التصنيفات » مقابلات

مقابلة لموقعنا مع مسؤول العلاقات الدولية في حركة حماس الاستاذ أسامة حمدان


أجرت المقابلة: حنين رباح
1.    بعد تعازينا الحارّة لعوائل الشهداء وتمنياتنا بالشفاء العاجل للجرحى الذين سقطوا في مسيرة العودة الكبرى... بشأن عدد الشهداء الذين ارتقوا يوم الإثنين الماضي، هل كنتم تتوقعون هذا العدد الكبير من الشهداء؟
مع الكيان الصهيوني لا يمكن توقع الخير ابتداء؛ وبالتالي لا يمكن القول إننا لم نكن نتوقع أن يسقط هذا العدد الكبير من الشهداء والجرحى. وأنا أذكّر أنه مع بداية هذه المسيرات في ذكرى يوم الأرض (30 آذار الفائت)، تجاوز عدد الشهداء 25 شهيداً وعدد الجرحى تجاوز 1270؛ لكن مع الأيام تراجع العدد، لأن الإسرائيلي أدرك أنه أمام مسيرة سلمية؛ ويوم الإثنين الماضي (14 أيار)، كان واضحاً أن الإسرائيلي قد اتخذ قراراً بمنع المسيرة من الوصول إلى السلك؛ وبالتالي كان حجم إطلاق النار كبيراً، وكان القرار بإطلاق النار بشكل مباشر. لذا سقط 63 شهيداً وحوالي 50 إصابة في حالة حرجة وأكثر من 2770 إصابة أخرى؛ وتقديرنا أن التصدّي الإسرائيلي الوحشي كانت له خلفيات محدّدة:
إن إحياء قضية حق العودة أمر مقلق جداً للإسرائيلي؛ واليوم هناك كتلة بشرية هائلة في غزة تزيد عن مليون لاجئ قرّرت أن تقترب من السلك. وبتقدير الإسرائيلي، كان يمكن أن تعبر هذا السلك؛ وقد شكّل ذلك نمطاً فلسطينياً مختلفاً في مواجهة الإسرائيلي. وأيضاً، هذا اليوم كان بالنسبة للإسرائيلي مهماً جداً، لأنه كان يوم نقل السفارة الأميركية إلى القدس المحتلة، وهو لم يُرد أن يعكّر صفو هذه المناسبة شيء. لذلك كان حجم إطلاق النار الإسرائيلي بهذه الكثافة على أمل أن يتراجع المتظاهرون الفلسطينيون. لكن تفاجأ العدو أنه لم يدفعهم ما حصل للتراجع.
2    ـ هل يمكن اعتبار أن حركة حماس هي التي تقود مسيرة العودة في قطاع غزة، كونها لا تزال مسيطرة على القطاع؟
مسيرة العودة الكبرى ليست قرار حماس وحدها. من يقود هذه المسيرة هو لجنة التنسيق التابعة للفصائل للقوى الإسلامية والوطنية في قطاع غزة، وهي تضم كلّ الفصائل الفلسطينية التي لا تزال تؤمن بالمقاومة كخيار؛ وهي التي حدّدت أهداف المسيرة وطبيعتها، ونقاط المواجهة مع الاحتلال. حماس موجودة في هذا العمل بشكل أساسي. لكن لا يمكن القول إن المسيرة تقودها حماس، أو أن حماس تسيطر عليها بشكل كامل. هذه المسيرة تحمل الطابع الوطني، والكلّ شريك  فيها؛ وأنا دائماً أقول إنه كلّما كان التنظيم أكبر كلّما كبرت مسؤولياته؛ وهذه ليست امتيازات.
3    ـ برأيكم، ما هي الرسالة التي قدّمها الشعب الفلسطيني للعالم من خلال هذه المسيرات؟
 هناك ثلاث رسائل أساسية؛ الأولى أن الشعب الفلسطيني لا يزال متمسكاً بحقوقه. يعني بعد سبعين سنة، إذا ألقينا نظرة على أعمار الشهداء سنكتشف أنهم يمثّلون الجيل الثالث بعد النكبة؛ بمعنى أنه لا الجيل الأول فرّط، ولا الجيل الثاني تنازل، ولا الجيل الثالث نسي الحقوق؛ وهذه رسالة مهمة، لأن معركة الوعي بيننا وبين الاحتلال هي معركة أساسية؛ ورهان العدو الدائم هو أن يأتي جيل يُهزم معنوياً ونفسياً وتنتهي القضية. والذي حصل في مسيرات العودة أثبت العكس. الرسالة الثانية أن خيار المقاومة لا يزال هو خيار الشعب الفلسطيني؛ فماذا يعني أن يخرج الناس ويتلقّون الرصاص بصدورهم العارية؟ لو كان خيار المقاومة غائباً عن المشهد، لما فعل الناس ذلك؛ وهذا الخيار ليس خيار فصيل لوحده، بل هو خيار فلسطيني جمعي، والشذوذ عنه هو شذوذ عن الشعب الفلسطيني؛ وهذه المسيرة أظهرت أن خيار التسوية مع العدو خيار غير مقبول شعبياً؛ وحتى أصحاب هذا الخيار وجدوا أنفسهم مضطرّين للّحاق بالركب، من خلال إعلان حالة الحداد على شهداء مسيرات العودة.
والرسالة الثالثة ترتبط بما يجري في المنطقة؛ فإذا كان الهدف هو تصفية القضية الفلسطينية بإعادة ترتيب الخارطة الإقليمية، فإن هذا الأمر غير ممكن، وهدف تصفية القضية الفلسطينية غير وارد. فالفلسطيني نفسه لن يقبل، ولا يمكن لأحد في العالم أن يوقّع بالنيابة عن هذا الفلسطيني.
4    ـ هناك آراء تفيد بأن الهدف الأساسي من وراء مسيرات العودة هو تحسين أوضاع الناس المعيشية، أو رفع الحصار عن غزة... فماذا تقولون في هذا المجال؟
البعض يروّج لذلك لاعتبارات عديدة، ربما ليقلّل من أهمية حق العودة. وبالتالي يقول إن الهدف الحقيقي للمسيرات هو إنهاء الحصار المفروض على غزة، وأن المسألة لا تتعلق بخيار المقاومة. ونحن نعتقد أن الشعب الفلسطيني عندما تبنّى خيار المقاومة فليس بسبب وضعه الاقتصادي السيّئ. بل بالعكس؛ فإذا رجعنا إلى الوراء، أي إلى ثمانينات القرن الماضي، نجد أن الإسرائيلي كان حريصاً على تحسين الواقع الاقتصادي في الضفة وغزة، وكان يخطو باتجاه إعطاء الضفة وغزة امتيازات شبيهة بما كان حاصلاً في القدس المحتلة؛ وبالتالي الاستيلاء على الأرض مع إعطاء الناس حق الإقامة؛ ومع ذلك اندلعت الانتفاضات المتتالية. لكن إذا حصل إنجاز جزئي خلال هذه المسيرات فليكن، إنما أصل المسيرة (والذي اتفقت عليه كل الفصائل) هو من أجل التأكيد على الحقوق والثوابت، وعلى حق العودة تحديداً. والبعض لا يعجبه أن تحقّق مسيرة العودة إنجازات، فيحاول أن يضعها في خانة تحقيق المطالب الحياتية والمعيشية، والتي هي حق طبيعي إن حصلت؛ وإن لم تحصل فهي لن توقف مسيرة العودة بالتأكيد.
5    ـ هناك اختلاف في طبيعة التحركات والتظاهرات بين الضفة وغزة؛ هل تعتبرون أن هذا يعبّر عن موقف سياسي من السلطة، أم لأن الظروف مختلفة بين غزة والضفة؟
الكلّ يعلم أن السلطة في رام الله بذلت كلّ جهد ممكن لتعطيل الحراك الشعبي أو السلمي في الضفة، بدءاً من الضغط على أصحاب شركات النقل لمنع نقل الناس إلى نقاط المواجهة والتماس مع الإسرائيلي، وصولاً إلى اعتقال النشطاء الأساسيين الذين كانوا يسعون لتحريك الشارع؛ وكلّ هذه الإجراءات مرصودة ومراقبة. وأنا أعتقد أن هذه الإجراءات  منعت حتى المسيرات داخل المدن. وكان المطلوب أن يظهر الوضع في الضفة بشكل مختلف عن غزة، ليقول قادة السلطة إنهم مستعدّون أو مؤهّلون للخوض في مرحلة التسوية المقبلة؛ مع العلم بأن هؤلاء لم يعودوا يشكّلون رقماً صعباً بالنسبة للأميركي، لأن «منطق» التسوية في المرحلة المقبلة سيكون مختلفاً عن «المنطق» الذي ساد في الربع الأخير من القرن الماضي.
6    ـ ما هي معلوماتكم حول نتائج زيارة الوفد «الحمساوي» الأخير إلى القاهرة بقيادة إسماعيل هنيّة، وخاصة حول فك الحصار عن غزة وفتح معبر رفح؟ وماذا عرض عليكم المصريون؟
جاءت زيارة رئيس المكتب السياسي للحركة، إسماعيل هنيّة، إلى القاهرة، بطلب مصري، وهي استكمال لزيارات سابقة. وقد نُسب الكثير من الكلام إليها؛ ومعظم ما قيل حولها حتى الآن هو كلام إسرائيلي بالدرجة الأولى. لقد بحِثت في الزيارة ثلاث نقاط أساسية؛ النقطة الأولى تتعلق بالمصالحة. ونحن سبق وأبلغنا الجانب المصري أن الحركة قدّمت ما تستطيعه وأن الكرة الآن باتت في ملعب محمود عباس؛ ودون ذلك لا يمكن أن تتحرك المصالحة إلى الأمام. وقد طلبنا أن يكون هناك ضغط مصري قوي على أبو مازن. النقطة الثانية تتعلق بواقع غزة والحصار المفروض عليها؛ فقد كانت هناك جملة من الإجراءات المصرية، ومن ضمنها فتح بوّابة صلاح الدين، لأننا كنّا نرفض أن يظلّ الوضع الاقتصادي مرهوناً بمعبر كرم أبو سالم، وكانت هناك مقترحات من طرفنا لتطوير هذا الأمر. واستمعنا أيضاً لبعض الأفكار من الجانب المصري؛ وهذا الأمر بيقى في دائرة البحث. والمسألة الثالثة التي دار الحديث حولها هي المشهد السياسي المتعلق بقضية نقل السفارة الأمريكية إلى القدس المحتلة ومشروع صفقة القرن، وصولاً إلى تواصل مسيرات العودة في قطاع غزة. وبالتالي، يمكننا القول إنه حتى اللحظة لا توجد عروض أو صفقات، كما نشِر مؤخراً.

7    ـ هناك حديث عن زيارة جديدة لرئيس حركة حماس يحيى السنوار إلى القاهرة لطرح قضيتي تشكيل حكومة وحدة وطنية ومسيرة العودة؛ برأيكم، ماذا ستحمل هذه الزيارة المرتقبة؟
هذه الزيارة هي استكمال لكلّ الزيارات السابقة. موضوع المصالحة سيظل مطروحاً، لكن فكرة تشكيل الحكومة الوطنية لتحريك المصالحة لم يطرحها علينا أحد. وإذا طُرِحت سندرسها، لأننا جرّبنا حكومة الوفاق الوطني وفشلت في دفع المصالحة إلى الأمام. كما أن مواصفات الحكومة وواجباتها هي التي ستحدّد موقفنا منها؛ بمعنى أنها إذا كانت حكومة شكلية، بحيث يأتي أبو مازن ليقول لنا إن برنامج هذه الحكومة هو برنامج التسوية، فهذا الطرح لن يكون مقبولاً. لكن إذا كانت حكومة سياسية، تضم كلّ القوى والفصائل، ومهمتها تطوير الاتفاق الثنائي والسير باتجاه إعادة بناء منظمة التحرير ومؤسسات القرار الوطني الفلسطيني وإجراء انتخابات، فلما لا. لكن حتى لو تحققت هذه الفكرة، فهذا لا يعني أن نقدّم تنازلات في مواضيع أخرى؛ إن منطق التفكير بالتنازل عن بعض الحقوق من أجل بعضها الآخر ينبغي أن لا يظلّ قائماً، ولا يمكن أن نتعامل معه على قاعدة أنه منطق صحيح؛ فنحن جرّبناه حين تنازلت منظمة التحرير عن 67% من أرض فلسطين لتفاوض على 23%؛ وما حصّلته في النهاية لم يتجاوز نسبة 10%. في ما يتعلق بمسيرة العودة، كان من المتفق عليه أنها ستنتهي في 15 أيار، لكن لجنة القوى الوطنية والإسلامية قرّرت أن تمدّد فعالياتها حتى 5 حزيران. وربما ستقرّر تمديدها أكثر من ذلك؛ وهذا برنامج نضالي لا يمكن أن يقف بشكل قطعي ونهائي، حيث ستظل قضية العودة مسألة جوهرية، والمطالبة بهذا الحق ستظل قائمة. ومن الطبيعي أن يدور الحديث مع المصريين خلال زيارة الأخ السنوار إلى القاهرة حولها كونها من أهم القضايا الإجرائية والميدانية.
8    ـ وماذا عن ملف الأسرى في سجون الاحتلال؟
حتى اللحظة لا يوجد أي حديث جدّي في موضوع الأسرى، أي منذ أربعة أو خمسة شهور.  قبل ذلك جرت اتصالات أو محاولات لتحريك هذا الملف؛ لكن التعنّت الإسرائيلي أفشل هذه الاتصالات. ونحن في موضوع الإفراج عن الأسرى لا يمكن أن نقبل بصيغة يمرّر من خلالها الإسرائيلي ما يريد. لقد نجحنا في صفقة «وفاء الأحرار»، ولدى المقاومة في لبنان وفلسطين تاريخ مشرّف في هذا الإطار؛ والذي يمكن أخذ الكثير من الدروس والعبر منه. ونحن لا نقبل أن تكون الصفقة المقبلة أقل، في طبيعتها وحجمها وإنجازها، من صفقات سابقة.
9    ـ على المستوى الدولي أو الأممي، هناك قرار صادر عن مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة حول تشكيل لجنة لتقصّي الحقائق في غزة، هل تعوّلون على دور مختلف لهذا المجتمع الدولي؟
يصعب الجزم في هذا الشأن. تجربتنا كفلسطينيين مع المجتمع الدولي تفيد أنه لم يكن يتحرك إلاّ في لحظات محدّدة، وكان تحرّكه يتعطل مباشرة من الطرف الإسرائيلي. إن العديد من لجان التحقيق كانت تُنجز عملها في الجانب الفلسطيني، ويمنعها الإسرائيلي من استكمال هذا العمل لديه. لكن أعتقد أن أهمية القرار الذي صدر تكمن في جانبين؛ الجانب الأول أنه شكّل إدانة أوّلية للإسرائيلي؛ فعندما يُقال إن هناك تحقيقاً، فإن الإسرائيلي سيحاول تقديم رواية لن يصدّقها أحد. أما الفلسطيني فروايته واضحة. في الجانب الفلسطيني، كان هناك 500 صحفي من مختلف أنحاء العالم يصوّرون. وفي الجانب الثاني، إن المجتمع الدولي الذي غاب طويلاً لظروف وأسباب عديدة، يتحرك الآن، ولو بخجل؛ وهذا مؤشّر على أن هذا المجتمع الدولي، ومهما بدا مقفلاً لصالح الإسرائيلي، يمكن تحريكه لصالح قضيتنا إذا ما تشكّلت إرادة في الميدان، كما في القرار السياسي.
 
10     ـ تحدثتم عن صفقة القرن التي يعتزم دونالد ترامب الإعلان عنها بعد شهر رمضان، ما هي خطة حماس لمواجهتها؟
نحن لدينا مسار استراتيجي في مواجهة هذه الصفقة بعيداً عن الخطط التفصيلية. وهذا المسار يقوم على أربعة أسس؛ الأساس الأول هو موقف سياسي صامد يرفض العرض الذي سيقدّمه ترامب، ومسار المقاومة بكلّ أشكالها؛ ولا يظنّن أحد أنه إذا حصلت في الأسابيع الماضية مسيرات سلمية، فإن هذا يعني أننا نسينا المقاومة المسلّحة. هذا الأمر قائم، وسيظل قائماً؛ وإذا كانت المقاومة لها أشكال، فالذروة هي في العمل المسلّح لأنه الأكثر تأثيراً؛ وثالثاً هناك مسار استعادة دور الشعب الفلسطيني في الخارج، لأنه يمثّل أكثر من 60% من هذا الشعب؛ والمسار الرابع هو بيئة الأمّة، بما تمثله من دعم وإسناد وشراكة كاملة في المقاومة ضد الاحتلال.
11     ـ أخيراً، هل تعتبر حماس أن علاقتها مع محور المقاومة قد تعوّضها عن تراجع علاقاتها مع دول عربية أخرى؟
في منطق الحركة، هناك مسار استراتيجي في مواجهة المشروع الصهيوني، وهو مسار المقاومة؛ وأي مسارات أخرى لا تخدم المقاومة، ولا يمكن أن تؤثّر عملياً في إدارة الصراع. من هنا نحن لا نحتاج أن نطوّر علاقاتنا مع أحد في هذه المرحلة، لأننا نجد أنفسنا في مربّع كلّ من يقاوم «إسرائيل». ونحن نسعى كي تكون علاقاتنا مع دول المنطقة على قاعدة تأمين الحدّ الأدنى لصمود الشعب الفلسطيني؛ وفي الحدّ الأقصى، أن يتأمّن دعم عربي وإسلامي كامل ومتكامل للمقاومة ضد الاحتلال.

 

 

2018-05-29 14:26:15 | 144 قراءة

التعليقات

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية