التصنيفات » دورة إعداد باحث سياسي-2 (آب - أيلول 2017)

ملخص محاضرة الدكتور عماد رزق - رئيس مركز الإستشارية للدراسات الإستراتيجية بعنوان : خلفيات الحضور الروسي



بتاريخ 24/8/2017، وفي إطار الدورة التخصصية ـ 2 لإعداد باحث سياسي، التي أقامها مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية، ألقى الدكتور عماد رزق، مدير عام الاستشارية للدراسات الاستراتيجية، محاضرة بعنوان (الدور الروسي الدولي والإقليمي: محدّدات وأهداف). وتالياً النص الكامل للمحاضرة:

أولاً) العلاقات الروسية ـ العثمانية (1687 ـ 1878)
بدأت هذه المرحلة في العام 1682، والتي باشرها بطرس الأكبر بسلسلة إصلاحات داخلية حوّلت المملكة المضطربة والمنهكة بالنزاعات على السلطة، إلى دولة منظّمة يحميها جيش قويّ ومتماسك، ويتمتع بأسطول بحري، أشرف بطرس الأكبر شخصياً على بنائه وتجهيزه بأحدث الأسلحة الحربية، ليصبح جاهزاً لتنفيذ مخطّطه في العام 1696. وقد تزامنت فترة تقوية الجيش وتسليحه مع ترتيبات سياسة دفاعية مهمّة قام بها بطرس الأكبر مع بعض الدول الأوروبية، فكان أن انضمّ الى الحلف النمساوي البولندي البندقي الذي عقِد عام 1687؛ وبسبب انشغال العثمانيين بحربٍ شنّوها على النمسا عام 1699، اضطرّوا إلى عقد صلح مع بطرس الأكبر في العام التالي (1700)، تنازلوا بموجبه عن القلعة نهائياً لمصلحة روسيا؛ ولكنهم أيقنوا من أن بطرس الأكبر لن يقف عند هذا الحدّ، وبأنه عازم الوصول الى البحر الأبيض المتوسط بأيّ ثمن. وما إن أصبح أسطوله جاهزاً حتى التفت الى جارته اللدودة التي، وبتحريضٍ من ملك السويد، أعلنت عليه الحرب عام 171،1 فكانت بداية النزاع المباشر بينه وبين من يمنع على السفن التجارية الروسية عبور المضائق وممرّات البحر الأسود لتصريف البضائع والمنتجات الزراعية الروسية.
أما المرحلة الثانية، فتبدأ مع اعتلاء كاترين الثانية العرش الروسي عام 1762، حيث كانت تنعم الإمبراطورية العثمانية بالهدوء لانشغال الدول الأوروبية بحروبها الداخلية. وقد تابعت كاترين سياسة بطرس الأكبر التوسعية، مستغلّة كلّ فرصة إقليمية سانحة؛ فها هي تتحيّن فرصة انشغال العثمانيين بالحرب على بولندا التي سمحت للثوّار باحتلال بودوليا واستعادتها منهم بتحريضٍ من الفرنسيين، لتعلِن الحرب بدورها على العثمانيين دونما تعيين أهداف محدّدة لها . تردّد العثمانيون في إعلان الحرب بدورهم، ما سمح لكاترين باستكمال تجهيزاتها ووضع خطط مُحكمة، أدّت الى تدمير الأسطول العثماني في منطقة جشمة عام 1770 ودخول البوارج الحربية الروسية إلى بحر إيجه وإنزال قوّات روسية في اليونان وبيروت للتحريض على الثورة ، في ظلّ حياد بريطاني.
وقد انتهت هذه الحرب عام 1774 بتوقيع معاهدة بين الطرفين سُمّيت معاهدة كوشك قينارجة، والتي أصبح بموجبها لروسيا نفوذٌ على البحر الأسود، حيث تستطيع السفن التجارية الروسية الملاحة فيه وفي نهر الدانوب بحريّة.
وعندما أرادت الإمبراطورية العثمانية استعادة سيطرتها على البلقان، اندلع نزاعٌ بينها وبين الروس على عدّة مراحل، كان أبرزها ما عُرِف بحرب القرم (1853 ـ 1856) وحرب البلقان (1877 ـ 1878).
ثانياً) بين يلتسين وبوتين: عهد جديد في روسيا
*في 9/11/1989: سقط حائط برلين وبدأ توحيد ألمانيا، كما انتهت عملياً الحرب الباردة بين الجبّارين.
*في 8/12/1991: انتهى الاتحاد السوفياتي وتحوّل إلى مجموعة من الدول المستقلّة التي تتناحر وتتنازع فيما بينها.. لكن مات الاتحاد السوفياتي وعاشت روسيا.
*في 12/6/1991: انتخِب "بوريس يلتسين" رئيساً لروسيا. ويمكن اعتبار هذا التاريخ بمثابة ولادة حقيقية لروسيا الحديثة.
لقد انتظر يلتسين الكثير من العالم الغربي الذي لم يعطه إلاّ القليل، ربما لإبقاء روسيا ضعيفة. وهذا ليس أمراً عجيباً، إذ إن أفكار الحرب الباردة والنزاعات العالمية المختلفة كانت ما تزال حيّة في عقول وقلوب القادة الغربيين. وقد طبّق يلتسين النظام الاقتصادي الليبرالي بسرعة وبشدّة، معتمداً على نصائح الاقتصادي "إيغور غايدار"، الذي بدوره اتكل على مجموعة من المستشارين الغربيين الذين حوّلوا روسيا من شيوعية اشتراكية إلى رأسمالية حرّة!
توجّه يلتسين إلى واشنطن في منتصف سنة 1992 لبحث مشروع اتفاقية الأسلحةSTART2 ، وصولاً إلى التوقيع عليها في 3/1/1993. ولم تصبح الاتفاقية فاعلة ونافذة إلاّ بعد 7 سنوات بسبب السياسة والمصالح والتقصير المتعمّد في معظم الأحيان. وبدءاً من سنة 1993، قوّى يلتسين علاقاته مع الغرب وانضمّت روسيا إلى مجموعة الدول الثماني الكبرى (7 +1)، وتحقّق الكثير من التعاون مع حلف شمال الأطلسي. كما توطّدت علاقات روسيا مع المؤسسات الدولية، وفي طليعتها صندوق النقد الدولي. في الحقيقة، لم يبق لروسيا من عظمتها السابقة إلاّ مقعدها في مجلس الأمن الذي يعطيها حقّ الفيتو على مشاريع القرارات، والذي مارسته مراراً مؤخراً .
فيما بعد، وبسبب النتائج السياسية والاقتصادية خاصة، حاول يلتسين توسيع تحالفاته، فوقّع مع الصين اتفاقية في سنة 1996، بحيث يشكّل التحالف الروسي ـ الصيني منافساً جدّياً لأمريكا. وقد تأسست "مجموعة شنغهاي" 1997، والتي ضمّت بالإضافة إلى روسيا والصين، دولاً آسيوية مجاورة، وفي مقدّمها كازاخستان. وفي الواقع، لم تكن الصين راغبة جدّياً في منافسة أمريكا، إذ تفضّل أن تتحضّر أكثر للمنافسة القادمة حتماً. أما روسيا، فهي غير قادرة على المنافسة .
كان يلتسين يعتقد أن مصلحة روسيا هي مع الولايات المتحدة، ليس فقط في السياسة، وإنما في الاقتصاد والتكنولوجيا. إلاّ أن أمريكا لم تكن متجاوبة، وخاصة غير متحمسة. وأتت أزمة 1997 الآسيوية التي امتدّت إلى روسيا، فانهار الروبل وتعثّرت الأوضاع المالية والاقتصادية. ويمكن وصف الفترة الرئاسية الثانية ليلتسين بالكارثية، ليس فقط بسبب سياساته، بل لأن الأوضاع الخارجية لم تكن مواتية .
لكن فشلت سياسة العلاج بالصدمة الاقتصادية ،ونتائج الانتخابات البرلمانية أدّت إلى حصول الشيوعيين الروس على الأكثرية في البرلمان، حيث باتوا يسيطرون على وزارات الدفاع والداخلية والأمن .ومع استمرار الوعود الغربية لدعم الاقتصاد الروسي، والتدخل الغربي الأطلسي في يوغسلافيا، ووقوف الغرب ضدّ الصرب، تحرّك الرأي العام ضدّ الرئيس يلتسين. ومع تعيين بريماكوف وزيراً للخارجية عام 1996، بدأ التحوّل البطيء؛ فهو أحد خبراء السياسة الروسية في الشرق الأوسط. ومع تولّيه رئاسة الوزراء، من أيلول 1998 وحتى أيار 1999، استطاع أن يبلور ما سُمّي "مبدأ بريماكوف" في السياسة الخارجية، والذي يتركز على:
1 ـ إنشاء نظام عالمي يقوم على التعدّدية القطبيّة واقتراح انشاء اتحاد أوراسي ) صيني ـ روسي ـ هندي(
2 ـ معارضة توسع حلف شمالي الأطلسي في دول الكتلة السوفياتية ) في هذا الإطار عارض بريماكوف الغزو الأطلسي ليوغسلافيا عام 1999).
3 ـ الدفاع عن دور الأمم المتحدة الدولي بعدما تحوّل دورها لحساب حلف الأطلسي حصراً.
هذه المبادئ كانت السبب في خروج يلتسين من السلطة في 31 ـ 12 ـ 1999، وتولّي فلاديمير بوتين الرئاسة بالإنابة حتى انتخابه في آذار 2000. وهو نجح في الشيشان وأعاد الهيبة للدولة الروسية. وفي حزيران 2000 قدّم بوتين عدّة مبادئ لسياسة روسيا الخارجية، عرِفت باسم "مبدأ فلاديمير بوتين"، الذي ركّز على تطوير دور روسيا في عالم متعدّد الأقطاب لا يخضع لهيمنة قمّة عظمى واحدة، وعمل على استعادة دور روسيا في آسيا والشرق الأوسط بشكل تدريجي، بموازاة عدم السماح للغرب بتهميش الدور الروسي في العلاقات الدولية.
واستكمالاً لوثيقة الأمن القومي الروسي" مبدأ فلاديمير بوتين"، صدرت وثيقة اخرى تخصّ العقيدة العسكرية الروسية. ونظراً إلى التشدّد في بعض بنودها، نظرت الولايات المتحدة إلى الرئيس بوتين بعين الريبة، فيما بدأت رحلة عودة روسيا بقوّة إلى مسرح العلاقات الدولية.
في الرابع والعشرين من شباط 2005 ، شهدت العاصمة السلوفاكية براتسلافا القمّة الثانية عشرة بين الرئيسين الأمريكى جورج بوش والروسي فلاديمير بوتين. ولم يمنع اتفاق الرئيسين على تعزيز علاقات الشراكة الاستراتيجية بين بلديهما ومواصلة التعاون فى المجالات المختلفة، لا سيّما فى مجال الحرب الدولية على الإرهاب، ومنع انتشار أسلحة الدمار الشامل، دون بروز خلافات بينهما .وعلى الرغم من عدد اللقاءات القياسية بين الرئيسين منذ تولّيهما السلطة )أوائل عام 2000)، فقد شكّلت القمّة الأخيرة نقطة تحوّل في العلاقات بين البلدين، إذ طغت ملفات خلافية عدّة، كان أهمها تداعيات أزمة الانتخابات الأوكرانية، والوجود العسكري الأمريكي فى القوقاز وآسيا الوسطى، والتعاون النووي بين روسيا وإيران، وبيع أسلحة روسية لسوريا .
نشير هنا إلى أنه قبل نحو ساعتين من قمّة براتسلافا المذكورة، صرّح الرئيس الأميركي جورج بوش بمواقف حملت دلالات واضحة للروس؛ إذ قال إن« الثورة الديمقراطية» التي انتصرت قبل سنوات في أوروبا الشرقية قد وصلت أخيراً إلى أوكرانيا وجورجيا وباتت قريبة من مولدافيا، وستصل أيضاً إلى روسيا البيضاء وكلّ شعوب المنطقة!
وفي مؤتمره السنوي في الكرملين (23 ديسمبر 2004)، ردّ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بعنف على الاعتراضات الأمريكية حول قضية إفلاس شركة "يوكوس" للنفط وشرائها من قِبل شركة غاز بروم في 19 كانون الأول. فما كان من إحدى المحاكم الأميركية إلا ّإصدار بطلان لعملية البيع. وتساءل بوتين حول كيفيّة تفكير الأمريكيين، واعتبر أن قرار المحكمة الأمريكية غير مقبول في القانون الدولي، مشدّداً على أن موسكو ستواصل، بغضّ النظر عن الانتقادات الأمريكية، استخدام كلّ وسائل وقوانين السوق للدفاع عن مصالحها. وتنبع الاعتراضات الأمريكية (حينها) من مخاوف أن تصبح الشركة الروسية الجديدة (غازبروم + يوكوس) أضخم من شركة أرامكو السعودية، وأنها ستعمل كأداة صريحة للسياسة الخارجية الروسية. وكان بوتين سبّاقاً في استخدام هذه السلطة. فمن المعروف أن دول وسط أوروبا التي تحوّلت إلى مسرح للتنافس بين روسيا والغرب تعتمد على النفط والغاز الروسي.
ومنذ نهاية الحرب الشيشانية الثانية والدخول العسكري الأميركي إلى العراق عام 2003، نستطيع أن نعتبر أن حرب "أوسيتيا الجنوبية" بين جورجيا وروسيا عام 2008 كانت المؤشّر الأول على بدء عودة روسيا كقوّة عسكرية عظمى تستطيع التدخل في أيّ منطقة في العالم، من دون النظر إلى أية اعتبارات دولية او إقليمية، طالما أن هذا التدخل يصبّ في حماية أمنها القومي.
لقد تدخلت روسيا بقوّة في أوسيتيا الجنوبية وأرغمت جورجيا على قبول أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا بالحكم الذاتي، بعد معارك عنيفة استمرّت لأيام عدّة، مُنيت فيها القوّات الجورجية بخسائر فادحة. واتضح لروسيا ضلوع أطراف غربية وإقليمية، من أهمها إسرائيل، في "تشجيع" جورجيا على خوض هذه المغامرة الخطرة .
ونتيجة لهذا التوتر، لوحظ أن روسيا بدأت بتكثيف مناوراتها العسكرية. كما أصبح من المعتاد في الإعلام الروسي الإعلان عن قرب دخول أسلحة جديدة ضمن تسليح الجيش الروسي منذ العام 2008.
ثالثاً) وثيقة الأمن القومي الروسي الجديدة
بتاريخ 13/5/2009، وبعد أن اعتمدها رسمياً وصادق على بنودها وتوجهاتها الرئيس الروسي ديميتري ميدفيديف، بمرسوم صدر بتاريخ 12/5/2009، صدرت وثيقة الأمن القومي الروسي؛ وهي تقريباً نسخة شبه معدّلة ومنقّحة عن السياسة القومية الروسية للعام 1997، كما أكد ذلك عدد كبير من المحلّلين والخبراء الاستراتيجيين والمراقبين الدوليين للشأن الروسي، وذلك في إشارة إلى استمرارية السياسة العامة ما بين إدارتي يلتسين وبوتين، مع العلم أن العمل على المفهوم الجديد للأمن القومي الروسي بدأ مع تعيين مؤسّس روسيا الحديثة فلاديمير بوتين؛ سكرتيراً لمجلس الأمن الروسي مطلع العام 1999. وقد نشِرت أوّل نسخة للمفهوم الجديد في 5/10/1999. ونلاحظ هنا أن تاريخ اعتماد وإقرار هذه الوثيقة جاء في العام 2009، ما يعني أن روسيا الاتحادية اليوم كانت وضعت بشكل رسمي ومسبق قواعد واضحة لتحرّكاتها أو مخطّطاتها الاستراتيجية الجيوسياسية والجيواستراتيجية.
وقد تناولت الوثيقة في خطوطها العريضة عدداً من البنود التي ستشكّل إطاراً للتحرّكات الاستراتيجية للدولة الروسية، خلال العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين. كما تُبرز التحدّيات السياسية والعسكرية والاقتصادية المتنامية التي يُتوقّع أن تواجهها روسيا الاتحادية خلال الأعوام المقبلة.
ومن أهم ما يمكن الإشارة إليه في هذه الوثيقة تطرّقها إلى قضية الطاقة ومصادرها الطبيعية، وخصوصاً تلك التي تقع في حدود روسيا الاتحادية، حيث ستتركّز السياسات العالمية، وكما جاء في الوثيقة نفسها، لمدّة طويلة حول السيطرة على مصادر الطاقة ، بما في ذلك مواطنها في منطقة الشرق الأوسط والجرف القارّي لبحر بارنتس، وغيره من مناطق القطب الشمالي، وفي حوض بحر قزوين وآسيا الوسطى، ممّا قد يُفقد بعض الدول سيطرتها على انتشار الأسلحة التقليدية، والذي سيؤدّي بدوره إلى تفاقم النزاعات الإقليمية الموجودة أصلاً، والإخلال بتوازن القوى القائم بالقرب من حدود روسيا الاتحادية وحلفائها؛ وبالتالي تزيد احتمالات نشوء نزاعات سياسية وعسكرية جديدة .
كما تطرّقت الوثيقة سالفة الذكر إلى النزاع الروسي مع حلف الناتو "شمال الأطلسي"، والذي تعتبر روسيا الاتحادية توسعه إلى حدودها الجغرافية تهديداً مباشراً لأمنها القومي وسيادتها الإقليمية. وقالت الوثيقة إن روسيا الاتحادية مستعدّة لتطوير العلاقات مع" الناتو" بناءً على المساواة في المصالح فيما يتعلق بتعزيز الأمن المشترك في منطقة الأوروـ  أطلنطي، وعمق أو جوهر استعداد الحلف للأخذ في الاعتبار مصالح روسيا المشروعة في الإطار العسكري والسياسي، مع احترام القانون الدولي والتحوّلات المستقبلية.
لقد اقترنت السياسات الروسية منذ أيام القياصرة بصفة البراغماتية، ثم أيام الاتحاد السوفياتي السابق ،وبعد ذلك في فترة حكم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وخاصة الفترة ما بين القمّة الروسية ـ الأميركية - الأوروبية (17 تموز2006) أو قمّة بيترسبورغ، وحتى نهاية العام 2006. وقد شكّل وصول باراك أوباما إلى منصب الرئاسة الأميركية وديمتري ميدفيديف إلى منصب الرئاسة الروسية نقطة تحوّل حاسمة في السياسات الدولية بصورة عامة، وفي أفق السياسات الروسية - الأميركية - الأوروبية بصورة خاصة، حيث أخذت الواقعية السياسية تتقدّم على البراغماتية عند التعامل مع القضايا الخلافية. وكان اتفاق وزيري الدفاع الروسي والأميركي في واشنطن، يوم 16 أيلول 2010، للتعاون العسكري بين البلدين، بمثابة دليل على نجاح الواقعية السياسية في صراعها مع البراغماتية عند التعامل مع القضايا الاستراتيجية على الصعيد العالمي .
وقد تلاحقت بعد ذلك المواقف التي تصبّ في هذا الاتجاه. ففي 12 تشرين الثاني 2010، صرّح وزير الخارجية الروسي لافروف بما يلي: "تأمل موسكو بألاّ تعيق صراعات السياسات الداخلية الأميركية في الانتخابات بين الجمهوريين والديمقراطيين عملية التصديق على معاهدة ستارت – 2، وأن تتمّ الموافقة على هذه المعاهدة في هذا العام من أجل تخفيض الأسلحة النووية. إن روسيا قد تتعاون مع حلف شمال الأطلسي في شأن الدرع الصاروخي، وهي القضية التي تسبّب انقسامات بين روسيا والغرب منذ فترة طويلة، إذا كانت الشراكة متكاملة. ولم يتأخر الردّ الأميركي على هذا التصريح.  ففي 22 تشرين الثاني نوفمبر 2010، صرّح وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس بما يلي: "تمثّل معاهدة ستارت 2 - النووية الجديدة أحد المحاور الرئيسة في العلاقات الأميركية ـ الروسية ،والتي تشهد تحسناً متزايداً مع روسيا.  إن عدم التصديق عليها قد يسبّب مشكلات حقيقية لهذه العلاقة.  وأعتقد أنه قد تكون هناك عواقب وخيمة إذا لم يتم التصديق على المعاهدة، ذلك أن عدم إقرار مجلس الشيوخ لها، والتصديق عليها، ستكون له عواقب سياسية على العلاقات الثنائية .
وفي قمّة الناتو التي عقِدت في 19 و20 تشرين الثاني 2010، في لشبونة بالبرتغال، بحضور 20 ضيفاً رئاسياً، وفي مقدّمتهم الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف، افتتح الأمين العام للحلف فوغ أندرس راسموسن القمّة - بالكلمة التالية: "إن القمّة التي يشارك فيها الرئيس الروسي ـ ديمتري ميدفيديف ـ هي الأولى منذ الحرب الجورجية ـ الروسية سنة 2008 ، وهي مشاركة تطرد أشباح الماضي، وتؤكد أنه حان الوقت لتحقيق شراكتنا؛ إذ أصبح باستطاعة الدول الأعضاء في الحلف  ـ 29 دولة - بالإضافة إلى روسيا، القيام بالكثير لضمان الأمن في العالم، شرط التحرّك معاً، والعمل على تبديد المخاوف الروسية، بانضمام روسيا إلى الدرع الصاروخية الأطلسية". ومع تجاوز الكلمات الديبلوماسية المنمّقة، فإن القمّة حقّقت أهدافها بإقرار المفهوم الاستراتيجي للحلف، والذي تمثّل بما يلي: 1 – الدفاع والوقاية المشتركة. 2 - إدارة الأزمات. 3 - دعم الأمن والاستقرار الدوليين. وإلى جانب هذه الأهداف الثلاثة، أكد أعضاء الحلف على شراكات الحلف التي شملت دول حوض البحر الأبيض المتوسط، ودول مبادرة اسطنبول للتعاون.
وكان واضحاً أن مفهوم الوقاية أو الردع يسمح باستخدام الأسلحة التقليدية وأسلحة التدمير الشامل النووية. وقد حققت قمّة الناتو أو قمّة لشبونة أيضاً نتائج لمصلحة الحلف في الحرب ضدّ أفغانستان، إذ وافقت روسيا على استخدام الحلفاء لشبكة الخطوط الحديدية الروسية لنقل القوّات والمعدّات والمدرّعات العسكرية للجيش الأفغاني ومنح روسيا طائرات مروحيّة - حوّامات - للجيش الأفغاني...
في المقابل، قد يكون من البديهي اختلاف التحالف الاستراتيجي الروسي – الصيني، أو الروسي الهندي، أو الروسي - الإيراني، كلٌ عن الآخر، وبحيث تساعد هذه الأحلاف على تشكيل عالم أكثر انسجاماً وأفضل تماثلاً، وأوفر قدرة على التعاون المشترك. وربما من المناسب التوقف عند بعض ظواهر هذه التحالفات الاستراتيجية وأهدافها؛ ونموذج ذلك زيارة الرئيس الروسي "ديمتري ميدفيديف" للعاصمة الصينية بكين في 27 - أيلول - سبتمبر 2010، لإجراء مباحثات حول "الشراكة الاستراتيجية" مع الرئيس الصيني هوجينتاو، بحيث تتجاوز هذه الشراكة الاستراتيجية حدود المصالح التجارية.
في سياق آخر، ومنذ عام 2011، كثّف سلاح الجوّ الروسي طلعاته الإستطلاعية الاستراتيجية في الأجواء الأوروبية، والتي كانت قد توقفت في مطلع التسعينيات. وباتت معظم المطارات الحربية الأوروبية عموماً، والمطارات العسكرية في النرويج والمملكة المتحدة وتركيا والبرتغال وفنلندا وألمانيا، في حال استنفار دائم لاعتراض القاذفات الروسية بعيدة المدى من طراز "توبوليف 22" و"توبوليف 95" والقاذفات من نوع "سوخوي24"  و"سوخوي34"  ومقاتلات "سوخوي 27" و"ميغ 31".
كذلك، تكلّلت الاستعدادات العسكرية الروسية منذ عام 2008، كمؤشّر على عودة روسيا إلى المسرح الدولي، بالعملية العسكرية الناجحة التي نفّذها الجيش الروسي في شبه جزيرة القرم في آذار 2014، والتي انتهت بانتشاره في كامل أراضيها وسيطرته على قواعد الجيش الأوكراني ومنعه من القيام بأيّ تصرّفٍ معادٍ لتطلّعات شعب القرم في العودة إلى الوطن روسيا؛ وهو ما تمّ بالفعل رغماً عن الاعتراضات الغربية الحادّة، ما تسبّب بأزمة داخل أوكرانيا، والتي باتت أمام إقليمين آخرين يريدان الانفصال عنها) دونياتسك ولوغانسك)؛ ما أدّى إلى تصاعد التوتر بين روسيا والغرب لدرجةٍ جعلت الدول الغربية تكثّف من عقوباتها الاقتصادية على روسيا، ومن الحرب الكلامية التي تجلّت في الجمعية العامة للأمم المتحدة وفي قمّة العشرين مؤخراً .
لقد بدأت روسيا في استعادة نفوذها العسكري والتسليحي في مناطق عديدة في العالم، يأتي على رأسها منطقة الشرق الأوسط، حيث عزّزت علاقاتها بالدول التي كانت تُحسب في حقبة زمنية ماضية على أنها من أهم حلفاء روسيا، مثل مصر والعراق. كما شرعت أيضاً في محاولة فتح جسور للتعاون العسكري مع دول خليجية، مثل الكويت والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية؛ واتجهت أيضاً إلى مزيد من الدعم للدول التي تتمتع معها بعلاقات عسكرية متميّزة، مثل الجزائر وسوريا. وفي اللحظة الآنيّة، تعتمد روسيا في استراتيجيتها الجديدة على المستوى التسليحي على جناحين: "سوريا ومصر".
إن الأحداث الجارية في مصر وسوريا تكشف عن تعاون مستمرٍ ومتصاعدٍ بين البلدين وروسيا.  فمثلا،ً تم اكتشاف وجود ثلاثة مراكز مشتركة للتنصّت والاستخبارات بين روسيا وسوريا على الأراضى السورية، بعد دخول كتائب المعارضة المسلّحة إلى أحد هذه المراكز في تلّ الحارة في درعا . كما أن صوراً عديدة كشفت عن أنواع أسلحة لم يكن معروفاً امتلاك الجيش السوري لها، مثل راجمات الصواريخ "أوراغان" وناقلات الجند المدرّعة  "بي تي آر 80" ومنظومة مكافحة الألغام "يو آر77". والحال نفسه بالنسبة للجيش المصري الذي ظهر بشكل مفاجئ، في عرضه العسكري بمناسبة ذكرى السادس من أكتوبر، الجيل الثاني من منظومتي الدفاع الجوّي "بوك أم" و"تور أم" المسمّى "2". كما أن روسيا أعلنت في مرّات سابقة عن قرب افتتاح محطّة لصيانة المروحيّات الحربية في مصر ومحطّة لتمركز طائرات التزويد الجوّي بالوقود الروسية من نوع "إليوشن 78"، لدعم عمليات الاستطلاع الجوّي بعيد المدى الروسية في البحر المتوسط. وبالفعل، تتمركز في مصر حالياً طائرتان من هذا النوع .
تعود العلاقات التسليحية بين مصر وروسيا إلى الستينيات من القرن الماضي، والتي شهدت نمواً وتطوّراً كبيراً على كلّ المستويات. فعسكرياً، كانت موسكو المورّد الأوّل للأسلحة والتقنيات العسكرية لمصر. وقد وصلت هذه العلاقة إلى أقوى مراحلها حين زار الرئيس المصري عبد الفتّاح السيسي روسيا في آب 2014؛ وهي الزيارة التي استُقبل فيها بحفاوة كبيرة لم يسبق أن تمّ استقبال رئيس مصري بها منذ آخر زيارة للرئيس الراحل جمال عبد الناصر إلى موسكو، ليعود ويزور الرئيس فلاديمير بوتين جمهورية مصر العربية في شباط 2015.
ولقد عبّر بوتين في وقت سابق عن ذلك بوضوح، في الرسالة التي وجّهها في 14 كانون الثاني 2012، مُعلناً فيها أن هذه لحظة تشكيل نظام عالمي جديد، وليس كما كان الحال بعد سقوط الاتحاد السوفياتي ـ نظام قطب واحد. وهذا ما عنى أن موسكو ذاهبة نحو النهاية في دفع أيّ محاولة لتجاوزها وصولاً إلى المواجهة .
وفي مقابلة أخرى، يقول الرئيس بوتين "إن تجاوز الغرب، وقيامه بأيّ عمل منفرد في الساحة الدولية، ستردّ عليه موسكو بشدّة"، ما عُدّ بمثابة )إنذار( بأن موسكو ليست في وارد مساومات من النوع الذي عرِف بشأن العراق، أو حتى بخصوص تكرار الارتباك الروسي في المسألة الليبية، وأن الأمر اليوم يتجاوز ذلك نحو تشكيل نظام عالمي جديد ترافق مع انسحاب استراتيجي أمريكي أعلنه الرئيس الأمريكي أوباما في  2/1/2012، عندما أعلن خفض عديد القوات الأمريكية من 750 ألفاً إلى 490 ألفاً وخفض الموازنة الدفاعية بمقدار 450 بليون دولار؛ وهذا يعني عدم القدرة على فتح جبهتين عسكريتين في آن واحد، والانتقال إلى مواجهة الصين في جنوب شرق آسيا وتسلّحها. وهو ما ردّت عليه بكين في 7/1/2012، محذّرة واشنطن من عسكرة آسيا ورافعةً التحدّي إلى الذروة بالقول: " لن يكون بمقدور واشنطن منع بزوغ شمس الصين"، ما عنى أن واشنطن عادت لترتكب حماقة مواجهة الصين بعدما خسرت في مواجهتها لموسكو في غير مكان، سواء في لعبة الغاز في تركمانستان وإيران أو في شرق المتوسط، حيث انسحبت مُكتفية بالإعلان في استراتيجيتها المذكورة التزام )استقرار(الشرق الأوسط وأمنه، والاستدراك بأن واشنطن ستبقى يقظة!
وينتهي الرئيس الروسي في هذا المقام إلى أن انتهاك القانون الدولي لم يعد مبرّراً، وكذلك سيادة الدول، حتى ولو
كانت الأهداف تحمل نوايا حسنة، ما يعني أن محاولة أمريكا وفرنسا وبريطانيا لاستبدال مبدأ السيادة بمبدأ التدخل الإنساني هو في سلّم ما يرفضه الروس، وأنهم مستعدّون لمواجهته .
لقد كانت العقيدة العسكرية الروسية أقرب الى العقيدة الدفاعية منها إلى العقيدة الهجومية. فقد كان الخوف من المتربصين بالدولة، ومحاولات تشويه صورة روسيا والتدخل في شؤونها الداخلية، الشغل الشاغل للقادة العسكريين والسياسيين الروس، إضافة إلى الحاجة إلى تعزيز الأمن على الحدود الجنوبية لروسيا مع آسيا الوسطى والصين. ومن جهة أخرى، كان الجيش الروسي )وما يزال( يعتبر حلف الناتو تهديداً، ما يستلزم تقوية الجيش والإحتفاظ بقدرته النووية .
في السياق، تشكّلت العقيدة العسكرية الروسية الثانية (2005 ـ 2010) بناءً على العوامل الجيوسياسية المذكورة. وبالتالي كانت التوجهات الإستراتيجية لتلك العقيدة أقرب ما تكون إلى الاستنفار والمواجهة مع الغرب منها إلى الموقف الدفاعي أو المتفرّج فحسب.
رابعاً) عقيدة بوتين للأمن القومي الروسي:
العقيدة الثالثة التي تبنّتها روسيا في تاريخها الحديث، وبدأ تطبيقها عملياً اعتباراً من العام 2011، لم تأتِ من فراغ؛ بل جاءت كردّ فعل على استراتيجية الأمن القومي الأميركي المعلن عنها، والتي استبعدت روسيا من قائمة حلفاء أميركا وأصدقائها في حربها ضدّ الإرهاب، على الرغم من أن روسيا كانت ضمن هذه القائمة. فالاستراتيجية الأميركية التي اعتمِدت بعد 11 أيلول 2001، تعاملت مع روسيا بشكل سلبي، ووضعتها ضمن الدول التي لا تطبّق المعايير الديمقراطية الصحيحة واتهمتها بالتدخل في شؤون جيرانها ودعم أنظمة مارقة ومتطرّفة، مثل نظام الرئيس هوغو شافيز في فنزويلا! في المقابل، تبنّت الإستراتيجية العسكرية الروسية بعض الخيارات العسكرية الإستثنائية، كخيار إقدام روسيا على توجيه ضربات نووية إستباقية، وإمكان استخدام القوّات العسكرية الروسية خارج الدولة، وتوسيع المناطق الحدودية لروسيا من مسافة خمسة كيلومترات إلى خمسة عشر كلم، خصوصاً في الجهات الغربية لروسيا. وبهذا تعود المنطقة الحدودية الروسية إلى ما كانت عليه في زمن الإتحاد السوفياتي. وقد أحدث هذا القرار ردود فعل لدى واشنطن ولدى دول أوروبا الشرقية المجاورة لروسيا .
وبالإضافة إلى هذه العقيدة العسكرية «الهجومية»، يُعتبر "مبدأ فلاديمير بوتين" أو وثيقة الأمن القومي للعام 2020، كالعقيدة السياسية؛ وهي تتمحور حول الدور الذي يمكن أن تؤدّيه روسيا على المستويين الإقليمي والعالمي، ولو اقتضى الأمر استعمال القوّة العسكرية لحماية ثرواتها ومصالحها الإقتصادية والإجتماعية والتكنولوجية.
على الصعيد الدولي، تتمثل مصالح روسيا القومية في ضمان السيادة وفي دعم مركز روسيا كقوّة عظمى، وكأحد مراكز الثقل في العالم متعدّد الأقطاب، مع تطوير علاقات نفعية متكافئة ومتبادلة مع كلّ البلدان والتجمعات العالمية، وفي المقام الأول البلدان الأعضاء في كومنولث الدول المستقلّة، ومع شركاء روسيا التقليديين، مع الالتزام، في كلّ الأحوال، باحترام الحقوق والحرّيات الإنسانية وعدم السماح بازدواجية المعايير في هذا المجال.
ويمكن تقسيم التحدّيات التي تواجه الأمن القومي الروسي إلى مجموعتين رئيسيتين: التحدّيات على الصعيد المحلّي، والتحدّيات على الصعيد العالمي، وهي على الشكل التالي:
1 ـ عمل بعض الدول منفردة ،وبعض المنظمات الدولية، على التقليل من دور الآليات القائمة لضمان الأمن القومي، وبخاصة الأمم المتحدة ومنظمة الأمن والتعاون الأوروبي .
2 ـ  إضعاف التأثير السياسي والاقتصادي والعسكري لروسيا عالمياً.
3 ـ دعم الاتحادات العسكرية السياسية، وخاصة توسّع حلف شمال الأطلنطي "الناتو" شرقاً .
4 ـ إمكانية ظهور قواعد عسكرية أجنبية وقوّات عسكرية كبيرة بالقرب من الحدود الروسية .
5 ـ انتشار أسلحة الدمار الشامل ووسائل نقلها .
6 ـ إضعاف عمليات الاندماج بين أعضاء كومنولث الدول المستقلّة .
7 ـ ظهور وتفاقم الصراعات بالقرب من حدود الاتحاد الروسي ومن الحدود الخارجية للدول الأعضاء في كومنولث الدول المستقلّة .
8 ـ الادّعاءات فيما يتعلق بأراضي الاتحاد الروسي .
9 ـ محاولة بعض الدول منع روسيا من تقوية موقفها كمركزٍ من مراكز الثقل في النظام العالمي، متعدّد الأقطاب، والحيلولة دون تنفيذ مصالحها القومية، وإضعاف وضعها في أوروبا والشرق الأوسط والقوقاز ووسط آسيا والباسيفيكي .
10 ـ يُعدّ الإرهاب مصدراً لتهديد الأمن القومي الروسي. وقد قام الإرهاب الدولي بشنّ حملة شعواء من أجل زعزعة استقرار الأوضاع في روسيا .
11 ـ التهديدات في مجال المعلومات، حيث تعمل بعض الدول على فرض سيطرتها في مجال المعلومات على المستوى العالمي، وإقصاء روسيا بعيداً عن سوق المعلومات المحلّي والأجنبي، إلى جانب قيام البعض باستخدام حرب المعلومات بهدف إيجاد نُظم تستطيع بمقتضاها الهيمنة على مصادر المعلومات في الدول الأخرى.  ومن التهديدات في هذا المجال أيضاً، إعاقة النشاط الطبيعي لنُظم المعلومات والاتصالات ونُظم تأمين مصادر المعلومات ومحاولات الحصول عليها بطرق غير مشروعة .
12 ـ وعلى الصعيد العسكري، فإن التهديدات التي تواجه الأمن القومي الروسي في زيادة مستمرّة. فتحوّل الناتو لاستخدام القوّة العسكرية خارج نطاق مسؤوليته، وحدوث ذلك دون أدنى عقابٍ من مجلس الأمن، ينمّ عن زعزعة استقرار الوضع الاستراتيجي بالعالم .
13 ـ إن سعي بعض الدول الكبرى لصنع جيل جديد من الأسلحة والمعدّات العسكرية يؤذن ببداية مرحلة جديدة من سباق التسلّح، ويؤدّي الى إحداث تغيير جذري فى أشكال ووسائل شنّ الحروب .
14 ـ وممّا يساعد على تفاقم السلبيات التي يعاني منها القطاع العسكري الروسي، خطط الإصلاح طويلة الأجل الخاصة بالمؤسسة العسكرية وصناعات الدفاع، وكذلك عدم كفاية التمويل الخاصّ بقطاع الدفاع وغياب المعايير القانونية. وقد ظهر أثر ذلك جلياً في تدنّي مستوى التدريبات القتالية والعمليات للقوّات المسلّحة الروسية، وأيضاً في نقص إمداد القوّات بالأسلحة الحديثة .
15 ـ التوسّع الاقتصادي والديموغرافي والحضاري للدول المجاورة داخل الأراضي الروسية .
16 ـ  نموّ نشاط الجريمة المنظّمة عبر الحدود ونشاطات المنظمات الإرهابية الأجنبية .
التوصيات في الرؤية الروسية الجديدة
أتت مبادرة إطلاق الحرب المضادّة الشاملة في طليعة التوصيات. وتسعى تلك الحرب إلى بلورة وعي روسي وطني يستند إلى تاريخ مجيد حافل بالانتصارات في مواجهة محاولات إذلال روسيا، وتزييف الحقائق التاريخية بشأنها، وضرورة التأكيد على احترام المفاهيم والقِيم والأعراف الدولية في العلاقة بين الدول.
هذه المبادرة حملت تواقيع أسماء بارزة من رجال السياسة والثقافة الروس، المعروفين بانتمائهم إلى التيّار القومي المحافظ، ومن بينهم نائب رئيس الوزراء مسؤول ملف التسلّح ديمتري روغوزين، المعروف بمواقفه المتشددة حيال الغرب، والتي اكتسب من خلالها صفة  )أبرز الصقور) خلال شغله لسنوات منصب ممثّل روسيا لدى حلف شمال الأطلسي .
وأيضاً، هناك وزير الثقافة فلاديمير ميدينسكي، والمخرِج المعروف ورئيس مهرجان موسكو السينمائي لسنوات طويلة، نيكيتا ميخالكوف، والفنّان الروسي المشهور ميخائيل بوريشنيكوف، ولائحة طويلة من الشخصيات البارزة في عالم الفكر والثقافة. ويُذكر هنا أن تنشيط عمل مراكز الأبحاث والدراسات المستقبلية في الاتحاد الروسي قد أصبح بمستوى القدرة الأميركية على التأثير. وكمثال على هذه المؤسسات الكبرى "نادي فالداي" الذي تأسس منذ 10 سنوات.
وحسب عقيدة النخبة الوطنية، والتي تشكّل أساس عقيدة بوتين: "إن على روسيا ألاّ تكتفي بمواجهة محاولات الغرب إضعافها بالسبل الديبلوماسية والتحرّكات العسكرية، بل أن تبادر إلى تعزيز الصف الداخلي عبر استنهاض الوعي القومي التاريخي وأمجاد الأمّة، والتي يحاول أعداء روسيا حالياً طمسها وتجاهلها، وتطوير العلاقات بين الشعوب الصديقة. وتُعتبر قمّة "أورفا" (عقِدت منذ أشهر) المدخل لذلك، حيث تكاملت الرؤية الروسية "الأوراسيا"، التي يُعتبر المفكّر الروسي ألكسندر دوغين منظّرها، مع الرؤية الصينية المتمثّلة في "طريق الحرير الجديد".
ووفق هذه القمّة، فإن إعلان روسيا الحرب على الإرهاب يتمتع بموافقة وغطاء أعضاء منظمة شنغهاي للتعاون ودعم مجموعة البريكس الاقتصادية. وإذا كانت سوريا مدخل هذه الحرب في الوقت الراهن، فإن مسرح المواجهة قد يتغيّر بتغيير الظروف والتهديدات. وحسب الرؤية الروسية ،فإن كلّ الاحتمالات حول الحرب الحالية في سوريا مفتوحة، ولا تفاوض مع أحد على الأسس والثوابت الروسية.
إن مسار« المياه الدافئة» الروسي لحماية الاستقرار والسلام في العالم عاد لينطلق مجدّداً من الإسكندرون وحتى الإسكندرية، ومدخله الرئيس هو سوريا.
خلاصة عامة
إن التغيّرات الجيوسياسية والجيو استراتيجية ضرورة حتميّة في إطار حياة الأمم والشعوب. غير أن «الفوضى الخلاّقة» التي شكّلت الجزء الأساس من الاستراتيجية الأميركية في علاقاتها الدولية، واستمرار التوسع الأطلسي شرقاً، ونشؤ ظاهرة الثورات الملوّنة، تغيّرت التوازنات الدولية، قد تسبّب في اندلاع الانتفاضات الداخلية في دول جوار روسيا، بتحريكٍ من الخارج لتكوّن ما بات يُعرف بالهلال الملتهب، من الشمال الأوكراني إلى الخليج الفارسي، ومروراً بمعظم دول الشرق الأوسط.  وبذلك، فإن «المياه الدافئة» في العقيدة الروسية قد أصبحت في مرمى الفوضى ؛وها هي حرب الممرّات والسيطرة على البحار تعود كأساس في الصراع الدولي، والذي شكّل ما سمّي (الربيع العربي) أحد عوامل خلخلته وتغييره.
لقد انعقد مجلس الأمن الدولي في 26/2/2011، بعد أقلّ من عشرة أيام على اندلاع «الثورة الليبية»، وصدر عنه القرار  رقم (1970)، والذي تضمن دعوة للقذافي لإنهاء قصف المدنيين بالطائرات والدبابات والأسلحة الثقيلة، وفرض حصار اقتصادي وعسكري شامل على السلطات الليبية، وإحالة ملف الارتكابات الجنائية ضدّ المدنيين إلى محكمة الجنايات الدولية، وفرض عقوبات مالية ومنع سفر على المقرّبين من القذافي، وخصوصاً على أبنائه ومسؤولين أمنيين أخرين؛ ليصدر بعده القرار (1973) الذي شكّل الانقلاب الكبير في العلاقات الدولية، وخصوصاً بين الشرق والغرب عموماً.
