التصنيفات » ترجمات

سياسة ابن سعود تجاه القضية الفلسطينية


سياسة ابن سعود تجاه القضية الفلسطينية

(1917ـ 1953)

خلاصة
أطروحة دكتوراه

مقدمة من قِبل:
ميخائيل كهانوف
(رئيس سابق لجهاز الموساد الصهيوني)


إلى مجلس الشيوخ في جامعة تل أبيب

أيلول 2008


ترجمة الاستاذة مريم رزق




ملخّص

  يستعرض هذا البحث موقف عبد العزيز بن عبد الرحمان آل سعود، المعروف بابن سعود، من اليهود والصهيونية، في إطار السياسة التي اتّبعها تجاه القضية الفلسطينية. ابن سعود هو المؤسس للمملكة العربية السعودية منذ احتلاله للرياض عام 1902. وبعد استرداده لمعظم مناطق شبه الجزيرة العربية، ومن بينها الحجاز ومدينتيها المقدّستين مكّة والمدينة، أعلن وبشكل رسمي تأسيس المملكة العربية السعودية عام 1902، وحكمها حتى وفاته عام 1953. ومنذ ذلك الوقت يتوارث أبناؤه حكم المملكة.
  لقد جرت أحداث كثيرة على مدار حكم ابن سعود الطويل، خلال النصف الأول من القرن العشرين، والتي شكّلت ما يبدو عليه الشرق الأوسط اليوم: الحرب العالمية الأولى وانتداب القوى العظمى للبلدان العربية: العراق والأردن وسورية ولبنان. ولعلّ القضية الأبرز آنذاك كانت تصاعد حدّة النزاع بين اليهود والعرب في فلسطين بسبب نموّ الاستيطان اليهودي (الصهيوني) في فلسطين وزيادة نفوذه، والذي بلغ ذروته عند تأسيس ما سمِّي "دولة إسرائيل" عام 1948، والحرب التي تلت ذلك.
  ارتكز موقف ابن سعود تجاه اليهود على المشروع الصهيوني الذي سعى إلى زيادة عدد اليهود في فلسطين وتأمين الصهاينة ماليا ً وتأسيس مؤسسات وطنية وخلق كيان سياسي مستقل. ناهض الفلسطينيون هذه الحركة لأنها تنتهك حقوقهم، وبدأ صراعهم منذ ذاك الوقت بدعم ٍ من الدول العربية المجاورة. وبصفته حاكم البلد المستقلّ الوحيد في المنطقة، كان لا بدّ لابن سعود أن ينظر في القضية الفلسطينية، حيث جذبت قيادته ونفوذه الفلسطينيين لطلب المساعدة. وهو كان يعي أن الصراع سيحمل معه تداعيات قد تطال المنطقة بأكملها، وبالتالي موقف مملكته.
  اتخذ النزاع طابعا دينيا ً وآخر سياسيا ً فالقدس كانت وما تزال من أقدس المشاهد لدى المسلمين بعد مكّة والمدينة. وكان مفتي القدس حينها الحاج أمين الحسيني من أبرز القادة الفلسطينيين الذي حمل توصيفاً دينياً وآخر سياسياً. وقد حاول الحسيني إشراك العالم الإسلامي في النزاع، وتوّج نفسه قائدا ً لهذا العالم، الأمر الذي بدا كتحدٍ لقيادة ابن سعود، حارس الحرمين الشريفين في الحجاز. ومن الناحية الدينية الأخرى، فابن سعود قد أسّس المملكة على الحركة الوهّابية، بمصاهرته حكّام ولايات سابقة احتلّت شبه الجزيرة العربية منذ القرن الثامن عشر وحكمها أجداده. وقد اعتُبرت الحركة الوهّابية حركة إسلامية متعصبة وغير متسامحة مع الملحدين و" المنحرفين" عن الدين الإسلامي!
  لم تعش في المملكة السعودية أي جاليات يهودية، ولم يعلم ابن سعود بوجود اليهود إلاّ من خلال المصادر الإسلامية للمذهب الوهّابي الذي تلقّى ابن سعود تعليمه لديه. ويُقال إن معارضة ابن سعود لليهود وحقده عليهم تنحدر من التعصب الديني النابع من إيمانه الوهّابي. ومن هذا المنظار شكّل هذا الموقف الديني المتعصب رأي ابن سعود حيال الصراع الفلسطيني مع اليهود وبالتالي منعه من اتخاذ حلٍ وسط لهذا النزاع. وقد تبنّى العديد من القادة الصهاينة، وغيرهم من الدبلوماسيين والباحثين الغربيين، وجهة النظر هذه. لكن هذه الدراسة تعارض هذا الرأي، إذ تُظهر أنه على الرغم من إرثه الوهابي اتبع منهجاً مختلفاً تجاه الإسلام ومسؤولياته كإمامٍ لأمّة! كانت آراؤه معتدلة ومنفتحة؛ فقد اعتبر مدارس (مذاهب) السنّة الأربع شرعية. كما كان متسامحاً مع الشيعة مقارنة مع الحروب الضارية التي شنّها أجداده عليهم. وهو حثّ العلماء على تبنّي التكنولوجيا الغربية التي تناقض قِيم الدين الإسلامي، واحترم الديانة المسيحية.
  يتناول هذا البحث موقف ابن سعود من اليهود والصهيونية عن طريق استراتيجيته السياسية في حماية مصالح السعودية في الشرق الأوسط، من خلال حمايته لحدود مملكته. فهو لم يرغب بتوسيع حكمه داخل أراضي "الهلال الخصيب"●. ومن خلال تحصين منصبه كقائدٍ للمسلمين والعرب ومواجهة أيّ تهديد من توسّع آل هاشم،(الأشراف في المنطقة) ليتمكن من تنمية وتطوير بلاده. وهذا الرأي يوضح موقف ابن سعود من "اليشوف" (الوجود الاستيطاني اليهودي) في فلسطين وصراع اليهود مع الفلسطينيين؛ بالإضافة إلى الاضطرابات التي تلت ذلك في الثلاثينيات والأربعينيات. ما أدى إلى خلخلة الوضع الراهن في المنطقة وتصاعده. وهذا الواقع كان من التهديدات الأبرز لابن سعود، والتي كرّس جهوداً كبيرة لحلّها.
كان من أهم مبادئ سياسة ابن سعود التعاون مع بريطانيا العظمى. فهي القوّة العظمى الوحيدة ذات النفوذ السياسي والقوّة العسكرية في المنطقة، والتي بإمكانها ضمان عدم تخلخل ميزان القوى. وكانت بريطانيا هي الدولة المنتدبة عن فلسطين، وبالتالي المسؤولة عن أمنها. وقد أبرم ابن سعود أربعة عقودٍ مع بريطانيا وتمتّع بدعمها المالي. حكمت بريطانيا العظمى العراق وشرق الأردن، الذي يقع على حدود السعودية وفلسطين، وكان لها تأثير في إمارات الخليج الفارسي التي تقع على  حدود السعودية.
 كذلك خضعت العديد من البلدان المسلمة للنفوذ البريطاني، فيما شكّل الحجّاج الوافدون من هذه البلدان إلى المشاهد المقدّسة في الحجاز المصدر الأساسي لدخل المملكة قبل عصر النفط.

  هذه العوامل هي التي دفعت بابن سعود للتعاون مع بريطانيا (حاكمة فلسطين)، ليضمن علاقات جيّدة معها. وكان على استعداد لمساعدة البريطانيين في المشاكل التي يواجهونها في فلسطين، على أمل أن يُحلّ صراعه معهم حول أراضي الخليج الفارسي. وبالنسبة إليه، فالخليج أهم بكثير من فلسطين، وقد زادت أهميته بعد اكتشاف النفط فيه.
  ابتداءً من الأربعينيات، أصبحت الولايات المتحدة عاملاً أساسياً في اقتصاد السعودية، بعد أن قامت الشركات الأميركية بإنتاج النفط ليكون مصدر الدخل الأهم للمملكة. وقد عملت هذه الشركات على التأثير على الإدارة الأميركية في الدفاع عن مصالحها وعدم دعم الصهيونية. وبالمقابل، أدار الرئيس ترومان سياسة مؤيّدة للصهيونية، ممّا دفع بالدول العربية إلى الضغط على السعودية لتلغي امتيازات الشركات الأميركية. لم يأبه ابن سعود لهذه الضغوطات، وحافظ على مصالح مملكته الحيوية؛ لكنه تقرّب من الولايات المتحدة دبلوماسياً، وطلب منها تغيير سياستها. كما سعى كي تنتشر أنشطته هذه ليعرف بها الناس في العالم العربي، فيحمي بذلك مكانته أمامهم ويُظهر دعمه للنضال الفلسطيني. شاركت الولايات المتحدة في الوقت ذاته مع بريطانيا في مساعيها لتسوية الصراع في فلسطين. فقد أعطى ابن سعود وزناً كبيراً لقدرة القوى العظمى على التصرّف في المنطقة، وحاول العمل مباشرة مع الولايات المتحدة وبريطانيا للتوصل إلى حل. لكنهما رفضتا تدخله، وفضّلتا التوصل الى حلٍ عبر الأمم المتحدة.
  كان الهاشميون(الأشراف) المنافسين الأبرز لابن سعود في المنطقة، والذي يعود تراثهم للنبي محمد(ص)! وهم كانوا متورّطين في نزاعٍ قديمٍ مع البيت الوهّابي السعودي. فقد دمّر ابن سعود مملكتهم في الحجاز في منتصف العشرينات ومن ثمّ نفاهم. وبعدما استقرّ الهاشميون في شرق الأردن والعراق، بدعمٍ بريطاني، طمحوا بالتوسع ليحكموا المزيد من الأراضي في الهلال الخصيب نحو سورية وفلسطين. وقد استفاد ملك شرق الأردن، عبد الله، من "المشاكل" في فلسطين، ليسيطر على الأجزاء العربية؛ حتى أنه كان يفكّر بإعادة احتلال الحجاز. وهذا يوضح حجم التهديد الذي أدركه ابن سعود في حال تعزّز وضع الهاشميين وتوسعوا، حيث استحوذ هذا التهديد على معظم جهوده حتى نهاية حكمه.
  شاركت ألمانيا النازية ابن سعود الحقد ذاته تجاه اليهود، بالإضافة إلى أنها لم تحمل تطلعات سياسية في الشرق الأوسط، وكانت تنوي صدّ الهاشميين الذين يحظون بالدعم البريطاني. هذا مع العلم أن ألمانيا شكّلت مصدر أسلحة أساسي للسعودية. وعلى الرغم من ذلك، فإن تواصل ممثّلي ابن سعود مع النظام النازي قبيل الحرب العالمية الثانية لم يُفضِ إلى توحيد الجهود. فابن سعود لم يرِد تحويل محوره البريطاني الأساسي؛ والنظام الألماني، الذي يعي ذلك، لم يكن مستعدا ً للتعاون معه. وخلال الحرب العالمية الثانية، أعلن ابن سعود الحياد الرسمي، لكنه كان واثقاً  من فوز الدول الحليفة. وكلّما أثبتت التطورات على أرض الواقع هذه الفكرة أخذ يبدو جلياً أكثر فأكثر دعمه للدول الحليفة.
كان الفلسطينيون والصهاينة في فلسطين أعداءً مباشرين في النزاع حول الأرض. ولم يكن ابن سعود مستعداً لتقديم أيّ تضحيات من أجل الفلسطينيين قد تضرّ بالمملكة العربية السعودية! وكانت مساعداته للفلسطينيين عبارة عن أموال وأسلحة محدودة جداً، وكانت تُرسل سراً. لم يثق ابن سعود بالمفتي، الزعيم الفلسطيني، الذي حاول إقحامه في النزاع؛ فهو شهد الانقسامات في المجتمع الفلسطيني. وزيادة على ذلك، لم يكن ابن سعود مستعداً ليصبح مؤيداً ل "المتمرّدين" الفلسطينيين المعارضين لبريطانيا. وبالنسبة إليه، اليهود هم أعداء الإسلام، ولعنهم الله منذ بداية البشرية وازدرأهم بسبب طبيعتهم الماديّة. فالصهيونية برأيه هي حركة قمع لانتزاع العرب المحلّيين من أراضيهم. ولم يؤمن ابن سعود أن لليهود حقوقاً في فلسطين؛ ومع ذلك هو أيّد دعم الأقليّة اليهودية في فلسطين وحمايتها، على الرغم من أن ذلك كان يخضع لوقف الهجرة اليهودية. وقد اتبع ابن سعود هذه السياسة ليمنع الهاشميين من الاستيلاء على فلسطين، وللمساهمة في إيجاد حلٍ لتسوية النزاع بطريقةٍ توافق عليها بريطانيا. وبالتالي، ليحمي ابن سعود مصلحته العليا بعدم خلخلة ميزان القوى في المنطقة.
  اختُبرت سياسة ابن سعود خلال الأحداث المهمة التي شهدتها الفترة الممتدّة بين العشرينيات والأربعينيات. ففي شهر آب/أغسطس من عام 1929، شُنّت هجمات عنيفة على اليهود في فلسطين. لم يعِ ابن سعود مدى حدّة الأزمة حينها، واعتقد أن التعايش بين العرب واليهود يمكن أن يتحقق بمساعدة بريطانيا المسؤولة عن الامن. وفي عام 1936، تعامل ابن سعود مع حكّام عرب آخرين، بتنسيق بريطاني، لوقف الإضراب العام الكبير في فلسطين، وأقنع اللجنة التنفيذية العربية لتتعاون مع لجنة "بيل" التي عيّنها البريطانيون في عام 1937، في محاولة لتسوية الأزمة الفلسطينية. وهو عارض توصية اللجنة بتقسيم الأرض، لأن ذلك سوف يقوّي الملك عبد الله في شرق الأردن. وكان نهج ابن سعود واضحاً في مؤتمر سانت جيمس في لندن (1939)، عندما دعا ممثّله الأمير فيصل لتقديم مبادرة بريطانية بهدف وضع حدٍ للنزاع. وقال إنه يؤيّد سياسة «الكتاب الأبيض» البريطانية التي وُضعت بعد فشل المؤتمر. وقد وافق "الكتاب الأبيض" على بعض مطالب الفلسطينيين، لكن عارضته معظم الدول العربية.
  في الأربعينيات، عمل ابن سعود في إطار جامعة الدول العربية على رفض المقترحات التي من شأنها الإضرار بمصالح الولايات المتحدة وبريطانيا، وتجنّب الالتزامات التي تقضي بتقديم مساعدات كبيرة للفلسطينيين، وعارض الحرب ضدّ اليهود. وهو قام سريعاً بالمصالحة مع قرار الأمم المتحدة الصادر في 29 تشرين الثاني 1947 لتقسيم فلسطين. وفي عام 1948، حين أعلنت "إسرائيل" استقلالها وشنّت الجيوش العربية الهجوم، اكتفى عبد العزيز بمشاركة رمزية بإرسال قوّة صغيرة وغير مدرّبة، بقيادة مصرية، ساهمت قليلاً في المجهود الحربي العربي.
  ولقد دفع الواقع الجديد في المنطقة، بعد هزيمة الجيوش العربية، ابن سعود إلى الكفّ عن التدخل في شؤون فلسطين.
  تحدّد موقف ابن سعود تجاه اليهود على اعتبار سياسي وليس على أساس ديني. فهو كان يهاجم اليهود في العديد من بياناته، ويصفهم بأنهم أعداء الإسلام وأنهم عرقٌ ملعونٌ يستعمل أمواله ليحظى بالنفود السياسي وليحقّق طموحات إقليمية لا أساس لها. إن هذه العبارات هي بلا شك نابعة من حقد حقيقي يتأثر بآراء الدول الأجنبية، وخاصة الأوروبية والأمريكية، المناهضة للسامية. لكن كره ابن سعود لليهود كان بسبب أنشطة الحركة الصهيونية السياسية المسؤولة عن النزاع في فلسطين. وبنظره، فإن هذه الأنشطة تنتهك حقوق الفلسطينيين؛ وعلاوة على ذلك، فهي تهدّد استقرار المنطقة ومصالح السعودية. كما إن عبارات الكراهية والهجمات على اليهود هذه قصدت أيضاً إظهار تضامنه مع نضال الشعب الفلسطيني أمام العالم العربي. وعلى الرغم من مشاعر الكره، إلاّ أن ابن سعود كان عازماً على ضمان أمن الصهاينة من أجل حلّ الأزمة الفلسطينية، وهو اعترف بنفوذ اليهود في العالم وقدّر موهبتهم وقدرتهم في تعزيز التطور والتكنولوجيا. وليظهِر التزامه تجاه المصلحة العربية، قاطع ابن سعود المنتجات اليهودية المصنّعة في فلسطين والشركات اليهودية في أنحاء العالم، وحظر دخول اليهود إلى المملكة العربية السعودية. لكن أياً من هذه التدابير لم يتسبّب بضرر كبير على مملكته.
  استقدم ابن سعود مستشارين أجانب لإدارة سياسته الخارجية، وكانوا من العرب المتعلّمين ومتعدّدي اللغات الذين شغلوا مناصب بارزة في إدارته. وعلى الرغم من أنهم ليسوا سعوديين، إلاّ أنهم كانوا أوفياء للحاكم، ومقرّبين من القيادة الفلسطينية. وكانت قضية النزاع في فلسطين مألوفة جداً لديهم. وهم حاولوا حثّ المملكة لتقدّم المزيد من الدعم للفلسطينيين، ولكنهم غالباً ما أجبِروا على تناسي أجندتهم من أجل التقييد بما تُمليه سياسة ابن سعود.
  لم توحّد القيادة الصهيونية آراءها تجاه ابن سعود وسياسته، كانت لديها معلومات وافية من مصادر مختلفة حول مشاكل المنطقة والخطوات التي اتبعها. فالملفات الدبلوماسية البريطانية الموثوقة كانت بحوزتها. والإدارة العربية للوكالة اليهودية كانت تتلقّى معلومات كافية من وكلائها ومصادرها. فقد التقى موظفو الوكالة اليهودية بممثّلي ابن سعود وقادة الكتلة الوطنية السورية ورجال بلاط عبد الله ملك الأردن. جميع هذه الأمور، بالإضافة إلى أعمال ابن سعود في المنطقة، دلّت على موقفه "المعتدل" من النزاع في فلسطين وعلى مساعيه لإيجاد حلٍ وتهدئة الوضع. وبالرغم من ذلك ، كان للقادة الصهاينة رأيٌ آخر؛ فقد رأى موشيه شرتوك، الذي كان مسؤولاً عن الشؤون السياسية في الوكالة اليهودية والمسؤول عن الإدارة العربية، أنه لا يوجد أيّ طريقة للتوصل إلى تسوية مع ابن سعود، لأنه رجل من الصحراء ووهّابي متطرّف متعصّب. أما تشايم وايزمان، فخالف هذا الرأي، وكان واثقاً من قدرته على التوصل إلى تسوية مع ابن سعود؛ وهو حاول إشراك البريطانيين والأمريكيين في المشروع الذي طرحه سانت جون فيليبي، والذي يقترح إدخال منطقة الحكم الذاتي اليهودية في اتحادٍ عربيٍ يرأسه ابن سعود. وكذلك أن يحوّل مبلغ 20 مليون جنيه إسترليني إلى ابن سعود بعد تنفيذ المشروع. لكن المشروع فشل بسبب أخطاء تكتيكية في عملية التنفيذ، ولأن المنطقة لم تنوِ قبول اتحاد عربي برئاسة ابن سعود، مما زاد موقفه سوءاً تجاه اليهود إذ رأى أن هذا المشروع هو بمثابة رشوة.
 لقد اجتمع ديفيد بن غوريون مع مسؤولين في الإدارة السعودية أكثر ممّا اجتمع مع القادة الصهاينة ولكن من دون جدوى. لكنه رأى أن الأهم هو تعزيز الصهونية، وحينها فقط قد يعمل على  تسوية مع العرب بالتزامن مع الحفاظ على استقلالية السياسة اليهودية.
  من جهتها، وطّدت الوكالة اليهودية علاقاتها مع عبد الله ملك شرق الأردن المجاورة، والذي كان ينوي الموافقة على بعض المطالب الصهيونية ظناً منه أنه سيحكم الجزء العربي من فلسطين. كان ابن سعود على علمٍ بكلّ ذلك، ودفع به قلقه إلى عدم اتخاذ القيادة الصهيونية كطرف في أي اتفاق. وعلى الرغم من الاتصالات التي جرت على مختلف الأصعدة ومساعي الوساطة، فقد رفض ابن سعود أن يكون على اتصال مباشر مع أيّ ممثّل يهودي.
   لم توصي الإدارة العربية الوكالة اليهودية بسياسة إقليمية شاملة خلال هذه الفترة. حتى أنها قيّمت وبشكل خاطئ تأثير العامل الديني على سياسة ابن سعود، إلى أن حلّ تشرين الثاني/ نوفمبر من العام 1946، حين اقترحت هذه الإدارة سياسة ناشطة تدعم طموحات عبد الله في المنطقة، والتي تضمّنت ضمّ سورية وأجزاء من فلسطين ولبنان إلى الأردن مقابل موافقته على تأسيس الدولة اليهودية في فلسطين.
وقد ارتكزت سياسة ابن سعود على مقوّمات كانت لتؤسس لتسوية مع الصهاينة فهو كان يعلم:
1-    أن مفتاح الصراع في المنطقة هو بين يدي القوى العظمى، وأن بريطانيا العظمى والولايات المتحدة لن تقبلا بجميع مطالب الفلسطينيين وستتجاهلان قوّة الصهاينة والشتات اليهودي.
2-    أن هدف سياسته الأساسي كان استقرار المنطقة وتجنّب النزاعات.
3-    أن الاستيطان اليهودي في فلسطين قد يؤول دون حصول عبد الله على الأرض بأكملها.
4-    بأهمية الحدود بين الدول، على الرغم من أن دولته بقيت بلا حدود ثابتة لفترة طويلة. واعترف ابن سعود بأن الاتفاقات المؤقّتة قد توفّر بيئة للاستقرار. (هكذا كان حال شرق المملكة العربية السعودية، وكذلك عند الحدود مع الأردن، حيث لم تعترف السعودية بمنطقة العقبة معان كجزءٍ من الأردن إلاّ بعد موت ابن سعود).
5-    بالتنافس والخلافات بين العرب وبقدراتهم العسكرية المحدودة والمجزّأة، وأن كلّ زعيم عربي تصرّف وفقاً لمصالحه الخاصة.
6-    كان ابن سعود في المقام الأول قائداً سياسياً، وتبنّى دبلوماسية "الواقعية السياسية"، وهي الاستعداد العملي لقبول الواقع.
  أدرك ابن سعود جميع الحقائق، لكنه لم يسمح لمشاعره (الكره الذي يكنّه لليهود) بأن تتدخل في إدارته لسياسته. فهو لطالما قال إنه يستطيع كبت مشاعره من أجل هدفٍ سياسي، وهكذا فعل!
  تظهر هذه المقوّمات في السياسة التي اتّبعها ابن سعود وورثته، والتي تعدّلت مع تغيّر الواقع. ففي عام 1981 نشر الملك فهد، وكان حينذاك ولياً للعهد، مشروعاً يتألف من ثماني نقاط لتسوية النزاع في فلسطين. وتتضمّن النقطة السابعة من المشروع اعترافاً ضمنياً بدولة "إسرائيل" وبحقّها بالتواجد السلمي في المنطقة! وفي شباط/فبراير من عام 2002، اعترف ولي العهد عبد الله، الذي أصبح ملكاً فيما بعد، بإسرائيل كدولة يهودية من خلال مبادرته التي اقترحت أن تنسحب "إسرائيل" إلى حدود حزيران 1967 مقابل تطبيع العلاقات الشامل مع الدول العربية.
  لقد كان ابن سعود قائدا قوياً، ليس فقط وفقاً لمعايير الشرق الأوسط، وهو استخدم موهبته كزعيم لبناء سلطة لا منازع لها عليها. إذ نجح في تأسيس دولة تشمل معظم شبه الجزيرة العربية، وهزم أعداءه، وأحلّ السلام الداخلي وطوّر بلاده. كلّ هذا منحه مكانة امتدّت إلى ما بعد حدوده؛ إن كلّ من كان له اتصال مباشر مع ابن سعود سُحر بشخصيته وسلطته وحضوره ومدى نفوذه. فهو كانت لديه تصوّرات استراتيجية حادة تستند على فهم جيّد للمنطقة والقوى المؤثّرة فيها؛ وكذلك كان مضطلعاً على ما يجري في العالم الأوسع. وخلال إدارته لسياسته الواقعية، استخدم ابن سعود لغة قوية، كانت أحياناً معادية للسامية ونابعة من مشاعره الشخصية، لتكون أداة تأثير على المناقشات مع الدول العظمى والعالم العربي وفقاً لأجندته.
  وأخيراً، فقد أخطأ القادة الصهاينة والدبلوماسيون الغربيون ومختلف الباحثين في فهم موقف ابن سعود من اليهود والنزاع في فلسطين، حيث أولوا كلماته الحاقدة على اليهود وموقفه الوهّابي المتعصّب اهتماماً أكبر من اهتمامهم باعتباراته الاستراتيجية. فتأسيس المملكة السعودية الوهّابية هو ما وجّه ابن سعود لاتباع سياسة "معتدلة ومدروسة" تجاه النزاع في فلسطين!

2016-07-13 09:27:01 | 3345 قراءة

التعليقات

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد
مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية


آخر الأخبار