التصنيفات » مقالات سياسية

النّفط العربي في الاستراتيجية الأميركية وتأثيره على الأمن العربيّ

النّفط العربي في الاستراتيجية الأميركية وتأثيره على الأمن العربيّ
دور الثروة النفطية في تهديد أمن الدول العربية

الدكتور علي إبراهيم مطر*

مقدمة
في ظل التحولات التي تطرأ على النظام العالمي الجديد الذي تشكل في ظل تراجع الهيمنة الأميركية، بات الإمساك بزمام موارد النفط والغاز الطبيعي، وأنابيبه وممراته، معياراً أساسياً من معايير القوة الجيوسياسية، فهذه التحولات لم تأت إلا في سياق التبدل في مقومات القوة الاقتصادية والهيمنة العسكرية التي ترتكز على حجر أساس هو الطاقة بشكل عام. وتحتل منطقة الشرق الأوسط مقدمة الصراع الأكثر حماوةً في آليات التشابك بين المحورين الروسي والأميركي. ومن المتوقع أن يزداد التجاذب في هذه المنطقة من العالم وأن تتصاعد وتتكاثر فيها الأزمات أمام تحولها إلى مسرح للصراع الجيوبولتيكي من أجل السيطرة على مصادر النفط أو الاستفادة من أرباحه الطائلة. وليس بعيداً عن هذا الصراع الحرب التي حصلت في سوريا بما تمتلكه من موقع استراتيجي يطل على البحر المتوسط وبامتلاكها ثروة نفطية واعدة، ما جعل الإدارة الأميركية تسارع للسيطرة على مناطقها الاستراتيجية وآبارها النفطية، وبلا مواربة فإن السبب عينه يعد أحد الأسباب الرئيسية التي تجعل الروسي يثبت نفوذه في المنطقة. الأحداث التي مرت بها المنطقة منذ عام 2011 وصولاً إلى يومنا هذا، مع بدء تبدل السلطة في مصر الغنية بالغاز الطبيعي، وصولاً إلى ما حصل في العراق البلد العائم على بحر أسود، مروراً بسوريا الدولة التي تملك موقعاً جيوسياسياً هاماً جداً على كل المستويات، وما يحصل من تنازع في منطقة الخليج ومضيق هرمز في ظل الكباش الإيراني - الأميركي، السعودي - اليمني، فضلاً عن الأحداث الأخيرة في لبنان والعراق عبر "الحراك"، فإن ذلك يدل على أن هذا الاقليم سيشكّل لسنوات قادمة مسرحًا للصراع والتجاذب الجيوسياسي العالمي، وأن دول المنطقة تدور في حلقة من العنف والاهتزازات وبخاصة تلك التي تحتوي إمكانات هائلة من النفط والغاز الطبيعي، وهنا يكمن السؤال الرئيسي الذي يمكن أن نطرحه هو كيف تؤثر هذه الثروة على الأمن القومي العربي؟
أولاً: تقديرات الثروة النفطية العربية
تُعدّ الموارد الطّبيعيّة المصدر الثّاني من مصادر قوّة النّظام العربيّ بعد الموقع الجغرافيّ، حيث تملك المنطقة العربيّة إمكانيات هائلةٍ من هذه الموارد، من حيث الإنتاج أو الاحتياط، فهي تحتلّ مواقع متقدمةً من إنتاج الحديد والفوسفات وغيرها من المعادن التّي تقوم عليها الصناعات الحديثة، وإن كان المورد الأهمّ بينها هو النّفط، إذ تنتج المنطقة العربية 1/3 من نفط العالم، وتضم2/3 الاحتياطيّ المؤكد. تشكّل هذه الثّروة النّفطيّة الموضوع الرئيسي لعلاقات العرب بغيرهم، وهي تعتبر سبباً رئيسياً لتدخّل الدّول الخارجيّة، لتُمارس سلطتها في توجيه العلاقات العربية - العربية والتأثير في مساراتها. كما أنّه يُعتبر عامل قوةٍ تُمكّن من الضغط على قمّة النّظام الدّوليّ من خلال وقف أو تقليل إنتاج البترول أو تصديره، وهذا ما أعطى أهميةً ومكانةً للمنطقة العربيّة في الاقتصاد العالميّ.1
و"قدر احتياطي الدّول العربيّة من النّفط الخام في نهاية 2017 714 مليار برميلٍ مشكلاً نسبة تراجع 0.2% بالمقارنة مع عام 2016. ويمثّل احتياطي الدّول العربيّة في العام 2017 من النّفط الخامّ نحو 49 % من الاحتياطي العالميّ البالغ 1460.8 مليار برميلٍ. كما شهد احتياطي الغاز الطبيعي في عام 2017 انحفاضاً طفيفاً بالمقارنة بعام 2016 أيّ بنسبة 0.4% ليصل إلى 54.2 تريليون مترٍ مكعبٍ، مشكلاً نسبة 27.5% من الاحتياطيّ العالميّ. وعلى صعيد إنتاج النّفط الخامّ وسوائل الغاز الطبيعيّ، فقد بلغ إنتاج الدول العربيّة في عام 2017 نحو 28.6 مليون برميلٍ يومياً".2
وقدر "احتياطي الدّول العربيّة من النّفط الخامّ التّقليديّ في نهاية عام 2016 بحوالي 716 مليار برميلٍ، أي ما يمثل نحو 56 %من الاحتياطيّ العالميّ. وبلغ احتياطي الغاز الطبيعيّ في الدول العربيّة في عام 2016 نحو1.54 تريليون متر مكعبٍ، مشكّلاً نسبة 27.6% من الاحتياطيّ العالميّ. وقد بلغ إنتاج الدّول العربيّة من النّفط الخامّ وسوائل الغاز الطبيعيّ في عام 2016 نحو9.28 مليون برميلٍ يوميًا، وفيما يتعلق بإنتاج الدّول العربيّة من النّفط الخامّ فقط ، فقد بلغ 24.6% مليون برميلٍ يومياً مرتفعاً بنسبة 2.9% مقارنةً بالعام 2015، ومشكلاً نحو 31.2% من الإنتاج العالميّ".3 وقد ارتفعت احتياطات النفط الخامّ في الدّول العربيّة من 711 مليار برميلٍ عام 2012 إلى 716 عام 2016. "وتتركز معظم الاحتياطيات المكتشفة من النّفط في العالم العربي في منطقة دول الخليج العربية، حيث تضمّ 74.5% من إجمالي الاحتياطيات المكتشفة والقابلة للاستخراج. ويُعدّ هذا الإقليم من أكبر الأقاليم النّفطيّة في العالم، حيث يزيد إجمالي الاحتياطيات المكتشفة والقابلة للاستخراج عن 700 مليار برميلٍ تتوزّع بين السّعودية والكويت والإمارات وقطر والبحرين وجنوب العراق وشرق سوريا، بالإضافة إلى مخزون الغاز الذّي يُقدّر بنحو 4000 ترليون قدمٍ مكعبٍ".4 ويصلّ احتياطي الدّول العربيّة مجتمعةً إلى نصف احتياطيّ العالم، وذلك بحسب إحصاءات العام 2017.5 ويمكن أخذ العراق كأنموذجٍ، الذي يمتلك احتياطاً نفطياً ضخماً، وهذا ما شكّل محور أطماع الولايات المتّحدة الأميركيّة، التّي قامت بغزوه عام 2003، هذا فضلاً عن سيطرة "داعش" عام2014  على مناطق واسعةٍ منه بما تمتلكه من ثرواتٍ. لقد فضّلت الطبيعة هذا البلد بالخيرات النّفطيّة الضّخمة، وبطاقةٍ إنتاجيةٍ تبلغ أكثر من 3 مليون برميل يومياً، لذلك هناك الكثير من التّقارير التّي ربطت ما بين الغزو الأميركي و_ من ثم ظهور "داعش" _ والنّفط على اعتبار أنّ الولايات المتّحدة الأميركيّة لن تقبل بسيطرة العراق على 20% من احتياط النّفط العالميّ، ومن ثمّ ربطت سيطرة "داعش" على العراق بالمشروع الأميركيّ نفسه، حيث قامت الولايات المتحدة الأميركيّة بعد انسحابها من العراق باستخدام أدواتها لإبقاء السّيطرة على هذا البلد، كذلك الأمر في سوريا، حيث دخلت الولايات المتّحدة الأميركيّة إلى الشّرق السّوريّ الغنيّ بالنّفط، وكان "تنظيم داعش يكسب مليوني دولارٍ أميركيٍ يومياً، عـن طريق تهريب النّفط من العراق وسوريا.

ثانياً: دور النفط في التدخل الغربي بالدول العربية

منذ اكتشاف النّفط في البلاد العربية، أصبحت هذه البلاد محلاًّ للصّراع الدّولي من أجل السّيطرة على هذه الثّروة، خاصّةً أمام الحاجة الغربيّة لمصادر الطّاقة، التّي بدأت تتّسع بعد الحرب العالميّة الثانية، وقد أدرك الغرب قبل ذلك أهمية الموقع الجغرافيّ الذّي يتمتّع به العالم العربيّ، ووفرة إمكاناته الاقتصاديّة الهائلة وثرواته النفطيّة، التّي يمكن أن تُزوّد الولايات المتّحدة وحلفائها الغربيّين بها من دون أن تضطر إلى استخدام مخزونها من النفط، لذلك بذل جهودًا كبيرةً لتحجيم العالم العربيّ، واحتواء أقطاره وإبقاء عناصر التجزئة فيه، والعمل على تفتيته وجعله هدفًا مستمرًا لمخططاته، ومنعه من استخدام النّفط كأداة ضغطٍ في الأزمات السّياسيّة والصّراعات مع الغرب، وخاصةً أنّ هناك سابقةً حصلت خلال حرب تشرين الأول/ أكتوبر العام 1973 عندما استخدم العرب النّفط سلاحًا للضغط على الغرب، لإجبار "إسرائيل" على الانسحاب من الأراضي العربية التّي احتلّتها في حرب 1967، وقد أكّد  استخدام العرب لورقة النّفط أهمية هذا السلعة ودورها في العلاقات الدوليّة. و"تُشير وثائق سريّة إلى أهميّة النّفط بالنّسبة للدّول الكبرى، حيث كشفت وثيقةٌ سريّةٌ بريطانيّةٌ آنذاك عن تفكير الولايات المتّحدة الجاد، حينها، في إرسال قوّاتٍ محمولةٍ جوًا للسّيطرة على حقول النّفط الرّئيسة، في بعض دول الخليج خلال الحظر على صادرات النّفط الذّي فرضته الدّول العّربيّة".6
لقد قرّرت "الولايات المتّحدة الأميركيّة السّيطرة بطريقةٍ أو بأخرى على منابع النّفط الأساسيّة في العالم وبخاصّةٍ منطقة الخليج، وتمّ إعداد خطّةٍ في عهد الرئيس كارتر العام 1976 سميّت خطة كارتر تقول: إنّ أميركا على استعدادٍ للتدّخل الفوريّ والمباشر عسكريًا في أيّ نقطةٍ من العالم تُمثّل تهديداً للنّفط، وقال كارتر إنّ تهديد منابع النّفط يعني مباشرةً تهديد الأمن القوميّ الأميركيّ".7 وقد استطاعت الضّغوط الأميركيّة على الأنّظمة العربيّة، والسّياسات التّي اتبعتها الدّول الصّناعيّة المستهلكة للنّفط، أن تسحب (سلاح) النّفط من التّداول، كما على مدى السّنوات التّالية أن تعيد سيطرتها على النّفط إنتاجاً وتسويقاً، وبالتالي استطاعت المحافظة على مصالحها ونفوذها في هذه المنطقة الحسّاسة. وجاءت حرب الخليج الثّانية لتقدّم فرصةً ذهبيةً إلى الولايات المتّحدة الأميركيّة لإدخال قوّاتها العسّكريّة إلى هذه المنطقة بدعوى إخراج قوّات "صدّام حسين" من الكويت ثمّ حماية دول الخليج من الخطر العراقيّ، ولم تخرج تلك القوّات منذ ذلك الحين، بل ازداد انتشارها، وظهرت القواعد الأميركيّة في السّعودية والكويت وقطر والبحرين، وتمّ احتلال العراق سنة 2003. فطمع الولايات المتحدة وكذلك نهم الدّول الصّناعية المتزايد إلى مصادر للطّاقة، لم ولن يدعها تترك فرصةً للسّيطرة على النّفط ومنابعه وروافده وخطوط نقله. ويمكن القول إنّ الولايات المتّحدة تُعتبر المنطقة العربيّة منطقةً استراتيجيّةً يجب السّيطرة عليها، فهي تشكل جسراً ما بين أوروبا وآسيا وإفريقيا، وتحتوي على أكثر من نصف مخزون نفط العالم، وقد ركّز الرّؤساء الأميركيّون بشكلٍ دائمٍ على أهميّة النّفط في العالم العربي. وبالتّالي فإنّ تأمين منابع النّفط في الخليج وطرق نقله، هي المصلحة الاستراتيجيّة للإدارة الأميركيّة في هذه المنطقة من العالم، إلى جانب حماية أمن "إسرائيل". ومن هنا، فإنّ واشنطن تركّز قواعدها العسّكريّة في هذه المنطقة، وتصادر القرار السّياسيّ لدولها، للحصول على النّفط مقابل الحماية، حيث أصبحت هذه الدّول تابعة لها. ومنذ وصول الرّئيس الأميركيّ "دونالد ترامب" إلى رئاسة البيت الأبيض، بدأ الحديث عن الحماية مقابل دفع الأموال. وبالتّالي فإنّ دخول القوّات الأميركيّة وحلفائها إلى المنطقة العربيّة، من أجل تحقيق مصالحها في الحصول على النّفط، أصبح يُقوّض الأمن القوميّ العربيّ. ويمكن أن ندرك أهمية النّفط في الاستراتيجيّة الغربيّة، من خلال الإشارة إلى سيطرة الشّركات الغربيّة، وبخاصةً الأميركيّة والبريطانيّة، على السّاحة النّفطيّة العالميّة، وذلك بسبب امتلاكها للتّكنولوجيا المتقدّمة والأموال الطائلة التّي يتطلبها استخراج النّفط من الأعماق البعيدة، حيث تراجعت معظم الشّركات الوطنيّة، التّي تشكّلت خلال السّبعنيات في دول الجنوب بعد قرارات تأميم النّفط، لكيّ تعود الشّركات الغربيّة ذات الإمكانيات العلميّة والتكنولوجيّة والماليّة الهائلة إلى السّاحة الدّوليّة بزخمٍ هائلٍ.8
ويمكن القول إنّ ثروة النّفط والحاجة إلى الطاقة هي الجاذب الأساسيّ للدّول الكبرى إلى العالم العربيّ، وكذلك تأتي هذه الحاجة كسببٍ أساسيٍّ للدّخول الرّوسيّ المباشر على الحرب في سوريا، ورعاية مصالحها الحيويّة في الحصول على إمدادات النّفط والغاز، وفي حماية أنابيب النّقل في المنطقة وصولاً إلى موانىء التّصدير.
و"كلّ ذلك يؤكّد - بالمقابل- حجم الأهميّة التّي تُولّيها القوى الدوليّة للمنطقة كما تُـظهر حجم التّعقيد في الواقع السّياسيّ والاقتصادي والاجتماعيّ، الذّي تشهده المنطقة العربيّة، ممّا يعرضها لاهتزازاتٍ سياسيّةٍ وأمنيّةٍ واضطراباتٍ خطيرةٍ، تضرب معظم دولها منذ سنواتٍ، وتستفيد منه الدّول الكبرى في رسم سياساتها وتنفيذ مشاريعها، وكذلك في تعزيز مصالحها الحيويّة، وفي تأمين خطوط نقل إمداداتها من النّفط والغاز على امتداد العالم".9 فوجود ما يعادل 80% من الطاقة الإنتاجية للنّفط في الدّول التّي تقع في منطقة الخليج، يمنحها الأهميّة الاستراتيجيّة للنّفط العربيّ في إمدادات الطّاقة العالميّة. وبالتّالي، فإنّ هذه النّتيجة تنقل مسؤولية تنسيق العرض العالميّ للنّفط بصفةٍ أساسيّةٍ إلى المنطقة العربيّة، إذا ما أُضيفت إليها احتياطات الدّول العربيّة الأخرى للمساهمة في تلك الاحتياجات؛ مثل سلطنة عمان والجزائر وليبيا. في المقابل، فإنّ العجز في الدّول المستهلكة للنّفط سوف يزداد مع الوقت، ممّا يؤّدي الى اتّساع فجوة الاستيراد في الوقت الذّي يزداد فيه تركّز إنتاج النّفط، وخاصةً في دول الخليج.10

ثالثاً: انعكاس الثروة النفطية على الأمن العربي
تُشكّل إذاً الثّروة العربيّة الضّخمة أحد أبرز العوامل التّي تُؤدّي إلى حصول تحدّيات للأمن القوميّ العربيّ، لا سيّما أمام تقاعس الدّول العربيّة عن المشاركة في حفظ هذه الثّروات أو نتيجة نزاعاتها البينية وتآمرها على بعضها البعض ودخولها في نزاعاتٍ ثنائيةٍ، و"تكمن المشكلة الرئيسيّة التّي تؤثّر على هذه المنتجة للنّفط، بأنّها تعتمد على النّفط مصدرًا رئيسًا في اقتصادها، وهنا مكمن الخطورة الشّديد. حيث ستكون هذه الدّول الأكثر تضرّرًا من هبوط أسعار النّفط، والذّي قد يُشكّل أزمةً لدى كثيرٍ من الدّول النّفطيّة، التّي تبني موازناتها على أساس أسعار متوقّعةٍ للنفط مثل العراق، الذّي يُعـدّ من أبرز الدّول المتأثّرة بهذا الهبوط، نتيجة انخفاض صادراته النّفطية جرّاء الوضع الأمنيّ، الذي تعيشه البلاد، وهو ما يعني أنّ هذه البلدان ستواجه أزماتٍ مالية".11
إنّ تفاقم التّبعية الاقتصاديّة العربيّة للدّول الصّناعيّة، نتيجة الاعتماد على قطاعٍ واحدٍ، هو النفط، وعدم الاستفادة منه للضّغط على دول الغرب، وتزايد مديونية بعض الدّول العربيّة للعالم الخارجيّ، أدّى إلى التّبعيّة السّياسيّة، التّي أدّت إلى المزيد من الانتكاسات والكوارث على الأمّة العربيّة. فقد ضعفت الدّول العربيّة تجاه الضّغوط الخارجيّة وأدّى غياب القرار السّياسيّ الموّحد الى استفراد القوى الخارجيّة بأنظمة الحكم الضّعيفة أساساً، حيث استطاعت فرض شروطها وتواجدها العسكري في المنطقة العربية. وبالتّالي، فإنّ هذا الامر لا يهدّد الأمن الاقتصاديّ فحسب، إنّما يهدّد الأمن القوميّ برمته. فالأمن الاقتصادي ليس سوى جزءٍ من الأمن القوميّ، وهو أحد الشّروط الموضوعيّة لتحقيق الأمن القوميّ.
وفي ظل وجود هذه الثّروات في المنطقة العربيّة، فإنّ دولها تتآمر على بعضها، وتدخل في نزاعاتٍ فيما بينها، وبدلاً من المحافظة على ثروة الّنفط، وحماية الأمن القوميّ العربيّ ، خاصةً من خلال جامعة الدّول العربيّة، فإنّ الجامعة ومعها عدّة دول، ذهبت في معترك الأزمة السورية، إلى عزل سوريا ومحاصرتها سياسيّاً واقتصاديّاً، نتيجة سيطرة الدّول العربيّة النّفطية على قرار الجامعة. حيث كان يترأس اجتماعات الأخيرة؛ دول مجلس التّعاون الخليجيّ في ومقدمتها قطر والسّعودية المتّهمتين بالتآمر على سوريا والدخول في مشاريع التطبيع مع العدو الإسرائيليّ، والتّي تُصادر قرارها الإدارة الأميركيّة الطّامعة في منتجاتها النّفطيّة.

خلاصة
إذا، وفي الختام يمكننا القول أنه في غمرة الصراع على مصادر الطاقة يأتي التركيز الغربي على لبنان وسوريا والعراق في هذه المرحلة، حيث تعد هذه الدول البوابة الاسيوية لإمدادات الطاقة، من خلال الخط الذي يمتد من إيران عبر تركمانستان إلى الصين، والخط المقترح، والذي قد يمتد من إيران عبر العراق وسوريا إلى البحر وصولاً إلى لبنان وهو ما يعرف بطريق الحرير، ويحصل ذلك في ذروة التشابك السياسي على الساحة الدولية نتيجة التحول نحو الشرق، والذي يفتح الباب أكثر للتدخّلات الدولية في هذه المنطقة. ويمكن القول أن ما يحصل اليوم من مظاهرات واحتجاجات معيشة في لبنان والعراق، وإن كانت مطالبها محقة، إلا أن التدخل الأميركي الذي يحصل فيها يأتي في جزء كبير منها، من بوابة الثروات النفطية الموجود في هاتين الدولتين، والسعي الدائم لسيطرة الشركات الأميركية على هذه الثروات من أجل تقاسم الكعكة النفطية، ومنع دخول شركات مناهضة للسياسة الأميركية مثل الشركات الصينية على مسار تنقيب واستخراج النفط في هاتين الدولتين، وهذا ما يؤدي إلى تهديد أمنهما من الداخل، عبر زعزعة الاستقرار الموجود، من خلال استغلال المطالب الشعبية المحقة التي تقوم على إصلاح الإدارة ومكافحة الفساد وتحسين الأوضاع المعيشية، لذا يُعدّ موضوع الأمن القوميّ العربيّ واحداً من خطر التّحديّات التّي تواجهها الدّول العربيّة، في إطار السّيطرة الأميركيّة والخلافات بينها.

المراجع:
زكريا بعيري، مستقبل النظام الإقليمي العربي وتحدياته، بحث مقدم إلى كلية العلوم السياسية والعلاقات الدولية - جامعة الجزائر ،، ص 12 ـ 15.
شفيق المصري، "الأمن النفطي: الهاجس الأكبر في المنطقة"، مجلة الاقتصاد والأعمال، عدد أيّار 2013.
محمد الرميحي، النفط والعلاقات الدولية، الطبعة الأولى، العدد 52، الكويت، سلسلة عالم المعرفة، نيسان 1982.
نبيـل سـرور، الصراع على النفط والغاز وأهمية منطقة الشرق الأوسط الإستراتيجية، مجلة الدفاع الوطني، العدد 96 - نيسان 2016.
التقارير
التقرير الاحصائي السنوي لمنظمة الأوابك لعام 2018، نشرة شهرية صادرة عن منظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول، السنة 45، العدد 1، كانون الثاني/يناير 2019، الكويت.
 التقرير الاحصائي السنوي لمنظمة الأوابك لعام 2017، صادر عن منظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول، الكويت 2017.
التقرير الاحصائي السنوي لمنظمة الأوابك لعام 2013، صادر عن منظمة الأقطار العربية المصدرة للبترول، الكويت 2013.

*باحث في العلاقات الدولية

2020-01-25 12:23:41 | 847 قراءة

التعليقات

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية