التصنيفات » التقديرات النصف شهرية

31-7-2018

ملخص التقدير الاسرائيلي

تكتسب المؤسسة الدينية في "إسرائيل" قوتها من كون أن "الدولة" قامت منذ نشوئها على فكرة الخلاص «المسيحاني» (نسبة للمسيح المنتظر المزعوم) والعودة إلى الأصولية اليهودية، باعتبارها تمثّل الشرعية المتمتعة بالقداسة! وتتركز القيادات الدينية في "إسرائيل" بمختلف أطيافها وتفرعاتها الطائفية والعرقية والسياسية، في العديد من المؤسسات الرسمية، وأهمها دار الحاخامية، ووزارة الشؤون الدينية سابقاً، والكيبوتس الديني، والجيش الإسرائيلي، وسواها من المؤسسات الأخرى. وبحكم هذا الانتشار، لا ينحصر تأثير المؤسسة الدينية في الكيان في المجال الاجتماعي والعقائدي فحسب، بل يمتد إلى المجال السياسي والأمني، ليجعل منها واحدة من أكبر قوى الضغط والنفوذ في شتّى المجالات، تحت شعار الحفاظ على الدين اليهودي والحكم بالشريعة اليهودية التي تُعدّ أحد أهم عناصر القومية اليهودية.

لقد بدأ تنامي التيارات الدينية الأصولية اليهودية بشكل خاص منذ العام 1967. ومن ثمّ تصاعد هذا التنامي بصورة لولبية منذ صعود تكتل الليكود إلى السلطة عام 1977، وتراجع قوة حزب العمل أو تيار الصهيونية الاشتراكية العلمانية؛ هذا ناهيك عن التغييرات الديموغرافية والاجتماعية التي شكّلت قاعدتها الهجرات المتتالية لليهود من ذوي الأصول الغربية والشرقية، والتي شملت تيارات ثقافية ولغوية وحضارية متباينة، تركت بصماتها القوية على المجتمع الإسرائيلي وأبرزت هويته غير المتجانسة. وقد انتشر المدّ الديني المتطرف بشكل خاص بين أبناء الطوائف اليهودية ذات الأصول الشرقية، الذين وجدوا أنفسهم في وضعية دونية من الناحية الاجتماعية، وكانوا مهمَّشين مقارنة بأقرانهم من ذوي الأصول الغربية، ممّا جعلهم يسعون بتعصب من أجل الاحتفاظ بهوية متميزة من خلال الدين، ومن خلال السعي الدؤوب لتبوّء مراكز حساسة وذات تأثير في "الدولة". وفي هذا السياق أوردت الصحف الإسرائيلية أن الآلاف من خرّيجي المعاهد الدينية يتدفقون منذ فترة طويلة من الزمن للالتحاق بالجيش، ولكن مع الحفاظ على روابطهم الوثيقة بمعاهدهم وزعاماتهم الروحية، التي لا تزال تمثّل مصدر الإلهام الأول لهم في سلوكهم وتصرفاتهم، بحيث تحوّلت الخدمة العسكرية لديهم إلى وسيلة لخدمة المشروع الديني المسيحاني. وفي هذا المجال صدرت فتاوى حاخامية كثيرة تحذّر من «المفاوضات السلمية»، وتدعو إلى رفض أيّ انسحاب اسرائيلي من الجولان، وإلى رفض أية أوامر عسكرية في هذا المعنى.

ولم يقتصر السعي الديني للتوغل داخل الجيش الإسرائيلي على تولّي مناصب قيادية عليا، أو على الالتحاق بالدورات المختلفة لتخريج الضبّاط أو صفوف الضبّاط، بل امتدّ ليشمل مرحلة ما قبل التجنيد الإلزامي. وبادر الزعماء الدينيون إلى تشجيع الشبّان المتدينين الذين لم يحن بعد موعد تجنيدهم، على الاهتمام بالمسار العسكري وتفضيله على مسار الحياة المدنية، وذلك من خلال إنشاء مجموعة من المعاهد، التي تقوم بإعداد الشباب المتدينين للحياة العسكرية.

فهل تتحول "إسرائيل" الى "دولة" يغلب عليها الطابع الديني ويتراجع طابعها العلماني؟

هذا السؤال برز على خلفية صدور تقرير مكتب الإحصاء المركزي للعام 2014، والذي أظهر أن نسبة الولادات لدى الشريحة الدينية الحريدية، وأيضاً لدى التيار الديني الصهيوني، يصل تباعاً إلى نسبة 7 أطفال لكلّ امرأة متدينة، مقابل 1.4 طفل لكلّ امرأة غير متدينة. وبحسب التقرير، وصل عدد سكان "إسرائيل" حالياً إلى 8.252 ملايين نسمة، من بينهم 1.7 مليون من فلسطينيي عام 1948، أي من حاملي الجنسية "الاسرائيلية"، وبما نسبته 20.7 بالمئة من التعداد الكلّي لسكان "إسرائيل". ويظهر التقرير تراجعاً لمعدّلات الولادات بين الفلسطينيين من حاملي الجنسية. وإذا كانت نسبة الولادات قبل خمس سنوات هي 3.7 طفل لكلّ امرأة فلسطينية، مقابل 2.7 طفل لكلّ امرأة يهودية، وقبلها في مطلع السبعينيات 7.8 طفل لكلّ امرأة عربية، مقابل 3.2 لكلّ امرأة يهودية، إلاّ أنها بلغت الآن 3.2 لكلّ امرأة عربية، مقابل 3 ولادات لكلّ امرأة يهودية، بحسب التقرير الجديد. وهذا إن اشار إلى شيء، فإنه يشير إلى أن نسبة الولادات لدى فلسطينيي أراضي عام 1948 من حاملي الجنسية "الإسرائيلية"، باتت تساوي تقريباً نسبة الولادات لدى اليهود، ما يعني أن ارتفاع نسبة وعدد الفلسطينيين من حاملي الجنسية قد تراجع بشكل كبير. ومن نتائج ذلك تجمّد الفارق بينهم وبين عدد اليهود، ولم يعد يزيد كما كان عليه الأمر في السابق.

لكن، وإن كانت هذه المعطيات تصبّ في خانة مصلحة اليهود والمشروع الصهيوني لفلسطين المحتلة، إلاّ أن الخشية لدى تل أبيب تتعلق، من ناحية أخرى موازية، بمعطيات الولادات داخل اليهود أنفسهم، والتي لا تقلّ خطراً على الصهيونية مما ستكون عليه في حال تزايد عدد الفلسطينيين. فتل أبيب راضية عمّا تسمّيه "سدّ الفجوة" بين تنامي عدد السكان الفلسطينيين من حاملي الجنسية، وعدد السكان اليهود. وإذا بقيت الأمور على حالها، فلن يكون هناك خطر على وجود "الدولة" من ناحية ديموغرافية، وتغيير طابعها من "دولة يهودية" إلى "دولة ثنائية؛ القومية"، فبقاء نسبة الفلسطينيين على حالها، أي حوالي 20 بالمئة من العدد الكلّي للسكان، سيمكّن تل أبيب من إبقاء الوضع على حاله، وليُزال من على جدول الأعمال ما اصطُلح على تسميته "الخطر الديموغرافي للعقود المقبلة".

وفي مقابل "سدّ الفجوة"، سوف يرتفع خطر المتدينين اليهود على "الدولة"؛ إذ تظهر التقارير المنشورة تباعاً، وآخرها تقرير المكتب المركزي للإحصاء، أن نسبة المتدينين من العدد الكلّي لليهود في "إسرائيل"، تتجاوز قليلاً الـ 20 بالمئة، بما يشمل التيار المتدين الحريدي، الذي يتعايش قسراً ومراعاة وخدمة للمصلحة الذاتية مع "الدولة"، والتيار المتدين الصهيوني، الذي ينادي بالدولة وضرورة بقائها واستمرارها مع تمدّد الاستيطان الصهيوني في فلسطين. وهذه النسبة، أي 20 بالمئة، هي من ناحية فعلية تساوي 1.2 مليون نسمة؛ لكن مع ردّها وجمعها مع النسبة نفسها لدى فلسطينيي عام 1948، تصل إلى ما يزيد عن 40 بالمئة من عدد السكان. وهؤلاء، بحسب التعريف "الاسرائيلي"، يشكّلون خطراً على وجود "الدولة" واستمرارها، وإن كان لكلٍ منها نوع خطر خاص به. فلا يخفى على أحد أن المتدينين اليهود، في ما يُعرف بالتيار الحريدي، ليسوا يهودا صهاينة، وهم لا ينظرون إلى "الدولة الاسرائيلية"، باعتبارها دولة اليهود التي ينتظرون أن يؤسّسها في آخر الزمان، المسيح المخلّص. وبحسب المعتقد اليهودي الديني، "إسرائيل" ليست دولة اليهود، ويجري التعامل معها على هذا الأساس. وبحسب وصف أحد الحاخامين، فإن "إسرائيل شبيهة بالنسبة لنا بالدول الأوروبية، حيث يعيش اليهود، لكن مع ارتباط رمزي بها أكثر، إذ يمكن ممارسة الشعائر فيها بشكل أسهل". وهذا الأساس يفرض على اليهود عدم التجنّد في الجيش؛ إذ يرى الحريديم أن الصهاينة اغتصبوا حق المسيح المنتظر بتأسيسهم لهذه الدولة. وبالتالي يستنكف الشبّان المتدينون عن التطوع أساساً، وعن التجنّد ثانياً، وذلك بموجب تسوية جرى التوصل إليها ما قبل عام 1948، بين التيار الصهيوني والتيار المتدين، على أن يُسبغ هؤلاء (المتدينون) الصبغة اليهودية على "إسرائيل"، من خلال أصل تواجدهم فيها، فيما يعفون من الخدمة العسكرية، تطوعاً أو تجنيداً.

في هذا البحث إثبات بأن الكيان الغاصب يتحول تدريجياً إلى كيان ديني أصولي متعصب، تتزايد شراهته مع تزايد توسعه الاستيطاني وتنامي الدعم الدولي السياسي والدبلوماسي والعسكري له، ممّا ينذر بجعل المنطقة (دولاً وشعوباً) تحت خطر انفجار كبير لن يسلم منه أحد، خاصة الكيان نفسه، والذي لم يعد بمنأىً عن المخاطر الكبرى التي تهدّده من الداخل والخارج.

لقراءة التقدير كاملاً انقر هنا

2018-07-31 14:03:25 | 69 قراءة

التعليقات

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية