التصنيفات » مقالات سياسية

قراءة في الاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمةً لكيان العدو الصهيوني

 

محمود إبراهيم

باحث فلسطيني


      تأتي خطوة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالاعتراف بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني، والإيعاز لوزارة خارجيته باتخاذ الإجراءات اللازمة لنقل السفارة الأمريكية إلى مدينة القدس، في سياق صراع سياسي إقليمي، وتنامي مساعي المنظومة العربية "المعتدلة" للاستجابة للمطالب الأمريكية بالتطبيع الفوري مع "إسرائيل" وتصفية القضيّة الفلسطينيّة، في ظل واقع فلسطيني منقسم منذ أكثر من عشر سنوات. في هذة الأجواء جاء ترامب ليلبّي المطالب الصهيونية ويتماهى معها كما لم يفعل أيّ رئيس أمريكي آخر، وانحيازه المطلق للرواية الصهيونية حول القدس وفلسطين ومحاولة تثبيتها عبر فرض شرعيتها بقوة الاحتلال وبتغطية من بعض الأنظمة العربية التي جرى "ترويضها" وصناعة عدو مزعوم لها، وفرض أولويات أخرى لها بعيداً عن فلسطين. وهذا المسار فتح المجال أمام محاولات القفز على تاريخ القدس ومكانتها الإسلامية والمسيحية التاريخية لصالح الرؤية اليهودية المزيفة للمدينة ومستقبلها، بهدف انتزاعها من جدول القضايا الخاضعة للتفاوض (المفترض) حول مستقبلها بين الفلسطينيين وكيان الاحتلال.
   ويمكن القول إن الموقف الأمريكي من قضية القدس بات محكوماً بعاملين:- الأول هو الضغط الإسرائيلي والصهيوني، في ضوء تسليم الولايات المتحدة بأن الكيان الصهيوني كوكيل حصري لها في المنطقة  هو صاحب الرأي النهائي، خاصة أن الولايات المتحدة متفقة تماماً مع الحركة الصهيونية حول كافة المنطلقات، وأهمها أن فلسطين هي "ملك" لليهود، وأن عودتها لهم سوف تتم على مراحل حسب الظروف، وأن واجب الإدارات الأمريكية هو توفير الغطاء الموهوم عبر ماسمِّي عملية السلام، والمساندة السياسية والدبلوماسية للكيان في الأروقة الدولية، ومنع توجيه الانتقادات للعدو بسبب سلوكه الاحتلالي ؛والعامل الثاني هو درجة تحكّم الحكّام العرب بشعوبهم والسيطرة على انفعالاتهم، والسعي إلى تغييب أبناء هذه الشعوب عن المشهد السياسي والميداني؛ وفي أحسن الأحوال، شلّ قدراتهم  وتيئيسهم لإلغاء دورهم نهائياً، وحصره بالحكّام الخانعين فقط.
وهذا بالضبط ما وصلنا إليه في هذه المرحلة ( وهو ما لحظه رئيس حكومة العدو عندما قال: إن مشكلتنا مع الشعوب التي ترفضنا أكثر من الحكّام الذين يتفهموننا ويمكن التفاهم معهم )!
    لقد بدا الموقف الأمريكي التاريخي رافضاً لقرار التقسيم الذي يُخرج القدس من الصراع ويضمن تدويلها. ففي بداية الخمسينات من القرن الماضي، أصدرت الخارجية الأمريكية مذكّرة تحدّد فيها المركز القانوني لمدينة القدس ورفض الاعتراف باستيلاء "إسرائيل" على غرب القدس؛ كما احتجّت على نقل الكنيست ووزارة الخارجية ورئاسة الوزراء واتحاد العمّال إليها. وبعيد حرب حزيران عام 1967، كرّر مندوب أمريكا في مجلس الأمن نفس الموقف، بعدم اعتراف الولايات المتحدة باحتلال شرق القدس؛ وهو الأمر الذي أكده قرار مجلس الأمن الشهير رقم 242. وفي مواجهة سياسة التهويد وضم الأراضي في القدس والضفة الغربية، صدر قرار مجلس الأمن عام 1968 ضد هذه الممارسات. وكان القرار الحاسم ذلك الذي صدر في آب/ أغسطس 1980 رقم 476، والذي أكد على الوضع القانوني للقدس؛ كما أبطل قانون الكنيست باعتبار القدس عاصمة دائمة وأبدية لإسرائيل؛ وهو نفس الموقف الذي جاء به الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية في تموز/ يوليو 2004 الخاص بالجدار العازل.
