التصنيفات » مقالات سياسية

الضم، تحت طائلة التنديد والرفض الدولي

الضم، تحت طائلة التنديد والرفض الدولي

ناصر دمج (*)


استهلال

أرسلت إسرائيل للعالم أكثر من رسالة، تفيد بأنه لديها كامل الاستعداد لمباشرة ضم 60% من مساحة الضفة الغربية المحتلة، التي يقدر عدد سكانها بنحو 3 ملايين فلسطيني، وواصلت تنفيذ مخططها التصفوي للوجود الفلسطيني، عبر مصادرة الأراضي لتشييد وتوسيع المستعمرات، وسرقة الموارد والمقدرات وقرصنة الأموال الفلسطينية وتدمير الاقتصاد الفلسطيني.

وتعزيزاً لهذا التوجه أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي، بتاريخ 15 كانون ثاني 2020م، عن إقامة سبعة محميات طبيعية، وتوسعة 12 أخريات في المناطق المصنفة (ج) بالضفة الغربية المحتلة، ويعد هذا المشروع الإسرائيلي المنوي تنفيذه بذريعة الحفاظ على المحميات الطبيعية ويشمل مناطق "مغارة الشموع" القريبة من قرية بيت سوريك في ضواحي القدس؛ ووادي المقلق عند المنحدرات الشرقية لجبل الزيتون في المدينة المقدسة، ووادي الفارعة بمحافظة طوباس، ووادي ملحة في غور الأردن، ومجرى نهر الأردن الجنوبي، ووادي الأردن شمال الأغوار يهدف إلى ضم الضفة الغربية وعزل القدس عن محيطها ومنع إقامة دولة فلسطينية مترابطة جغرافيا وقابلة للحياة.

كما أعلن وزير الجيش نفسه "نفتالي بينت" عن شق طريق جديد بالقرب من مستوطنة (معاليه أدوميم)، على الرغم من الرفض والتنديد الدولي العارم سيما الرفض الأوربي المتواصل لما تقوم به إسرائيل، لتسهيل ضمها لمساحات كبيرة من الأراضي المحيطة بالقدس وعزل المناطق الفلسطينية بعضها عن البعض، وإستباحة كامل المنطقة المعروفة بـ (E1) وفصل وسط الضفة وشمالها عن جنوبها.

رد العالم على خطوات الضم الإسرائيلية

أمام هذا التطور، أنقسمت ردود فعل دول العالم إلى قسمين الأول: جسدته الولايات المتحدة الأمريكية، التي أيدت وشجعت الخطوات الإسرائيلية، وعبر عن ذلك مراراً سفير الولايات المتحدة في إسرائيل "ديفيد فريدمان"، وطلب منها حث الخطى لضم ما تريده من أراضي دولة فلسطين المحتلة لسيادتها وإخضاعها للقوانين الإسرائيلية، وهو ما أكد عليه وزير الخارجية الأمريكية من قبله، الذي أعتبر المسألة نفسها شأناً إسرائيلياً داخلياً متعهداً بالوقوف إلى جانبها في حال أقدمت على ذلك.

والثاني: جسدته دول الاتحاد الأوروبي بعد أن وقع أكثر من 50 زعيماً أوروبياً، بتاريخ 27 شباط 2020م، ومنهم رؤساء سابقون ورؤساء وزارات ووزراء خارجية، على رسالة رفض وإدانة للضم ولصفقة القرن.

كان من بينهم وزير الخارجية السابق ونائب مستشار ألمانيا سيجمار غابرييل، وروبرت سيري، المنسق الخاص السابق للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط، وزير الخارجية البريطاني السابق جاك سترو، الأمينان العامان السابقان لحلف الناتو خافيير سولانا وويلي كلايس، رئيس الوزراء السويدي السابق إنغفار كارلسون، رئيس الوزراء النرويجي السابق غرو هارليم برونتلاند، ورئيس الوزراء الأيرلندي السابق جون بروتون، وانتقدت الرسالة، التي نشرتها صحيفة الجارديان الخطة الأمريكية لسماحها بضم إسرائيل للمستوطنات وخلق وضع قالت إنه بمثابة نظام أبارتهايد، وأنها تتعارض - وفقاً لمنطوق الرسالة - مع المعايير المتفق عليها دولياً لعملية السلام في الشرق الأوسط، وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، بما في ذلك قرار مجلس الأمن 2334، وأهم مبادئ القانون الدولي.

كما اعتبر زعماء أوروبا الممارسات الإسرائيلية، بأنها خطيرة ومغذية للصراع على حساب المدنيين الإسرائيليين والفلسطينيين على حد سواء، مع تداعيات خطيرة على الأردن والمنطقة ككل، كما أنها تسمح بضم أجزاء كبيرة وحيوية من الأراضي الفلسطينية وتضفي الشرعية وتشجع النشاط الاستيطاني الإسرائيلي غير القانوني، وإنها تعترف بمطالب جانب واحد فقط بالقدس ولا تقدم حلاً عادلاً لقضية اللاجئين الفلسطينيين، وتبقي الدولة الفلسطينية المستقبلية دون سيطرة وسيادة على أراضيها المجزأة، كما تقترح إنشاء جيوب فلسطينية خاضعة للسيطرة العسكرية الإسرائيلية الدائمة، وتثير إيحاءات تقشعر لها الأبدان للبانتوستانات في جنوب إفريقيا.

كما طلبت لجنة العلاقات الدولية والدفاع بمجلس اللوردات البريطاني، بتاريخ 14 نأيار 2020م، من الحكومة برئاسة "بورس جونسون" دراسة خيار الحد من الوصول التفضيلي الذي تتمتع به دولة الاحتلال الإسرائيلي، في الأسواق البريطانية إذا قامت الأخيرة بتطبيق السيادة على الضفة الغربية، وفرض عقوبات اقتصادية مشددة عليها.
وقالت: رئيسة اللجنة "جويس أنيلاي"، وهي نائبة مخضرمة عن حزب المحافظين، "إن خطة الحكومة الإسرائيلية القادمة ستشكل إنتهاكاً للقانون الدولي، وتعرّض عملية السلام الإسرائيلية-الفلسطينية للخطر.
وجددت كل من الأمم المتحدة وروسيا والصين وفرنسا وألمانيا وبلجيكا وإسبانيا وأيرلندا وإيطاليا والنرويج) بتاريخ 15 آذار 2020م، رفضها للخطط الإسرائيلية بضم الأراضي الفلسطينية باعتبارها غير شرعية ومنتهكة للقانون الدولي.

كما أنذر وزراء خارجية الإتحاد الأوروبي دولة الاحتلال الإسرائيلي قبيل اجتماعهم في بروكسل بتاريخ 16 أيار 2020م، دولة الاحتلال الإسرائيلي، بأنهم بصدد تدابير عقابية ضدها في حال نفذت خططها الهادفة إلى ضم أجزاء من الضفة الغربية، ومن المعلوم أن كتلة الإتحاد الأوروبي تعد أكبر شريك تجاري لإسرائيل، وتمنح (إسرائيل) مكانة تجارية مفضلة، وتساعد في تمويل البحث العلمي الإسرائيلي وتطويره من خلال برنامج Horizon 2020 م الضخم، ووفقاً لصحيفة "هآرتس – الأرض"، فإن العقوبات الأوروبية المتوقعة ستتضمن منع إسرائيل من المشاركة في اتفاقيات تجارية مع الاتحاد، أو الحصول على منح الاتحاد الأوروبي أو المشاركة في أشكال أخرى من التعاون مع الكتلة.

العواقب السياسية والاقتصادية للضم

من المؤكد أن ضم الضفة الغربية لإسرائيل، سيلغي كل إمكانية لإقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافياً، مضاف إليها تدابير وإجراءات فصل عسكري مشدد؛ بما في ذلك تدمير شبكة الطرق والشوراع الحالية، وتشييد شبكة جديدة تلبي احتياجات الضم، ما سيضاعف من حدة الضغوط الداخلية على الفلسطينيين، وفي مقدمتها إنفصال أكثر من 200000 فلسطيني من سكان المناطق التي سيشملها الضم عن محيطهم الاجتماعي، وفضاءهم السياسي ومجال عملهم الاقتصادي، وغالبيتهم من العاملين والمستثمرين في المجال الزراعي، ما سيؤدي إلى حصر تعاملهم الاقتصادي مع المستعمرات وسوق العمل الإسرائيلي، وهذا سيؤدي إلى زيادة أعداد المستوطنين وتوسيع قاعدة الاستثمار الإسرائيلي في الأغوار الفلسطينية على حساب السكان الأصليين وملاك الأراضي الفلسطينيين.

كما ستخضع بشكل نهائي الموارد المائية والأراضي الزراعية الخصبة في المنطقة نفسها للقوانين الإسرائيلية، ومنها قانون "التسوية – 2017م"، الذي يتيح للاحتلال السيطرة على أملاك الغائبين في منطقة (ج)، خاصة الأملاك التي يدعون أنها أملاك عامة، وحتى الأملاك الخاصة.
وقانون "القدس الكبرى" الذي شرع ضم تكتلات استيطانية كبرى للقدس مثل (معاليه أدوميم)، وثلاثة تكتلات استيطانية أخرى، تتربع على 175 كم2، من أراضي محافظة القدس المحتلة، وهي مساحة أكبر بـ 140% من مساحة مدينة القدس نفسعا بشقيها الغربي والشرقي، والتي تصل لـ 125 كم مربعا، لتصبح مساحة القدس بعد الضم حوالي 300 كم مربع.

استنتاج

ثبت للجميع، بأن دولة الاحتلال الإسرائيلي، أنبرت لتنفيذ خططها التي تستهدف الوجود الفلسطيني برمته، الأمر الذي يتطلب من الكل الفلسطيني إظهار مزيداً من الحيطة والحذر نظراً لمفصلية المرحلة، ومواصلة العمل الجماعي والموحد لمواجهة هذا الخطر الوجودي الذي يهدد القضية الفلسطينية، والتداعي لترسيم استراتيجية تصدي فعالة تلجم غائلة التعسف الإسرائيلي، يتصدرها تحرك رسمي وشعبي لوقف الانتهاكات الإسرائيلية.

ودعوة المجتمع الدولي للكف عن إطلاق تصريحاته غير المنتجة سياسياً، ومنع دولة الاحتلال من استغلال الأزمة الصحية والاقتصادية العالمية الحالية، وتنفيذ مخططاتها الشيطانية الهادفة إلى ضم ما تبقى من الأراضي الفلسطينية المحتلة، والبدء بعملية مساءلة حقيقية لدولة الاحتلال على كل جرائمها بحق شعبنا، وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، والاعتراف بدولة فلسطين على حدود عام 1967م وعاصمتها القدس الشريف.

مصادر المقالة ومراجعها

1- تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2019م.
2- مصدر سبق ذكره، تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2019م.
3- تقرير مدير عام منظمة العمل الدولية [جي رايدر] المقدم لمؤتمر العمل الدولي، الدورة [106] 2017م، في جنيف، صفحة رقم 4 و 5.
4- مركز الدراسات الاقتصادية الفلسطيني – ماس، 8 أيار 2018م.
5- من مسوح الجهاز المركزي الفلسطيني للإحصاء، 2019م.
6- من مسوح الجهاز المركزي الفلسطيني للإحصاء، 2019م.
7- مركز المعلومات الفلسطيني – وفا
8- الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، الإحصاءات التراكمية للحسابات القومية.
9- الملخص التنفيذي للتحليل القطري المشترك لحالة التنمية في فلسطين
COMMON COUNTRY ANALYSIS 2016 Leave No One Behind: A Perspective on Vulnerability and Structural Disadvantage in Palestine. Executive Summary

 

 

2020-05-30 12:40:19 | 219 قراءة

التعليقات

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد

مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية