التصنيفات » منتدى باحث

مناقشة كتاب (وجوه واسرار من الحرب اللبنانية) للاستاذ نبيل المقدم

(وجوه وأسرار من الحرب اللبنانية)

عقِد في مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية، بتاريخ 9/11/2018، منتدى باحث للقراءة، لمناقشة كتاب الإعلامي والكاتب نبيل المقدّم، وذلك بحضور النائب السابق محمد قباني، وعدد من الطلاّب والطالبات الجامعيين.

وبعد تقديم من الأخت بشرى سبليني، منسّقة المنتدى، بدأ الأستاذ المقدّم كلامه بتوجيه الشكر لإدارة مركز باحث للدراسات، لإتاحتها الفرصة له للالتقاء بشباب وشابات يهتمون بالقضايا السياسية والثقافية في هذا الزمن الرديء.

 

وأضاف: الحرب الأهلية اللبنانية، وما أدراك ما هي الحرب اللبنانية؛ كلٌ يردّها إلى أسباب يراها من منظاره الأسباب الحقيقية لهذه الحرب، ويذهب بعيداً في التفسيرات والتحليلات. ولكن في النهاية الكلّ يتفق على أنها كانت حرباً مدمّرة للبشر قبل الحجر، تقاتلت فيها أطراف كانت على طرفي نقيض وارتكبت أبشع المجازر ذهب ضحيّتها الأبرياء قبل غيرهم. كلّ الحروب لها أبطالها؛ يتصدّرون المشهد ويقودون المعارك ويعقدون صفقات الصلح وينسبون الانتصارات لأنفسهم، ويحمّلون غيرهم مسؤولية الهزائم؛ وفي النهاية يحصدون هم لا غيرهم المكاسب والمغانم. وفي الحروب أيضاً أشخاص عاشوا دقائق الحرب، وكانوا طوال الوقت في عين العاصفة وشاركوا في صنع الحدث؛ ولكنهم في النهاية خرجوا من المشهد حاملين أسرار الحرب، مؤثرين الصمت على الكلام. وإلى الفئة الثانية توجّهنا في هذا الكتاب.

يقول الوزير والنائب السابق إدمون رزق في مقدّمة الكتاب «الصمت علّة قاتلة». هذا الصمت هو ما حاولنا اختراقه في هذا الكتاب. ستة عشر شخصية حزبية وسياسية وعسكرية كانت على طرفي نقيض طوال الحرب، خرجت من الضوء إلى الظل بعد انتهاء الأحداث، حاملة معها الكثير من أسرار الحرب وتفاصيلها. يقول الكاتب الكبير «سعيد تقي الدين» إن أهم ما في البناء أساسه الذي لا يُرى. وأنا أقول إن أهم ما في الحرب اللبنانية هي أسرارها التي لم تُكشف بعد، والتي حاولنا في هذا الكتاب (وسنحاول في كتب قادمة) أن نكشف منها قدر المستطاع، وذلك لأخذ العبر والتعلم وعدم الوقوع في التهلكة مرّة أخرى.

بعضنا في عمله يذهب إلى المراجع ويبحث في الوثائق والملفات؛ وبعضنا يذهب إلى المصادر؛ وهذا ما حاولته في هذا الكتاب. أي توثيق الحدث كما عاشه صانعه، وعلى مسؤوليته الشخصية.

في شهادة هؤلاء الأشخاص نقف على الكثير من الأحداث والحقائق غير المعلومة للرأي العام، ولكن هناك خلاصة جامعة لها، وهي أن لبنان لم يكن ساعياً منذ نشأته لقيام دولة قوية وعادلة، ولديها مقوّمات السيادة والاستقلال وتنمية القدرات البشرية والاقتصادية.

ففي كلّ مفصل وحدث من هذه الأحداث نرى التدخلات الخارجية تؤدّي دوراً أساسياً في مسار الأمور، حيث تبرز صراعات المصالح الخارجية. ولم تتمكن الدولة على مدى عقود من تطوير بُنية لبنان من طائفية ومذهبية تتناحر على مصالحها ونفوذها إلى رحاب المواطنة والانتماء إلى وطن جامع لكلّ أبنائه، ومساوٍ بينهم، وملتزم بتحقيق العدالة الاجتماعية.

سأحاول في كلمتي أن أشير إلى بعض المواضيع التي تضمّنها الكتاب، وأقدّمها من خلال عنوانين هما: إفادات العسكريين وما واجهوا في هذه الأحداث، ومن ثمّ إفادات المدنيين والسياسيين والحزبيين منهم.

فعلى الصعيد العسكري، هناك جامع مشترك بين الجميع على وجود صراعات مع السلطة السياسية، وتجاذب داخل المؤسسة العسكرية، وارتباط العديد منها بقوىً غير لبنانية، تؤمّن لها الدعم وكذلك التوجيه في الحركة والموقف.

ففي قراءتنا لقائد الجيش العماد إبراهيم طنّوس، تبرز حالة اللاثقة بين الرئاسة وقيادة الجيش، ممّا أدى إلى صدامات واتهامات داخل المؤسسة العسكرية، ومنها التشكيك بطموحات طنّوس للوصول إلى رئاسة الجمهورية.

وفي حديث الضابط أحمد الخطيب، نرى حالة التفكك والفئوية داخل الجيش، بسبب فئويات مذهبية وطائفية ومداخلات القيادة الفلسطينية لتعميق حالة الانشقاق والتشرذم ودعمها، نتيجة عدم الثقة بالقيادة التي شعر الفلسطينيون أنها مستهدفة؛ وقد كان للفلسطينيين دور في استدراج الليبيين والعراقيين لدعم حركة أحمد الخطيب لتعزيز دوره.

أما الضابط رياض تقي الدين، فقد أشار إلى مسؤولية للجيش في إشعال الحرب الأهلية، بسبب فئويته في التعاطي مع الشعب، ودعم وتسليح الميليشيات الانعزالية في حينها، ممّا زاد من حدّة ظاهرة أحمد الخطيب.. كما عرض لمعركة سوق الغرب والهجوم على القصر الجمهوري.

الضابط هشام جابر لفت إلى التجاذب داخل المؤسسة العسكرية ورئاسة الجمهورية، ودعم السعودية بالسلاح لحزب الكتائب؛ كما أشار إلى تدخل الخارج في انتخابات المجلس النيابي.

وتحدث أمين عام مجلس الدفاع الوطني العميد نبيل قريطم عن التفاوض حول الانسحاب الفلسطيني من لبنان، بعد الاجتياح الإسرائيلي وحصول مجزرة صبرا وشاتيلا، والتواطؤ الأميركي، وتقاعس الجيش، والتنسيق بين الإسرائيليين و«القوات اللبنانية». والملفت أن ياسر عرفات ربط حينها الانسحاب الفلسطيني من لبنان بالانسحاب السوري.

العقيد لطفي جابر أشار إلى الغارة الإسرائيلية على مطار بيروت، ومواجهة عناصر أمن المطار لها، ممّا دفع بقيادة الجيش لتوجيه اللوم له على هذه المواجهة، لعدم وجود أمر بذلك... كذلك أشار إلى دخول قوات الردع العربية، ومنع الدول الكبرى من تمركز قواتها بالقرب من الحدود مع «إسرائيل»، والسعي الأميركي لإثارة التناقض مع قوات الردع، وعقد اتفاق السابع عشر من أيار، ودعوة المعارضة، خاصة الرئيس نبيه برّي، إلى تمرّد الجيش.

أما الضابط شريف فيّاض، فقد كشف في مداخلته عن تدخل المكتب الثاني في الحياة السياسية في لبنان، خاصة في الشمال، وفي جبيل بمواجهة ريمون إدّه.. وعندما علم بأن الجيش يعدّ نفسه لقصف الشوف، ترك الجيش والتحق بالزعيم كمال جنبلاط، وشارك في «حرب السنتين».

كذلك عرض فيّاض لدخول السوريين معركة صوفر وتواطؤ الفلسطينيين، وبعدها الحوار الذي حصل مع السوريين والتفاهم الذي نتج عنه...

عام 1982 حصل الاجتياح الإسرائيلي، واندلعت معارك ضارية في الجبل مع القوات السورية، حيث منع السوريون الإسرائيليين من الوصول إلى المديرج لقطع طريق بيروت. وقد استغلّت قوات الجبهة اللبنانية هذا الاجتياح، فافتتحت لها مكاتب في الجبل، ونشرت حواجزها لتقطيع الأوصال بين القرى الدرزية؛ فيما أدّى الجيش دوراً منحازاً إلى جانب «القوات اللبنانية»، التي حاولت السيطرة على الشحّار من جهة، وعلى صوفر والجرد من جهة ثانية؛ إلاّ أن مقاومة أهل الجبل ودعم الجيش السوري بقصف «القوات» والجيش اللبناني، ودعم الحزب الاشتراكي بالسلاح، مكّن الجبل من الصمود والانتصار؛ وكذلك تمّ حصار دير القمر.

على صعيد إفادات السياسيين، برز دور للأستاذ رياض رعد كضابط ارتباط بين القيادتين اللبنانية والسورية. كما أدّى دوراً خاصاً في العلاقة بين دمشق وكمال جنبلاط، ومن ثمّ مع وليد جنبلاط.

أما الأستاذ شارل غسطين، فقد تحدث عن علاقات الأحزاب المسيحية مع بعضها، والتوترات والمعارك التي حصلت بينها، وصراعها على السلطة.. فيما تحدث الأستاذ فؤاد أبو ناضر عن عداء «الجبهة اللبنانية» للفلسطينيين، ومحاولة تحجيم دورهم وحصارهم. كما سلّط الضوء على الصراعات داخل حزب الكتائب، خاصة بين أمين الجميّل وشقيقه بشير؛ وأضاء أيضاً على العلاقة مع «إسرائيل» التي شهدت مداً وجزراً؛ ومعارك الأشرفية ضد الجيش السوري. وتحدث عن معركة الصفرا ومحاولة بشير الجميّل الاستئثار بالقيادة، وصولاً إلى أحداث زحلة.. كما سلّط الضوء على الصراعات داخل «القوات اللبنانية» على السلطة، وكذلك مع أمين الجميّل، ومسألة اتفاق السابع عشر من أيار.

الأستاذ عمر مسيّكة عرض لمرحلة من عهد فؤاد شهاب، وخاصة تسلّط المكتب الثاني على مختلف الإدارات، واستمرار هذا الوضع إلى مرحلة سليمان فرنجية. وتوقف عند التحريض الأميركي على الفلسطينيين تمهيداً للحرب اللبنانية، وربط الوجود الفلسطيني بالاعتداءات الإسرائيلية.

بعد اغتيال بشير الجميّل، شهدت البلاد تصعيداً عسكرياً، ممّا أطلق مبادرات عربية، خاصة سعودية، وعقد مؤتمر الحوار في جنيف أواخر 1983، والذي تطرق إلى عنوانين؛ هوية لبنان واتفاق السابع عشر من أيار؛ ثم عقِد مؤتمر لوزان عام 1984 ، وكاد ينفجر بسبب تصعيد موقف «الجبهة اللبنانية» بوجه السوريين، حيث أدّى كميل شمعون دوراً في التهدئة، وعقِد لقاءٌ بين الرئيس أمين الجميّل والرئيس حافظ الأسد؛ وتمّ تكليف الرئيس رشيد كرامي بتشكيل الحكومة، فزار السعودية التي وعدت بتأمين الدعم..

وتحدث الأستاذ عصام نعمان عن سوء الإدارة في الحكم، ودوره في تفعيل الحركة الوطنية إلى جانب جنبلاط الأب والابن. كما نوّه بعهد الرئيس إميل لحود ومواقفه الوطنية والأخلاقية.

وعرض الأستاذ جوزيف الهاشم للخلاف الذي حصل داخل حزب الكتائب بين تيار بشير الجميّل الداعي إلى العلاقة مع «إسرائيل»، وتيار بيار الجميّل وإدمون رزق وجوزيف الهاشم، المحذّر من هكذا علاقة لأنها سوف تسيء إلى المسيحيين في المحيط العربي.

وتمهيداً لذلك، تم لقاء بين بيار الجميّل والرئيس السوري حافظ الأسد، عام 1976، حيث أكد الأسد على طمأنة المسيحيين. ورغم إصرار تيار بشير على العلاقة مع «إسرائيل»، استقبل الرئيس الأسد بشير لطمأنته؛ ولكنه بقي مراهناً على العلاقة مع «إسرائيل».

وقد رفض المسلمون ترشيح بشير لرئاسة الجمهورية، فنصحه الأميركيون بزيارة السعودية. ليعود منها بخطاب «معتدل».

كما أشار الأستاذ جوزيف الهاشم إلى دور الإسرائيليين في فتنة الجبل، وقصف مناطق مسيحية ودرزية لإذكاء هذه الفتنة، في ظل زيادة حدّة الصراع بين بشير وأمين الجميل.

وأخيراً، نتساءل بعد هذا العرض الموجز لبعض أسرار الحرب اللبنانية:

إذا كانت الخلافات الداخلية المذهبية والطائفية، وسوء الإدارة، والتدخلات الخارجية، خاصة الإسرائيلية، قد أذكت نار الحرب الأهلية في لبنان، وأعاقت تقدّمه ونهضته، فماذا تعلّمنا من دروس تلك الحرب، وأين نحن اليوم؟!

إن الصراعات المذهبية والطائفية ما زالت قائمة، بل هي زادت حدّة، خاصة بعد بروز الأصولية و«الداعشية»، وما يحصل في دول الجوار وانعكاسه على الوضع الداخلي، ممّا جعل الانقسام الشعبي عمودياً وينذر بالفتنة؛ والإدارة اللبنانية زادت سوءاً وفساداً عمّا كانت عليه عشيّة وخلال الحرب الأهلية.

كما تنشط الإرادات الخارجية في التدخل بشؤوننا؛ والعديد منّا ما زال ولاؤهم لها أكثر من ولائهم لوطنهم.. والوضع الاقتصادي سيّئ إلى درجة الإفلاس.. فهل ستجنّبنا كلّ هذه العوامل الحرب الداخلية في وقتٍ يزداد الخطاب السياسي تشنجاً واتهامات خطيرة متبادلة..

أما آن الأوان للخروج من هذه الوضعية القاتمة التي نعيش فيها، للانتقال إلى عقد مؤتمر وطني نتصارح فيه حول مجمل القضايا، ونتحاور على قاعدة إنقاذ لبنان ممّا هو ذاهب إليه!!!

ألا يمكن لنا، رغم التنوّع والخلاف على المصالح، أن نتوحد حول قضية الانتماء الوطني، وتعزيز المواطنية، بدل التشرذم والتمزّق الذي أفرغ الدولة والوطن من مضمونها، وجعل أجيالنا الطالعة تقف على رصيف الأوطان الأخرى لتأمين مستقبلها!!!

 

 

2018-11-12 09:15:18 | 201 قراءة

التعليقات

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية