التصنيفات » مقالات سياسية

"أوهلي كيدار" منفى الأسرى ومستودع الثوّار الحريّة والكرامة "13"


بقلم د. مصطفى يوسف اللدّاوي
اليوم التاسع عشر للإضراب ...

يتهيّأ الأسرى المضربون عن الطعام في مختلف السجون والمعتقلات الإسرائيلية للانتقال سريعاً إلى سجن (أوهلي كيدار) في مدينة بئر السبع، وكأنهم على موعدٍ مسبقٍ معه، بعد أن قرّرت سلطات السجون الإسرائيلية نقل جميع الأسرى المضربين إليه، وعزلهم عن بقيّة الأسرى والمعتقلين، وحشرهم جميعاً في سجنٍ واحدٍ مُجهزٍ ومُعدٍ سلفاً لحالتهم، لئلاّ ينقلوا "عدواهم" إلى غيرهم فيصبحوا بين عشيّةٍ وضحاها مثلهم، وحتى لا يكون لوجودهم أيّ تأثيرٍ على بقيّة الأسرى والمعتقلين، مخافة أن يكبر الإضراب ويتسع، وأن يمتد وينتشر، فتصعب السيطرة عليه والتحكم في قيادته. لهذا كان قرار مصلحة السجون بالتعجيل بنقل كلّ من يعلن إضرابه، وينخرط في المعركة الاحتجاجية المفتوحة على مصراعيها.
لكن ما هو سجن (أوهلي كيدار) الذي تعتقد سلطات الاحتلال أنه سيكون مقبرةً للمعتقلين، ونهايةً للإضراب، وخاتمةً سيّئةً للمعركة المفتوحة التي أعلنها الأسرى والمعتقلون؟ ولماذا هو دون غيره من السجون والمعتقلات الكبيرة والبعيدة، والنائية والصحراوية، وهل تظن سلطات السجون أنها سترتاح فيه وستهنأ، وأنها ستطمئن إلى إجراءاتها وستسكن، ولن تشكو فيه من انفلات الأمور من بين أيديها، ولا من اتساع الخرق عليها، وأن الأمور فيه كلّها ستخضع لإدارتها، وأنها فعلاً كانت صائبةً عندما خصّصت هذا السجن للمارقين من الأسرى، والمكابرين من المعتقلين، ممّن لا ينفع معهم التهديد ولا يجدي فيهم العقاب.
هل يجهل الأسرى والمعتقلون سجن (أوهلي كيدار) ولا يعرفونه من قبل، ولم يسبق لهم أن نزلوا فيه، وأن أحداً من الأسرى لم يكتب عنه وصفاً ولم يتحدث عمّا فيه فصلاً، أم أنهم يخافونه ويخشونه، ولا يتمنّون نزوله أو الإقامة فيه، ويرونه فعلاً مقبرةً أو منفى، أو باستيلاً محصّناً يصعب اختراقه أو العمل من خلاله، أو التنسيق منه مع بقيّة السجون والمعتقلات؛ فهو قديمٌ في رهبته، وحديثٌ في بُنيته، وشديدٌ في حراسته، وقاسٍ في إدارته، فتراهم ينأون عنه ويبتعدون، ويستعيذون بالله من شرّه ويسألونه البعد عنه والنجاة منه.
معتقل (أوهلي كيدار) سجنٌ قديم افتُتح في العام 1970، ويقع في منطقةٍ صحراويةٍ على بعد خمسة كيلومترات جنوبي مدينة بئر السبع، على  الطريق إلى مدينة إيلات "أم الرشراش". وهو محاطٌ بجدارٍ شائكٍ عالٍ وأبراجٍ عالية للمراقبة، ويقع بعيداً عن المناطق السكنية، وكان يُعتبر جزءاً من سجن بئر السبع المركزي، قبل أن يتحوّل إلى سجنٍ مستقل.
أُعِدّ سجن (أوهلي كيدار) ليكون للمعتقلين الأمنيين الفلسطينيين والعرب، والمدنيين الجنائيين الفلسطينيين والإسرائيليين على السواء. وهو عبارة عن مبنىً من ثلاثة طوابق، وكلّ طابق يشكّل قسماً مستقلاً. ويضم كلّ قسم صنفاً من المعتقلين دون خلطٍ بينهم، ويتسع كلّ قسم في ظل الظروف العادية لقرابة 160 أسيراً، ولكن إدارته قد تزجّ فيه بأعدادٍ أكبر بقصد العقاب والتأديب.
وفيه أقسامٌ فرعية مخصّصة للسجناء والمعتقلين ذوي المميزات الخاصة، مثل قسم المدمنين على المخدّرات للمحكومين الجنائيين، وقسم غير المدمنين على المخدّرات للسجناء المدنيين الذين ينتظرون المحاكمة والعرض على القضاء، وقسم لليهود المتدينين، وآخر للجنائيين المحكومين. واشتُهر عن هذا السجن لفترةٍ طويلةٍ أنه سجن توقيفٍ للمعتقلين الأمنيين، حيث يُحتجزون فيه على ذمّة المحكمة، ثم يُنقلون بعد صدور الأحكام بحقّهم إلى سجونٍ ومعتقلاتٍ أخرى.
وتمتاز غرف سجن (أوهلي كيدار) بأنها غرفٌ ضيّقة المساحة، وقليلة التهوية. وفي الظروف العادية لا يُسمح للمعتقلين فيها بفتح النوافذ في فترة الصباح، حيث من الممكن أن يكون الهواء نقياً ومنعشاً أحيانا؛ً فضلاً عن أن أشعة الشمس قد تكون ساطعة، فتبعث الدفء والحيوية في الغرف المغلقة. كما تتعمد إدارة السجن أن تعاقب الأسرى الأمنيين بحرمانهم من "الفورة"، وهي الفرصة الوحيدة المتاحة لهم للترويح عن أنفسهم، والالتقاء ببعضهم، وتحريك أجسامهم، وممارسة رياضة المشي وبعض التمارين الرياضية البسيطة.
وتتعامل مصلحة السجون مع السجن أحياناً على أنه مستشفى، حيث يتم نقل الحالات المرضية من مختلف السجون إليه، في الوقت الذي لا تقوم فيه بتقديم العلاج اللازم للأسرى المرضى، ولا يوجد فيه أطبّاءٌ مختصّون، ولا تجهيزات طبية كافية أو مناسبة. إنه أبعد ما يكون وصفاً عن المستشفى، بل إن عيادته الخاصة لا تقدّم للمرضى أكثر من علاجاتٍ عامة ومسكّناتٍ متشابهة لكلّ الأمراض؛ ولولا وجود بعض السجناء المدنيين الإسرائيليين لما جعلت فيه إدارة السجن قسماً خاصاً للعلاج، ولكن يبدو أن وجودهم في السجن إلى جانب بعض المتدينين اليهود، قد أجبر الإدارة على تعيين بعض الأطبّاء والممرضين العسكريين للمتابعة والعلاج.
يُعرف عن إدارة سجن (أوهلي كيدار) أنها متشدّدة وقاسية، ودقيقة ومنظّمة، وأنها لا تتسامح مع الأخطاء، ولا تتجاوز عن المخالفات، وأنها تعتمد نظام العقوبات الجماعية في حال وقوع أخطاء فردية، وتلجأ إلى ممارسة العزل القاسي ضدّ بعض الأسرى، خاصة أولئك الذين يتم ترحيلهم إليه، إذ إنها تفهم أن ترحيلهم إليها يعني المباشرة في عقابهم والتضييق عليهم.
فهل ستتمكن إدارة سجن (أوهلي كيدار) من فرض هيبتها على الأسرى المضربين على الطعام، وستجعل منهم درساً وعبرةً وأمثولةً وحكاية؟ وهل ستُثبت أن سوطها يخيف، وزنزانتها تردع، ورتب ضبّاطها تُرعب، وقوانينها لا تُخترق، وستتمكن بتاريخها الأسود وسجلها الدموي من إخافتهم وترويعهم، ودفعهم لكسر إضرابهم والتخلّي عن طلباتهم والعودة إلى حياتهم الطبيعية التي كانوا عليها في السجون والمعتقلات؟ أم أن الأسرى المضربين والمرحّلين إليه سيُثبتون أنهم أقوى من الجلاّد، وأصلب من جدران الزنازين، وأمضى في مواقفهم مما أعدّته سلطات الاحتلال لهم، وسينتصرون بمعِداتهم على حدّ السيف، وبأمعائهم على سوط الجلاّد.



2017-05-13 12:14:51 | 253 قراءة

التعليقات

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد
مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية


آخر الأخبار