمة، الفشل في عملية بناء الدولة بعد العام 2003. في هذا المفهوم من الممكن رؤية احياء تنظيم "الدولة الاسلامية" في العراق تعبيرا واضحا للمنظومة السياسية وللحكومة المركزية في الدولة، وكذلك نتيجة ايضا لنجاح التتظيم في سوريا. من الواضح ان هزيمة الدولة الاسلامية لا يتطلب فقط رؤية عسكرية، بل ايضا تغيير جوهري للمنظومة السياسية وتبني نموذج سياسي اكثر شمولية وشفافية. حاليا يستمر التنظيم بالنشاط في المناطق التي يسيطر عليها في العراق وسوريا، وفيما عدا تراكم الثروات فهو يسعى ايضا لتوسيع المناطق التي يسيطر عليها. ويشهد العراق حاليا عدم استقرار سياسي خطير وكذلك مستوى حكم منخفض وجيش ضعيف، والتي لا تعزز من قدرة واداء تنظيم الدولة الاسلامية فقط، بل في الاتجاه الحالي نحو إضعاف الحكومة المركزية وتعزيز اجهزة الحكم الذاتي المحلية (وكردستان العراق هي النموذج الابرز في هذا الاتجاه).
          وتؤثر الحرب الاهلية في سوريا اكثر واكثر على تركيا، اولا - فقد هرب الى تركيا حوالي 1.6 مليون لاجئ سوري. وعلى الرغم من ان تركيا هي الدولة ذات القدرة الاكبر بدون شك من الناحية السياسية والاقتصادية لمعالجة ازمة اللاجئين، الا ان الوضع الطارئ المستمر بدأ يجبي منها ثمنا سياسيا، ماليا واجتماعيا. الشئ الصحيح بشكل خاص هو ان اكثر من 80 بالمئة من اللاجئين يتركزون بشكل اساسي خارج المخيمات، في خمسة مناطق في جنوب وجنوب غرب تركيا. في هذه المناطق فإن تواجد اللاجئين السوريين يبرز بصورة جلية، ووجودهم يؤدي الى زيادة التوترات بين السكان المحليين في المناطق الحدودية هذه. ثانيا – زعزعة السلطة المركزية في سوريا وتخاصم المجموعات المسلحة في الدولة يزيدان من خطورة المشاكل في تركيا، التي تتشارك مع سوريا بحدود تمتد حوالي 900 كيلومتر. صعود الدولة الاسلامية، يضع امام الحكومة التركية معضلة صعبة، فإن سياستها، التي تعطي الاولوية لدعم القوات المعارضة لنظام الاسد، ادت في الماضي الى تقدير خاطئ وقللت من قوة التحدي الذي شكله الجهاديين في سوريا والعراق. ثالثا – المواجهة في سوريا تؤثر على علاقات تركيا المضطربة مع الاقلية الكردية داخل اراضيها. وتعززت زيادة التوتر هذه عندما رفضت الحكومة التركية السماح للقوات الكردية  التي تقاتل الدولة الاسلامية من اجتياز الحدود والوصول الى المدينة السورية المحاصر كوباني.
انظمة في عين العاصفة
          مصر – ليست منفصلة عن تأثير موجة التطرف الاقليمي. الاضطرابات التي مرت بها في اعقاب سقوط نظام مبارك وضع امامها مشكلتين امنيتين. الاولى، طرد نظام الاخوان المسلمين على ايدي الجيش في العام 2013 خلق شرخا بينهم وبين النظام الجديد برئاسة الرئيس عبد الفتاح السيسي. والمحاولات بالتعاون مع حكومات غربية لرأب الصدع ودمج التنظيمين في السلطة لم تنجح، وانتقلت الاطراف الى مسار المواجهة. في مثل هذه الحالة يشتبه النظام ان التنظيم على علاقة بالمنظمات الارهابية والعمليات المنتشرة على الاراضي المصرية، وهذا الرابط ايضا غير واضح، وتدعي الادارة الاميركية ان لا إثبات لوجود ذلك. ولكن فيما عدا المواجهات مع "الاخوان المسلمين"، فإن نظام السيسي مطالب في استمرار مواجهة تيارات التغيير التي نشأت في مصر خلال السنوات الاربع الاخيرة، ومن ضمن ذلك شباب الثورة الليبراليين وكذلك مع الوضع الاقتصادي الخطير في البلاد.
          المشكلة الثانية الماثلة امام مصر هي الزيادة في الاعمال الارهابية الذي بدأ منذ العام 2011 – وتحديدا في شبه جزيرة سيناء، وكذلك غرب مصر على الحدود مع ليبيا، التي تمتد بين الحين والآخر الى داخل الاراضي المصرية. وتوجه العمليات الارهابية الى قوات الامن وكذلك ضد اهداف اقتصادية، من اجل زعزعة الامن الداخلي والوضع الاقتصادي، وبالتالي الى عدم استقرار النظام. التنظيم الاكثر نشاطا في مجال الارهاب هو "انصار بيت المقدس" التي تتركز اعماله في سيناء، وكذلك على الحدود مع ليبيا. ومنح التنظيم الولاء للدولة الاسلامية،الذي يقوم بتسريب افراده الى مصر ويقيم معه علاقات وثيقة، وكذلك مع تنظيمات جهادية في قطاع غزة.
          النشاطات الارهابية في سيناء مورست ايضا خلال سنة حكم الاخوان المسلمين، وتزايدت بعد ذلك. ونتيجة لذلك ضاعف النظام الحالي من اعماله الوقائية في سيناء، بما في ذلك الهجمات الجوية، ووسع من هدم الانفاق على الحدود مع قطاع غزة. وادى مصرع 33 من افراد الجيش في شمال سيناء في نهاية شهر اكتوبر من العام 2014، بالنظام الى تقدير ان الدولة الاسلامية تعزز من نشاطها في سيناء، بالتعاون مع انصار بيت المقدس. وفي اعقاب ذلك اعلن النظام عن إقامة منطقة امنية بعرض حوالي 1000 متر على طول حدود قطاع غزة مع سيناء. والتي تم في إطارها إخلاء 800 بيت وحوالي 10 آلاف ساكن من منطقة رفح المصرية.
          لقد حارب النظام في مصر بالماضي موجة من الارهاب من قبل المنظمات الاسلامية المتطرفة، وتحديدا في منتصف التسعينيات، وتغلب عليها. هذه المرة المهمة اكثر صعوبة لان نشطاء الارهاب هم كثيرون جدا، وتشكل ليبيا مخزنا كبيرا للسلاح وقاعدة لنشاط الجهاديين. ويتطلب وقف موجة الارهاب الحالية ليس فقط إعمال القوة الكبيرة، بل ايضا جهد سياسي لوقف المساعدة المتدفقة للمنظمات الارهابية وعزلها. ومع ذلك، يبدو ان هناك احتمال منطقي قائم في ان يتغلب النظام على المنظمات الارهابية، حتى ولو تطلب الامر وقتا طويلا. 
          في السنتين الاخيرتين تحولت ليبيا الى دولة فاشلة. يوجد فيها حكومتين، برلمانين، وجيشين وقائدين للجيش. وتدور فيها حرب اهلية صعبة ومستمرة، مئات الآلاف من السكان فروا من بيوتهم وآخرين يبحثون عن ملجأ لهم خارج ليبيا. تعمل فيها مجالس عسكرية ومليشيات مسلحة، على علاقة باشخاص وبمنظمات مختلفة تعمل ضد مؤسسات الدولة. تحولت ليبيا الى مأوى للمنظمات الارهابية، وتبني فيها المنظمات الجهادية معاقلا عبر صراع فيما بينهم وبين خصومهم، ومحاولات الجيوش الليبية للعمل ضدهم. مخازن السلاح الضخمة التي بناها القذافي في ليبيا في سنوات الثمانينيات تم اقتحامها ووصل السلاح الى ايدي المنظمات الارهابية في ليبيا وخارج ليبيا، بما في ذلك قطاع غزة. كما بدأت الدولة الاسلامية تمتد الى داخل ليبيا من خلال استغلال الفوضى في البلد، وتجنيد الدعم من المنظمات الجهادية الاخرى، بما في ذلك من اجل التسلل الى مصر. ليس مستغربا ان يقلق الانهيار الحاصل في ليبيا جيرانها بصورة كبيرة وخاصة مصر، التي تعتقد بوجود تنسيقا بين الاسلاميين في ليبيا وبين انصار بيت المقدس والدولة الاسلامية.
          وانضمت اليمن ايضا الى مجموعة الدول الفاشلة. فعلى مدار سنوات بنى تنظيم القاعدة لنفسة فرعا في اليمن، يحمل اسم "القاعدة في شبه الجزيرة العربية". واعتبر هذا المعقل الاخطر من بين فروع التنظيم الخطرة الاخرى والتي تشكل خطرا على العربية السعودية، وفي العام الاخير يدير التنظيم جهدا واسعا من العمليات والهجمات ضد عناصر امنية وحكومية.  والظاهرة الاكثر بروزا هي انتشار تمرد الحوثيين خلال العام 2014. حيث تدير الحكومة اليمنية منذ عقد من الزمن نضالا ضد تمرد الحوثيين – طائفة زيدية تابعة للشيعة تتركز في شمال اليمن الذي يضم 30 بالمئة من سكان الدولة، الذي يسود بينهم الشعور بالحرمان. الا ان الحوثيين بدأوا في السنة الاخير هجوم شامل من اجل توسيع مناطق تأثيرهم، مستغلين بذلك ضعف الحكومة والجيش اليمنيين، وفي اشهر سبتمبر واكتوبر من العام 2014 سيطروا على صنعاء العاصمة وعلى مطار الحديدة الهام على البحر الاحمر.
          نتيجة هذه التطورات في اليمن هي، الفوضى، الارهاب، القتال بين القبائل والطوائف، صراع عنيف بين المنظمات – وفي مقدمتها ضد الحوثيين والقاعدة – ومطالبات بتقسيم اليمن. ولكن لهذه الصراعات يوجد ايضا نظرات اقليمية. فقد حظي الحوثيين منذ سنوات بدعم من ايران، وخاصة عن طريق قوات "القدس" والحرس الثوري"، في اعقاب انتمائهم للشيعة. التدهور في اليمن يثير قلق السعوديين ليس فقط بسبب عدم وجود الاستقرار على حدودهم الجنوبية، الذي قد يمتد الى اراضيهم، بل ايضا بسبب احتمال قيام معقل ايراني ملاصق لهم وعلى ابواب البحر الاحمر.
التحالف ضد الدولة الاسلامية
          منذ صيف 2014 تقود الولايات المتحدة منظومة دولية ضد "الدولة الاسلامية". هذا الاجراء تم بناؤه بالتدريج، حيث تم في البداية منح الدعم العسكري والانساني للسلطة المركزية في العراق وللاقليات في المناطق غير المحمية في الدولة. وفي المقابل تم بلورة تحالف من اجل خلق جهد عسكري مركز في العراق وسوريا. دول غربية (بريطانيا، فرنسا،المانيا، استراليا وغيرها) ودول عربية (الاردن، العربية السعودية، ودول اخرى في الخليج) انتصبوا الى جانب الولايات المتحدة في تحالف ضد "الدولة الاسلامية". من خلال التركيز على الهجمات من الجو على اهداف "الدولة الاسلامية"، تسليح وتدريب القوات الكردية، والقوات العراقية الخاضعة للحكومة في بغداد والمتمردين غير المتطرفين في سوريا وبالمساعدات الانسانية لمناطق القتال.
          لقد بلور التحالف خطة استراتيجية يقع في اساسها مبدأين اثنين: (أ) التركيز على تقويض "الدولة الاسلامية" وبتصفيته بداية، بدون جهد مباشر يؤدي الى سقوط نظام الاسد في سوريا. (ب) الامتناع عن ارسال قوات عسكرية برية، والاعتماد على قوات عسكرية من الحلفاء المحليين – قوات عراقية كردية، ولاحقا قوات جيش سوريا الحر(FSA) بعد تأهيلهم -  "كموطئ قدم" في قتال قوات الدولة الاسلامية ، والتي تؤدي الى تصفية التنظيم عن طريق 6 جهود منسق بينها: (1) دعم عسكري لحكومة الوحدة في العراق وبإقامة قوة من المتمردين في سوريا غير المحسوبين على مجموعات الجهاديين المتطرفة، (2) حماية الاقليات الذين يتم ذبحهم على ايدي الدولة الاسلامية، (3) معالجة الازمة الانسانية في المناطق التي سيطر عليها التنظيم، (4) وقف تيار المتطوعين في صفوف التنظيم (زعماء الغرب قلقون من تزايد موجة تدفق المتطوعين الغربيين الى صفوف التنظيم، خاصة في الدول الاوروبية)، (5) محاربة القدرة الاقتصادية وبمصادر تمويل "الدولة الاسلامية"، (6) نزع شرعية ايديولوجية التنظيم.
          بعد عدة اشهر من القتال الجوي لقوات التحالف الغربية – العربية، تبين ان الجهد الجوي غير كافي من اجل وقف هجمات الدولة الاسلامية المتعاظمة للدولة الاسلامية في سوريا والعراق. ولذلك تم القيام بجهود ، سجلت نجاحا محدودا، للتغلب على الجهد العسكري لدول التحالف، وبضمن ذلك دمج قوات خاصة برية.
          هذه الانجازات المحدودة للتحالف، الى جانب انجازات الدولة الاسلامية في العراق وسوريا، تشكل تهديدا للافتراضين الاساسيين في اساس سياسة الرئيس اوباما في الشرق الاوسط:
1.يسعى اوباما لتأسيس منظومة علاقات خاصة وتنسيق استراتيجي مع تركيا، الا ان زعيم تركيا، رجب طيب اردوغان، وضع امام اوباما مطلبا حادا بخصوص سوريا: التعاون من قبل تركيا – كحليفة وكعضو في حلف الناتو – في محاربة "الدولة الاسلامية"، مقابل تبني هدف اسقاط نظام الاسد في اسرع وقت ممكن. هذه المطالبة وضعت اوباما في فخ صعب بين التطلع لمشاركة تركيا في المعركة، بسبب خصوصيتها الجيو – استراتيجية على ضوء الحدود الطويلة مع سوريا والعراق، وبين الرغبة بدمج ايران في الحرب ضد "الدولة الاسلامية" ولاستغلال الفرصة لتحسين العلاقات مع ايران. الادارة الاميركية تجري اتصالات مع ايران بوساطة عراقية، وايضا آلية التنسيق العسكري لمنع الاحتكاك. على عكس تركيا، فإن ايران تطلب ان تمتنع الولايات المتحدة عن العمل لاسقاط نظام الاسد. الا انه، وبعد جهود اقناع نجحت الولايات المتحدة في تسخير تركيا للحرب ضد "الدولة الاسلامية"، ولكن مشاركة القوات التركية محدودة ومركزة في محاولة في اغلاق حدودها مع سوريا والعراق، من اجل تقليص حركة المتطوعين وتزويد قوات "الدولة الاسلامية". فيما عدا الحساب المفتوح لاردوغان مع الاسد، يخشى اردوغان من تعزيز قوة الاكراد في العراق وتركيا، نتيجة النجاح الممكن في القضاء على "الدولة الاسلامية".
2.  كان يسود في الادارة الاميركية تصور ان الولايات المتحدة بإمكانها الخروج من العراق ومن افغانستان، ووضع اساس لاستقرار هاتين الدولتين من قبل جيوشها المحلية الذين تم تدريبهم وتأهيلهم على يدها، وذلك من دون ان تضمن بناء بنى تحتية لنظام مستقر، ومسؤول وفاعل في هذه الدول. ولكن مع خروج قوات الولايات المتحدة نشأ فراغ في الحكم التي ظهرت تبعات فشله ليس في العراق وافغانستان فقط، بل في الدول المجاورة. حيث امتد عدم الاستقرار الى اراضيها، وتزايدت فيها قوة المتطرفين وتفكك إطار الدولة وادائها. وعلى الرغم من ذلك، يسود لدى الادارة الاميركية الاعتقاد ان محاربة "الدولة الاسلامية" يستوجب الاستناد على قوات برية محلية  - عراقيين، سوريين ومن الدول العربية – على الرغم من كونهم ضعفاء وعديمي الدافع ومشتتين. ان ارسال جنود اميركيين للعمل على الارض بصورة واسعة غير مطروح للبحث، ويتسلل للفراغ السلطوي على الارض عناصر من طرف ايران – قوات القدس التابعة للحرس الثوري، مليشيات شيعية تعمل في العراق وحزب الله يحارب في سوريا ومؤخرا في العراق ايضا.
فيما عدا فحص مجدد للمبادئ الاساسية لمحاربة "الدولة الاسلامية"، على قوات التحالف بلورة فكرة فاعلة معدلة ولتحسين المخرجات العملياتية:  
1. القوات الجوية مطلوب من معظمها القدوم من مطارات بعيدة  والاستناد على معلومات استخبارية ليست دقيقة كفاية. ونتيجة هذا الجهد هو مخرج عملياتي محدود، لانه لا يسمح لوجود جوي دائم فوق ساحة القتال. فلغاية الآن قامت دول التحالف بالعديد من الهجمات المحدودة (عشرات في اليوم). وهذا لا يعتبر حاسما من اجل تحقيق النصر على "الدولة الاسلامية" وتحييدها، وهي غير مناسبة لهذا النوع من الحرب ضد ارهاب/حرب العصابات، الذي يدور في اماكن مختلفة. قوات "الدولة الاسلامية" قامت بموائمة طريقة نشاطها مع الوضع الجديد مما خلق صعوبة كبيرة جدا في العثور على اهداف مهمة لضربها. من اجل إلحاق الضرر الاكيد وكبح قوات "الدولة الاسلامية" من الحيوي ايجاد معلومات استخبارية دقيقة وذو اختصاص، ومطلوب مئات الطلعات اليومية ووجود جوي مكثف ومتواصل في المنطقة بغرض جمع المعلومات الاستخبارية ولغلق حلقات الهجمات الفورية.
2. طائرات التحالف تهاجم اهداف اقتصادية تسيطر عليها "الدولة الاسلامية" من اجل المس بمصادر تمويلها والتأثير على التنظيم. وكنتيجة لذلك فهم يلحقون الضرر بالتزويد بالكهرباء، الماء والمواد الغذائية للسكان المحليين في ساحات القتال. هذه النشاطات تبعد السكان المحليين عن دعم قوات التحالف وتقربها من"الدولة الاسلامية" . لهذا السبب ففي إطار إستخلاص العبر من معارك الماضي والمعركة الحالية لغاية الآن، فعلى قوات التحالف ان تقلص قدر الامكان من الضرر المادي الذي يلحق بالسكان غير المشاركة في القتال، وللتأكيد على ايصال حاجاتها الاساسية والامتناع قدر الامكان من المس بالبنى التحتية الحيوية لتزويد الخدمات للسكان المدنيين.
3. يجب تعزيز القوات البرية التي تحارب "الدولة الاسلامية". التحالف يستند على قوات الجيش العراقي والمعارضة العلمانية في سوريا – بقايا "جيش سوريا الحر". الا ان هذه القوات لا تظهر القدرة القتالية الكافية والمطلوب جهد  مركز من اجل تأهيلها، وتدريبها، وتجهيزها وتعزيز ارادتها على القتال. آلاف المدربين الاجانب من القوات الخاصة من الولايات المتحدة ومن الدول الغربية يقومون الآن بتدريب القوات العراقية، ولكن عليهم مرافقة القوات في القتال.
4. مطلوب تسريع بناء وتدريب قوات المعارضة المعتدلة في سوريا، والحديث يدور عن تحدي مركب: من الصعب تحويل وحدات من مجموعات المتمردين المسلحين الى جيش مع قدرة عملياتية وهيكل فاعل من الاداء والسيطرة – وتحديدا بسبب تفكك هذه الجبهة وفرار مقاتلين الى صفوف المجموعات الاسلامية، التي تحارب هي ايضا ضد نظام الاسد. يشار الى ان وزارة الدفاع الاميركية قدرت فترة ثلاث الى خمسة اشهر من اجل فرز مقاتلين معيينين من اوساط قوات المعارضة السورية المعتدلة، وحوالي العام من اجل الانتهاء من تأهيلهم وتدريبهم في معسكرات التدريب في الاردن وتركيا.
5. قوات الاسد مصممة اكثر في محاربتها لقوات المعارضة المعتدلة، بالمقارنة مع توانيها الواضح في محاربة قوات الجهاديين. وبناء على ذلك، مطلوب ردع قوات الاسد من المس بقوات المعارضة المعتدلة، على سبيل المثال عن طريق الاعلان عن منطقة حظر جوي في شمال سوريا وشرقها من اجل منع نشاط تحليق الطيران الذي لا يعمل في إطار قوات التحالف، وكذلك لمنع هجمات الطائرات والمروحيات التابعة لسلاح الجو السوري ضد المتمردين الذين هم من غير صفوق "الدولة الاسلامية".
تحديات المعركة لهزيمة "الدولة الاسلامية" معقدة وصعبة المنال، بسبب العديد من العوامل: وفي مقدمتها حصانة التنظيم، النابعة من التأييد الذي يحظى به في المناطق التي يسيطر عليها، وخارجها. والدعم يتمثل بتجنيد المتطوعين من كل العالم في صفوفه، وولاءات الطاعة للتنظيم من جانب المنظمات الجهادية في انحاء العالم العربي. الى جانب المخاوف التي يقوم التنظيم بزرعها عبر وسائل الاعلام الحديثة. ويضاف الى ذلك، فإن التنظيم يظهر مرونة وقدرة على التغيير بسرعة كبيرة، من اجل المحافظة على حرية العمل والتلائم مع الظروف المتغيرة. عنصر إضافي آخر، يجعل من الصعب مواجهة "الدولة الاسلامية" هو القوة المحدودة  - نظام القوى المقلص المستثمر من قبل الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين والعرب. وكل ذلك الى جانب تسخير قوات عربية معتدلة للمعركة وغياب قوة برية فاعلة على ارض المعركة، وعلى خلفية عدم اليقين فيما يتعلق بعدم الاستقرار الاقليمي على تزايد قوة الدولة الاسلامية.
الهجمات الجوية بدون جهد على الارض من الممكن ان تشوش على نشاط "الدولة الاسلامية" وليس اكثر من ذلك. من اجل النصر في المعركة يجب إقناع اللاعبين الاقليميين بإرسال قوات برية الى القتال. ولكن، اذا لم يتم تعزيز قوات التحالف وتحديدا اذا لم تشارك تركيا بشكل فاعل في القتال البري – فإنه يوجد احتمال ضعيف جدا بقيام الدول العربية بإرسال قوات من طرفها للقتال. سوريا، على العكس من العراق، ما زالت "خارج المجال" بالنسبة للعديد من الدول الغربية وهي تكتفي بشن غارات جوية عليها، الى جانب البدء بجهد لتجنيد وتدريب قوات من اوساط قوات المعارضة المعتدلة والاقليات. وايضا تركيا، فعلى الرغم من كونها متأثرة مما يدور في سوريا وتؤثر على التطورات فيها، فإنها من ضمن المجموعة التي ترفض ان تأخذ على عاتقها المعركة البرية، خوفا من المسؤولية عن حمام الدم في سوريا. لذلك، فإن الدول العربية تشارك بشكل اساسي بمهاجمة اهداف "الدولة الاسلامية" في سوريا من الجو. هذه المشاركة الفاعلة تنبع من مخاوف تمدد الحرب اليها ومن الحاق الضرر بمصالحها في المنطقة.
والاسوأ من ذلك ، فإن قتال التحالف ضد "الدولة الاسلامية" يساعد نظام الاسد، عبر تخفيف الضغط المباشر عليه. بالاضافة الى انه طالما ان الولايات المتحدة تركز على القتال في العراق، فإن التوتر يزداد بينها وبين حلفائها من ممالك الشرق الاوسط القلقة من تقاسم المصالح بين الولايات المتحدة وايران، والتي تعبر عن نفسها في القتال الدائر على ارض العراق. وفي نفس الوقت، يبدو ان الاسد نفسه غير معني بهزيمة الدولة الاسلامية، لان من شأن هزيمة التنظيم ان يدفع بالنظام الى مقدمة الواجهة كالعدو الرئيسي المشترك لغالبية دول الشرق الاوسط والاسرة الدولية. وفي المقابل، فإنه طالما الاسد يسيطر في سوريا فإنه لا يمكن وقف تدفق المتطوعين للانضمام الى صفوف الجماعات الجهادية السلفية وقوات الدولة الاسلامية  لمحاربة نظام الاسد. لذا، فمن اجل تحييد التوازن الاستراتيجي الموجود بين الاطراف مطلوب العمل لإخضاع "الدولة الاسلامية"، وبنفس الوقت العمل على بناء بديل عملي وذو اختصاص لنظام الاسد في سوريا.
ومن جانبها فإن ايران لا تخفي اكثر نشاطاتها العسكرية (وتحديدا بواسطة قوات القدس) في العراق، وفي سوريا (بما في ذلك هضبة الجولان) وفي لبنان، وهي مصممة على استغلال عدم الاستقرار وعلى وضع "الدولة الاسلامية" كتهديد مركزي للغرب من اجل تحقيق هيمنتها في المنطقة. وفي إطار العملية المكثفة التي تتضمن وصف ايران كالمخلص والمنقذ للعراق، فإن طهران تنشر صور بطلها قاسم سليماني، قائد قوات القدس، وهو ينظم المعركة في العراق مع القوات الشيعية والمليشيات الكردية. وفي هذا الاجراء يظهر تأثير التحالفات والولاءات الاستراتيجية التي توجد في الشرق الاوسط استعدادا لليوم التالي. والخطر الكامن بذلك ان الجمهور في العراق، وتحديدا في اوساط الاكراد، يعترفون بجميل ايران وحزب الله الذين ساعدوهم على الصمود في وجه اعتداءات "الدولة الاسلامية".
يبدو ان عدم اليقين والضباب الذي يلف الشرق الاوسط اثقل بكثير من تلك التي عرفناها في العقود الماضية. هذه الحالة، والتي في إطارها تدار الحرب ضد "الدولة الاسلامية" ليست سهلة، بالنسبة لصانعي القرارات في العالم. ومع ذلك، فإن اشتداد حدة التوترات وتزايد العنف بين المختلف العناصر في المنطقة من شأنها تحديدا ان تقرب المجتمع الدولي الى الوقت الذي يتوجب عليه  ان يقرر فيه كيف يعتزم مواجهة التحديات في المنطقة.
الولايات المتحدة – على الرغم من التراجع بقوتها ومكانتها، كما هي ظاهرة في العالم – فهي ما تزال القوة العظمى الرائدة والاقوى. الاسئلة الصعبة التي تظهر من التحدي الذي تشكله لها "الدولة الاسلامية" ومن التحدي ذو العلاقة في الملف النووي الايراني موضوعة امام الادارة الاميركية. على الولايات المتحدة ان تتخذ سياسة مقررة من اجل تقوية التحالف الذي تقوده، ولزيادة تصميم حلفائها ومن اجل هزيمة "الدولة الاسلامية"، الى جانب الاستمرار في جهودها من اجل التوصل الى اتفاق مع ايران بخصوص الملف النووي، ولكي لا يفسر كخضوع لايران فقط من اجل تعاونها في محاربة "الدولة الاسلامية".
العواقب المستقبلية
الاضطرابات التي مرت على الشرق الاوسط خلقت بعدا كبيرا من عدم اليقين تجاه المسقبل. والعديد من الانظمة والقادة لا يعرفون فيما اذا كانوا سينجون من الازمة، او من سيكون جارهم وكيف يرسمون الحدود. وحتى في الدول التي لم يتأثر استقرارها لغاية الآن، توجد مخاوف من تطور ازمات داخلية مستقبلا، او ان الاضطرابات عند جاراتها يمتد وتنتشر الى اراضيها. وفي مثل هذه الظروف فإن الانظمة تجد صعوبة في تخطيط خطواتها، وفي اتخاذ قرارات بعيدة المدى والتي تتأثر من الوضع في المنطقة.
          ان نهاية الازمة لا تلوح في الافق، وهي من الممكن ان تستمر لسنوات طوال. على الاقل في اربع دول في المنطقة – ومن بينها دولتين مركزيتين هما العراق وسوريا -  الوضع تفاقم في السنة الاخيرة، ولم تنشأ ظروف من الممكن ان تجلب الاستقرار اليها. ففي ظل غياب اساس لاتفاق سياسي وتسوية سياسية للوضع في سوريا والعراق، وللنضال العنيف بين السنة والشيعة والاكراد وجماعات عرقية اخرى تتطلع للاستقلال، وللمنظمات الجهادية الارهابية والمليشيات المسلحة التي تعزز من قوتها، ويعملون ليس فقط في سوريا والعراق بل في مصر ايضا، والقتال بين العشائر في اليمن وليبيا، وعندما لا يكون في المنطقة عنصر مركزي بإمكانه قيادة العالم العربي الى الاستقرار، وايران تحفر في دول عدة – فإن الاحتمالات لانهاء قريب للازمة هي ضعيفة جدا.
الظهور المفاجئ لتنظيم الدولة الاسلامية فاقم من الوضع. انه تنظيم ارهابي الاكثر تهديدا من بين التنظيمات التي نمت قبل ذلك لانه يسيطر على منطقة جغرافية واسعة في قلب الشرق الاوسط، ونجاحة في بعض المناطق وفرت له مصادر مالية كبيرة وافواج من المتطوعين من منطقة الشرق الاوسط ومن خارجها، حيث رسم رؤية ساحرة بالنسبة لهم. الانتظامات الدولية بقيادة الولايات المتحدة لوقف التنظيم ما زالت في بداياتها، ولغاية الان لم تظهر نجاحات ملموسة. ووفق تقديرات الادارة الاميركية فإن الامر يتطلب ثلاث سنوات من اجل كبح "الدولة الاسلامية" وتصفيتها. وهذه قد تتحول الى ان تكون غير واقعية.  الهجمات الجوية التي يتركز رد الولايات المتحدة عليها حاليا، ربما تكون موجعة للدولة الاسلامية، ولكن من المشكوك فيه ان تحقق لوحدها الهدف المرجو منها، وعلى اية حال، فإن كبح الدولة الاسلامية يتطلب تكاملا من الجهود الاقتصادية ، السياسية  الاجتماعية المكثفة لعزل وعزلة تنظيم الدولة الاسلامية عن قاعدة الدعم السني له. وتحقيق هذه الغاية يتطلب وقتا كبيرا، وتغييرا في النظرة تجاه القيادة السنية في العراق وعرض افق جديد قابل لتحقيق للطائفة السنية في سوريا. وفي نهاية الامر، فإن ضعف "الدولة الاسلامية" من شأنه ان يؤدي الى تقليص قواته، ولكن الجهد سيكون طويلا، وعلى اية حال، فعلى ما يبدو فإن التنظيم لن يختفي نهائيا.
اتساع ظاهرة الدول الفاشلة في الشرق الاوسط ادى الى تقديرات بإنهيار اتفاقية سايكس بيكو، والتي تم وضعها قبل نحو مئة عام وتقرر بواسطتها حدود دول المنطقة. إمكانية انهيار الاتفاقية برزت قبل نحو عقد من الزمن في العراق، والتي بدى عليها التفكك في اعقاب نجاح الاكراد في إقامة اقليم من الحكم الذاتي لهم في شمال العراق، بعد حرب الخليج الاولى، وعندما تبين ان السنة والشيعة فشلوا في بناء مصالحة وطنية بينهما تمكنهما من العيش جنبا الى جنب. فقد واجهت جهود المصالحة الوطنية صعاب كبيرة من قبل الجماعات الطائفية المختلفة المختلطة فيما بينها، وصعوبات في تقسيم الثروات الاقتصادية، وبإخفاقات في بناء قوات عسكرية وتفكيك المليشيات المسلحة الطائفية والى مدى بعيد الكراهية والشكوك تجاه بعضهما. ونتيجة لذلك، سواء في العراق او في سوريا لم يتم لغاية الان اتخاذ خطوات حقيقية للتقاسم السياسي او لبداية الحوار في هذا الاتجاه، ومن المشكوك فيه ان يتوصل الطرفين الخصمين الى ذلك في المستقبل القريب. الامكانيات الاساسية التي من الممكن ان تتحقق في المستقبل هي ان يتطور الحكم الذاتي الكردي الى كيان مستقل، الا ان ذلك يتواجه بصعوبات وبمعارضة من قبل العراق وجاراتها، ولذا فأن التقدم في هذا الاتجاه لن يكون سريعا على ما يبدو.
اسرائيل ليست منفصلة عن تبعات الازمة الاقليمية. حقيقة انشغال الدول العربية بمشاكلها الداخلية مريح بالنسبة لاسرائيل. وضعف العراق وسوريا يشكل مكسبا لاسرائيل، حيث ان قدرة العراق تلاشت وما تبقى منها لا يشكل تهديدا لاسرائيل، وكذلك قدرة الجيش السوري تضررت بصورة كبيرة. زعزعة الامن في شبه جزيرة سيناء ادى الى تحسن في التنسيق الامني بين مصر واسرائيل وساهم في تعزيز استقرار علاقة السلام بينهما، وكذلك في اعقاب إزاحة حكم "الاخوان المسلمين" وصعود السيسي الى الحكم في مصر. ونضيف الى ذلك تعزيز العلاقات الامنية بين اسرائيل والاردن، من خلال تفهم العائلة المالكة ان اسرائيل هي الوحيدة التي ستقف الى جانب الاردن في حال تعرضه لتهديد خارجي حقيقي عليها.
وبهذا الصدد يتم طرح تساؤل حول تأثير الوضع في سوريا وبقاء نظام الاسد على امن اسرائيل وعلى مصالحها. اسرائيل لا تتدخل في الصراع الداخلي الدائر في سوريا، ولا يوجد لها مصلحة للتدخل فيه، فيما عدا منع وصول اسلحة نوعية من سوريا الى حزب الله ووصولها الى الحدود مع اسرائيل. لقد نجحت اسرائيل في بناء قدرة ردع فعلية مع سوريا، على الاقل في كل ما يتعلق بالمنطقة الحدودية مع الجولان، ولقد امتنعت سوريا ومنذ سنوات من استفزاز اسرائيل في هذه المنطقة، كما امتنعت عن الرد في الحالات التي قامت بها اسرائيل بضرب اهداف سورية. وعلى الرغم من ذلك، فن الوضع الناشئ في سوريا منذ العام 2011 خلق مخاطر لاسرائيل، وتحديا في ان الصراع الداخلي في سوريا يقترب احيانا من المنطقة الاسرائيلية – سواء عمدا او مصادفة – وهذه الظاهرة قد تتفاقم. هذا الوضع غير مرغوب به بالنسبة لاسرائيل لان التنظيمات المختلفة العاملة في سوريا، ومن ضمنها حزب الله، تستفزها من مرة لاخرى، ولا يوجد لاسرائيل عنوان محدد يمكنها بواسطته ردعها من الاستمرار باستفزازها هذا. لقد فتحت الحادثة التي قامت بها اسرائيل بضرب مجموعة من مقاتلي حزب الله وافراد من الجيش الايراني في منطقة القنيطرة في نهاية يناير من العام 2014، ورد حزب الله بعد اسبوع على ذلك في جبل دوف، فتحت بابا واسعا لتوسيع المواجهة بين اسرائيل وحزب الله، وربما لمواجهة مستقبلية بينها وبين ايران.
علاوة على ذلك، فإن صعود "الدولة الاسلامية" ومنظمات جهادية اخرى، خلف مخاطر لاسرائيل على المدى الابعد، لانهم يرون بها عدوا وهدفا للمواجهة من الدرجة الاولى. في الفترة الحالية هم يضعون المواجهة مع اسرائيل في مكانة منخفضة على سلم اولوياتهم، لان جل اهتمامهم حاليا يمنحونه  للصراع ضد القوى المحلية والدولية. الا انه وفي مرحلة متأخرة، وفي حال انتهائهم من هذا الصراع، فهم سوف يحاولون المس باسرائيل سواء بشكل مباشر او غير مباشر. هذا المس من الممكن ان يتم من خلال توجيه جهود ارهابية نحو اهداف اسرائيلية من جهة سوريا، لبنان وسيناء، وضد اهداف يهودية في العالم، ومحاولات التسلل الى مناطق فلسطينية ومحاولات زعزعة استقرار الحكم في الاردن، التي لاسرائيل مصلحة استراتيجية في بقائه. وفي الوقت نفسه، التهديد الذي تشكله "الدولة الاسلامية" على دول المنطقة من الممكن ايضا ان يخلق فرصا لتعزيز التعاون بين اسرائيل ودول عربية معتدلة من اجل كبح جماح ايران والمنظمات الجهادية. تعاون كهذا من الممكن ان يشكل اساسا لتحسين العلاقات في مجالات اخرى كالاقتصاد، المياه والتكنولوجيا.  
* مركز بحوث الامن القومي، جامعة تل أبيب، نيسان 2015.



2015-06-24 12:09:41 | 9505 قراءة

التعليقات

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد
مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية


آخر الأخبار