التصنيفات » دراسات

التقييمات الاستخبارية على المستوى القومي في اسرائيل



التقييمات الاستخبارية على المستوى القومي في اسرائيل
بقلم: شموئيل ايبن وديفيد سيمان – طوف

ما هو التقييم الاستخباري على المستوى القومي؟
          التقييم الاستخباري على المستوى القومي هو نتاج عمل هيئات البحث في المنظمات الاستخبارية الحكومية المطلوب، من اجل قيام القيادة بإجراء تقييم للوضع، وبلورة السياسات والاستراتيجيات في مجالات الامن القومي. في اسرائيل المقصود من ذلك هو بلورة السياسات في مجالات "الحرب والسلم"، العلاقات الخارجية الاستراتيجية، ادارة المخاطر الامنية، ميزانية الامن، بناء القوات الامنية وتفعيلها، الامن الداخلي وغير ذلك. التقييم الاستخباري على المستوى القومي (لاحقا "التقييم الاستخباري" او "التقييم" مطلوب ايضا لعمليات التفكير والتخطيط لهيئة الاركان.
          وهناك فرق بين التقييمات الاستخبارية على المستوى القومي فيما يتعلق بالمحيط الخارجي (خارج الدولة)، وبين التقييم الاستخباري القومي بالنسبة للمحيط الداخلي. الثاني يتعامل مع النشاطات الارهابية، التخريب والتجسس، والتي غالبا ما تتم من قبل مواطنين اجانب يقيمون داخل الدولة. في هذا المقال سوف نتطرق بشكل اساسي الى التقييم من النوع الاول.
          يتم القيام بعملية التقييم الاستخباري على المستوى القومي اكثر من مرة في العام الواحد. فالتقييم قد يتم بالنسبة لحادث استراتيجي معين (على سبيل المثال، التحذير من حرب)، او حول موضوع معين (مثال موضوع الارهاب)، او الى منطقة جغرافية واستعدادا لنشاط قواتنا. ويعرض التقييم الاستخباري مرة في السنة على الاقل، امام الحكومة والذي يشمل المحيط الاستراتيجي بمجمله، والمسمى: "تقييم استخباري قومي" (وهذا فقط واحد من مجموعة تقييمات استخبارية  على المستوى القومي التي سيتناولها هذا المقال). المبادرة لاعداد تقييم من شأنها ان تتخذ من جانب المنظمات الاستخبارية او من جانب الاحتياجات الاستخبارية. 
التقييم الاستخباري من شأنه يشمل ثلاث عناصر:
أ – الصورة الاستخبارية الحالية -  وصف القدرات، المصالح والنوايا للاعبين المختلفين في المنطقة، الارتباطات فيما بينهم، تحليل العمليات والاتجاهات على المستوى التنظيمي، السياسات، الاقليمية والعالمية.
ب – في الجبهة – وصف امكانية استمرار العمليات والاتجاهات، عرض السيناريوهات، تحليل الردود الممكنة للاعبين بخصوص احداث معينة.
ج – التأثيرات على صانعي القرارات -  فيما يتعلق بالفرص والمخاطر. بالاضافة الى، ايجاد التقييمات والمخاطر، تحليل طرق العمل (لقواتنا) والتوصيات الناتجة عن تقييم الوضع، والذي يعتبر التقييم الاستخباري جزء منها فقط. ويسمح للمنظمات الاستخبارية بتضمين توصياتها بشكل منفرد، خارج نطاق التقييم الاستخباري الذي تم اعداده.
التقييم هو متعدد الطبقات ومن الممكن ان يدمج (يتكامل) بين مجالات البحث المختلفة: سياسي، عسكري، اجتماعي، اقتصادي، تكنولوجي، سيكولوجي وديموغراغي، الدمج فيما بين الاوضاع الاستخبارية في عدة مناطق جغرافية مختلفة، دمج بين تقييم القدرات وبين تقييم النوايا وهكذا. وهكذا يتم خلق صورة استخبارية متكاملة. فالتكامل هو بحث بحد ذاته.
بالاضافة، الى ان التقييم الاستخباري مطلوب من اجل الملائمة مع تقييم الاوضاع، على سبيل المثال – كيف سيرد اللاعبون في المنطقة في حال عملت قواتنا بصورة معينة؟.
من الممكن الاشارة الى ثلاثة اختبارات من اجل تفحص جودة التقييم الاستخباري:
·       الاختبار المهني – على التقييم ان يتمسك بالمعايير البحثية – صحة المعلومات، تقاطع المعلومات، تحليل الظروف، التوضيح وغير ذلك. ويجب ان تكون خالية من اعتبار اي خارجي.
·       اختبار الوقائع – الفحص بعد العمل بأن التقييم كان "صحيحا" (ملائمة الوقائع) او "مبررا" (كان من السليم عرضه في وقته). في الاغلب تكون هناك فجوة كبيرة بين التوقعات عند صانعي القرارات وبين ما يمكن ان تقوله الاستخبارات عن المستقبل.
·       اختبار الاستخدامات – صلاحية التقييمات وامكانية استخدامها من قبل صانعي القرارات. على سبيل المثال، من الممكن السؤال ما هي قيمة اعطاء تقييم استراتيجي سنوي، بعد ان يكون قد تم الاتفاق على ميزانية الامن للعام القادم.
التقييم الاستراتيجي على المستوى القومي في اسرائيل
          مجتمع الاستخبارات الاسرائيلية يشمل جهات الاستخبارات في الجيش وفي مقدمتها جهاز الاستخبارات العسكرية "امان"، وكذلك الشاباك والموساد الخاضعين لرئيس الحكومة. واعضاء اخرون وشخصيات اقل في المجتمع هي قسم التحقيقات والاستخبارات في الشرطة، ومركز البحث السياسي في وزارة الخارجية. التقييم الاستخباري القومي يتم من قبل هيئات البحث في هذه المنظمات – كل واحدة في مجال ولنفسها. التعاون، القائم، هو على اساس طوعي (ذو الصلة).
          التقييم الاستخباري يتم تحويله الى المستوى السياسي والامني مكتوبا وشفويا.  والمعنيون الرئيسيون بالتقييم الاستراتيجي هم رئيس الحكومة ووزير الامن، وكذلك وزير الخارجية ورئيس لجنة الخارجية والامن. وفي الاستخبارات العسكرية، رئيس وحدة البحث الرئيسية لكي ينشر لرئيس الحكومة التقييمات الاستخبارية مكتوبة بدون علاقة برئيس الاستخبارات، وهذا من المعتاد ان يعبر عن وجهة نظره بصورة منفصلة، دون اي علاقة مع رئيس هيئة الاركان. الحدث الرئيسي هو عرض التقييم الاستخباري السنوي على الكابينت او الحكومة. وللحدث قيمة تعليمية ليست بالقليلة، ولكن لا يمكن المبالغة باهميتها. القرارات الهامة يتم اتخاذها خلال السنة بمساعدة تقييمات استخبارية خاصة. والمستوى السياسي من شأنه ان يتصرف وفقا للتقييمات الاستخبارية، او ان يقرر عدم تبنيها. على ضوء شكل الحكم في اسرائيل، فإن قرار رئيس الحكومة بعدم تبني التقييمات الاستخبارية لجهاز الاستخبارات العسكرية –مثل التحذير من الحرب – تستوجب موافقة من الحكومة.
          جانب المخاطر هو الذي يقود الى التقسيم. على سبيل المثال، التقييمات الاستخبارية في العام 2014 والتي تم عرضها على الكابينت في تشرين ثاني / نوفمبر 2013 تناولت منظمات الارهاب، البرنامج النووي الايراني، استقرار الانظمة في المنطقة، الوضع في سوريا، وغير ذلك. وفي حينه تم الحديث انه بالنسبة لغزة وبدون تأكيد خاص حول حفر الانفاق الهجومية، والتي كان من الممكن ان يتم بواسطتها الحاق الضرر بسكان النقب. وفي جانب الفرص السياسية طرح تساؤل: هل سيتخذ ابو مازن قرارا تاريخيا حاسما فيما يتعلق بالاتفاق الدائم مع اسرائيل؟ وكان التقدير انه من المشكوك فيه انه سيقوم بذلك. وللتفريق بين التقييمات الاستخبارية العسكرية، ففي المجال السياسي من الصعب التحديد احيانا ما هي الفرص وما هي المخاطر. فعلى سبيل المثال، هل سقوط نظام الاسد في سوريا هو بالنسبة لاسرائيل فرصة ام مخاطرة؟ وفي قضايا معينة، فإن مسألة الفرص غير منفصلة عن المواقف السياسية.
          في السنوات الاخيرة تحول التقييم الاستخباري الى مهمة اكثر تعقيدا بسبب تفكك النظام القديم في الشرق الاوسط، والذي افرز كيانات عدة، مساحات غير مستقرة وتفاعلات من الصعب التنبؤ بنتائجها. عمليات اجتماعية وثقافية والتي لم تتناولها المنظمات الاستخبارية بتبحر، قفزت من الاعماق وتؤثر على المنطقة اكثر من المشاهد المألوفة، والتي برزت في بؤرة (تحديد الاهداف الهامة). رئيس وحدة الابحاث في جهاز الاستخبارات (امان) ايتي بارون، قال في كانون ثاني / يناير 2015  انه في الظروف الحالية، الانتظار ان تقوم الاستخبارات بالتوقع الدقيق لما سيتم اصبح غير ممكنا تقريبا. في الماضي كان الامر يتطلب وقت طويلا للقيام بالاجراءات، ولكن اليوم فإن كل شئ يتم بوتيرة مذهلة. ووفقا لاقواله، الفضاء الالكتروني، واستخدام الصواريخ والقذائف التي لا تحتاج لوقت طويل من اجل اعدادها، تقصر الطريق على العدو من مرحلة التفكير الى مرحلة التنفيذ.
          في مجال العملية السلمية – القرارات الكبرى لقادة اسرائيل لا تتخذ بالتشاور مع القائمين على التقييم في جهاز الاستخبارات. والاسباب الممكنة لذلك: القيادات تتلقى معلومات وافرة عبر قنواتهم الخاصة، الحديث يدور عن قرارات يتم اتخاذها في الدوائر السياسية، ويخشى القادة من تسرب اسرار كثيرة للخصوم السياسيين من كلا الطرفين، والتي من شأنها ان تحبط الاتصالات. ومع ذلك، فإنه لعدم استخدام التقييمات الاستراتيجية هناك ثمن. فعلى سبيل المثال، في فترة اتفاقيات اوسلو (1993-1995)، رفض رئيس الحكومة اسحق رابين ووزير الخارجية شمعون بيرس تقييمات جهاز الاستخبارات العسكرية (امان) ان الفلسطينيين لن يساوموا على اقامة دولة فلسطينية مستقلة في مرحلة الحل الدائم، وقدروا ان منظمة التحرير الفلسطينية سوف تساوم عل الحكم الذاتي. ومن خلال هذا الافتراض تم التوقيع على الاتفاقية مع منظمة التحرير. بشكل عام – مدرسة "الشرق الاوسط الجديد" للقيادة الاسرائيلية آنذاك لم يتم دعمها بتقييمات استراتيجية. وعلى الرغم من ذلك، التقييمات الاستخبارية في الجيش الاسرائيلي – التي حذرت من اندلاع انتفاضة فلسطينية عنيفة في اعقاب فشل المفاوضات في كامب ديفيد (2000) – ساهمت في إستعداد الجيش الاسرائيلي لاندلاع الانتفاضة الثانية.
توزيع المهام في مجال التقييم الاستخباري وتراجع مكانة "امان" 
          البحث العسكري في اسرائيل يتم في الجيش الاسرائيلي – في "امان" (وحدة البحث) وفي الدوائر الاستخبارية للقيادات والاذرع. بحث الارهاب يتم في الجيش الاسرائيلي، في الشاباك والموساد. البحث في مجال الاسلحة غير التقليدية يتم في "امان" وفي الموساد. البحث في المجال السياسي يتم في "امان"، الموساد، وزارة الخارجية والشاباك (الساحة السياسية). لهذه الازدواجية عدة اسباب، كما سيتم عرضها لاحقا. بالاضافة الى ان الشاباك مسؤول بصورة منفردة عن البحث والتقييمات الاستخبارية القومية للمحيط الداخلي – في مجالات الارهاب، التخريب والتجسس.
          مكانة "امان" في المسار الحاسم لاجراءات اتخاذ القرارات الامنية في اسرائيل جاءت نتيجة الى ان اعطاء التقييم الاستخباري القومي تجاه المحيط الخارجي لاسرائيل هو احد الاهداف التقليدية منذ قيامها، ولذلك يطلق عليه "التقييم القومي". وحدة البحث هي هيئة البحث والتقييم في "امان".
          عبر السنوات طرأ تراجع على مكانة "امان" كمقيم قومي (وحيد). في المرحلة الاولى – في اعقاب فشله في التحذير من حرب العام 1973. عندها تم التقرير بتعددية الابحاث (دمج وجهات نظر مختلفة) في المجتمع الاستخباري من اجل تقليص الاخفاقات المتعلقة بللتفكير المحدد، الى تفكير جمعي وربط التعددية في مصدر واحد. التعددية هي احد العناصر لربط منظومة الابحاث بالمجتمع الاستخباري لغاية اليوم. فعلى سبيل المثال، في مسألة التحذير من الحروب، والتي هي مسألة سياسية عسكرية، اراء كثيرة في المجال العسكري من الممكن ان تتخذ من وحدة البحث، من الموساد ومن وزارة الخارجية. ولكن، بحث للمجالين معا يوجد فقط في وحدة البحث، ولا يمكن ان يتم إعطاء تحذير موثوق بدون التكامل فيما بينهما.
          بالنسبة لمبدأ التعددية، في المواضيع المشتركة للبحث في "امان" والمنظمات المدنية من الممكن ان يكون لجميعها وزن متشابه في التأثير على الحكومة، واحيانا تقديرات المنظمات المدنية يتم تفضيلها على تقييمات "امان"، الصعوبة التي قد تنشأ في تقييمات هذه المنظمات هي، ان المسؤولية عن تقييم التهديد والمسؤولية ايضا عن احباطه موجودة تحت سقف واحد، في جسم سري وصغير نسبيا، ذو رؤية مباشرة وغير مراقبة ممثلا برئيس الحكومة. هذه الميزات من شأنها ان تقصر الطريق من تقييم خاطئ الى ازمة استراتيجية، كما حصل مثلا في فشل الموساد في عملية اغتيال خالد مشعل في الاردن في العام 1997.
          مرحلة اخرى في تراجع مكانة "امان" كـ "مقييم قومي" نجم عن تعزز مكانة الخدمات الاستخبارية المدنية في اعقاب تعاظم مكافحة الارهاب وتهديدات السلاح غير التقليدي، تحديدا منذ بداية سنوات الالفين. تزايد مكانتها ترافق مع رغبتها بالتأثير على جدول الاعمال الامني، بما في ذلك عن طريق اعطاء تقييمات استخبارية على المستوى القومي للحكومة، في مجالات امنية وسياسية. ذلك، ليس فقط كاصحاب وجهة نظر اخرى مع "امان" باسم التعددية، بل كاصحاب وجهة نظر اولى، وكمنظمات تقف في نفس المصاف مع الجيش الاسرائيلي. هكذا تحول في نهاية الامر، عرض التقييم الاستخباري القومي السنوي في الكابينت لمجموعة من العروض للمنظمات الاستخبارية حول المواضع الهامة المختلفة، للتفريق بين عرض مركزي متعدد للمحيط الاستراتيجي، والى جانبها يتم عرض تقييمات اضافية واراء اخرى، كما كان في الفترات السابقة.
          على الرغم من ان "امان" ليس مقيما قوميا وحيدا منذ زمن بعيد، فهو ما زال رائدا في مجال التقييمات القومية. ومكانته الكبيرة في هذا المجال يتم التعبير عنها في نقطتين:
أ – "امان" كضابط الاستخبارات في الجيش الاسرائيلي – يقوم بتزويد التقييمات الاستخبارية حول تقييم الوضع، والخطط العملياتية وخطط العمل للجيش الاسرائيلي المصادق عليها من قبل رئيس هيئة الاركان، وزير الامن والحكومة، والتي هي المسؤول الاعلى على الجيش وفقا للقانون.
ب – "امان" كمقيم قومي – يقوم بتزويد التقييمات الاستخبارية الشاملة الى المستوى السياسي، في إطار التقييم السنوي وكذلك في الاحداث المعقدة كعملية "الجرف الصامد" مثلا، والتي تتطلب تكاملا بين عدة مواضيع (عسكرية، سياسية، اقتصادية)، وتجاه جميع الدول والمنظمات المشاركة. فقط في وحدة البحث يتم اجراء بحث عميق تجاه جميع المواضيع. هذه القدرة هي رافعة قومية على الدولة ان تستغلها بفعالية عالية.
المشكلة: ضعف منظومة التقييم القومي
          في اعقاب التغيير في مكانة "امان" كمحور منظم في التقييمات الاستخبارية على المستوى القومي، في السنوات الاخيرة، برز بديل ذو اشكالية والذي بموجبه " تقوم كل منظمة استخبارية بعرض وجهة نظرها حسب رغبتها والحكومة هي التي تقرر". هذا الوضع ليس معروفا في اماكن اخرى في العالم، وتكمن به المخاطر التالية :
أ – في مجال جودة التقييم – نقص التوضيحات تجاه الفروقات بين التقييمات ومصادرها، عدم الفهم بين التقييمات لافكار لا تعتمد على بحث معمق حول طاولة الحكومة وتحويل التقييم الى خطاب غير ملزم. بالاضافة، الى نقص التكامل والفجوات في تغطية الصور الاستخبارية حول المواضيع الاساسية او الاقل حساسية على هامش المنطقة (القلاقل المفاجئة في العالم العربي والتي بدأت في تونس في العام 2010)، وكذلك الفصل بين التقييمات ومحتواها الاولي – هيكلة الجيش الاسرائيلي وتفعيله.
ب – في المجال التنظيمي – الفصل التنظيمي، عدم تحديد المسؤوليات، النقص في عمل الابحاث المشتركة في المجتمع الاستخباري.  "التعددية" والسعي للاستقلالية من شأنه ان يستخدم "مبررا" لازداوجية مبالغ فيها ومكلفة في مجالات عملية، في حين ان التحديات واستغلال الموارد تلزم تركيز الجهود واستغلال فاعل للموارد القومية.
ج – في مجال اتخاذ القرارات – إغراق القيادات بالمعلومات والتقييمات والمس بالاستغلال الفاعل للوقت وللنقاشات. لصانعي القرارات لا يوجد وقت لتمييز الفوارق بين التقييمات ولا يوجد بايديهم ادوات للحسم بينها. على الرغم من مساعدة السكرتير العسكري لرئيس الحكومة ومساعده للشؤون الاستخبارية له في فحص الوثائق الكثيرة التي تصل الى مكتبه، الا ان ذلك ليس عنصرا تقييميا، وترشيح (تصفية) التقييمات يتعارض والتعددية.
نظرة عبر البحار
الولايات المتحدة
          المجتمع الاستخباري الاميركي يضم 16 جسما استخباريا -  من بينها وكالة المخابرات المركزية ((CIA، وكالات الأمنالقومي (NSA) منظمات في وزارة الدفاع والمرتبطة باذرعة الجيش، هيئات استخبارية في وزارة العدل (FBI) ووزارة حماية الوطن، ووكالات واستخبارات للدائرة السياسية ووزارة المالية.
          تتصدر هذا المجتمع الاستخباري وزارة الاستخبارات القومية، والذي يقف على رأسها رئيس جهاز المخابرات القومي (DNI) ويعمل هذا الاخير كمستشار للرئيس للشؤون الاستخبارية ويرتبط به مباشرة. وهو موجود تحت رقابة لجان الاستخبارات في مجلس الشيوخ والكونغرس. وتحت الـ DNI يعمل مجلس قومي للاستخبارات National Intelligence Council) ) (NIC)وهو مسؤول عن بلورة التقييمات الاستخبارية القومية. ويعمل في هذا المجلس كذلك 13 ضابط تقييم، المسؤولين عن المنطقة او عن مجال التقييم.
          عملية بلورة التقييم. العملية قد تكون دورية او بناء على طلب احد المسؤولين في الادارة الاميركية او في الجيش، او من قبل رئيس لجنة في الكونغرس. بعد مصادقة الـ (DNI) يقوم الضابط المختص في (NIC) بإعداد وصف اولي للوثيقة، والتي تتضمن اسئلة رئيسيةللمناقشه وجدولا زمنيا لبلورة التقييم. يتم تحويل مسودة الوثيقة لوكالة المخابرات لمعالجتها. طاقم التقييم في المجلس يجري نقاشا معهم بهدف التوصل الى اتفاق، وفي حال عدم الوصول اليه – يتم تسجيل ذلك في الوثيقة. وفي نهاية العملية التقييم يصادق عليه من قبل الـ (DNI) وبتم توزيعه على الجهة التي طلبته وعلى ذوي الاختصاص في الادارة.
          في آذار / مارس 2009 اشار الـ (DNI) دينيس بلير، انه سوف يتم في المستقبل تضمين التقييم الاستخباري مع تشخيص للفرص المتاحة للولايات المتحدة. ومع ذلك، فقد بقي جانب المخاطر هو العنصر الرائد في التقييم. مجالات التقييم اوسع من المجال الامني والسياسي المضمنة فيه، فمثلا، التقييم في مجالات امن المياه العالمي، التهديد على الامن القومي من قبل الجريمة المنظمة، وتأثير التغيير المناخي لغاية 2030، تأثيرات استراتيجية على الصحة العالمية وغير ذلك. افادات غير مصنفة من التقييمات الاستخبارية تنشر في اوساط جمهور معين خاصة خلال فترة اداء مسؤولين في الاستخبارات لشهاداتهم في مجلس الشيوخ. مثل شهادة رئيس الاستخبارات في المجلس الشيوخ في العام 2014. من اجل جلب انتباه الجمهور تجاه قضايا مطروحة على جدول الاعمال فيما يتعلق بايران، العراق ومكافحة الارهاب.
          التقييم الاستخباري القومي السنوي يعتبر واحدا من المنتجات البارزة للمجتمع الاستخباري. وبلورته تتم من خلال عملية متعددة ما بين الوزارت بقيادة المجلس القومي للاستخبارات برئاسة (DNI). جيمس كلابر، رئيس الاستخبارات القومية في الولايات المتحدة، قال في ايلول/سبتمبر 2014 ان التكامل بين هيئات الاستخبارات هي عملية اجبارية، وهذا بالضبط هو سبب ومبرر وجود وزارته. للمجتمع الاستخباري تاثير كبير على صانعي القرارات، والانطباع هو ان للتقييم السنوي تأثير قليل بشكل عام، وذلك لعدة اسباب اهمها:
أ – وجود ثغرة بين توقعات المستوى السياسي، وبين ما يمكن ان يتنبأ به الباحثون في الاستخبارات. على سبيل المثال، المستوى السياسي يتوقع اتخاذ توقعات واضحة تجاه السياسات غير المستقرة، وهو من غير الممكن لدى جهة البحث.
ب – جودة الانتاج ليست عالية . في احيان متقاربة، فإن معظم المراجع والرغبة في تجسير الخلافات، يعكس التقييم أداة مشتركة منخفضة لتقييمات المنظمات المختلفة، اي ليس دائما تنجح المساومة. كذلك، التفكير الجمعي في عملية التقييم تسحق الافكار المعارضة. بالاضافة الى انه من الممكن اتخاذ موقف مشابه لتقييمات كل واحدة من الوكالات، عندما لا يكون لديها جميعها نفس وجهة النتظر. جميع هذه تشكل عناصر لتشتت التقييم ومتابعة تنفيذه، والنتيجة النهائية انه يتحول الى عملية ضعف وعديمة التأثير ومعقدة.
توجد عدة خطوات، وفقا للانتقاد الاميركي، والتي من شأنها ان تحسن من العملية:
أ – تعزيز الرابط المشترك بين المستوى السياسي والاستخباري عن طريق تأهيلات استخبارية عند الدخول الى الوظيفة في الادارة، وضع اشخاص من الاستخبارات في سلم العمل في الوزارات الحكومية وفي الادارة، اجراء لقاءات دورية لمناقشة المواضيع المشتركة والتي يتم فيها اتخاذ ردود الافعال من القباطنة لنشرها في اوساط المجتمع الاستخباري.
ب – رفع مكانة الكونغرس في الرقابة على التقييم. لهذا الغرض، يجب تحسين مستوى معرفة اعضاء الكونغرس بالمجتمع الاستخباري.
ج – تقليص مساعي التوصل الى اجماع والسماح للاقلية بتوضيح موقفها الى مستوى اعلى .
د – تطبيق ادوات للقيام بالتقييمات مسموح بها ومتواصلة  لاعضاء المجتمع، اي، ان يكون تقييما حيا وليس فقط مأسسة سنوية. 
بريطانيا
          المجتمع الاستخباري في بريطانيا يشمل اساسا اجسام الاستخبارات لوزارة الدفاع، منظمة الـ  MI-5المرتبطة بوزارة الخارجية، منظمة الـ MI-5 المرتبطة بوزارة الداخلية ووكالة הסיגינטالوطنية. اللجنة الحكومية للاستخبارات (JIC – Joint Intelligence Committee) المرتبطة بالمجلس المصغر الذي يركز التقييمات الاستخبارية القومية. وفي عضوية اللجنة – فيما عدا طاقم دائم من مسؤولين معارين من وكالة الاستخبارات – رؤساء الوكالات الاستخبارية، رؤساء الاجسام الاستخبارية للخدمات العسكرية ومندوبون عن وزارة حكومية اضافية (مثل وزارة المالية ووزارة التجارة والصناعة) – ويجتمعون مرة واحدة اسبوعيا. رئيس اللجنة هو شخصية حيادية، وهو خاضع لسكرتير المجلس المصغر ويعمل على اساس التوافق، وليس عن طريق فرض المواقف.
          مهمة اللجنة المشتركة في كل ما يتعلق بالتقييم الاستخباري القومي هو بلورة التقييمات المتكاملة من اجل مساعدة المجلس المصغر في اتخاذ القرارات، كمجال الميزانية القومية على سبيل المثال. عملية القيام بالتقييم الاستخباري القومي تتم بواسطة وحدة البحث في اللجنة، المرتكز على ضباط وافراد من الاستخبارات المعارين من وكالات الاستخبارات المختلفة. وهو يبلور مسودة التوصيات مع باقي الوكالات الاستخبارية والخبراء من جميع الوزارات الحكومية. وتطرح المسودة للمصادقة عليها من قبل اللجنة قبل توزيعها على الوزراء المختصين. جسم التقييم في اللجنة هو اصغر بكثير من وحدة البحث الاكبر في المجتمع الاستخباري، الموجودة في وزارة الدفاع. لذلك، عندما يتم الطلب من اللجنة المشتركة تقييم مواضيع امنية واستراتيجية مثل الارهاب وانتشار السلاح غير التقليدي، التي يتم البحث معمقا فيها في وزارة الدفاع، تستند اللجنة عليه وتساهم بالقليل من جانبها في التقييم. وهناك رأي يقول ان اللجنة ضعفت خلال السنوات الاخيرة وتم تهميشها، وان قدرتها على القيام بتكامل استخباري تضررت بسبب الاصلاحات المختلفة التي حدثت في المجتمع الاستخباري البريطاني.
المقارنة بين ألية التقييم: اسرائيل مقابل الولايات المتحدة وبريطانيا
أ – في اسرائيل لا يوجد عنصر يركز التقييم القومي من جميع اجهزة الاستخبارات، كما هو الحال في الولايات المتحدة وبريطانيا .(JIC־وDNI)
ب -   في اسرائيل لا يوجد حوار ملزم بين منظمات الاستخبارات للتقييم الاستراتيجي، ولا يوجد تفسير منظم للخلاف قبل عرض التقييم على الكابينت، مقابل ذلك، في الولايات المتحدة، وبريطانيا تم عمل تجربة للوصول الى توافق واسع، وعدم التوافق يتم عرضه في جسم التقييم. بالاضافة الى ذلك في اسرائيل توجد حرية التقييم، ولا يوجد مخاوف من ان آراء المنظمات سيتم تسطيحها ومستوى مخاطر التسييس منخفض جدا.
ج – في اسرائيل يوجد لـ "امان" (الجسم الاستخباري العسكري) مكانة استثنائية في مجال التقييمات القومية، وبالنسبة للوضع في بريطاني وبشكل خاص في الولايات المتحدة، هناك يوجد للـ  (CIA) مكانة كبيرة في التقييم. بالاضافة الى انه للمنظمات الاستخبارية المدنية – السرية المغلقة – ليس لها بالضرورة افضلية على منظمة عسكرية من ناحية الاجراء الديموقراطي.
د – التقييم الاستخباري في اسرائيل يتم فقط في مجالات الخارجية والامن. في الولايات المتحدة يشمل التقييم جميع المواضيع ذات العلاقة بالامن القومي بالمفهوم الواسع مثل الاقتصاد، المجتمع، المناخ، الطاقة وغير ذلك. وفيما يشبه اسرائيل فإنه في الولايات المتحدة وبريطانيا تتركز في مجال التهديدات وبشكل اقل الفرص المتاحة.
ه – الادعاءات المتعلقة بالحوار الاميركي تجاه التقييم السنوي تسمع ايضا تجاه التقييمات الاستخبارية في اسرائيل. وبضمن ذلك، عملية طويلة ومعقدة، كثافة البيانات وفجوة بين توقعات المستوى السياسي وبين القدرات الاستخبارية.
استنتاجات
          أ – على ضوء هذه المقارنة، من المستحسن ان تمتنع اسرائيل عن إقامة جسم تقييم مركزي فوق المنظمات الاستخبارية، كالموجود في الولايات المتحدة وبريطانيا. ولهذا البديل نواقص مثل : تسطيح التقييم خلال السعي للحصول على الاجماع، ابتعاد القائمين على التقييم عن صانعي القرارات، اعطاء قوة اكبر لجسم التقييم المركزي واستغلال الموارد.
ب – المطلوب ان تقوم اسرائيل بتنفيذ الافكار التي وردت اعلاه في الولايات المتحدة وبريطانيا، مثل ضرورة وجود محور منظم لعرض التقييمات وتوضيح الخلافات قبل النقاش في الحكومة.
توصيات لاسرائيل
          أ – يوصى بالسماح لـ "امان" ان يكون رائدا في التقييم الاستخباري القومي الشامل ، وذلك طالما الامن وتفعيل الجيش الاسرائيلي يقفون على رأس الاهتمام في جدول العمل اليومي السياسي. المقصود هو مسؤولية كاملة لـ "امان" عن البحث في كل المواضيع في الساحة الخارجية، التكامل ولبلورة الصورة الشاملة، كما كان في الماضي. في مرحلة عرض التقييم  السنوي تعرض باقي المنظمات الاستخبارية، بعد "امان"، في مجالاتها، عبر التأكيد على الفوارق في التقييمات والامتناع عن الازدواجية. هذا الاقتراح ليس من شأنه ان يؤدي الى تغييرات جوهرية في القائمين على التقييم في المجتمع، فيما عدا التوسع في المجالات التي لا تحظى بتغطية كبيرة. 
ب - يوصى بتنظيم تقديم التقييم الاستخباري للمستوى السياسي عن طريق آلية من قبل الحكومة، بما يضمن السلامة، التتابع، التكامل، الاختصاص، لغة مشتركة، إعطاء تعبير للفروقات بين التقييمات، المسؤولية عن العرض وهكذا. وفي هذا الاطار يتم منح فيما يتم منحه، التطرق للامور التالية:
1 – فكرة المسؤولية في المجتمع لمجال البحث والتقييم – سواء تجاه توزيع المسؤوليات بين المنظمات او تجاه مجالات المسؤولية وحدود المسؤولية للمجتمع الاستخباري، لكي تكون التغطية البحثية  للمجتمع الاستخباري شاملة ومتكاملة، ويتم ايجاد التعددية المسيطرة في القضايا الرئيسية.
2 – ايجاد تفسير ممنهج للاتفاق وللخلاف بين المنظمات. فقبل عرض التقييمات على المستوى السياسي، يتم اجراء نقاش اعداد للمنظمات الاستخبارية حول الموضوع في وزارة الشؤون الاستخبارية وبمشاركة هيئة الامن القومي، وايضا قبل ذلك – في لقاء بين رؤساء البحث في المجتمع الاستخباري. وفي المجالات التي يتم عليها التوافق لا يكون هناك حاجة لعرضها على الحكومة مرتين، وفي المواضيع التي بها خلاف يقوم كل طرف بعرض موقفه. واستعدادا للنقاش يت توزيع وثيقة حول الموضوع.
3 – من المهم ان يعرض على المستوى السياسي ايضا الافكار المختلفة لهيئات الاستخبارات الغربية حول المواضيع ذات الصلة.
4 – تأسيس لغة تقييم مشتركة داخل المجتمع الاستخباري، من خلال الامتناع عن استخدام صيغ ضبابية او تحمل اكثر من معنى. ويجب وصف عدم اليقين بصورة واضحة. اللغة المشتركة تسمح بالمقارنة بين التقييمات وتسهل الحاجات الاستخبارية .
5 – التقييم الاستخباري السنوي يتم عرضه في التوقيت ذو الصلة من اجل اعداد خطط العمل من قبل قوات الامن وللتقرير بخصوص ميزانية الامن.
6 – يتم ولو مرة واحدة كل ثلاث سنوات، عرض تقييم استخباري متعدد السنوات على الحكومة، يتيح المجال لتوحيد الاتجاهات على المدى البعيد.
7 – على جميع التقييمات الاستخبارية ان يتم تسليمها عبر وثيقة مفصلة تضمن ان التقييمات مبررة، وتعتمد على معلومات وافية ويتم توثيقها.
ج – زيادة التعاون في مجال البحث في المجتمع الاستخباري . يقترح ان تتم اقامة لجنة متعددة السلطات للبحث، تحت لجنة رؤساء الاجهزة .وتهتم هذه اللجنة بالتعاون المشترك في مجالات المنهجية، تدريب البحث (دورات مشتركة، اعداد كتب)، توضيح الخلافات، تنسيق تغطية الابحاث، دوريات بشرية في المجتمع، المبادرة لاجراء نقاشات، علاقات بحثية خارجية خطط عمل جماعية للباحثين الرئيسيين.
د – تعزيز الروابط بين المستوى السياسي والاستخباري . وبضمن ذلك : تأهيل استخباري عند دخول السياسيين الى وظائفهم – ليس فقط فيما يتعلق بمضمون العمل الاستخباري بل  ايضا تجاه طبيعته والتقييدات التي تحيط بالتقييم الاستراتيجي، عقد لقاءات دورية بين افراد الاستخبارات والمستوى السياسي، ارشاد المجتمع الاستخباري من قبل القباطنة فيما يتعلق باحتياجتهم واعطاء ردود افعال من قبلهم حول جودة عملهم. معرفة مواقف اسرائيل، قدر المستطاع، تسهل ايضا على الباحثين في فهم مواقف اللاعبين الأخرين.
ه – توسيع البحث الى مجالات المجتمع، الديموغرافيا الدينية وغير ذلك، بالتعاون مع الاكاديميين.
و – تعزيز العلاقات البحثية الاستخبارية مع عناصر خارجية. بالاضافة الى ذلك فإنه من المستحسن الامتناع عن التعاطي مع تقييمات تجاه المواضيع السياسية المختلف عليها، والتي قد تستخدم للاطاحة بالمستوى السياسي في اسرائيل  .
ز – تعزيز ووضع التهديدات للتقييم الاستخباري الداخلي المتعلقة بالتهديدات الداخلية (مسؤولية الشاباك)، من بين وسائل البحث المعمق في المجالات القومية، الاجتماعية والاقتصادية. هذا التقييم مهم لتطوير عدة تقييمات استخبارية خارجية.
ح – الرقابة – اقامة جسم رقابي على التقييمات الاستخبارية للمجتمع الاستخباري، في اطار لجنة رؤساء الاجهزة او وزارة الشؤون الاستخبارية او مجلس الامن القومي .


* تقويم استراتيجي لاسرائيل للعام 2014-2015، مركز بحوث الامن القومي، جامعة تل أبيب، نيسان 2015.


2015-07-06 14:42:59 | 10117 قراءة

التعليقات

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد
مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية


آخر الأخبار