التصنيفات » مقالات سياسية

الدورة الـ28 للمجلس المركزي الفلسطيني ... استمرار الرهان على التسوية

 

محمود إبراهيم
باحث فلسطيني*

تحت عنوان "القدس عاصمة الدولة الفلسطينية"، وبمشاركة نحو تسعين عضواً من أعضاء المجلس البالغ عددهم نحو ١١٠، وغياب حركة حماس والجهاد الإسلامي والقيادة العامة والصاعقة وفتح الانتفاضة وجبهة النضال وجبهة التحرير الفلسطينية، عقد المجلس المركزي لمنظمة التحريرالفلسطينية دورته الـ28 في 14 و15 كانون الثاني 2018، في رام الله. وخرج المجلس بجملة من القرارات، أبرزها تعليق الاعتراف بإسرائيل إلى حين اعترافها بدولة فلسطين، ووقف التنسيق الأمني مع الاحتلال، والدعوة إلى عقد مؤتمر دولي كامل الصلاحيات لإطلاق عملية «السلام»؛ وقد تضمّن البيان الختامي للمجلس المركزي الفلسطيني في دورته الـ28:

ــ تكليف اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية بتعليق الاعتراف بـ«إسرائيل» إلى حين اعترافها بدولة فلسطين على حدود عام 1967.

ــ اعتبر المجلس أن الفترة الانتقالية التي نصّت عليها الاتفاقيات الموقّعة في أوسلو والقاهرة وواشنطن، بما انطوت عليه من التزامات، لم تعد قائمة.

وأكد المجلس المركزي أن الهدف المباشر هو استقلال دولة فلسطين، ممّا يتطلب الانتقال من مرحلة سلطة الحكم الذاتي إلى مرحلة الدولة التي تناضل من أجل استقلالها، وبدء تجسيد سيادة دولة فلسطين بعاصمتها القدس الشرقية على حدود الرابع من حزيران 1967، تنفيذاً لقرارات المجلس الوطني، بما فيها إعلان الاستقلال عام 1988 وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة.

وكانت منظمة التحرير الفلسطينية دخلت في مفاوضات سريّ مع «إسرائيل» استضافتها العاصمة النرويجية أوسلو، وانتهت بإعلان اتفاقية أوسلو عام 1993، التي أرست استراتيجية جديدة في التعامل مع الكيان الصهيوني؛ وتبعاً لاتفاقية أوسلو، وبعد خطابات الاعتراف المتبادل بين المنظمة و«إسرائيل»، جرى تأسيس حكم ذاتي فلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة لفترة انتقالية تستمر خمس سنوات، تُتوّج بقيام الدولة الفلسطينية.

ــ قرّر المجلس المركزي وقف التنسيق الأمني بكافة أشكاله، وفك علاقة التبعية الاقتصادية التي كرّسها اتفاق باريس الاقتصادي، وذلك لتحقيق استقلال الاقتصاد الوطني، وطلب من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ومؤسسات دولة فلسطين البدء في تنفيذ ذلك.

وكان المجلس المركزي قرّر في آذار 2015 إنهاء التعاون الأمني مع «إسرائيل»، لكن القرار لم يسلك طريقه للتنفيذ.

ــ أعلن تبنّيه لحركة مقاطعة «إسرائيل»، ودعوة دول العالم إلى فرض العقوبات عليها لردع انتهاكاتها الصارخة للقانون الدولي، ولجم عدوانها المستمر على الشعب الفلسطيني ونظام الأبارتايد الذي تفرضه عليه.

ــ قرّر المجلس استمرار العمل مع جميع دول العالم لمقاطعة المستوطنات الإسرائيلية في المجالات كافة، والتأكيد على عدم قانونية الاستيطان الاستعماري الإسرائيلي من بداية عام 1967.

ــ أعلن رفضه الاعتراف بإسرائيل دولة يهودية، كما أعلن رفضه أيّ طروحات أو أفكار للحلول الانتقالية أو المراحل المؤقتة، بما فيها ما تسمّى الدولة ذات الحدود المؤقتة.

ــ أعلن المجلس إدانته ورفضه قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب اعتبار القدس عاصمة لإسرائيل، ونقل سفارة بلاده من تل أبيب إلى القدس والعمل على إسقاطه.

واعتبر أن الإدارة الأميركية بهذا القرار قد فقدت أهليّتها وسيطاً وراعياً لعملية السلام، ولن تكون شريكاً في هذه العملية إلاّ بعد إلغاء القرار.

ــ شدّد المجلس المركزي على ضرورة إلغاء قرار الكونغرس باعتبار منظمة التحرير منظمة إرهابية منذ عام 1987، وقرار وزارة الخارجية الأميركية إغلاق مكتب المنظمة في واشنطن.

 ــ وعلى المستوى الفلسطيني الداخلي، كانت أبرز مقررات المجلس المركزي إعلان تمسكه باتفاق المصالحة الموقّع في مايو/أيار 2011 وآليات وتفاهمات تنفيذه وآخرها اتفاق القاهرة 2017، وتمكين حكومة الوفاق الوطني من تحمّل مسؤولياتها كاملة في قطاع غزة وفقاً للقانون الأساسي المعدّل، ثم إجراء الانتخابات العامة وعقد المجلس الوطني الفلسطيني بما لا يتجاوز نهاية عام 2018.

ــ كما أكد حق الشعب الفلسطيني بممارسة كافة أشكال النضال ضد الاحتلال وفقاً لأحكام القانون الدولي، والاستمرار في تفعيل المقاومة الشعبية السلمية ودعمها وتعزيز قدراتها.

ــ وعلى صعيد التحركات الخارجية، أكد استمرار العمل لتوفير الحماية الدولية للشعب الفلسطيني في أراضي دولة فلسطين المحتلة، واستمرار العمل لتعزيز مكانة دولة فلسطين في المحافل الدولية، وتفعيل طلب العضوية الكاملة لدولة فلسطين في الأمم المتحدة، وتقديم الإحالة بشأن مختلف القضايا (الاستيطان، الأسرى، العدوان على قطاع غزة) إلى المحكمة الجنائية الدولية.

 ــ مطالبة الدول العربية بتفعيل قرار قمّة عمّان 1980، الذي يُلزم بقطع جميع علاقاتها مع أيّ دولة تعترف بالقدس عاصمة لـ«إسرائيل» وتنقل سفارتها إليها، بالإضافة إلى تأكيد المجلس على تمسكه بمبادرة السلام العربية، ورفض أيّ محاولات لتغييرها أو تحريفها، والاحتفاظ بأولوياتها.

ــ العمل لعقد مؤتمر دولي كامل الصلاحيات لإطلاق عملية السلام، وبالتنسيق مع دول الاتحاد الأوروبي وروسيا والصين واليابان وباقي المجموعات الدولية.

ــ ودعا المجلس المركزي المجتمع الدولي إلى تحمّل مسؤولياته، على أساس قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، من أجل إنهاء الإحتلال وتمكين دولة فلسطين من إنجاز استقلالها، وممارسة سيادتها الكاملة على أراضيها بما فيها العاصمة القدس الشرقية.

 أرخت قرارات المجلس المركزي لـ«منظـمة التحرير الفلسطينية» بظلالها على الساحة الفلسطينية، وأيضاً لدى الكيان الإسرائيلي والإدارة الأميركية والعالم أجمع.

   لكن الأنظار تبقى تتطلع إلى اللجنة التنفيذية للمنظمة التي رفِعت إليها توصيات المجلس المركزي من أجل تطبيقها على الأرض، وفي طليعتها تعليق الاعتراف بالكيان الصهيوني، وسط المطالبة الفصائلية والشعبية بسحب الاعتراف بالكيان ، وليس تعليق الاعتراف؛ وأيضاً دعوة الإطار القيادي المؤقت لـمنظمة التحرير، الذي يضم جميع مكوّنات الشعب الفلسطيني، بما فيها الفصائل التي لم تدخل إلى المنظمة بعد، وهي حركتا حماس والجهاد الإسلامي، والمجمّدة عضويتها «الجبهة الشعبية - القيادة العامة» و«منظمة الصاعقة»، من أجل تفعيل وتطوير المنظمة، واتخاذ قرارات تواكب متطلبات المرحلة، في ظلّ تداعيات قرار الرئيس الأميركي بإعلان القدس عاصمة للكيان الصهيوني؛ ومواصلة العدو لعدوانه وإجراءاته التهويدية في القدس، والأعمال القمعية تجاه الفلسطينيين وأراضيهم ومنازلهم وممتلكاتهم..

 من جهته، تقدّم سفير الكيان الصهيوني لدى الأمم المتحدة داني دانون، برسالة شكوى للأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، يطالب فيها بإدانة ما سمّاه خطاب الكراهية الذي أدلى به الرئيس محمود عباس في اجتماعات المجلس المركزي. وقال في رسالته: "هذه التصريحات تذكّرنا بكلّ أسف بالكلمات العنصرية من أسوأ الأنظمة في القرن الماضي"، في إشارة غير مباشرة للنازية.

   من جهتها، بدا أن الإدارة الأميركية قد فوجئت بحجم الإجماع العربي والإسلامي والدولي على رفض قرارات الرئيس ترامب، والموقف الفلسطيني بمواجهته لها على أكثر من صعيد، لتحاول لاحقاً امتصاص ردود الفعل. واللافت هو ما تردّد عن نفي إدارة البيت الأبيض طرح صفقة القرن، بالإشارة إلى قولها: "نحن لم نطرح صفقة القرن، والفلسطينيون فهموا الصفقة خطأ، وأن الرئيس ترامب سوف يطرحها في الوقت المناسب على الطرفين"!

أما في ردود الفعل الفلسطينية تحديداً، فقد اعتبرت حركة «فتح»، على لسان عضو لجنتها المركزية عزّام الأحمد، أن الخطوات العملية لقرارات المجلس المركزي ستأخذ مجراها على الفور من قِبل اللجنة التنفيذية ، لكن تحتاج إلى بعض الوقت لتنفيذها ، مؤكداً أنها تعتبر مُلزمة على الجميع منذ تاريخ إصدارها .

وأشار إلى أنه يجب تنظيم وترتيب العلاقة من جديد بين دولة فلسطين و"إسرائيل"، وأن الاعتراف يجب أن يتم بين دول وليس بين حركة تحرّر ومنظمات وأحزاب مع دول .

  فيما رأت حركة حماس أن الاختيار الحقيقي لما صدر عن المجلس المركزي هو الالتزام بتنفيذها فعلياً على الأرض، ووضع الآليات اللازمة لذلك .

وشدّدت على أن من الأولويات ترتيب البيت الفلسطيني وفق اتفاق المصالحة، الموقّع في القاهرة في العام 2000، والتصدي لمتطلبات المرحلة الهامة من تاريخ القضية الفلسطينية والصراع مع الاحتلال .

 من جهتها، دعت الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين إلى ضرورة أن تباشر اللجنة التنفيذية للمنظمة العمل فوراً على وضع الإجراءات ورسم الآليات الضرورية للبدء بتطبيق ما قرّره المجلس المركزي، حتى لا يكون مصيرها كمصير قرارات دورة 5/3/2015، والتي ظلّت معلّقة لحدّ الآن. ووصفت القرارات بأنها قرارات غامضة وناقصة، وتحتمل التأويلات والتفسيرات المتناقضة، ولن تخدم مسيرة الشعب ونضاله وقدراته على التصدي للاستحقاقات التي تجابه القضية؛ وقد أثبتت التجارب النضالية أن مثل هذه العبارات شكّلت على الدوام منفذاً لتهرّب القيادة الرسمية الفلسطينية من الالتزام بالتوافقات الوطنية التي يتم التوصل إليها في إطارمؤسسات منظمة التحرير.

 وأملت حركة الجهاد الإسلامي لوكانت القرارات أكثر قوة ووضوحاً، ودعت المجلس المركزي إلى متابعة التوصيات التي أصدرها، والعمل على تنفيذ القرارات، ووضع الآليات الضرورية لها، خاصة في ما يتعلق بتحقيق المصالحة، ووقف التنسيق الأمني، وإلغاء اتفاقية باريس الاقتصادية، والتأكيد على سحب الاعتراف بالعدو؛ خاصة أن البيان لم يُلغ عملية  التسوية ، بل اعتبرها قائمة على أساس البحث عن راعٍ جديدٍ لها .

   بينما رأت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أن قرارات المجلس المركزي لا ترتقي إلى مستوى المجابهة المطلوبة أمام التحديات ومخاطر التصفية التي تتعرض لها القضية الوطنية الفلسطينية. واعتبرت أنّ العودة إلى سياسة "اللعم" في صوغ غالبية المواقف التي تتطلب وضوحاً في الردّ على الواقع القائم وما نشأ عليه من تطوراتٍ سلبية، إنما يعني الاستمرار في مربّع المراوحة والانتظار، واستمرار الرهان على جهودٍ إقليمية ودولية بإعادة إحياء المفاوضات، وعلى الإدارة الأميركية - إذا تراجعت عن قرارها بخصوص القدس ، لأن الواقع والمخاطر تتطلب مواقف واضحة وحاسمة من سحبٍ للاعتراف بالعدو، وليس تعليق العلاقة معه .