وفي سورية، تفجّرت الاعتراضات الشعبية ضد النظام السوري في 15 آذار 2011، والتي اعتبرها النظام مؤامرة خارجية، بينما وصفتها المعارضة "ثورة" من أجل الحرّية ولقمة العيش، لتُنشر بعدها وثائق "ويكيليكس"حول سورية وتكشف المستور حول هذه المعارضة وداعميها. وحسب المراسلات الصادرة عن السفارة الأميركية في دمشق بين عامي 2006 و2009 والسفيرة الأميركية في دمشق، قبل تعيينها في بيروت، السيّدة كونيلّي "فإن التحدي الأكبر لاستراتيجية الولايات المتحدة لحقوق الإنسان في سوريا هو كيفية نصح الحكومة السورية بأنّ سماحها بوجود معارضة يدفع قُدماً بالعلاقات الثنائية مع واشنطن. والأمر الثاني هو ألّا تمثّل الرعاية الأميركية للمجتمع المدني تحدّياً لتلك العلاقات"! وفي الخلاصة، يمكن اعتبار هذا الموقف بمثابة اعتراف أميركي رسمي موثّق: نحن موّلنا ونموّل كلّ منظمات المجتمع المدني في سورياة..
لقد تحوّل الصراع في سورةا إلى شكلٍ من أشكال الحرب الأهلية، حيث شهدت المدن والبلدات السورية مذابح ذهب ضحيّتها آلاف من الأبرياء. ولم يعد طلب إصلاح النظام وارداً عند المعارضة، بل أصبح مطلبها تغيير النظام بالكامل، وبالوسائل العسكرية حصراً.
إذاً، سورية هي هدف للولايات المتحدة، كما كانت ليبيا مسرحاً لتطبيق استراتيجية منع الولوج (A2) وإنشاء مناطق محرّمة (AD)، حسب مفهوم الولوج العملياتي المشترك “JOAC” الذي أعلنه الرئيس الأميركي أوباما في 17 كانون الثاني 2012. ومن خلال ما تقدّم، فإن روسيا الاتحادية تعرف الأهداف الحقيقية للسياسة الأميركية في العالم، وبشأن سورية خصوصاً. وتشكّل سورية ومصر معاً بالنسبة لروسيا :
1 ـ أرضيّة لإحياء الصداقة والتحالف، إضافة إلى إرث تاريخي وثقافي في العلاقات خارج الحصار الأطلسي أو الخنق الاستراتيجي، كما جرى في أوكرانيا وآسيا الوسطى والبلقان .
2 ـ فرصة للديبلوماسية الروسية للمواجهة واستخدام القوّة، دون أن يعني ذلك العودة إلى إحياء الحرب الباردة.
3 ـ انتقال السياسة الخارجية الروسية من البراغماتية في العلاقات بين الدول إلى الثوابت المبنيّة على التجربة
التاريخية .
4 ـ تفعيل أوراق الضغط على الحدود الروسية ـ التركية، واعتبار انتصار محور الممانعة والمقاومة في سوريا مدخلاً إلى تحرير ليبيا ومصر والعراق من النفوذ الغربي .
5 ـ تطوير المجال الحيوي والاستراتيجي بين روسيا وإيران وتوسيعه نحو دول آسيا الوسطى .
وإذا كانت الأحداث الدموية الجارية في سوريا تؤثّر على الأمن القومي الأميركي، فإن روسيا الاتحادية أعلنت عن استراتيجيتها للأمن القومي الروسي، للفترة الممتدّة حتى عام 2020، والتي يشكل الشرق الأوسط محورها، وسوريا "حجر الزاوية" فيها، وفلسطين والأردن روحها، كما قال وزير الخارجية الروسي لافروف. وهي تتلخص بالنقاط التالية :
1 ـ الأخذ في الاعتبار الظواهر الجديدة في العالم .
2 ـ الطاقة وقضاياها وطرق إيصالها .
3 ـ المنافسة الدولية على مصادر الطاقة في الشرق الأوسط وبحر قزوين والقطب الشمالي .
4 ـ إصلاح القوّات الروسية المسلّحة واعتمادها على التقنيّات الحديثة لحماية المصالح الوطنية .
5 ـ الحفاظ على التوازن النووي الرادع والاستراتيجي مع الولايات المتحدة .
6 ـ الولايات المتحدة ليست عدواً لروسيا رغم الانتقادات الضمنية لها .
وكما رأينا، فإن العوامل الاقتصادية تقف دائماً خلف السياسة، وهي كانت الدافع الأوّل وراء الحروب والاتفاقيات والمعاهدات الدولية. كما أن الدور الأساسي التي تلعبه الدول الكبرى في صنع قرارات الأمم المتحدة منذ تأسيسها، مدفوعة بتأمين مصالحها الاقتصادية والسياسية، لا يمكن إغفاله.
إن روسيا كانت ـ وما تزال ـ تنظر إلى الشرق الأوسط على أنه جار جنوبي مهم، يؤثّر استقراره على استقرار روسيا، وتنعكس الاضطرابات والحروب فيه عليها حكماً. وقد طبعت هذه الأهمية للشرق الأوسط لدى الروس معظم اتفاقياتهم ومعاهداتهم مع دول المنطقة، التجارية منها والعسكرية، أو تلك التي تحمل عنوان الصداقة، أو تؤسّس لأحلاف ثابتة لاحقاً.
إذاً، وبعد ليبيا، النموذج الذي استفاد منه حلف الأطلسي بعد تجربتي العراق وأفغانستان، استفادت دول أوروبية وعربية عدّة من صمود سورية في وجه الحملة الدولية ضدّها، رغم تدفق المسلحين والفوضى، التي حصلت، لتشكّل "عاصفة الحزم" الروسية الأخيرة إطاراً جديداً للتحالفات ولصياغة نظام إقليمي تتقاطع فيه المصالح العربية وغير العربية، حيث تتنافس الدول الكبرى على الجغرافيا ومصادر الطاقة والصناعات العسكرية والاستثمارات الصناعية والتجارية.
وتبقى الإشارة الأخيرة في هذا المجال إلى ضرورة إيجاد آلية تكفل التطبيق العادل للقانون الدولي وليس الكيل بمكيالين، وتطبيق القرارات الدولية بالقوّة في مكان وإبقاؤها حبراً على ورق في مكان، (النموذجان السوري والعراقي) ممّا يدعو إلى العمل الجادّ على إصلاح المنظمات الدولية وتطبيق قراراتها بشكل عادلٍ وبعيدٍ عن التأثيرات والضغوطات، بما يكفل تحقيق السلم والأمن الدوليين وحماية الحقوق لجميع الشعوب دون تمييز.




2017-08-25 14:46:04 | 125 قراءة

التعليقات

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد
مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية


آخر الأخبار