    لكن كان واضحاً أن الموقف الأمريكي من القدس منسجم أو متواطىء مع الموقف الإسرائيلي، وأن تطور هذا الموقف كان مجرّد تغطية للموقف الحقيقي على الأرض. فالمعروف أن الكونجرس كان قد أصدر قانوناً للقدس في العام 1995، ثم أكده عام 2002 ؛ ومعنى ذلك أن الكونجرس اعتبر في حينيه أن القدس عاصمة لإسرائيل، وطلب من الرئيس نقل السفارة الأمريكية إلى القدس؛ لكن الرئيس له سلطة تأجيل هذا القرار كل ستة أشهر. وهكذا أعلن الرئيس دونالد ترامب، في بيانه مساء يوم 5 كانون الأول/ ديسمبر 2017، أن القدس عاصمة "إسرائيل"، وأن ذلك يخدم "السلام"؛ وقرّر في نفس الوقت نقل السفارة الأمريكية فوراً إلى القدس .
    واستناداً إلى محدّدات هذا الموقف الأمريكي الذي يعتمد على العاملين السابقين، وهما: العامل الإسرائيلي والعامل العربي، فإن إعلان ترامب يقترب من الواقع كلّما تمكنت واشنطن من إخضاع الحكّام العرب. وتطبيقاً لذلك، استدعى ترامب الحكّام العرب والمسلمين إلى الرياض، في إيار/ مايو 2017، واتخذ قراراته التي أيّدها بعضهم صراحة وأيّدها بعضهم ضمناً، ومنها برزت أخطر ملامح صفقة القرن التي جاء ترامب لينفّذها على الأرض، وهي تجريم المقاومة ضد "إسرائيل"، والاستجابة لمطلب "إسرائيل" في تهويد القدس.  وفي ضوء ذلك، لنتكون هناك أية قيمة لدعوات ستر عورات هؤلاء الحكّام، والمتعلقة بدعوة الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي للنظر في قرار ترامب الأخير حول القدس وهم يعلمون جيّداً أن الشعوب مقهورة والدول ممزّقة، وأن الفلسطينيين في أسوأ أوضاعهم، وأن الحكّام العرب أشد اعتزازاً بصداقة ترامب من أيّ رئيس سبقه، وأن التضحية بالقدس وارده من أجل حفظ هذه الصداقة!
        من هنا فإن الحديث عن مخالفة القرار الأمريكي للقرارات الدولية أو الشرعية الدولية، وعقد النيّة لتنفيذ تحركات دولية تعوّض العجز العربي، بل التواطؤ العربي، مسألة لاترقى إلى مستوى التحدي، ولا إلى مستوى التصدي الشعبي الفلسطيني والعالمي للقرار، الذي كشف أكثر من أيّ وقت مضى، وبوضوح تام، حقيقة الموقف الأمريكي المنحاز، والذي كان طوال الوقت يسعى إلى ترويض الجميع للقبول بما تريده سلطة الاحتلال فحسب.
 وإذا كان لا بدّ  من التحرك، فيجب أن يكون الهدف هو العمل على نزع الشرعية عن الكيان والعمل على عزله. فهو الكيان الذي خالف ولايزال الشرعية الدولية منذ نشأته، والذي رعته ولا تزال الولايات المتحدة والدول الغربية؛ والتي عليها أن تكفّر عن الخطيئة التي تسبّبت بها، وأدّت إلى ملايين الضحايا والمشرّدين الفلسطينيين.
     لقد جاء قرار ترامب ليؤكد الانحياز الأمريكي التام للكيان الصهيوني، وإن وهم التسوية برعاية أمريكية ليس إلاّ مسعى للتطبيع مع العرب واستجلاب التنازلات منهم، ومن الجانب الفلسطيني على وجه الخصوص؛ والشيء الوحيد الذي يجب أن يُفهم من القرار هو أن خيار التسوية الموهوم قد سقط؛ وترامب أكد بقراره أن لا حلّ إلاّ الحلّ الإسرائيلي فقط.
فقد حدّد ترامب موقفه من "شرعنة" الاستيطان واستحالة قيام الدولة الفلسطينية: والآن أعلن موقفه الخطير من القدس؛ وبذلك يكون قد أسقط خيار المفاوضات حول قضايا الوضع النهائي مسبقا؛ فماذا بقي إذاً أمام أصحاب خيار التفاوض اللانهائي ليفعلوه أو يقدّموه لشعوبهم؟
     من جانبه، أكد كيان العدو أن سيادته تتجاوز القدس المحتلة، وأنها باتت رسمياً وعملياً عاصمة للكيان، فيما لا تزال السلطة الفلسطينية والدول العربية على موقفها من أنه ينبغي أن تكون القدس موضوعًا للمفاوضات، وأن تكون القدس المحتلة عام 1967 عاصمة لأية دولة فلسطينية مستقبلية! وفي حين تتنوّع المواقف حول القدس ضمن المجتمع الدولي، إلاّ أن العديد من الدول رفضت أخذ موقف لتحديد الجهة صاحبة السيادة على القدس، وفضّلت، في المقابل لتبنّي المفاوضات لحلّ هذه القضية أو طرح فكرة الإدارة الدولية! يُذكر أنه عندما أعلنت "إسرائيل" عن القدس "عاصمة موحّدة وأبدية لإسرائيل" عام 1980، تعرّضت لردّ فعل قويّ من مجلس الأمن الدولي؛ وهو ما دفع الكثير من الدول لنقل سفاراتها من القدس الغربية إلى المدن الأخرى، حيث لا تمتلك اليوم أية دولة أجنبية سفارة لها في القدس، بما فيها الولايات المتحدة،  برغم احتفاظ العديد منها بقنصليات ومنشآت فيها.
       لقد آن الآوان كي يدرك الجميع أن الحلول الوسط مع كيان العدو مستحيلة. إن مطالب الطرفين واضحة كلّ الوضوح، وخاصة في موضوع القدس، التي قال عنها بن غوريون، أول رئيس حكومة للكيان: " لامعنى لإسرائيل بدون القدس، ولامعنى للقدس بدون الهيكل"! وفي ضوء ذلك، هل من معنىً لفلسطين بدون القدس، وهل من معنىً للقدس بدون المسجد الأقصى؟ وهل من عاقل يستطيع القبول بأيّ مكان آخر غير القدس عاصمة لفلسطين؟
     إن القرار الأمريكي الجائر حول القدس يمكن الاستفادة منه بتحويله من تحدٍ وجوديّ إلى فرصة، في ظلّ الالتفاف العالمي حول قضية القدس، والتي لايمكن لقضية غيرها أن تحوز على كلّ هذا الاهتمام لجهة إعادة القضية الفلسطينية إلى موقعها الطبيعي كقضية مركزية للأمة ؛ ويجب أن تكون القدس هي الأولوية  لمواجهة من همّشها واستبعدها مقابل المحافظة على عرشه وسلطته كأولوية؛ حتى بات مستعداً لتقديمها هدية للعدو الصهيوني ثمناً لذلك. وفي سبيل ذلك يتقرّب بعض القادة العرب من العدو اليوم، في مواجهة الجمهورية الإسلامية في إيران وحركات المقاومة. وختاماً، إذا  كان هدف ما يسمّى "الربيع العربي" هو إضعاف دول وشعوب المنطقة لصالح العدو الصهيوني، فإن علينا التقاط هذه اللحظة التاريخية لمنع الالتفاف الأمريكي- الصهيوني على حركة النهوض أو الصحوة الكبرى التي وفّرها قرار ترامب، خاصة لجهة عدم تمكين العدو من اختراق هذا الإجماع، عبر السلطة الفلسطينية التي يريد البعض الاختباء خلف موقفها لتبرير تنازلاته، وإن على الجميع تحويل هذا التحدي إلى فرصة لبداية "ربيع المقاومة" في وجة الكيان الصهيوني والإدارة الأمريكية وحكّام دول الخليج وبقيّة المطبّعين العرب، الذين استهتروا بالحقوق والمقدّسات وتضحيات عشرات الآلاف من الشهداء، في مواجهة الغزوة الصهيونية الجديدة وحلفائها، في المنطقة وعلى مستوى العالم.

 

2018-01-09 13:30:14 | 461 قراءة

التعليقات

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية