التصنيفات » دورة إعداد باحث سياسي-2 (آب - أيلول 2017)

ملخص محاضرة الدكتور حسام مطر - باحث في العلاقات الدولية - بعنوان: القوة الناعمة الأميركية في مواجهة المقاومة



في إطار سلسلة المحاضرات التي تُلقى في مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية، ضمن الدورة التخصصية ـ 2 لإعداد باحث سياسي، ألقى الدكتور حسام مطر محاضرة حول (القوة الناعمة الأميركية في مواجهة المقاومة)، وذلك بحضور المنتسبين إلى الدورة، من حملة الإجازات الجامعية والشهادات العليا.
في البداية، عرّف المحاضِر القوة الناعمة Softpower والقوة الصلبة Hard power. ويرى ميشيل فوكو أن القوة الناعمة تتضمن إجباراً وإلزاماً غير مباشرين، وهي تعتمد في ظهورها على القوة الخشنة أو الصلدة، وتقوم بأعمال تعجز القوة الصلدة عن القيام بها.
كذلك، القوة الصلبة هي مادية واضحة ومشخصة. أما القوة الناعمة، فهي مخفية وملتبسة، وهي تنساب إلى العقول والقلوب بشكل هادئ.
إن الغاية من القوة الناعمة هي تدمير الطاقة السياسية، بهدف الهيمنة والسيطرة على القدرات والمقوّمات السياسية لدى الآخر المستهدف؛ أي الغزو الثقافي والأيديولوجي، وتحويل البلد إلى بلد مسيطر عليه، من دون أن تظهر هوية الفاعل الحقيقي. لكن هذا الفاعل أصبح معروفاً ومتداولاً في الساحة السياسية الدولية، وهو الولايات المتحدة الأميركية.
وبحسب جوزيف ناي•، فإن للقوة الناعمة سلاح مؤثّر يحقق الأهداف عن طريق الجاذبية والإقناع بدل الإرغام أو دفع الأموال.
ويوضح «ناي» أن حسم الصراعات بالقوة العسكرية لوحدها أصبح أمراً من الماضي، خاصة وأن الانفتاح وقوة وسائل الاتصال والبرمجيات قد تشكّل عائقاً كلّما حاولت الولايات المتحدة شنّ حرب جديدة. وهو يدعو إلى اعتماد استراتيجية القوة الناعمة لضمان حلفاء، ليس من الحكّام فقط، بل من شعوب المناطق التي تريد أميركا فرض سيطرتها عليها بشكلٍ ما.
وبحسب ناي، ترتكز القوة الناعمة لبلدٍ من البلدان على ثلاثة موارد: الثقافة الجاذبة، والقيم السياسية بشرط تطبيقها بإخلاص (مثل الديمقراطية والتعددية)؛ والمورد الثالث هو السياسة الخارجية، عندما تكون مشروعة وذات سلطة معنوية وأخلاقية. وهذا المورد هو نقطة الضعف الأساسية في القوة الناعمة الأميركية؛ فالسياسة الخارجية الأميركية لا تحرّكها قيم المشروعية أو العدالة، بل تحققها فقط المصالح الأميركية الضيّقة، أو التأييد الصارخ لإسرائيل في كلّ ما ترتكبه.
أما القوة الذكية، فهي نتاج الجمع بين القوة الصلبة والقوة الناعمة معاً، ولكن وفقاً لاستراتيجية محدّدة، تضمن تدعيم تحقيق الأهداف بكفاءة وفعالية.
حول النظام العالمي، يقول الدكتور مطر إنه يقوم على قطبية ثلاثية: المركز ـ الأطراف ـ أشباه الأطراف.
أما المركز، فلا زال متمثلاً في الغرب (أميركا خصوصاً)، والأطراف هي ما يسمّى دول الجنوب (فقيرة لكن غنية بالمواد الأولية)، والدول شبه الأطراف مثل الصين. ومعلوم أن المركز هو القطب الأقوى في النظام الدولي، الذي يعمل لصالحه حصراً.
ويتابع: تتكوّن الدول عادة من أرض وشعب وحكومة، ثم عنصر السيادة التي يُفترض على أساسه قدرة الدولة على السيطرة على ثرواتها ومواردها، وتعبئتها في الاتجاهات التي تحقق مصالحها دون مؤثرات خارجية هيكلية. أما عناصر القوة الشاملة لدى أية دولة، فيمكن إيجازها على الشكل الآتي:
1 ـ الجغرافيا: وهي أكثر العناصر استقراراً في بناء قوّة أية دولة، لأنها ذات أهمية كبيرة في هيكل القوة للدولة.
لكن أهمية العامل الجغرافي تضاءلت في ضوء التطور التقني لوسائل المواصلات والاتصالات، بشكلٍ أزال من الوجود عامل المحيطات العازلة؛ فالعالم أضحى قرية عالمية Global village.
2 ـ الموارد الطبيعية: وهي عامل ثابت نسبياً بفرض تأثيره على قوة الدولة، مقارنة بالدول الأخرى. وتشمل هذه الموارد الغذاء والموارد الأولية.
3 ـ الاستعداد العسكري: وهو يتطلب جهازاً قادراً على دعم السياسات الخارجية المتّبعة. وتنبثق هذه القدرة عن عدد من العوامل، والتي من ضمنها الابتكارات التقنية والقيادة وكم القوات المسلحة وكيفها.
4 ـ السكان: فالعامل البشري مهم جداً في حساب القوة، من زاوية التوزيع (التناسب بين عدد السكان وحجم الموارد)، ومن زاوية اتجاهات تزايد السكان (معدّلات الوفيات والمواليد وتأثير الكوارث الطبيعية والحروب...).
5 ـ الشخصية القومية: فالرجال الذين يمثّلون الأمة في أوقات السلم والحرب يصنعون لها سياساتها وينفذونها ويدعمونها. وهم الذين ينتخبون ويصوغون الرأي العام ويجسّدونه.
6 ـ الطاقة المعنوية القومية: وهي درجة التصميم التي تدعم بها الأمة سياسة حكومتها الخارجية في أوقات السلم والحرب. وهي تؤمّن في مجالات الرأي العام عاملاً غير مرئي، لا تستطيع دونه أية حكومة، سواء كانت ديمقراطية أم غير ديمقراطية، أن تتابع سياساتها بكثير من الفاعلية.
7 ـ نوعية الدبلوماسية: فهي توحّد كافة العوامل في كلٍ واحدٍ متكامل، وتبعث فيها طاقتها الكامنة عن طريق إضفاء القوة عليها. ويمثّل توجيه الدبلوماسيين في أية أمة لشؤونها الخارجية مصدراً لقوتها القومية في وقت السلم، كما تمثّله التعبئة العسكرية من جانب القادة العسكريين في وقت الحرب.
8 ـ نوعية الحكم: فليس في وسع سياسة خارجية، مهما توفّرت للقائمين على إعدادها وتنفيذها الخبرة، ومهما بلغت غزارة الموارد المادية والبشرية لديها، أن تصل إلى أية نتيجة ملموسة، إذا لم تكن هناك حكومة صالحة تتولّى تسييرها.
وفي المحصّلة، فإن سياسة (القوة الناعمة) الأميركية، عبر أدواتها (الليّنة)، تُكمل البلطجة العسكرية، والهيمنة الاقتصادية. والهدف الأساسي لأدوات هذه القوة الناعمة، بعد تحقيق الهيمنة الاستعمارية، هو تضليل أعداء الولايات المتحدة، حتى يسيروا في ما تمليه عليهم من سياسات وطروحات.
لكن في المقابل، نجحت الدول والحركات المقاومة للهيمنة الأميركية في كشف وتحدّي كلّ تمظهرات وتحوّلات الاستراتيجية الأميركية في المنطقة، وخاصة منها «القوة الناعمة»، على الصعد النفسية والإعلامية والمادية، بأساليب مُجدية، وربما مكافئة لما مارسته الولايات المتحدة من سياسات، طيلة العقود القليلة الماضية؛ كما أثبتت نجاحات المقاومة في لبنان وفلسطين والعديد من دول المنطقة الرافضة للهيمنة الأميركية، وفي طليعتها الجمهورية الإسلامية في إيران.
إن السياسة الأميركية في المنطقة تبقى، على قاعدة هذا التصور الشامل، ثابتة ولا تتغيّر بتغيّر الحكومات في الولايات المتحدة، ويختلف التعبير عنها فقط.
ويبقى القول إن القوة الناعمة للولايات المتحدة ربما تكون انتهت مع وصول دونالد ترامب إلى السلطة فيها، إذا ما اعتبرنا أنه في عصرنا الحالي بات للقوة الناعمة مصدر رابع غير ثقافة البلد وقيمه السياسية وسياسته الخارجية؛ وهذا المصدر يتجسد في: الأفكار والمواقف المتراكمة حول البلد (صاحب القوة الناعمة) حين يُذكر اسمه، وهو يمارس القوة الصلبة أو الناعمة!
لقد ولّت أيام الولايات المتحدة، صاحبة «القصّة الأفضل»، ليصبح الأمل الأميركي، خاصة مع انتخاب ترامب، كابوساً على العالم؛ فهو الكاره للأجانب وللنساء والمتشائم والأناني والمتغطرس والمتسرّع والجشع والمضطرب النفسي.. فكيف باتت صورة بلاده في أذهان العالم، وأين أصبحت قوة أميركا الناعمة اليوم؟


2017-08-25 14:43:06 | 69 قراءة

التعليقات

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد
مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية


آخر الأخبار