  واعتبر أحمد مجدلاني، عضو اللجنة التنفيذية لـمنظمة التحرير الفلسطينية وأمين عام جبهة النضال الشعبي الفلسطيني، أن قرارات المجلس تصبح نافذة ومُلزمة في اللجنة التنفيذية للمنظمة منذ صدورها، وعلى اللجنة التنفيذية الإسراع بالتطبيق والدعوة لعقد اجتماع لوضع خطة عمل وآليات تنفيذ، وتمويلها لبرنامج عمل للمرحلة السياسية المقبلة. ورأى أن هناك قرارات ملموسة بحاجة لاتخاذ خطوات مباشرة للتطبيق؛ كما أن هناك قرارات متصلة ومرهونة بأطراف إقليمية ودولية، وبحاجة لعمل سياسي وجهد وقت طويل، كالمطالبة بعقد مؤتمر دولي للسلام .

   

تجدر الإشارة هنا هذه التوصيات انسجمت مع كلمة الرئيس محمود عباس في افتتاح دورة المجلس المركزي. ومن المتوقع أن اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ستلوّح بها لتحسين موقفها في التسوية.ومن الناحية الواقعية، لا يمكن تنفيذ كلّ ما صدر عن المجلس المركزي، لأن ذلك سيقود الى مواجهة حقيقية مع الاحتلال. ومن الواضح أن لا أحد في المنظمة يريد الخروج لمواجهة حقيقية، بل لتحسين الشروط التفاوضية فقط.

 وبما أن الرئيس محمود عباس هو المرجعية الفلسطينية الوحيدة اليوم، وهو يتعرض لضغوط حتى من دول عربية لثنيه عن التصعيد مع واشنطن و«إسرائيل»، ولترك باب العودة للمفاوضات موارباً، فقد جاءت توصيات المجلس المركزي بخطاب عالي النبرة لتنفيس الغضب الفلسطيني العارم بعد قرار ترامب حول القدس؛ ولكن في نفس الوقت هي ملتبسة وقابلة للتأويل، للإبقاء على مخارج للرئيس عباس وللجنة التنفيذية للتعامل مع أية تسوية قادمة. وجرت الإشارة مع وقف التنفيذ للدولة الفلسطينية والانتقال من سلطة تحت الاحتلال إلى دولة تحت الاحتلال، لكن دون الإعلان رسمياً عن حلّ السلطة أو سحب الاعتراف بـ«إسرائيل».

 وهكذا لم «تغادر» قرارات المجلس المركزي دائرة أوسلو وحلّ الدولتين والمفاوضات. وبدل إلغاء اتفاق أوسلو، جاء الحديث عن أوسلو بصيغة إنهاء الفترة الانتقالية؛ وهو ما جعل المجلس يترك موضوع سحب الاعتراف بـ«إسرائيل» ووقف التنسيق الأمني معها والتحرّر من اتفاقية باريس الاقتصادية بيد اللجنة التنفيذية أي أن تنفيذ القرارات بقي عملياً بيد عباس الذي اختزل كلّ المؤسسات والهيئات الفلسطينية بشخصه. 

 بقي أن نشير إلى أن الإصرارعلى عقد دورة المجلس في رام الله كان مؤشراً على الاستمرار بالتفرّد واحتكار القرار الفلسطيني من قبل القيادة الرسمية القائمة. فهو عنى غياب قوى فلسطينية وازنة وأساسية في المشهد السياسي الفلسطيني، وكان مؤشراً على أن الوحدة الوطنية والمصالحة ليست الأولوية أيضاً، إلاّ إذا كانت تخدم خيارات القيادة الحالية، أو بتنازل بقية الأطراف الفلسطينية حتى تخفّض من سقفها السياسي ليتساوق مع خط القيادة؛ وهذا ما يؤكده التلكؤ بعقد الإطار القيادي الموحّد. لهذا جاءت قرارات المجلس المركزي منسجمة مع خيارات الطرف الممسك بالقيادة، ولم تخرج عن خيار التسوية واستمرار المراهنة عليها.

وختاماً، إن هذا الواقع الفلسطيني المشرذم لا ينسجم مع تهديدات حقيقية تصدر باستكمال تحقيق أهداف العدو، عبر إخراج قضايا القدس واللاجئين والاستيطان من دائرة المفاوضات وحسمها من جانب واحد؛ وهو ما يفتح الباب واسعاً أمام عمليات تهجير كبرى، بهدف استكمال عملية الضم الصهيوني النهائي للأراضي الفلسطينية والتخلص من الوجود السكاني المتنامي فيها، حتى لا يتحول إلى تهديد ديمغرافي وجودي، يقود إلى دمغ الكيان لاحقاً بأنه نظام فصل وتمييز عنصري.


2018-01-22 15:39:34 | 228 قراءة

التعليقات

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية