التصنيفات » مقالات سياسية

ما تأثير تصنيف الحرس الثوري كـ"منظمة إرهابية" على المتغيرات السياسية في الشرق الأوسط؟

د.محمد عباس  
   يندرج قرار الرئيس ترامب بإدراج فيلق الحرس الثوري الإسلامي الإيراني (IRGC) بتاريخ 8 ابريل 2019 (1) ، في قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية غير مثير للجدل من منظور السياسة الداخلية للولايات المتحدة ولكن هناك أسباب وجيهة ينبغي ان إدراكها في عواقب هذا القرار ،ونحن نتناول خطوة غير مسبوقة تتمثل في تصنيف فرع كامل من جيش دولة ذات سيادة كمنظمة إرهابية.
  منذ عام 1993 ، قامت الحكومة الأمريكية باللجوء الى تسمية منظمات إرهابية أجنبية أكثر من 60 مرة، ضمن الجرائم الفيدرالية ، التي يعاقب عليها بالسجن لمدة تصل إلى 20 عامًا ، من خلال تقديم الدعم المادي لهذه الجماعات.

     لاقت فكرة الإدراج بعض الدعم من الحزبين الجمهوري والديمقراطي منذ سنوات،حيث أشار المسؤولون الأمريكيون إلى أنه في عام 2007 ، وقع كل من السيناتور باراك أوباما وهيلاري كلينتون مشروع قانون يحث الرئيس جورج بوش على تعيين الحرس الثوري كمنظمة ارهابية ،لكن بمجرد انتخاب الرئيس ، تراجع أوباما عن هذا الموقف ، وخلص إلى أن التوصيف سيخلق مخاطر أكثر من غاياته .
  في هذا المسعى تبحث إدارة ترامب عن طرق جديدة لزيادة الضغط الاقتصادي والسياسي على النظام في طهران ،وهذا التصنيف يمثل المرة الأولى التي تصف فيها واشنطن كيان حكومي أجنبي بمجموعة إرهابية ،على الرغم من تحذيرات من مسؤولي الجيش والمخابرات الأميركيين من أن الدول الأخرى يمكن أن توظف هذا الاجراء كسابقة ضد إعمال تستهدف التواجد الأمريكي في الخارج (2) .
  ويأتي هذا الإعلان قُبيل الانتخابات الإسرائيلية التي يسعى فيها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى فترة ولاية خامسة من خلال إبراز علاقاته الوثيقة بإدارة ترامب والوعود المتشددة بمحاربة تهديد السلوك الإيراني في جميع أنحاء الشرق الأوسط (3) .
    وبين الرئيس ترامب في بيانه "أن هذا الإجراء يبعث برسالة واضحة إلى طهران مفادها أن دعمها للإرهاب له عواقب وخيمة"،سنستمر في زيادة الضغط المالي ورفع التكاليف على النظام الإيراني لدعمه للنشاط الإرهابي حتى يتخلى عن سلوكه الخبيث الخارج عن القانون".
   وبين المسؤولون الأمريكيون منذ فترة طويلة إن هيكل الحرس الثوري الغامض والمسؤوليات البعيدة المدى يمثلان قناعًا للأنشطة الإرهابية التي تهدد الإسرائيليين والأوروبيين والقوات الأمريكية ،حيث سبق ان نوقش قرار التوصيف هذا منذ سنوات، لكن الإدارات السابقة امتنعت عن اتخاذ هذه الخطوة بسبب المخاوف من أن الدول الأخرى يمكن أن تستهدف بالمثل وكالات الأمن القومي الأمريكية ، مما يعرض المسؤولين الأميركيين والعسكريين للخطر.
تستمر هذه الخطوة في موقف الإدارة الأمريكية العدواني تجاه إيران ، والذي يتضمن الانسحاب الأمريكي من الصفقة النووية لعام 2015 مع طهران،حيث حذر منتقدو الرئيس ترامب من أن الإدارة الأمريكية تغازل لصراع عسكري محتمل في المنطقة.

 ردود فعل على القرار الأمريكي وتأثيره
    من جانبه أدانت الحكومة الإيرانية على الفور هذا التصنيف يوم 9 نيسان وزعمت أنه تم القيام به لتعزيز فرص نتنياهو الانتخابية، حيث غرد وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف ( هدية أخرى مضللة عشية الانتخابات الاسرائيلية لنتنياهو) .
  كما أصدر قائد الحرس الثوري الإيراني محمد علي جعفري تهديدًا ضمنيًا ضد القوات الأمريكية في الشرق الأوسط، ونقلت وكالة فارس للأنباء عن الحرس الثوري الإيراني قوله: "بهذا الغباء ، لن يكون للجيش وقوات الأمن الأمريكية تهدئة اليوم في منطقة غرب آسيا".
كما رد المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني يوم 9 نيسان بتصنيف "حكومة الولايات المتحدة كداعم للإرهاب والقيادة المركزية ، وجميع قواتها المنتسبة ، كمجموعات إرهابية" ، حسبما ذكرت وكالة أنباء الجمهورية الإسلامية الإيرانية .
  إن هذا التصنيف سيدخل حيز التنفيذ في 16 أبريل ، حيث سيسمح لإدارة ترامب بالسعي لعقوبات جنائية ضد عناصر من الحرس الثوري والمسؤولين الأجانب الذين يُعتقد أنهم تربطهم بها علاقات وكذلك يسمح لواشنطن بحظر السفر إلى الولايات المتحدة للأفراد المرتبطين بالحرس الثوري  .
إن هذه الخطوة قد تكون لها عواقب متعددة من بين الاحتمالات : أن تبدأ كل من روسيا والصين في تعيين وكالات أمريكية لتوجيه عقوبات اليها ، أو أن العراق يمكن أن يقع في مأزق مزدوج ، لأنه يعتمد في توريد الطاقة الكهربائية من إيران ، بما في ذلك تعاون مع كيانات مرتبطة بالحرس الثوري.
   كما يلقى هذا التوصيف ليضع مسافة أكبر بين سياسات ترامب تجاه إيران وسياسات الحلفاء الأوروبيين الذين ما زالوا جزءًا من الصفقة النووية، بسبب العلاقات الدبلوماسية والتجارية مع إيران.
  على الرغم من أن الحرس الثوري الإيراني له وجود في سوريا والعراق ويتعارض من نواح كثيرة مع المصالح الأمريكية،ومع ذلك ، فإن هذه المنظمة قوة عسكرية تقليدية تم العمل معها في الواقع عندما فرضت الظروف ذلك في محاربة تنظيم داعش على حد وصف الكاتب جيسون رضيان(4)، وربما هذا هو السبب في أن كبار القادة العسكريين ومسؤولي المخابرات يدعون إلى توخي الحذر في هذا الاطار.
 ومن جانب آخر فان الخدمة العسكرية في إيران إلزامية بصورة عامة (مع استثناءات قليلة) لجميع الذكور الإيرانيين، والتحاق المشمولين الخدمة العسكرية في الجهاز العسكري من أجل الوفاء بالتزاماتهم لمدة عامين تقريبًا ليس مسألة اختيارية، والأفضل من حيث الخيارات ان ينتهي بالمشمول بهذا الالتزام ضمن تشكيل الحرس الثوري سواء رغب بذلك أم لا نتيجة الامتيازات الممنوحة لإفراده .
    فما الفائدة إذن من تصنيف مئات الآلاف من الرجال الإيرانيين بأنهم إرهابيون لمجرد أنهم يستوفون شرط الجنسية وقانون الخدمة العسكرية ؟
    يناقش بعض المراقبين بأن هذا التوصيف سوف يسرع من وقوع أعمال إنتقامية من الحرس الثوري، الفرق الرئيسي الآن أن القضايا ذات الاهتمام المشترك (كما في السابق في الحرب ضد تنظيم داعش) لن يكون لها أي تنسيق بل سيتسم بالتعقيد من ذي قبل، كما أن خيارات تخفيف التصعيد في لحظات التوتر بين الطرفين - كما في حالة الأمريكيين المحتجزين في المياه الإيرانية في أوائل عام 2016 - ستصبح أكثر صعوبة.

نتائج التوصيف الأمريكي
   وصفت إدارة ترامب الحرس الثوري الإيراني بأنه منظمة إرهابية أجنبية (5) (Foreign Terrorist Organization) واعتبارًا من 15 نيسان 2019 (6)، وهذا التوصيف يفرض عقوبات جنائية صارمة على جميع الذين يقدمون "الدعم المادي" للمجموعة المسلحة ، وبالتالي ، وفقًا لإجراءات المتابعة التي تتبعها الإدارة الامريكية من المحتمل أن يخلق هذا التصنيف طبقة أخرى من المخاطر لأي شركة أجنبية تنشط في إيران أو تتعامل مع إيران ، حيث يسيطر الحرس الثوري الإيراني على ما يتراوح بين 20 و 40 في المائة من الاقتصاد الإيراني (7).
    ولكي يتم تصنيف أي منظمة ارهابية اجنبية بموجب القانون الأمريكي (8) ، يجب على المنظمة الأجنبية المشاركة في أنشطة إرهابية "تهدد أمن مواطني الولايات المتحدة أو الأمن القومي للولايات المتحدة".
صنفت الولايات المتحدة إيران للمرة الأولى كدولة راعية للإرهاب في عام 1984(9) ،  وخلص آخر تقرير سنوي لوزارة الخارجية الأمريكية عن الإرهاب إلى أن جيش القدس التابع للحرس الثوري الإيراني هو "الآلية الرئيسية" التي تستخدمها إيران لتوفير "دعم للمنظمات المتربطة بها  ، وتوفير غطاء للعمليات السرية المرتبطة بها"(10) ، وخلق عدم الاستقرار في الشرق الأوسط ".
تشمل الهجمات المباشرة للحرس الثوري الإيراني أو محاولات الهجوم على الولايات المتحدة تفجير أبراج الخبر عام 1996 والذي أسفر عن مقتل 19 شخص في المملكة العربية السعودية(11)  ومحاولة اغتيال السفير السعودي لدى الولايات المتحدة في واشنطن العاصمة عام 2011 (12) .
المزيد من التوتر في الشرق الأوسط  ؟
    هذا الاجراء المتخذ من قبل الإدارة الأمريكية يمنع بشكل فعال خليفة ترامب المحتمل من العودة إلى الاتفاق الدولي لعام 2015 الذي يحد من البرنامج النووي الإيراني ، ويعقد أي جهد دبلوماسي لحل الخلافات ، ويغير قواعد الاشتباك في مسارح مهمة كسوريا حيث تعمل القوات الأمريكية والإيرانية على مقربة بعضهم البعض الآخر.
من خلال هذا ، يسعى بعض حلفاء الولايات المتحدة (المملكة العربية السعودية و إسرائيل) إلى ضمان حالة آشبه بالحرب بين الولايات المتحدة وإيران أو على الأقل في حالة عداء دائم.
  حيث من المرجح أن يشجع هذا التوصيف مؤيدي واشنطن على شن حرب سرية أكثر عدوانية ضد إيران تسعى إلى تأجيج الاضطرابات بين الأقليات العرقية بما في ذلك البلوش والأكراد والإيرانيون من أصل عربي.
  إن التحرك الأمريكي والرد الإيراني قد يعرض العسكريين الأمريكيين في منطقة الخليج وفي أماكن أخرى في المنطقة للخطر.
كما من شآن هذا التوصيف استبعاد التعاون الأمريكي الإيراني الضمني على أرض الواقع كما حدث في العراق وفي أفغانستان وشارك في هذا التعاون الحرس الثوري.
بالإضافة إلى المخاطر الجيوسياسية والعسكرية ، فإن التوصيف الأمريكي يزيد من الضغط الاقتصادي على إيران لأن الحرس الثوري الإيراني ليس كيان عسكري فحسب ، بل أيضًا تكتل تجاري له مصالح واسعة في البناء والهندسة والتصنيع.
ومع ذلك من غير الواضح إلى أي مدى ستؤثر العقوبات على الحرس الثوري الإيراني ؟
   فالسياسة الأمريكية ، حتى قبل تسمية الحرس الثوري كمنظمة ارهابية يثير بالفعل شبح سباق نووي في الشرق الأوسط،حيث يزيد هذا الاجراء من فرص انسحاب إيران من الاتفاقية النووية.
   حيث وضعت المملكة العربية السعودية بالفعل اللبنات الأساسية لبرنامجها النووي تحسبا لتخلي إيران عن الاتفاق والعودة إلى مشروع التخصيب الكامل قبل عام 2015.
منذ قيام الثورة الاسلامية في ايران تطور الحرس الثوري ليصبح ركيزة أساسية لاستراتيجية الدفاع الإيرانية التي تسعى إلى مواجهة العمليات التي تستهدف النظام .

خاتمة
     لا مجال للاسترابة ان هذا القرار الامريكي يترك نتائج على البيئة الاستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط، والذي يتوقع له أن يُحدث تغييرات جوهرية في الديناميات الاقليمية والدولية الفاعلة في المنطقة ، وأن يُفضي إلى تحوّلات مهمة على القضية الفلسطينية وتفاعلاتها والتي لن تستطيع ان تنئ بنفسها من هذا القرار والتوصيف الامريكي ، وذلك ربطاً بالتسمية والتوصيف المصاحب لمجموعة من القرارات التي تمس بالصميم منطقة الشرق الاوسط كنقل السفارة الامريكية الى القدس وضم الجولان بقرار احادي الجانب بمخالفة صريحة للشرعية الدولية.
   لقد أصبح الوضع الاستراتيجي الـ(شرق أوسط)، بلحاظ تداخل مصالح الفاعلين فيه؛ من طبيعة مركبة ومعقدة تتحرّك فيها الكيانات الدولية والاقليمية على ايقاع غير منضبط وبنكهة أمريكية بحتة.
   والواقع يُستشرف منه اننا على مفترق طرق تتجاذبه الدعوة الى أقلمة النزاعات  والحلول: إمّا الانزلاق إلى حروب شاملة ذات سمة كارثية؛ وإمّا الانخراط في تسويات غير عادلة وحلول غير متوازنة وفق المقاربة الامريكية – الاسرائيلية .
   الخطوة الأمريكية تتسم بالاستفزازية، كما أنه ستضع دولاً مثل العراق ولبنان في أوضاع أكثر صعوبة حيث ليس لديهم بديل سوى التعامل مع الحرس الثوري،ووفق ما صرحت به باربرا سلافين ، الخبيرة في الشؤون الإيرانية في المجلس الأطلسي بواشنطن ، إن هذه الخطوة ستقوي دعوات الجماعات الموالية لإيران في العراق لطرد القوات الأمريكية.
  كما لن يسفر عن هذا القرار الأمريكي سوى المزيد من التعقيدات في الشرق الأوسط ومزيد من التوترات التي تنعكس على التمسك بحل الدولتين والثوابت الفلسطينية إلى جانب تعزيز صمود الجماهير الفلسطينية في القدس والضفة الغربية وغزة لمواجهة صفقة القرن المشبوهة .
----------------------------------------------
هوامش:

[1]- Statement from the President on the Designation of the Islamic Revolutionary Guard Corps as a Foreign Terrorist Organization, FOREIGN POLICY ,   Issued on: April 8, 2019 .

https://www.whitehouse.gov/briefings-statements/statement-president-designation-islamic-revolutionary-guard-corps-foreign-terrorist-organization/

[2]- Anne Gearan and carol Morello,Trump to designate Iranian military unit as a terrorist group,washingtonpost,April 8 2019.

[3] -  أسفرت نتائج الانتخابات الاسرائيلية عن وصول اليمين المتطرف لقيادة الحكومة في إسرائيل، سواء عبر انتخاب حزب "الليكود" الذي يقوده نتنياهو أو تحالف "أزرق- أبيض" الذي يقوده بيني جانتس،  مع ملاحظة إنحسار أصوات أحزاب اليسار الأسرائيلي وخاصة حزب العمل والقوائم العربية ، ونتائج الانتخابات الإسرائيلية سوف تلقي بظلالها على الحالة والواقع الفلسطيني والتي لن تزيدها الا تعقيدا في ظل وعود نتنياهو بضم المستوطنات إلى السيادة الإسرائيلية تحت مظلة الحماية وقرارات ادارة الرئيس ترامب كنقل السفارة الأمريكية إلى القدس والاعتراف بالسيادة الإسرائيلية عليها والسيادة الاسرائيلية على الجولان المحتل .

[4]- Jason Rezaian,Why listing Iran’s Revolutionary Guard as a terrorist organization is a bad idea,washington post,

April 8 2019 .

[5]- Lesley Wroughton, ParisaHafezi ,In unprecedented move, U.S. names Iran's Revolutionary Guards a terrorist group,Reuters , WORLD NEWSAPRIL 8, 2019 .

[6]- Designation of the Islamic Revolutionary Guard Corps, Fact Sheet ,Office of the Spokesperson ,Washington, DC

April 8, 2019,U.S Department of State .

[7]- EmanueleOttolenghi, SaeedGhasseminejad, Annie Fixler& Amir Toumaj, How the Nuclear Deal Enriches

Iran’s Revolutionary Guard Corps ,FDD PRESS,A division of the FOUNDATION FOR DEFENSE OF DEMOCRACIES

Washington, DC ,October 2016.

[8]- 8 USC 1189: Designation of foreign terrorist organizations .

[9]- Matthew Zweig,U.S. Designates Iran’s Islamic Revolutionary Guard Corps as a Foreign Terrorist Organization,Policy Brief,Foundation for Defense of Democracies,Washington, DC,April 9, 2019 . 

[10]- Chapter 2: State Sponsors of Terrorism , Reports on Terrorism 2017 ,Country Reports on Terrorism 2017.

https://www.state.gov/j/ct/rls/crt/2017/282847.htm

[11]- Jonathan Stempel,Iran ordered to pay $104.7 million over 1996 truck bomb attack: U.S. judge,Reuters, WORLD NEWSSEPTEMBER 10, 2018.

[12]- Department of Justice ,Office of Public Affairs FOR IMMEDIATE RELEASE , October 11, 2011,Two Men Charged in Alleged Plot to Assassinate Saudi Arabian Ambassador to the United States .

 

2019-04-25 15:57:09 | 374 قراءة

مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية