التصنيفات » دراسات

ضرورة بلورة استراتيجية متطورة لمواجهة تطورات المنطقة



الساحة الشمالية كنموذج اختبار*
بقلم: اودي ديكل وعومر عناب

مقدمة
          بعد اربعة اعوام منذ بداية عملية تكوين منطقة الشرق الاوسط من جديد، في اعقاب الانقلابات والثورات التي وقعت فيها، فإن اسرائيل مطالبة بملائمة نفسها بصورة حثيثة مع التغييرات والظواهر الجديدة التي تسود وتتغير في كل حين. لقد نجحت اسرائيل على طول حدودها لغاية الآن، بمواجهة التطورات الحاصلة هناك بموجب طرق معروفة: اتفاقيات السلام مع مصر والاردن، ما زالت مستقرة بسبب المصالح المشتركة، مصر والاردن تحاربان العناصر الاسلامية المتطرفة، في حين بقيت القضية الفلسطينية لغاية الآن منعزلة بصورة نسبية عما يدور في المنطقة، الامر الذي يمكن في معظم الوقت من استيعاب اللاعبين الموجودين – حماس والسلطة الفلسطينية.
          الساحة التي تغيرت اكثر من غيرها هي الساحة الشمالية التي تضم سوريا ولبنان، حيث حدثت فيها تغييرات درامية بشكل كبير. انهيار الدولة السورية مع توثيق الاواصر بين نظام الاسد وبين حزب الله وايران، صعود تنظيم الدولة الاسلامية "داعش" وتعزيز قوة مقاتلي "جبهة النصرة" تدخل الولايات المتحدة والتحالف العربي – الغربي – جميع هذه التطورات خلقت فوضى قواعدها غير معروفة.
          من اجل خلق وقائع واعداد الردود على التحديات الموصوفة اعلاه، وبالتأكيد على الجبهة الشمالية، يتوجب على اسرائيل بداية توضيح مفاهيم القضايا الاساسية في مفهومها الامني، ولان تدرك على ماذا من المتوجب ان تبني استراتيجيتها المقبولة بالنسبة لها  على وقع التغييرات الدرامية الجارية – فهل هذه التغييرات هي ولادة لعملية طويلة الامد ومتواصلة، ام هي انعطافة درامية في الوقت الحالي. ولاحقا لتوضيح الاستراتيجة العامة، من المهم التركيز على الجبهة الشمالية كمصدر للوقائع المتغيرة الجديدة على الارض وغير المعروفة بالنسبة لاسرائيل، بالاضافة الى انها ساحة ينشط فيها لاعبون اقليميون وعالميون يظهرون اهمية كبرى لمكانتها. من الممكن القول، الى حد كبير انه في جزء كبير من التوصيات والمبادئ المقترحة لا يوجد جديد، ولكن اهميتها تكمن بالتأكيد على تنفيذ انماط متبعة دائما، الا انها غير منفذة فعلا. مساحة الوقت الحالية تستوجب دراسة دقيقة لما هو جديد وقديم من حيث المفاهيم والاعمال، من اجل وضع التصور المطلوب من اجل التنفيذ حاضرا ومستقبلا.
تغييرات معرفية
          جذر المشكلة الاستراتيجية لاسرائيل منغرس في العاصفة االتي تهز منطقة الشرق الاوسط، والتي ما زالت نتائجها ليس في حكم المتوقع، ونهايتها غير متوقعة في المدى المنظور. سلسلة التغييرات والاجراءات المعقدة تشكل تحديا للمفاهيم الاساسية التي اعتادت اسرائيل عليها في الماضي، بعضها يتعلق بالمنطقة بأكملها وبعضها الاخر يتعلق بالمنطقة الشمالية بشكل خاص. من الممكن تجزئة مجمل التغييرات الى مجموعتين رئيسيتين: تغييرات معرفية تتاثر بالمجريات الاقليمية وكذلك العالمية التي تتعلق بالامن القومي، تغييرات جيواستراتيجية تعكس التطورات على الساحة الشمالية (تتم مناقشتها في الجزء الثاني من المقال).
          التغييرات المعرفية تعرض مشكلة تقليدية اساسها تكيف الدولة مع التطورات المذهبية، التكنولوجية، الاجتماعية، الثقافية وغيرها في المحيط القريب والبعيد. استعداد مستقبلي للمعركة القادمة على الساحة الشمالية يحمل في طياته عدد من مثل هذه التغييرات، التي يجب التفكير فيها. الاول هو طبيعة التهديد العسكري المحدق باسرائيل. فيما يتعق بالشمال على سبيل المثال، فقبل الحرب الاهلية في سوريا كان التهديد هو بالمواجهة مع الجيش السوري بتغطية من قدرات حزب الله العسكرية – تحديدا الصواريخ والقذائف – مع دعم ايراني. حاليا، وفي اعقاب التراجع المستمر والمعارك المتواصلة، فإن التهديد من قبل الجيش السوري تراجع بصورة ملموسة، وجزء من سلاح الجيش السوري سقط بأيدي عناصر سلفية جهادية، وجزء منه تم تسليمه لحزب الله. الجيش الاسرائيلي مطالب بالاعداد لبناء قوة تعطى ردا متنوعا واسعا على ما ورد بدون قواعد لعبة معروفة ومقبولة، وبدون قدرة على تحديد مواعيد انتهاء ممكنة. وكل ذلك بمستوى عالي من عدم اليقين، حيث من الممكن القول ان منطق الارهاب والحاق الضرر بالجبهة الداخلية الاسرائيلية يمثل تهديدا مركزيا في صندوق الادوات لمحور طهران – دمشق – بيروت وايضا المتطرفون من السنة السلفية. هذا الاجراء يعبر عن تغيير واسع في القواعد في منطقة الشرق الاوسط، والذي مضمونه نفاذ مفعول احتكار القوة من قبل الدولة وانتقاله الى العديد من اللاعبين ذوي القدرة العسكرية – جزء منها متطورة – ومفهوم عمل يرتكز على حرب العصابات والارهاب.
          التغيير المعرفي الثاني يتعلق بمبدأ الردع، والذي يمثل احد المرتكزات التي يستند عليها مفهوم الامن الاسرائيلي بصورة تقليدية. الردع بطبيعته لا يمكن قياسه او وزنه ابدا، وبشكل عام من الممكن تقديره بأثر رجعي. اسرائيل تواجه معركة خطوطها الحمراء وقواعد لعبتها غير واضحة كما هو عليه الحال في الماضي، ومع صعوبة في مسألة – كيف يمكن التأثير على نية التنظيمات العاملة وفقا للمفهوم الجهادي؟. بسبب طبيعة هذه المواجهات، من غير الممكن تحديد طرق عمل واضحة على الارض وخلق معادلة ربح وخسارة تردع اعداء اسرائيل وخصومها. اسرائيل تجتهد من اجل بلورة رؤية استراتيجية تتناسب والوضع الجديد، وفي إطارها بلورت رؤية المعركة ما بين المعارك، والتي تهدف لتعزيز الردع تجاه الاعداء من خلال التخمين حول ما المتوقع منهم في حال سيناريو التصعيد، وفي نفس الوقت مع تشويش عملية تعزيز قواتهم وخلق الظروف المريحة جدا بالنسبة لاسرائيل، في حال نشوب معركة عسكرية بدرجة عالية. على الرغم من النية في تنفيذ هذه السياسات، التنحي جانبا وعدم التدخل في الاحداث الجارية في المنطقة استوجبت استخدام محدود جدا لمعركة ما بين المعارك.
          تغيير واحد مرتبط بتعزيز وتثبيت اسس الدفاع في مفهوم الامن. خلافا للروح الهجومية للجيش الاسرائيلي، والذي ارتبط تمسك ببناء قوة هجومية – حاسمة منذ تأسيس الجيش الاسرائيلي، فإن المواجهات في العقدين الاخيرين تختلف عن حروب الماضي، والتي اعتمدت اسلوب قوة النيران والمناورة. اليوم، يركز الاعداء على مهاجمة اسرائيل عبر مسار مختلف، ارهاب ضد السكان المدنيين، العمل وفق اسلوب حرب العصابات، محاولات التشويش على منظومات حيوية لاداء الدولة واستخدام وسائل تحت ارضية. وذلك من اجل تحييد التفوق التكنولوجي والهجومي للجيش الاسرائيلي – الامر الذي غير من عملية بناء القوة الى استثمار في بناء قدرة دفاعية فاعلة وسلبية. من الاولى، فإن الرد الفوري على التغييرات في الساحة الشمالية كان ببناء عائق امني متطور في هضبة الجولان، وزيادة عدد بطاريات القبة الحديدية لاعتراض الصواريخ والقذائف الموجهة الى الاراضي الاسرائيلية.
الحاجة الى بلورة استراتيجية متطورة
          الفرق الملاحظ الاساسي من الماضي والذي من الممكن ان نورثه للاستراتيجية المطلوبة، هو الامثلة المتزايدة للاعبين من غير الدول، والذين يمتازون بعدم المسؤولية تجاه المنطقة او السكان، ولا يتبنون قواعد اللعبة المقبولة في عائلة الشعوب. المحيط الاقليمي وتحديدا ما اعتيد على تسميته بـ "الهلال الخصيب" آخذ بالتشرذم الى مجموعات، وتجزأ بسبب صراعات دينية، عرقية، عشائرية وثقافية. على الرغم من ان لبنان والاردن ما زالتا لغاية الان قادرتان على الحفاظ على سلامتهما، على الرغم من العبء الثقيل المتمثل بالملايين من اللاجئين، الا انه على ما يبدو فإن هذا الوضع لن يستمر طويلا،  وعلى ما يبدو ان سوريا والعراق لن تعودا الى ما كانتا عليه. هذا المعطى يستوجب تطوير رؤية مواجهة وادوات مواجهة امام اللاعبين الجدد الذين يعملون على تدمير هذه الدول، من خلال الاعتراف بمركزية هؤلاء اللاعبين، والتي تختلف في كيفيتها عما كان قائما تجاه الدول. فكل محاولة لتطبيق القواعد السياسية القديمة على الوقائع الجديدة مصيرها الفشل. فعلى سبيل المثال، فإن استخدام اسرائيل التهديد الرادع عبر دمج رسائل التقوقع والدور الفاعل – والتي اعتادت استخدامها كوسائل فاعلة (مثل اسلوب دبلوماسي مدموج مع طيران منخفض من فوق قصر الرئيس الاسد) – لم يعد ساريا ولا يؤثر على اللاعبين الجدد. بالاضافة الى، انه من الصعب العثور لدى اللاعبين الجدد على نقاط الضعف التي من الممكن العمل على تفعيل روافع الضغط والتأثير عليها للتأسيس لقواعد الردع. بخصوص خلق صورة استخبارية موثوقة، فإنه في هذه الحالة ايضا، يتطلب الامر تفكيرا جديدا. اليوم ينشغل العمل الاستخباري بمعدلات اقل في توقع التهديدات والاتجاهات، والى حد كبير ينشغل في اعطاء الادوات التي تساعد الكابينت في اتخاذ القرارات. بالاضافة، الى ان اعطاء اسرائيل القدرة على ان تبني لنفسها خريطة غير خاضعة للمفاهيم السياسية – حدود، سلطات، سيادة، نسبة القوة بين عناصر القوة – هي مقيدة جدا وتقاس بواسطة مفاهيم لا تعبر بصورة صحيحة عن المصالح، النوايا، ومؤفاهيم العالم والعناصر الدافعة للاعبين من غير الدول. لذا فإنه من الممكن إضافة سلالة جديدة لما هو ناقص في العمل الاستخباري – ذكاء اجتماعي. هذا المصطلح، حيوي كنتيجة للتجمعات والتحالفات المجتمعية، وبمساعدة زيادة تأثير الاعلام والشبكات الاجتماعية، والتي من جهة تمكن من تجنيد وتوجيه الجموع الى الافكار المتطرفة، ومن جهة اخرى فإنها تعطي للمجتمع المدني منصة لاسماع صوته عبرها، وعن طريقها من الممكن تحسس اتجاه الافكار والاتجاهات في عصر يحدد فيه المؤشر الاعلامي  اكثر مما يحدث في الساحة السياسية والدبلوماسية. 
          البعد البنيوي
          على المستوى البنيوي يتوجب سياسات اسرائيلية تعتمد على ادخال مبدأ لا يتم بموجبه عزل ساحة العمليات، او بناء جدار فاصل بين جبهة الصراع، وجبهة التوسع، وبهذه الطريقة يمكن تركيز المواجهة الثنائية. اليوم، بسبب التبعات بين الساحات وبين اللاعبين، يوجد ديناميكا ثنائية ومتعددة الفئات. ونتيجة لهذا، يتوجب على مخططي اسرائيل ان يأخذوا بالحسبان السيناريوهات االتي تحتوي على تطورات معقدة مرتبطة بأكثر من لاعب او بمجموعة من اللاعبين ممن يتخذون القرارات. النظرة الثنائية هي ذات بعد واحد. ولا تصمد حاليا عند اختبار الواقع، ولا تخدم المصالح الاسرائيلية ولا تحسن علاقات القوة تجاه العدو. علاوة على ذلك، وبسبب عدم اليقين من جميع وجهات النظر، فعلى اسرائيل ان تقوم ببناء نظرة تعطي ردودا شاملة للعديد من السيناريوهات قدر الامكان، ولفحص كامل العواقب والتبعات غير المقصودة. وذلك، من اجل منع تبعات غير متوقعة من شأنها تعزيز التهديدات والمخاطر على اسرائيل. مطلوب ايضا افساح مجال امام صانعي القرارات للتفكير، وحرية التصرف لتعلم الوضع الجديد من اجل إعطاء الردود المناسبة، دون الاعتماد على الردود الفورية الجاهزة الموجودة في المخازن، وذلك من اجل تقليص احتمال التورط والتدهور الى اوضاع صعبة ومعقدة جدا.
البعد المفاهيمي
المستوى المفاهيمي يتركز على الجانب النظري اكثر من اي شئ آخر، وفيه يجب التركيز على الجهد في التفكير. بالاشتقاق من حروب الماضي مقابل معارك سياسية تتشكل لغة عسكرية وسياسية، والتي تعبر عن مفاهيم تقليدية. الطريق السليمة للبدء في هذا الاجراء  هي قبل كل شئ خلق لغة مفاهيم جديدة، تعبر عن انقلاب في التفكير وتساهم في تعميق الحوار حول الحالات الجديدة: مفهوم العمل الثنائي، مقابل العديد من اللاعبين في المقابل، وصف اجراء استراتيجي ليس من نوع الحسم والردع، التي هي غير قابلة للتطبيق، تغيير تأثير الحدود السياسية الى مساحات تعتبر ملائمة، ايجاد العديد من شروط الاستعداد المشتركة وبناء تحالفات ذات مصالح مشابهة لمواجهة التحديات والظواهر الفريدة، رسم افكار، حقائق، تشخيصات، مجموعات منتمية واستراتيجة متبلورة تجاه الاقليات، صندوق ادوات متعدد المجالات مهمته تفعيل العديد من الجهود- السياسية، الدبلوماسية، الاقتصادية، العسكرية، القانونية، الاعلامية، البنى التحتية، الحرب الاستخبارية، حرب المعلومات، متابعة السكان المحليين  -كل ذلك بصورة محكمة ومشتركة. مصطلح "متعدد المجالات" يجسد الاعتراف انه في الحرب الحديثة، فإن استخدام جميع محتويات صندوق الادوات من قبل الدولة او تحالف الدول هو امر إجباري من اجل خلق  الجهد المطلوب تجاه اللاعبين الآخرين. كما يجب توصيف عامل مؤسسي يكون مسؤولا عن تفعيل منسق ومتزامن بين جميع الجهود، من اجل انتاج جدوى كبيرة. 
بنظرة اكثر تركيزا الى الداخل، فعدا عن خلق لغة جديدة فمن الممكن بناء بنى تحتية معرفية واسعة عن اللاعبين ذوي العلاقة، وعن طرق تصرفهم وتأثيرهم. احد العناصر الجوهرية بهذا الخصوص هو علاقة الشراكة للعديد من الكيانات غير الدول. على الرغم من ان الشرق الاوسط تحرك الى الامام، الا انه والى حد بعيد شكل صيغة لحساسيات ورغبات قديمة تجد تعبيرها بالانقسامات الاجتماعية المتزايدة. لذا، فإن فهم  الافكار المعرفية، القبائلية، الدينية والمجتمعية هي جزء اساسي من عملية التكيف، ويشكل  توصيف حركة السكان في المنطقة، اهمية حاسمة في ذلك. ظاهرة اللجوء والهجرة غيرت بطريقة لا يمكن التعرف عليها، كل من سوريا، الاردن، لبنان والعراق، ولا يمكن التطرق الى طبيعة السكان المعروفة في هذه الدول قبل سنين. عن طريق استخدام ادوات استخبارية جديدة مثل الاستخبارات الاجتماعية والنفسية تتحول المتابعة المدنية الى التطبيق والفعالية، فصحيح انه من غير الممكن العثور على اتجاهات جديدة في اوساط سكان المنطقة عن طريق استخدام الادوات التقليدية، كما شهدنا على ذلك اكثر من مرة خلال الحرب في سوريا والعراق، التي تدور عبر قنوات اجتماعية واعلامية جديدة اكثر من حروب الماضي. فهم هذه الميزات يساعد في العثور على نقاط التأثير على اللاعبين المختلفين وفي القدرة على ممارسة الضغوط ضدهم وفي مراكز الثقل لديهم.  مطلوب اليوم استخبارات نوعية على ثلاث مستويات: (1) استخبارات للبحث عن اتجاهات واهداف الاعداء والخصوم، مع التركيز على "المحور الراديكالي الشيعي" بزعامة ايران، الدولة الاسلامية وعناصر إضافية ينتمون للجماعات الجهادية السلفية ويهددون بالعمل ضد اسرائيل، عبر الوصول او التمركز على طول الحدود. (2) الاستخبارات اللازمة لغرض حماية احد حلفاء اسرائيل – كما حدث مع تسلل الجهاديين الى سيناء والاردن، ومن خلال المحافظة على ميزان القوى الداخلي للدول التي لها اتفاقات سلام مع اسرائيل. (3)  الاستخبارات التي تشير الى البحث عن الفرص، ولايجاد آلية مشتركة ومصالح مترابطة مع لاعبين في المنطقة. على الرغم من ان عدم الاستقرار المتواصل يمس بمصداقية الكثير من اللاعبين وبقدرتهم على الاعتماد على تحالف استراتيجي فيما بينهم، الا ان الجانب الايجابي لهذه الظاهرة هو الفرصة للتعاون الوثيق على قاعدة الاهداف المشتركة.
تحدي التكيف الاسرائيلي
          ما زالت اسرائيل غير قادرة بعد على تطوير وبلورة نظرة تجاه مكانها في الشرق الاوسط الذي يتشكل من جديد. الاستراتيجية المسيطرة التي تميز سياسة اسرائيل منذ بداية القلاقل الاقليمية هي عدم التدخل والتنحي جانبا. الاهمية في اساس سياسة اسرائيل هذه ناجمة من رغبتها بالبقاء خارج الصراعات الاقليمية التي من الممكن ان تجلب عدم الاستقرار الى داخل حدودها، كما هو حاصل لدى جاراتها. بالاضافة الى، ان اسرائيل لن تذرف دموعا كثيرة في حال قيام عناصر متطرفة بقتل بعضها بعضا عبر صراعاتها الداخلية – وهو الاتجاه الذي لم يضعف بعد المحور الشيعي ومرساته -  نظام الاسد في سوريا. فاسرائيل غير معنية بأن يتوجه الاهتمام الاقليمي والعالمي اليها كجزء من المشكلة الاقليمية. وعلاوة على ذلك، فإن لاسرائيل تجربة مريرة وطويلة من تدخلها في الصراعات الاقليمية والمحلية ومن محاولاتها لتنصيب الملوك والكيانات – وفي مقدمتها الحرب الاهلية في لبنان – الامر الذي تسبب في ان تتخذ جانب الحذر تجاه اي خطوة في هذا الاتجاه.
          لغاية العام الماضي ظهرت استراتيجية التنحي جانبا مناسبة لاسرائيل، حيث لم تشهد اضطرابات نتيجة لما يدور حولها. الا انه وبنظرة فاحصة فمن الممكن التخمين انها لن تظل محصنة للابد. العنف المتواصل والمستمر على طول الحدود في هضبة الجولان ( وبالمقابل ايضا في غزة ولبنان وسيناء)، لا يتلاشى ولا يبتعد. واليوم ايضا، مع عدم وجود الدولة الاسلامية في مدى المواجهة مع اسرائيل، وتنظيم جبهة النصرة اختار عدم المواجهة معها على ضوء المصالح المؤقتة ، فإن نشاطهم تسبب بشكل غير مباشر بزعزعة الهدوء حول اسرائيل. نشاط اسرائيل بمستويات منخفضة بإتجاه التعاون مع المجتمع المحلي في هضبة الجولان السورية – غير قادرة على احباط جهود حزب الله وايران للتمركز في الجولان وجنوب سوريا، والتي ادت الى مواجهة مع اسرائيل في كانون ثاني / يناير 2015. لذا، ومن اجل الاستعداد لسيناريوهات مستقبلية، يتوجب بلورة استراتيجية محدّثة.
تحديات اسرائيل على الجبهة الشمالية
          من الممكن تحليل الاجراءات والاتجاهات على الساحة الشمالية بشكل مبدئي على المستوى المنهجي  والمفاهيمي. فاسرائيل تراقب بقلق الطريقة الذي انقذت حزب الله من الضائقة التي احاطت به مع بداية الاحداث في سوريا، حيث عاد ليحتل مكانة "حامي لبنان" في وجه الخطر المتنامي للاسلام السني والسلفي. وفي نفس الوقت، فهو يتسلح ويعاظم قوته بمستويات تشكل خطرا على اسرائيل، وتعاظم قواته يتطلب بلورة ردا عسكريا فاعلا. كما ان ايران ونظام الاسد، اصبح العالم ينظر اليهما،  ليس كجزء من المشكلة بل كجزء من الحل لمحاربة الدولة الاسلامية. وبناء على ذلك، فإن اسرائيل مطالبة بدراسة سياستها على ضوء الظاهرتين الجوهريتين: الاولى هي تمدد الاحداث الى مناطقها، وتحديدا الاعمال الارهابية عبر حدودها الشمالية وبتشجيع الارهاب الداخلي، والثانية هي خلق قاعدة تهديد في هضبة الجولان  في اعقاب تمركز حزب الله وعناصر من قوات الحرس الثوري الايراني في المنطقة، بموازاة بنى تحتية لعناصر الجهاد السلفي مثل جبهة النصرة، خاصة في جنوب هضبة الجولان. سياسة التنحي جانبا التي اتبعتها اسرائيل لغاية الآن، لن تحول دون خلق التهديدات الجديدة ولا تشكل ردا على تحديات المستقبل. المشكلة الاستراتيجية معقدة لانه من الصعب العثور على "نقطة نهاية" قابلة للتحقيق من قبل اسرائيل، بسبب عدم اليقين المتزايد في اعقاب التحولات على الجبهة الشمالية، وتجمع اللاعبين مع افكار متعددة ومخفية وغياب اتجاهات ثابتة لفترة طويلة. في الماضي، وبموجب الاستقرار النسبي الذي ساد في سوريا ولبنان، عملت اسرائيل امام لاعبين هم دول – نظام الاسد في سوريا – كعنوان يتحمل المسؤولية، كما ان حزب الله تحرك انطلاقا من مصالح تتعلق بالسكان في لبنان. وعليه كان من السهل رسم التهديد المقصود واوضاع النهاية المطلوبة، ووفقا لذلك تمت بلورة منطق استراتيجي منتظم. حاليا هناك صعوبة في رسم علاقات القوة والاتجاهات والتطورات، ولذلك تجد المؤسسة صعوبة في صياغة محتوى استراتيجي واضح.
          وبنظرة اكثر شمولية فقد طرأ في المنطقة تحولات جيو- استراتيجية وهي تؤثر بشكل مباشر على الجبهة الشمالية. فإذا كان بإستطاعة اسرائيل ولغاية العام 2011 ان تشير وبمستوى عالي من اليقين الى التهديد الرئيسي الذي يواجهها والذي نبع من تعزيز محور ايران – سوريا – حزب الله، وكذلك قدرة الجيش السوري ومنظومة صواريخ وقذائف حزب الله، اصبح الوضع اليوم مختلف واكثر تعقيدا مع تفكك النظام السياسي وصعود وتسلل عناصر جديدة، اغلبها من السلفيين الجهاديين المسلحين بوسائل قتالية نوعية. فالتحدي انتقل من مواجهة عنصر معروف ومحدد ويمتلك بنية معروفة، مع نظم رقابة وسيطرة معروفة، الى خليط كبير من اللاعبين الذين ليس لهم منطق معرفي، يتحالفون وينشقون، واصحاب قدرة على التكيف السريع مع المتغيرات المحيطة بهم، وبذلك اصبح من الصعب التنبؤ بسبب هذا النسيج، بدرجة التهديدات والربط فيما بينها. فعلى سبيل المثال، هل يمكن اليوم القول بقين كبير ما هو التهديد الرئيسي على امن دولة اسرائيل: ايران ام الدولة الاسلامية؟.
          بتحليل الاتجاهات الجيو – استراتيجية، المطلوب تقييم شامل لخطورة التهديدات، ومستوياتها وتحديد سلم اولويات لمواجهتها من قبل اسرائيل. وبهذا الخصوص، فقد ظهرت هناك فجوة بين اسرائيل وحليفتها الاستراتيجية، الولايات المتحدة، حول توصيف التهديد الاستراتيجي في المنطقة والاسس المطلوبة للتعامل معه. ففي حين ترى اسرائيل ان التهديد الرئيسي يتمثل بالمحور الشيعي المتطرف بقيادة ايران، عبر العراق، سوريا وحزب الله، فإن الولايات المتحدة تعتقد ان الدولة الاسلامية هي التهديد الرئيسي الذي يستوجب نشاطا عسكريا له الاولية على كافة الجهود الاخرى، حتى ولو كان الثمن بذلك التنسيق مع طهران. الهدف الاساسي للولايات المتحدة هو إخضاع الدولة الاسلامية بداية. هذه المسألة تعد جوهرية على ضوء التطورات الحاصلة على الجبهة الشمالية لاسرائيل – في هضبة الجولان – ومسألة اسرائيلية استراتيجية على ضوء سعي الايرانيين لتوسيع تأثيرهم في منطقة الشرق الاوسط. اسرائيل تتابع تعزيز قوة الاسلام السلفي على شاكلة الدولة الاسلامية وجبهة النصرة، وتقدر ان هذه العناصر سوف تعمل مستقبلا بشكل مباشر ضد اسرائيل، في اعقاب استكمالهم للسيطرة على الاراضي السورية، العراقية واللبنانية، ولكن القلق الآني والتهديد الحقيقي من وجهة نظر اسرائيل يتمثل بالمحور الشيعي في هضبة الجولان وجنوب سوريا. واسرائيل تصرّح بأنها لن تسمح بوضع تسقط فيه الجولان تحت سيطرة حزب الله والايرانيين، كما انها على استعداد للتعاون بشكل محلي مع جماعة المعارضة ومع السكان المحليين للحيلولة دون ذلك.
تعريف التهديد الرئيسي على الجبهة الشمالية
          المسألة المركزية الموضوعة على طاولة بحث القيادة الاسرائيلية هي ماهية القوة الاقليمية القائدة، والتي تمكن من التعرف على التهديد الرئيسي على اسرائيل على الجبهة الشمالية: هل حقيقة ان ايران هي دولة تقف على العتبة النووية و/او تعزيز التأثير الايراني في الشرق الاوسط، او تمدد الدولة الاسلامية والاسلام المتطرف؟ ام هو ربما استمرار انتشار ظاهرة تفكك الدول التقليدية، او هو الخطوات السياسية للسلطة الفلسطينية؟ ام ربما الحديث عن دمج عدة تهديدات؟ الاجابة على هذا السؤال هو الخط الموجه فيما يتعلق بسياسة اسرائيل على الجبهة الشمالية، حيث تقف هناك امامها جملة من التهديدات التي من المتوجب تحديد درجة خطورتها على المدى القريب والبعيد، ومن اجل التقرير حول اولويات الرد. حسب فهمنا، اعتبار المحور الذي تقوده ايران التهديد الرئيسي على اسرائيل هو حديث الساعة. فايران بقدراتها الاستراتيجية وحزب الله مع منظومة الصواريخ، والوسائل غير المأهولة التي بحوزته تشكل معا التهديد العسكري الجوهري لاسرائيل. وكذلك اتساع دائرة الاحتكاك والمواجهة بين اسرائيل وهذا المحور في اعقاب محاولاته لتأسيس قواعد له في هضبة الجولان وجنوب سوريا تمنحه منصة اضافية لتحدي اسرائيل. التهديدين المعروفين اللذين قصدتهما اسرائيل لغاية العام 2011، هما الحرب ضد الجيش السوري والحرب ضد حزب الله على الجبهة اللبنانية فقط، لم يعودا المقصودين حاليا. فالجيش السوري اصبح ضعيفا ولا يشكل تهديدا آنيا على اسرائيل، في حين ان حزب الله وسع نطاق نشاطاته من لبنان الى الشرق الى العمق السوري، وجنوبا الى هضبة الجولان. الصراع الدائر في جنوب سوريا بين حزب الله وايران من جهة وبين قوات المعارضة لنظام الاسد من جهة اخرى، هو الى حد بعيد، الصراع على طبيعة المعركة القادمة مع اسرائيل. فعلى اسرائيل ان تركز قدراتها الاستخبارية والعملياتية للمس بمعاقل الايرانيين وحزب الله في سوريا، ومنعها من ايجاد قاعدة عسكرية لمهاجمة اسرائيل من عدة جبهات في نفس الوقت(هضبة الجولان، لبنان، العمق السوري).
بنظرة متعددة الجوانب يتوجب على اسرائيل ان تدرس باستمرار تبعات المواجهة مع المحور على لاعبين اخرين وايضا على اعداء محتملين، على الاردن كشريك وعلى لاعبين آخرين اصحاب مصالح مشابهة، والذين من الممكن تجنيدهم لمحاربة ترسيخ قواعد المحور جنوب سوريا. قرار كهذا يوجه جهود اسرائيل على تفعيل عمليات الحرب فيما بين الحروب، التي تسمح بفرض منطقة حظر جوي على سلاح الجو السوري وشركاه في منطقة هضبة الجولان، الى جانب تفعيل جهود متعددة الاوجه (انسانية، اقتصادية، بنى تحتية وغير ذلك) لبناء شراكة مع لاعبين محليين. كل ذلك من اجل اعداد مجال تأثير واسع في جنوب سوريا وهضبة الجولان، وكذلك الحاق الضرر بقواعد المحور في المنطقة ولاستقرار منطقة هضبة الجولان. وفي المقابل مطلوب بناء استعدادات لمواجهة مع المحور في المنطقة الشمالية. في هذا الاطار، على اسرائيل، ابراز تبعتين متوقعتين في حال بادر حزب الله وايران بخطوات تصعيدية من الارهاب ضد اسرائيل: الاولى، ضربة اسرائيلية مسبقة لمراسي نظام الاسد – الامر الذي من شأنه ان يؤدي الى سقوطه. والثانية، ضربة مدمرة لقدرة حزب الله وممتلكاته، وكذلك للبنى التي بواسطتها يحاول ان ينشط ويطلق الصواريخ بإتجاه اسرائيل.
اسرائيل مطالبة لموضعة مكانتها الاستراتيجية بالنسبة الى اللاعبين المؤثرين في المنطقة في الحاضر وفي المستقبل: الولايات المتحدة وروسيا كدول كبرى كمتدخلة ومؤثرة، تحالف دولي ينشط في المنطقة، دول عربية براجماتية حافظت على انظمتها ومعنية بالاستقرار، لفحص إمكانية تنسيق استراتيجي مع تركيا في مواجهة تهديد المحور واستمرار نظام الاسد (اسقاط النظام السوري هو هدف مركزي للرئيس التركي اردوغان)، ولتوضيح الاتجاهات في اوساط الاقليات في الشرق الاوسط والتي ايقظت الاضطرابات في بنية الدول هويتهم الانفصالية، وللاشارة الى لاعبين يتمتعون باحتمالية لعب دور ايجابي ورئيسي في تكوين سوريا الجديدة في يوم ما بعد الاسد، وللعمل بصورة مباشرة وغير مباشرة لتعزيز مكانتهم.
في مقابل تحديد الاهداف الاستراتيجية على الجبهة الشمالية، يوصى ايضا بوضع استراتيجية منافسة تتفحص وتوزن بطريقة مختلفة المعطيات، التي تشير الى الدولة الاسلامية كتهديد رئيسي (بصورة شبيهة للاستراتيجية الاميركية). في مثل هذا السيناريو اي ان المحور ليس هو التهديد الرئيسي، من الممكن توسيع افق التفكير والاشارة الى مصلحة استراتيجية مشتركة وطرق وصول الى المحور، من اجل فحص إمكانية خلق تفاهمات وتنسيق لمحاربة تنظيم الدولة الاسلامية. فقط مواقف بديلة حقيقية تؤدي الى الحاجة لاستراتيجية فاعلة وقابلة للتحقيق لصالح اسرائيل.
إجمالي
بعد مرور اربع سنوات منذ بداية زعزعة النظم القديمة في الشرق الاوسط، من غير المتوقع نهاية قريبة للتقلبات الحاصلة بصورة متواصلة منذ ذلك التاريخ. وضع كهذا لم يعد يسمح ايضا لاسرائيل بالتنحي جانبا والاكتفاء بعدم التدخل وتعزيز دفاعاتها، بهدف التطلع الى عدم التأثر من تبعات الاضطرابات. التغييرات التي حدثت في العراق وسوريا خلقت ردودا متسلسة اقليمية وشكلت جبهة شمالية مختلفة عن تلك التي اعتادت اسرائيل عليها قبل العام 2011، من خلال تصاعد المصاعب المفاهيمية وغياب استراتيجية متبلورة. اسرائيل لم توجد بعد المبادئ المكونة المطلوبة لها من اجل مواجهة الحقائق الحاصلة، والامر يحدث فجوة آخذة بالاتساع بين الهدف المحدد فيما يتعلق بالجبهة الشمالية، وبين صندوق الادوات الموضوع لخدمتها من اجل خلق تاثير ورد على التهديدات من الجبهة الشمالية، والاتجاهات والاجراءات القائمة فعلا على هذه الجبهة.
من اجل تقليص هذه الفجوة، على حكومة اسرائيل القيام وبسرعة بإجراء عملية حساب معمقة هدفها خلق استراتيجية محدثة لكل ما يتعلق بالمنطقة الشمالية. هذه العملية تترافق مع نشاطات وسطية تستدعى حسب التطورات في المنطقة، والتي تسمح بتفهم اكبر للمحيط. وفي المقابل، مطلوب رسم لميزان القوى الكثيرة واللاعبين وللاتجاهات، وبضمن ذلك البحث عن شركاء خاصين لبناء صندوق ادوات متعدد المجالات والذي يتناسب مع التحديات الجديدة. الاستراتيجية ذاتها تتطلب خلطا بين الاهداف بعيدة المدى – المشتقة من توضيح المصالح لاسرائيل وسلم اولوياتها: المحور بقيادة ايران يشكل التهديد الرئيسي الحالي ام المعسكر الذي يقوده تنظيم الدولة الاسلامية – وبين الاهداف قصيرة المدى – التي تركز على منع خلق تهديدات جديدة يصعب التعامل معها مستقبلا. في هذا الاطار، على اسرائيل ان تتفحص مكانها بين نسيج اللاعبين الاقليميين والدوليين المشاركين بما يدور على الجبهة الشمالية، وبلورة استراتيجية محدثة عبر الاستخدام السليم للعناصر، المفاهيم واتجاهات التفكير الحديثة الموجودة في هذا النسيج. تفكير استراتيجي متطور حيوي من اجل توجيه سياسة اسرائيل ونشاطاتها امام الجبهة الشمالية، والاستعداد بصورة فاعلة لسيناريو التصعيد امام المحور وعناصر القوة الراديكاليين في المنطقة الشمالية وفي منطقة الشرق الاوسط بأكملها.
* تقويم استراتيجي لاسرائيل للعام 2014-2015، مركز بحوث الامن القومي، جامعة تل أبيب، نيسان 2015.


2015-07-06 14:45:14 | 9992 قراءة

التعليقات

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد
مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية


آخر الأخبار