التصنيفات » مقالات سياسية

محاولاتٌ إسرائيلية لوأد انتفاضة الأسرى وإفشال إضرابهم (3/4) الحريّة والكرامة "7"


بقلم د. مصطفى يوسف اللدّاوي

لا تتوقف سلطات السجون الإسرائيلية عن محاولاتها إنهاء الإضراب ووضع حدٍ له دون تقديم أيّ تنازلاتٍ تُذكر للأسرى والمعتقلين، أو الاستجابة إلى أيٍ من مطالبهم الإنسانية. بل هي تتشدّد إزاءهم حتى النهاية، وتتصلّب أمامهم ولا تُبدي ليونةً في التفاوض معهم؛ وهي تعتقد أن منهج القوّة التي تعتمده من شأنه أن يقودها إلى نصر، وأن يؤدّي إلى تحطيم إرادة الأسرى والمعتقلين وكبح جماحهم، ومنعهم من مواصلة إضرابهم عن الطعام، رغم أن تجاربها السابقة مع مثل هذه الإضرابات تقول عكس ذلك، وتؤكد أن إرادة الأسرى أقوى من إرادة السجّان، وأن الرهان على صبرهم هو دوماً لصالحهم، وأن مصلحة السجون تخضع لهم في النهاية، ولا تجد مناصاً من الإصغاء إليهم والتفاوض معهم والقبول بأغلب مطالبهم. ولكنها تبدي الرفض وتكابر، وتتمسك بعنجهيتها وتعاند، وتواصل محاولاتها الخبيثة ومساعيها القمعية، ومنها:
o    عزل الرموز والنشطاء المحرّضين ...
تتابع إدارة السجون، ومعها المخابرات الإسرائيلية، ما يحدث داخل السجون والمعتقلات بدقّةٍ عالية، وتستطيع أن تعرف الأسرى الفاعلين الذين يلعبون الدور الرئيس في تحريض وتوجيه وتنظيم المعتقلين، والذين يتولّون إدارة معركة الإضراب عن الطعام، ويُجرون التنسيق الشامل مع الأسرى في السجون والمعتقلات الأخرى، ويقومون بتعبئة الأسرى والمعتقلين، وشحذ هممهم وتحريضهم، وحثّهم وتشجيعهم على مزيدٍ من الصبر والاحتمال والعناد والإصرار.
وهؤلاء في الغالب أعدادٌ قليلة تعرفهم إدارة السجون من قبل، وتعرف مدى تأثيرهم وقوّة شخصيتهم وأثرهم على بقيّة الأسرى والمعتقلين. لذا فإنها تقوم بإخراجهم من غرف وأقسام الأسرى، وتعزلهم في غرفٍ وحدهم، أو تعزلهم في زنازين انفرادية، فلا يكون بينهم وبين بقيّة الأسرى والمعتقلين الآخرين أيّ اتصال؛ وبذا تقضي على أدوارهم وفعلهم المؤثّر بين الأسرى. إلاّ أن عملية العزل لا تتوقف ولا تنتهي، ولا تقتصر على أسيرٍ أو اثنين، بل تبقى العملية مستمرة ومتجدّدة؛ ذلك أن الأسير القائد الذي يغيب يحلّ مكانه آخر غيره، وقد يكون أكثر تأثيراً وأشدّ تصميماً وعناداً ممّن سبقه، مما يدفع إدارة السجون إلى مواصلة صيرورة العزل والترحيل.
ومع كلّ هذه الإجراءات الإسرائيلية القاسية والمقصودة، فإن الأسرى المعزولين يبذلون قصارى جهودهم ليبقوا على اتصالٍ فاعلٍ مع إخوانهم الأسرى المضربين، في الوقت الذي يواصلون فيه إضرابهم، ويتمسكون به أكثر، رغم محاولات الإدارة المحمومة كسره، حيث تتعمّد أن تضع في الزنازين الفردية التي لا يوجد فيها سوى أسيرٍ واحد، بعض الطعام والمأكولات الشهيّة والفواكه الطازجة، لتغري الأسير الذي يوجد في الزنزانة وحيداً الفرصة ليأكل ما يشاء دون أن يراه أحد؛ فتضعفه وتدفعه تحت تهديد الكشف والفضح لكسر إضرابه والتراجع عن مواقفه. ومع ذلك، فإن الأسرى المعزولين يدركون هذه اللعبة الإسرائيلية القذرة، ويعلمون أنها لعبة وخديعة للإيقاع بهم والتشكيك في صدق إضرابهم، فتراهم يتشدّدون ويتمسكون بإضرابهم أكثر ممّا لو كانوا بين إخوانهم في الغرف والأقسام العادية.
o    ترحيل المعتقلين وتفريقهم عن بعضهم ...
تلجأ إدارة السجون والمعتقلات، عندما يشتدّ الإضراب وتتواصل أيامه، ويتعذّر عليها كسره، أو التخفيف منه عبر القبول الجزئي ببعض طلبات المعتقلين، وفي ظلّ رفض الأسرى التفاوض أو منح الإدارة فرصة من الوقت إضافية لدراسة الطلبات والقرار فيها، وامتداد الإضراب إلى كلّ السجون والمعتقلات، وتصاعد الهبّات الجماهيرية المتضامنة معها، وتزايد الضغوط الدولية على الحكومة الإسرائيلية، إلى القيام بأوسع حملة تفريق ونقل وترحيل للأسرى والمعتقلين. وهي تتعمّد الخلط بين الأسرى من الضفة الغربية وقطاع غزة، وإبعاد الأخوة والأقارب عن بعضهم البعض، وتفريق أبناء المنطقة والحيّ والواحد، في محاولةٍ منها لتشتيت جهود الأسرى التنسيقية، وكسر حلقات التواصل فيما بينهم، وعرقلة تبادل الاتصالات والمعلومات بين الأقسام.
لكن الأسرى والمعتقلين يدركون أن هذه الخطوة قادمة، ويعرفون أن إدارة السجن ستقوم بتفريقهم وترحيلهم إن عاجلاً أو آجلاً، فتراهم يحتاطون لهذه الخطوة، ويعدّون خططاً لمواجهتها قبل أن تبدأ وتصبح أمراً واقعاً؛ وبالتالي فإنهم لا يرتبكون عندما يتم نقلهم وترحيلهم وتفريقهم، لأن الخطط البديلة موجودة، وحالة الطوارئ قائمة عندهم منذ اليوم الأول، ويعرفون يقيناً ما يقومون به في مثل هذه الحالة لحرمان إدارة السجون من نتائجها، أو التقليل من آثارها وحصر مفاعيلها.
بل إن مثل هذه الخطوات القمعية قد تأتي بنتائج عكسية، ولا تحقّق الأهداف الإسرائيلية المرجوّة منها. فبدلاً من أن تمزّق جمعهم وتفرّق صفوفهم وتربك خططهم، فإنها تدفع الأسرى والمعتقلين نحو تعميق التنسيق فيما بينهم أكثر، وترتيب خطواتهم بطريقة أفضل وأحسن، طالما أن جميع الأسرى مشتركون في الإضراب، ومصمّمون على مواصلته، ولا يهمّهم أين يكونون طالما أنهم جميعاً يقومون بالمهمة الموكلة إليهم. وبهذا لا تنجح إدارة السجون والمخابرات الإسرائيلية في الوصول إلى أهدافها بهذه الطريقة، وإن كانت قاسية على نفوس بعض الأسرى أحياناً كونهم يُنتزعون من بين إخوانهم وأصدقائهم انتزاعاً.
لكن إدارة السجون الإسرائيلية تلجأ أحياناً إلى نقل بعض الأسرى إلى أقسام المحكومين جنائياً من العرب "واليهود" على السواء، من المجرمين والقتلة والمهرّبين واللصوص ومدمني المخدّرات وغيرهم من المجرمين الإسرائيليين، الذين لا تحكمهم قيمٌ ولا أخلاق، والذين ينزعون إلى الشرّ والعنف والإساءة بطبعهم، والذين يكرهون العرب ويحقدون عليهم ويتمنّون موتهم وزوالهم، الأمر الذي يجعل من حال الأسرى صعباً. وتطلب إدارة السجن من السجناء الجنائيين إجبار الأسرى الأمنيين على تناول طعامهم، وتعرض على السجناء الجنائيين حوافز ومكافآت إن هم نجحوا في ثني الأسرى عن إضرابهم وإجبارهم على كسر إضرابهم. ولكن إدارة السجون قد تتجنّب العنف في هذه الظروف، وتوصي السجناء الجنائيين بعدم استخدامه مع الأسرى، وإنما التهديد والتلويح به فقط دون استخدامه، خوفاً من تطوّرٍ غير محسوب، وانفلاتٍ غير محسوب للأوضاع.
يتبع ...

2017-05-02 15:09:05 | 455 قراءة

التعليقات

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد
مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية


آخر الأخبار