التصنيفات » مقالات سياسية

ناقوس الخطر ونُذرُ الموت تدق أبواب المضربين الحريّة والكرامة "12"


بقلم د. مصطفى يوسف اللدّاوي
اليوم السابع عشر للإضراب ...

لعلّ استشهاد الأسير المحرّر مازن المغربي في خيمة الاعتصام التي نصبها المتضامنون مع الأسرى المضربين عن الطعام في السجون والمعتقلات الإسرائيلية، هو نذيرُ خطر وإشارة طوارئ، وعلامة افتراقٍ وانقلابٍ بأن مصير الأسرى المضربين عن الطعام بات في خطر، وأن مصير الكثير منهم قد لا يختلف كثيراً عن مصير مازن، وأن صحّتهم الآخذة في التدهور، وأجسامهم الماضية في النحول، ومقاومتهم المهدّدة بالإنهيار، توشك أن تضع حداً لمعاناتهم بالموت، وأن تُنهي شكواهم بالصمت، وأنينهم إلى العدم، وأن تنقل مساكنهم من الزنازين إلى القبور، وتحوّلهم إلى أسماء نحفظها، ورموزٍ لا ننساها، في ظلّ الاستهتار الإسرائيلي واللا مبالاة الدولية، وعجز القوانين وتراخي المؤسسات الحقوقية والإنسانية.
فالشهيد مازن المغربي هو أحد ضحايا الإهمال والمعاملة القاسية في السجون والمعتقلات الإسرائيلية، إذ كان معتقلاً لسنواتٍ وتحرّر. ولكن بعد أن أنهكته الزنازين، ونالت منه الأدواء، وورّثته أمراضاً مستعصية يصعب الشفاء منها بعد أن تأخر علاجه، وأهملت سلطات السجون رعايته، وقصّرت في تشخيص حالته وتحديد مرضه، وبقي على حالته الصحيّة حتى أُفرج عنه. لكنه وهو بين أهله، وفي ظلّ حرّيته، ما نسي إخوانه الأسرى ولا تخلّى عنهم، ولا جلس في بيته متفرّجاً عليهم وغير مبالٍ بمعاناتهم، بل حمل همومهم وخرج، وتصدّر للدفاع عنهم وانتفض، ونادى بحقوقهم واعتصم، ثم تضامن معهم وأضرب مثلهم عن الطعام؛ ولكن صحّته خانته، وانتصر عليه مرضه فسقط شهيداً باسمهم، مدموغاً بقضيتهم، وموسوماً بنضالهم، ومؤرّخاً بإضرابهم.
الخطر لا يكتنف الأسرى والمعتقلين المضربين عن الطعام في السجون الإسرائيلية فقط، وإنما يطال أُسرهم وذويهم، وأصدقاءهم ومحبّيهم والمتضامنين معهم. وقد باتت الأخبار تحمل إلينا كلّ يومٍ أنباء غير سارّة وإن كانت متوقعة، كاستشهاد والداتِ أسرى أثناء إضرابهن عن الطعام تضامناً مع أولادهن المعتقلين. وقد تحمل الأيام القادمة أخباراً أخرى غير سارّةٍ أيضاً عن متضامنين مسنّين أو مرضى مزمنين قد يستشهدون، خاصةً أن من بين المتضامنين مع الأسرى إضراباً عن الطعام من قد تجاوز الثمانين من عمره، مع ما يعنيه هذا السنّ المتقدم من وجود أمراضٍ كثيرة، في ظلّ قدرة على المقاومة والممانعة محدودة؛ إلاّ أنهم يمتازون عن الشباب بعنادهم، وعن الأصحّاء بصبرهم، ولديهم الرغبة في أن يكون لهم في هذه المعركة سهمٌ في المشاركة وشرف.
إنه اليوم السابع عشر للإضراب المفتوح عن الطعام، في ظلّ القمع والمداهمة، والضرب والركل والقيود القاسية، والنقل التعسفي والعزل الإنفرادي، وفي مواجهة خراطيم الغاز الخانق والمسيل للدموع. وفي ظلّ ارتفاع درجات الحرارة وبدايات أيام الشمس الحارقة، التي تحيل الزنازين وغرف المعتقلين إلى أفرانٍ لاهبةٍ تشتعل بحرارتها، وتلسع بلهيبها، نجد أن صحّة المعتقلين تتدهور بسرعة، وأوزانهم تنزل باضطراد، وأجسامهم تذبل وتنحل باستمرار، مع ما يصاحب هذه الحالة من الهزال من مظاهر الارتخاء والكسل والميل إلى النوم والاستلقاء، والابتعاد عن الحركة والنشاط، مع حالاتٍ مؤذيةٍ من الدوخة وفقدان التوزان وزوغان العينيين وإحساسٍ بالضعف في البصر، وغيرها من المظاهر والأعراض التي يسبّبها الإضراب والامتناع طويلاً عن الطعام، حيث يفقد الجسم الكثير من مناعته وقدرته على البقاء والصمود أمام النقص الحادّ في الغذاء.
لا شك أننا قد دخلنا مرحلةً خطرة، وأننا على أبواب مفاجآت تترى، قد تربكنا وتضعفنا، وقد تحزننا وتؤلمنا، ولكنها ستربك العدو أكثر، وستجعله في موقفٍ أصعب منّا، وإن كان هو السجّان والجلاّد، وحامل السوط وصاحب السلطة، إلاّ أنه الأضعف والأخوف؛ أما الأسرى والمعتقلون فإنهم لا يملكون شيئاً يخافون عليه، وقد خرجوا في معركتهم لا يلوون على شيء غير كرامتهم وحقوقهم. ولهذا فإنهم لن يخسروا شيئاً لا يملكونه، فضلاً عن أنهم يعرفون أن هذه المعركة وإن كانوا يخوضونها بالأمعاء الخاوية والمعدات الفارغة، إلاّ أنهم يدركون أنها معركة أشدّ في وطيسها من الحروب الحقيقية، وأن فيها من الدماء والآلام أكثر ممّا تولّده الأسلحة النارية عندما تنهال على الجسد وتفتك به. ولكنهم سيصبرون في هذه المعركة التي وطّنوا أنفسهم عليها، بأنها معركة الكرامة، التي لا يرضون عن النصر فيها بديلاً.
إذا استمرّت سلطات الاحتلال في تعنّتها، وأصرّت على إهمالها وتطنيشها، ورفضت الاستجابة إلى مطالب الأسرى وحقوقهم، ولم تصغِ لأصواتهم، ولم تخضع لأيّ ضغوطٍ عربيةٍ أو دولية، ولم تتراجع عن مواقفها التي تعلن عنها باستمرار، فإن الأسرى والمعتقلين سيقابلونهم بعنادٍ أكثر، وتصميمٍ أشد؛ وهو ما يعني إطالة أمد الإضراب، وزيادة معاناة الأسرى، وارتفاع نسبة تعرّضهم إلى أخطارٍ حقيقيةٍ تمسّ حياتهم، وتعرّض سلامة أجهزتهم الداخلية للضرر، وتوقف أنشطتهم الحيوية عن العمل؛ علماً أن سلطات مصلحة السجون تحاول أن تصادر الملح الموجود في غرف الأسرى والمعتقلين، وهو المادة الوحيدة التي يتناولها المضربون ولا تفسد إضرابهم، والذي من شأنه منع عفونة الأمعاء، والحفاظ على توزان الجسم وثبات نسبة الأملاح فيه.
إننا في فلسطين المحتلّة في مواجهة عدوٍ عاتٍ ظالم، مجرمٍ باغي، متغطرسٍ مغرور، ماكرٍ خبيث، كاذبٍ محتال. لا يتردّد في حربنا، ولا يتمنّى غير موتنا، ولا يتطلع لغير هزيمتنا، ولا يأبه بحياتنا، ولا يقلق على مصيرنا، ولا يهتم لأحوالنا، ولا يهتز له جفنٌ إن مادت الأرض بنا أو اشتعلت النار من حولنا، ما يعني أنه ينبغي علينا أن نواجهه بالقوة، وأن نتحدّاه بالإرادة، وأن نقاتله بالرجاء من الله واليقين بنصره وقريب فرجه، وألاّ نبتئس إن أصابنا مكروهٌ أو نزلت بنا مصيبة؛ فإنها حربٌ بيننا وبين عدونا، ومعركةٌ سجالٌ معه، ينتصر فيها الصابرون، ويفوز بها الصادقون، وهنيئاً لشعبٍ فيه هؤلاء الرجال، وعنده مثل هؤلاء الأبطال، الذين يمزّقون بأمعائهم السكّين، ويطحنون بمعداتهم البارود، ويسحقون بصبرهم البغي. فقد حقّ لمثلهم أن ينتصروا، ولشعبهم أن يرفع الرأس بهم ويفاخر بالانتساب إليهم.


2017-05-06 10:10:02 | 392 قراءة

التعليقات

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد
مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية


آخر الأخبار