التصنيفات » مقالات سياسية

محاولاتٌ إسرائيلية لوأد انتفاضة الأسرى وإفشال إضرابهم (1/4) الحريّة والكرامة "5"

بقلم د. مصطفى يوسف اللّداوي
تاسع أيام الإضراب ....

لا تقبل إدارة السجون الإسرائيلية أن يقوم الأسرى والمعتقلون الفلسطينيون بمحاولة ليّ ذراعها، وتحطيم كبريائها، وفرض مواقفهم عليها عنوةً، وانتزاع حقوقهم وامتيازاتهم منها بالقوة، وإملاء شروطهم تحت الضغط والتهديد ودعوات التصعيد، وتحريك الشارع الفلسطيني والعربي للضغط على الصهاينة، وتأليب المجتمع الدولي عليهم، وفتح مختلف الجبهات الإعلامية ضدّهم، تحرّض عليهم وتفضحهم، وتضغط عليهم وتحرجهم.
لهذا، فإنهم في مصلحة السجون لا يستجيبون لمطالب الأسرى بسهولة رغم أنها مطالب حق، ولا يخضعون لشروطهم ببساطةٍ رغم أنها شروطٌ إنسانية. ويتشددون في مواقفهم ويحرصون على ألاّ يظهروا أمامهم بموقف الضعف واللين وعدم الحسم؛ بل يتعمدون إظهار اللامبالاة تجاههم والاستهتار بمعاناتهم، ولا يُبدون الاهتمام إزاء إضرابهم ومطالبهم، ولا يصغون إلى الوسطاء، ولا يقبلون بالحلول الوسط، ولا يبدون استعجالاً لحلّ الأزمة، أو قلقاً من تداعياتها، أو خوفاً من مفاعيلها الشخصية على حياة الأسرى والمعتقلين وصحّتهم، أو على أسرهم وذويهم والمجتمع الفلسطيني كلّه.
وقد لجأت إدارة السجون والمعتقلات الإسرائيلية في الأيام الأولى للإضراب إلى مواجهة المعتقلين بالقوة والحسم، وبمنطق العسكر الذي لا يقبل بالهزيمة، ولا يتنازل بسهولة، ولا يعرف الاستسلام للخصم، لكسر إضرابهم وتفريق جمعهم، وتمزيق تلاحمهم، وتهميش احتجاجاتهم وإهمال طلباتهم. وحتى تتمكن من الوصول إلى أهدافها وغاياتها، فإنها اعتمدت طرقاً عدّة ومختلفة، مباشرة وملتوية، وخبيثة وماكرة، هدفها الوحيد كسر الإضراب، وتحطيم الروح المعنوية للمعتقلين، والظهور بمظهر المنتصر الذي لا يخضع لاحتجاجاتهم ولا يستجب لضغوطاتهم، ولا يخشى أبداً من تصعيد إضرابهم.
قد لا تبدي إدارة السجون الإسرائيلية اهتماماً ملحوظاً في الأيام الأولى للإضراب، أو عند إعادة المعتقلين للوجبات الأولى. وقد لا تعترف بوجود الإضراب أصلاً، وتتعاطى مع إعادة الوجبات بصورةٍ باردة؛ وربما تستمر على هذا الحال عدّة أيام، تتجاوز الأسبوع وأكثر، خاصةً إذا لم يكن الشارع الفلسطيني قد تدخل في القضية، وانخرط في الاحتجاجات والمسيرات والمظاهرات والاعتصامات والحملات الدولية والمحلية، أو في ظل قلّة عدد الأسرى المنخرطين في الإضراب، وعدم انتشاره إلى جميع السجون والمعتقلات، وانحصاره في أعدادٍ قليلة وفي سجونٍ محدّدة، وبعيداً عن الحملات الإعلامية الفاضحة والضاغطة.
لكنها -شاءت أم أبت- فإنها سرعان ما تولي إضراب الأسرى والمعتقلين المفتوح والمتصاعد اهتماماً كبيراً، وتعلن حالة الطوارئ في جميع السجون والمعتقلات، وتلغي الإجازات وتستدعي الاحتياط، وتدعو المسؤولين القدامى وأصحاب الخبرات، وتشرك معها الحكومة وأجهزة الأمن والمخابرات، وتحمّل أركان الكيان كلّه المسؤولية، وتطالبهم بالمساعدة والتعاون معها، حيث تكثّف من تقاريرها، وترفع من درجة حضورها، وتعلن أنها في مواجهة تحدٍ أكبر منها، وعلى مسؤولي الحكومة والجيش ووزارة الداخلية تحمّل مسؤولياتهم.
لا تتدخل حكومة العدو في قضية الإضراب إلاّ عندما تشعر بجديّة المعتقلين وتصميمهم، وأنهم ماضون في معركتهم حتى النهاية مهما كلّفتهم من ضحايا وخسائر، ومهما تعرّضت حياتهم للخطر وصحّتهم للتدهور. فتبدأ حينها في التفكير الجدّي في كيفية مواجهة الأسرى وكسر إضرابهم، حين تلجأ إلى وسائل مختلفة، وسبل عديدة تعوّدت عليها وتراكمت لديها الخبرة فيها نتيجة تكرار الإضرابات؛ ولكن إرادة الأسرى تبقى دوماً أقوى من ظلّم السجّانين، وقدرتهم على الصمود والثبات والصبر والتحمل أكبر بكثير من قسوة إدارة السجون وظلمها، وقدرتهم على تشتيت جهود إدارة السجون كبيرة، وتيئيسهم من احتمال تراجعهم وانكفائهم محدودة. وقد خبرت إدارة السجون عزم الأسرى والمعتقلين، وأصبحت تعرف الحدود التي يمكنهم الوصول إليها، وتعرف مدى عنادهم وقدرتهم على التحمّل واستعداهم للتضحية في سبيل أهدافهم.
وقبل أن نستعرض في حلقاتٍ متسلسلةٍ متتابعة، تواكب الإضراب وتمضي معه وتسلّط الضوء عليه، مجموعة الوسائل والآليات التي تعتمدها حكومة العدو في مواجهة الإضراب، نثبت هنا أنها غالباً ما تتراجع عن قراراتها، وتنكفئ عن سياستها، وتعود إلى نقطة البداية؛ فتعترف بالإضراب وتقرّ بحق المعتقلين في خوضه، قبل أن تباشر معهم مفاوضاتٍ قد تكون طويلة وشاقّة، لكنها تعرف أنها في النهاية ستخضع لإرادة الأسرى والمعتقلين، وستلبّي طلباتهم، وستنزل عند شروطهم، وستحقّق لهم ما انطلقوا من أجله. ولكن هذه المرحلة قد تتأخر كثيراً، ولا تكون إلاّ إذا وقر في عقل قادة العدو الإسرائيلي أنهم في مواجهة قادةٍ ورموزٍ وأبطال أقسموا على الثبات، وأصرّوا على البقاء، وأعلنوا تحدّي إرادة الاحتلال؛ ولكنهم دوماً يراهنون على حصانهم الخاسر، ويظنّون أنهم في وضعٍ مريحٍ يمكنهم من المناورة والمساومة، ويساعدهم على العرض والترغيب، أو التخويف والترهيب. فهم السلطة القوية القادرة، والمضربون هم المعتقلون الضعفاء العزّل، وينسون أن رهان الأسرى الفلسطينيين دوماً هو على الحصان الرابح، وعلى الشعب الصابر، وعلى الأمّة الكريمة الأصيلة، التي لا تخذل أبناءها، ولا تتخلّى عن رجالها، ولا تتركهم وحدهم في الميدان يقاتلون، بل يسبقونهم إليه، ويتحدّون عدوّهم فيه. وسنرى تباعاً حبالهم وشراكهم، وسنفرح دوماً بانتصارنا وغلبتنا عليهم.
يتبع .....
 

2017-05-02 15:06:11 | 449 قراءة

التعليقات

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد
مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية


آخر الأخبار