التصنيفات » ندوات

الندوة السياسية الدورية بعد معركة الجنوب: كيف يتجه المسار السوري؟ د. عقيل سعيد محفوض

 

عقِدت في مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية، بتاريخ 9/8/2018، الندوة السياسية الدورية، حول الحرب السورية، بعنوان «بعد معركة الجنوب: كيف يتجه المسار السوري؟»، والتي حاضر فيها، الدكتور عقيل سعيد محفوض، مدير قسم الدراسات في مركز دمشق للأبحاث والدراسات، بحضور نخبة من المتخصصين والأساتذة الجامعيين والمهتمين بقضايا المنطقة.

وقد حضر الندوة، التي عقِدت برعاية رئيس مركز باحث للدراسات، البروفيسور يوسف نصرالله، كلٌ من:

ـ ممثّل سعادة سفير الجمهورية الإسلامية الإيرانية في بيروت: السيد محمد جلال فيروزنيّا.

ـ الدكتور عبد الحليم فضل الله مدير المركز الاستشاري للدراسات.

ـ الدكتور رفعت بدوي: مستشار الرئيس سليم الحص.

ـ الأستاذ إبراهيم الديلمي: عضو المكتب السياسي في حركة أنصار الله ومدير عام شبكة «المسيرة» الإعلامية (اليمنية).

ـ الدكتور عبد الملك سكريّة ـ حملة مقاطعة «إسرائيل».

ـ الدكتورة صفيّة أنطون سعادة.

ـ الدكتور حسام مطر.

ـ الدكتور مصطفى اللدّاوي.

ـ الدكتور محمود العلي.

ـ الدكتور فؤاد خشيش.

ـ الدكتور محمد طي.

ـ الدكتور سلام الأعور.

ـ الأستاذ علي نصّار.

ـ الأستاذ حيدر دقماق ـ ـ الحملة العالمية للعودة إلى فلسطين.

ـ الإعلامية منى سكريّة.

 

بعد تقديم من الأستاذ حسن شقير، بدأ المحاضِر كلامه بتحديد عناوين رئيسية لمحاضرته:

أولاً) كيفية قراءة الحرب السورية.

ثانياً) استعادة الجيش السوري للمنطقة الجنوبية.

ثالثاً) الطريق إلى إدلب.

رابعاً) خط دمشق ـ القامشلي: أي أجندة ممكنة؟

خامساً) الدستور السوري الجديد!

 

 

أولاً) كيفية قراءة الحرب السورية

ينبغي على قارئ الحدث السياسي في عالم اليوم أن يتسلح بأكبر قدر ممكن من الحذر، فضلاً عن التواضع، وخاصةً إذا كان ذلك الحدث من نوع الحدث السوري. تعلمون أن الأزمة السورية أثارت فيضاً من التقديرات التي اصطفت على  هذا الجانب أو ذاك من الحرب. وقلّما وجدت قراءات موضوعية، وهذا أمر مفهوم، إذ إن الحروب عادة لا تخلق استجابات أو قراءات وتقديرات حيادية؛ والحياد في هذه الحالة غير مطلوب بطبيعة الحال، وخاصةً إذا كان القارئ طرفاً أو معنياً بما يجري. فالمطلوب هو الموضوعية ما أمكن.

ومن موجبات الحذر في القراءة أن الأزمة السورية كَذَّبَت أو حَطَّمَت أو كَشَفَتْ عن خطأ أكثر القراءات والتقديرات والتوقعات حولها، منذ بداية الأزمة وحتى اليوم؛ وهذا باب يطول الحديث فيه. وقد كَتَبْتُ عن ذلك في مواضع مختلفة. وأعمل حالياً على مخطوط أو كتاب يتناول بالتحليل والتدقيق مسارات قراءة هذه الأزمة، والتحولات التي طرأت عليها.

كيف نقرأ؟

تميل القراءات في عالم السياسة اليوم لما يُعرف بـ"الفترات الصغيرة"(1)، أو اللحظة الراهنة. أما الفترات المتوسطة فأقل اهتماماً (2)، والأقل هو الفترات الطويلة (3)؛ ذلك أن متطلباتها كثيرة ومعقّدة، واحتمال نجاحها ضعيف (2)، وفائدتها أو عائديتها المعرفية قليلة.

تميل هذه الورقة إلى قراءة اللحظة الراهنة باتجاهاتها المحتملة أو المرجحة القريبة وشواغلها الرئيسة، على الرغم من أن المطلوب في الحدث السوري اليوم هو قراءة متوازية للأمور، تأخذ بالاعتبار أن ثمة ديناميات واحتمالات قد لا تكون علنية أو واضحة للمراقبين. وثمّة إلى ذلك ضرورة للأخذ بالاعتبار حدوث ما هو "لا متوقع" أو "غير متوقع".

 

 

ثانياً) استعادة الجيش السوري للمنطقة الجنوبية

 مثّلت استعادة الجيش السوري للمنطقة الجنوبية، وعودة الوضع إلى ما كان عليه قبل آذار/مارس 2011، مؤشراً على تحوّل كبير في طبيعة الأزمة السورية، وتجاوز عدد من التحديات الكبيرة والخطيرة التي كانت تواجهها سوريا.

فبعد استعادة الغوطة بريف دمشق، كان السؤال ما الوجهة التالية، ما المسار التالي في الحدث السوري. كان الأرجح هو الاتجاه نحو إدلب، باعتبار أن الموقف مع تركيا قد يكون أيسر وأقل صعوبة، في ظل التفاهمات بينها وبين كل من إيران وروسيا، وباعتبار الضغوط والإكراهات المرتبطة والمتعلقة بالمنطقة الجنوبية، وخاصة التوتر المتزايد بين إيران و«إسرائيل»، وصولاً إلى رسائل متبادلة وصلت إلى حواف الحرب، إذا صحّ التعبير. ولو أن الحرب بينهما قائمة في غير مكان وعلى غير صعيد.

وقد توصلت «إسرائيل» إلى قناعة بأن استعادة الدولة السورية للسيطرة عى المنطقة الجنوبية مسألة محسومة. وقد وجدت «إسرائيل» نفسها بين مستويين من التقدير والفهم:

الأول:

  • عودة قوية للدولة السورية ولنظام الرئيس بشار الأسد، بتحالفاته وتقديراته المعروفة لإسرائيل، والتي تمثّل مصدر تهديد لها ولحلفائها.
  • فقدان ورقة ضغط قوية ضد سوريا، يمكنها أن تشكّل تهديداً دائماً للعاصمة دمشق.
  • نهاية رهانات المنطقة العازلة والكيانية الخاصة في الجنوب.

الثاني:

إن مقاومة «إسرائيل» لاستعادة الجنوب لن تكون مجدية، بل ربما أدّت إلى:

  • تغيّر محتمل في مدارك النظام السياسي ورهاناته حول المنطقة الجنوبية، وربما طلبه تعديل اتفاق الفصل (1974).
  • احتمال بروز ملامح "جنوب لبنان آخر" على خط الجولان المحتل، ما لم يتم التوصل إلى توافق على ترتيبات أمن واستقرار في المنطقة الجنوبية.
  • وجود إيران على مقربة من الحدود؛ ذلك أنَّ لدى الطرفين (إيران، «إسرائيل») مشروعان إقليميان يضعانهما على جانبي حرب ماثلة أو وشيكة؛ وهي حرب قائمة بينهما بالفعل، ولكنها ليست مباشرة.

اتفاق الفصل 1974 والقرار 338

وضع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الموقف حول المنطقة الجنوبية في إطار العودة إلى اتفاق فصل القوات لعام 1974، والقرار 338. فهو قال في ختام قمّة هلسنكي: "يجب جلب جنوب سورية إلى الامتثال الكامل لمعاهدة العام 1974، حول فصل القوات الإسرائيلية والسورية. وسوف يؤدّي ذلك إلى جلب السلام لمرتفعات الجولان، وسوف يجلب المزيد من (العلاقات) السلمية بين سورية و«إسرائيل»، وسوف يوفر الأمن لدولة إسرائيل"[1].

إن كلام الرئيس بوتين يحيل –كما هو واضح- إلى مقاربة أوسع من استعادة الجنوب، تتضمن:

1 ـ اهتمام روسيا، وربما الولايات المتحدة، بعودة الأمور بين سوريا و«إسرائيل» إلى مسار التفاوض بحثاً عن حل، وفق قرار مجلس الأمن338؛ 

2 ـ التأكيد على مرجعية قانونية دولية حاكمة للتفاعلات بين سوريا و«إسرائيل» في تلك المنطقة؛

3   ـ احتواء أيّ عرقلة إسرائيلية لسعي الحكومة السورية لاستعادة السيطرة على المنطقة الجنوبية، وعودة الأمور على جبهة الجولان إلى ما كانت عليه قبل آذار/مارس 2011؛

4 ـ احتواء أيّ انزلاق سوري محتمل لمواجهة كبيرة، في ظل التدخلات والاعتداءات الإسرائيلية على سوريا.

      وبحسب الصحافي الإسرائيلي أمير أورن، في موقع "واللا" الالكتروني[2]، فإن إشارة بوتين إلى اتفاق الفصل "ترضي إسرائيل من الناحية الأمنية، وترضي سوريا من الناحية السياسية".

أبعد من اتفاق الفصل

ثمّة في «إسرائيل» من يدعو لتعديل اتفاق فصل القوات لعام 1974 في ضوء تطورات الأزمة السورية، كأن يتم تعديل مهام قوات الأمم المتحدة لمراقبة الاتفاق (UNDOF)، بحيث تكون مهامها أوسع، على غرار مهام "اليونيفيل" في جنوب لبنان بعد حرب تموز/يوليو 2006، وأن تكون تلك القوات بمثابة "قناة اتصال" مباشر بين سوريا و«إسرائيل»، وأن يكون من مهامها التدقيق في عمليات إعادة الإعمار في مناطق قرب الحدود بحيث تضمن «إسرائيل» – عن طريق القوات الدولية ـ عدم استغلالها لإقامة بنىً تحتية يمكن أن تكون لها استخدامات عسكرية.[3]

     لكن يبدو أن العودة إلى اتفاق الفصل ليست "منتهى" أهداف «إسرائيل» في المنطقة الجنوبية، لأن رهاناتها ـ تجاوز ذلك بكثير، وهي تحاول التمسك بمستوى طموحات أو أطماع أكبر، قد ترى معها أن الالتزام باتفاق فصل القوات 1974 بات يمثّل تقييداً لها.

     وتُعنى «إسرائيل» بإقامة "تفاهمات موازية"، ليست مباشرة بينها وبين سوريا، إنما بينها وبين روسيا وربما الولايات المتحدة، تتضمن تحديدات إضافية حول عديد وعتاد وأنماط الإمكانات لدى القوات السورية وأي قوات أخرى من إيران أو حزب الله في المنطقة الجنوبية من سوريا، وربما في عموم سوريا، بما يمثّل ضمانة لأمن إسرائيل، وهو الهدف الذي قال الرئيسان بوتين وترامب في قمّة هلسنكي إنهما ملتزمان به.

 

ثالثاً) الطريق إلى إدلب

السؤال المطروح بإلحاح اليوم هو: كيف ستتم استعادة إدلب، وأي خارطة للحل أو التسوية يمكن أن تبحث عنها مختلف الأطراف حول إدلب، وما هي التفاهات والالتزامات والمكاسب المحتملة؟

سوف تركّز المداولات حول إدلب على التوصل إلى تسوية أو استعادة تدريجية لـ«إمارة إدلب» بأقل قدر ممكن من الأعمال العسكرية. ولو أن الأمور لن تُحلّ بأسرع ممّا حدث في الغوطة ودرعا والقنيطرة. وقد تشهد إدلب أعمالاً عسكرية أكبر نسبياً ممّا كان في المنطقة الجنوبية، بسبب كثافة عدد وعدّة الجماعات المسلّحة في «الإمارة»، وما لإدلب من رمزية جهادية وتكفيرية من الصعب تفكيكها أو تجاوزها.

ومن الأفكار المطروحة بهذا الخصوص أن يتم وقف العمليات العسكرية، وعودة الخدمات العامة، والبنية التحتية، وفتح الطرق الرئيسية أمام حركة الناس والسلع، وتشجيع عودة اللاجئين، وأن تتسلم تركيا السلاح الثقيل من المسلّحين، فيما تضمن روسيا ألاّ يقوم الجيش السوري بعمليات عسكرية كبيرة. ولكن نقطة الاعتراض الرئيسة هنا هي أن تركيا تحاول بذلك إقامة "إدارة مدنية" وتشكيل الجماعات المسلحة في "جيش" تحت إشرافها، وهذا يمثّل مصدر تهديد كبير، في ضوء الأطماع الواضحة لتركيا في الجغرافيا السورية.

 

وإذا سارت الأمور في إدلب على غرار ما جرى في المنطقة الجنوبية، حسب تقديرات السفير الروسي بدمشق ألكسندر كينشاك، فمن المرجّح أن يتم العمل بالتوازي على:

  • فتح أبواب المصالحات والتسويات، في ضوء «خبرة» تجارب الغوطة ودرعا والقنيطرة وغيرها.
  • التعاطي مع مناطق إدلب والمجموعات المسلحة بشكل منفصل، خلافاً لما تحاوله تركيا.
  • مواصلة الأعمال العسكرية ضد مواقع المجموعات المسلحة الرافضة للتسوية.
  • البدء بعمليات عسكرية لاستعادة مناطق جنوب إدلب، مثل جسر الشعور والأجزاء الشمالية من سهل الغاب، والمناطق الجبلية غرب وشمال غرب إدلب المحاذية للاذقية وريف اللاذقية الشمالي المتاخم للواء اسكندرون. 
  • التأكيد على حدوث عمليات عسكرية كبيرة سوف تكون تكلفته عالية، ومن الممكن أن يؤدي إلى عدد آخر من اللاجئين.
  • ان المعضلة الرئيسة أمام عملية مُيَسَّرَة في إدلب تكمن في مصير المسلحين الرافضين للحل، وخاصة المصنّفين إرهابيين، وكيفية "تدوير" ذلك العدد الكبير منهم، وخاصة غير السوريين. 

وسوف تحاول تركيا أن تضع خطة للاستجابة تأخذ بالاعتبار النقاط الرئيسة التالية:

  • إعداد الجماعات المسلحة لأن تكون قوة موحّدة، يمكن استخدماها للمواجهة أو للمساومة.
  • تطمين «الإمارة» من أن تركيا تحاول تجنيبها وطأة عملية عسكرية واسعة.
  • احتواء أو تفادي موجة لاجئين جديدة.
  • التفاوض حول العلاقة بين دمشق و(كردها)، وضبط أي تداعيات محتملة على تركيا نفسها أو ورهاناتها في سوريا.
  • معالجة مشكلة ما يزيد عن 50 ألف مسلح من مختلف بلدان العالم.
  • الريوع أو الأثمان الاقتصادية للموقف السياسي؛ وثمّة تقديرات بأن شركات تركية بدأت منذ بعض الوقت بتسجيل نفسها في روسيا وإيران وربما في الصين، تمهيداً لمرحلة إعادة الإعمار في سوريا.

رابعاً) دمشق-القامشلي: أي أجندة ممكنة؟

عندما قال الرئيس بشار الأسد انه سوف يتعامل مع قوات سوريا الديمقراطية بوصفها "المشكلة الوحيدة المتبقية" في سورية، وذلك عبر خيارين: هما "المفاوضات" أو "القوة"، حتى بوجود القوات الأمريكية، فقد وضع الإطار العام للأجندة المفترضة بين دمشق والكرد، وهو الحوار أولاً، وإن لم يكن فالحرب؛ ليس الحرب ضد الكرد بوصفهم كرداً إنما بوصفهم، (من كان منهم)، ورقة بيد واشنطن. وعندما قال الأسد إن واشنطن سوف تخرج من شرق سوريا، سلماً أو مواجهةً، فهذا كلام موجّه للكرد أيضاً، وربما قَبْلاً، بمعنى: لا تأمنوا لحماية واشنطن، لأنها ستغادر عاجلاً أم آجلاً، وليس أمامكم إلاّ دمشق.

بعد اتفاق واشنطن وأنقرة على خارطة طريق خاصة بمدينة منبج، والتي "سوف تُطبَّق على مُدن أُخرى"، كما قال وزير الخارجية التركي جاويش أوغلو، أخذت مدارك الكرد بالتَغَيُّر، ذلك أن المظلّة الأمريكية ليست آمنة كفاية، بل أخذت تتحول إلى تهديد، ولكنهم لا يقوون على رفع الصوت، إذ إن سيف "داعش" وأردوغان مسلط عليهم.

إن الخيار الرئيس الممكن أمام الكرد –بافتراض قراءة عقلانية للأمور- هو فتح باب الحوار مع دمشق، التي لم تغلقه أساساً، وتغيير الرؤية والنمط؛ إذ ان الباب المذكور لم يعد باباً للضغوط والابتزاز والمساومات، كما كان سابقاً. وعند يفعل الكرد ذلك، فسوف يتحرّرون من مأزق بالغ الخطورة من جهة: الولايات المتحدة – تركيا – داعش والتنظيمات الإرهابية – كرد شمال العراق.

تحاول واشنطن أخذ الكرد رهينة أحلامهم ومخاوفهم. لكن التطورات كانت صادمة لهم. لا الأحلام تحققت ولا المخاوف زالت. وثمّة في دمشق من يرى أن الحوار قد يحرّرهم مما هم فيه، ويساعدهم على العودة إلى الواقع، ويشجّع التيار السوري ضمنهم، ذلك أن فيهم تيارات وتوجهات مختلفة، وليسوا تياراً أو خطاً واحداً.

ويمكن الحديث عن الإطار الممكن لـ "أجندة ممكنة" بين الطرفين، يمكن تركيزها في النقاط الرئيسة التالية:

  • الوحدة الكيانية والجغرافية لسوريا.
  • فك ارتباط الكرد بالتحالف الدولي الأمريكي وبأي مشروعات إقليمية أخرى مطروحة.
  • أولوية الحل السياسي.
  • التوافق ما أمكن على السياسات العامة لسوريا لما بعد الحرب.

وأما ما له أولوية لدى الكرد، فهو:

  • الضمانات السياسية والأمنية، بما في ذلك "الدفاع الذاتي" أو "المحلي"، ويمكن أن تكون روسيا وإيران ضامنتان!
  • المداولة في القضايا الأكثر أولوية، مثل: الدستور وطبيعة النظام السياسي والإداري، بما في ذلك قوانين الأحزاب والجمعيات والانتخابات، وإعادة تشكيل إداري لبعض المناطق والمحافظات.
  • التنمية المتوازنة أو العادلة.
  • الحقوق الثقافية واللغوية، بما في ذلك قضايا التعليم والنشر والإعلام.
  • جبْر الخاطر أو ما يُعرف بالتعويضات المادية والمعنوية لمتضرّري الحرب.
  • تفكيك عوامل الاحتقان،القديم منها والجديد، ورفع المظالم حيث وُجدت.

قد يكون لدى الكرد أحلام أو أوهام كيانية وضعتهم في مواجهة دمشق، غير أن تفكيكها أو احتواءها لا يكون بالعنف، وإنما بالسياسة والشراكة والتنمية والديمقراطية. والأفضل للكرد هو العودة إلى مقولات الزعيم عبد الله أوجلان عن الدول التعددية والإقليم التعددي الديمقراطي؛ وقد تكون دمشق أقرب لقبول هذا المنطق؛ وهذا الطرح يمثّل أجندة حوار مشترك، وحتى لا يكون الطرفان، دمشق وكردها، أبطال الفرص الضائعة أو المُفوَّتَة.

خامساً) الدستور السوري الجديد!

مثلما أن العمليات العسكرية تطورت عن طريق الممارسة، كذلك الأمر بالنسبة للصراع على الدستور. ومن الأسئلة المطروحة اليوم: أي إطار مرجعي لعملية الدستور، وأي منوال له؟

ألم تطل الحرب معاني النظام الدستوري وحتى مفاهيم النخب والهوية والدولة والمجتمع وتداول السلطة والأحزاب وكلّ ما يتصل بالسياسة؟ وما هو موقع اللاجئين ومفاهيم الهوية والمواطنة والمشاركة في عملية صناعة الدستور؟

ـ أي عملية لصناعة الدستور في مجتمعات الحرب؟ وألا يمثّل ذلك تظهيراً لتوافقات وتوازنات أو لا توازنات الحرب نفسها؟ وهل ينبغي أن تكرس العملية إرادة الفائزين بالتمام، أم تراعي ضرورة خلق ميزان وعقد اجتماعي وعقد دستوري جديد؟ وما هو دور الخارج والآخر في عملية الحل أو التسوية، وما هو دورهم في عملية الدستور؟ وأي علاقة للعملية في فهم طبيعة البلد ما بعد الحرب؟ ألا يجب أن يتم التوصل إلى توافق على الانتقال للسياسة، وبناء السلام، ثم يأتي بعد ذلك بناء الدستور؟

ماهي الأسئلة الكبرى والاشتراطات الكبرى خلف عملية صناعة الدستور؟ هل يخاف الفائزون من عودة «الإسلامويين» التكفيريين فيضعوا حدوداً وشروطاً تحول دون عودة الحرب من باب الأسلمة والمذهبة والتطييف وأي ذرائع للتغلغل الخارجي؟

ـ هل يخاف المعارضون وحلفاؤهم من تمركز السلطات والموارد وعوامل القوة والقرار ، فيحاولون الحيلولة دون ذلك (التمركز)، ومن ثمّ بناء دولة أقل مركزية؟ وإلى أي حدٍ يمكن أن تتمفصل إرادة عدم التمركز لدى هؤلاء مع إرادة الخارج الذي لا يريد عودة دولة مركزية في البلد؟

كل ما سبق يتعلق بنوع التسوية التي تعني بالطبع نوع الدولة المراد بناؤها في سورية، وعندما تفكر الدول في الدستور فهي تفكر في محدّدات السياسة والدولة في سورية، ولابد أنها تعمل ما أمكنها على فرص تصوّرها للدولة التي تريدها أو تريد أن تتعامل معها في المستقبل؛ ومن ثم فإن مؤيدي دمشق ربما يريدون دولة معدّلة عمّا كانت عليه قبل الحرب؛ أي أكثر ثباتاً من جهة، وأكثر قدرة على احتواء مصادر التهديد من جهة ثانية. أما خصوم دمشق، فيريدون دولة مختلفة بالتمام إن أمكن؛ وإن لم يكن، فدولة أقل صلة بما كان قبل الحرب وأقل قدرة على إثارة المتاعب!

* الدولة المطلوبة في سورية هي دولة مستقرة بما يكفي في الداخل، ولكن غير قادرة على مباشرة طموحات خارج حدودها، أو مباشرة أو محاولة التأثير في الخارج، ودولة مصمّمة بحيث تكون مفخخة بالعنف، ومن الصعب على أي إيديولوجية أو كتلة اجتماعية أن تعيد النظر في السياسة، أو أن تعيد النظر في موقف وموقع الدولة في النظام الإقليمي والعالمي؛ وإذا ما فكرت فواعل أو قوى بذلك، فهذا يعني تجدد الصراع داخل الدولة نفسها. ومثال العراق ولبنان يمكن أن يساعدا في توضيح المقصود.

*من الملاحظ أن مقترحات الدساتير متشابهة إلى حد كبير. ما تطرحه المعارضة، وما تطرحه مراكز الأبحاث، وما سبق أن طرحته روسيا وتحدثت فيه إيران، يكشف أن ثمة نمطية عامة يشعر أطراف كثيرون أنها موائمة، وهي عادة على تأخذ من تجرتبتين أو نمطين عامين: الأول هو التجربة الغربية، وما يعتقد الغرب أنه منسجم مع معايير الديمقراطية والمشاركة؛ والثاني هو تجارب الغرب بالذات في "بناء الدول" ما بعد الحرب؛ وهنا نجد تجارب بناء الدول بعد الاحتلال الأمريكي، كما حدث في أفغانستان والعراق؛ وثمّة تجارب البناء التي تولّتها أو شاركت فيها الأمم المتحدة، كما في البوسنة وتيمور الشرقية وعدد من الدول الإفريقية التي شهدت حروباً داخلية.

* يمكن تهيئة المجتمع ليبدو الدستور مطابقاً لطموحاته وتطلعاته، مثلما يمكن تهيئة المجتمع ليرى الدستور نفسه بدعة أو ضلالة، وأن المطالبين به مبتدعون وضالّون، كما في المملكة السعودية. والدساتير قد توضع في "الخرج"، كما في نص مسرحي لـ محمد الماغوط، إذ يمكن تصميم النظم السياسية وديناميات الحكم ليبدو كلّ شيء دستورياً!

خاتمة

يتراجع البعد السوري في الأزمة، مقابل تزايد حضور العامل الدولي والإقليمي بأكثر ممّا كان سابقاً، وتراجع المواجهات والمعارك الكبيرة، فيما تزداد حساسية ومخاطر المرحلة القادمة. وهي مخاطر من طبيعة مختلفة؛ وثمّة مخاوف من أن المعركة المقبلة ربما تكون أكثر خطورة، وخاصة أنها تتعلق بطبيعة الدولة وهوية التكوين الاجتماعي والسياسة الخارجية لها، وموقع وموقف سوريا من قضايا الإقليم والعالم.

 

2018-08-11 13:12:42 | 166 قراءة

التعليقات

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية