التصنيفات » قراءة في كتاب

"فلسطين والفلسطينيون: تاريخ واحد لشعب واحد"

مراجعة كتاب
"فلسطين والفلسطينيون: تاريخ واحد لشعب واحد"

المؤلّف: جوني منصور
موقع عرب 48
19/7/2025
د. منصور: "العنوان الفرعي للكتاب "شعب واحد تاريخ واحد"، يُشير إلى أنه بالرغم من كلّ التقسيمات والانقسامات الجغرافية والسياسية التي جَزّأت الشعب الفلسطيني، فإنّ هذا الشعب لم يَزَل يَحمل على أكتافه تاريخاً واحداً ويرتبط بوطن واحد هو فلسطين".
صَدَرَ عن المؤسّسة العربية للدراسات والنشر في بيروت، كتاب "فلسطين والفلسطينيون: تاريخ واحد لشعب واحد"، للمؤرّخ جوني منصور، يَستعرض فيه تاريخ فلسطين وشعبها الفلسطيني منذ نهايات حكم الدولة العثمانية في أواخر القرن التاسع عشر، وإرهاصات تُشَكّل الحركة الوطنية الفلسطينية، وبدايات الصراع مع الحركة الكولونيالية الصهيونية، مروراً بالنكبة، ووصولًا إلى حرب الإبادة الجماعيّة التي يتعرّض لها الفلسطينيون في قطاع غزة.
الكتاب، كما يقول مؤلّفه، هو إطار لتوحيد تاريخ الفلسطينيين على تَوَزّعاتهم الجغرافية التي أحدَثتها النكبة في الوطن والشتات الفلسطيني. وهو يُقَدّم التاريخ الفلسطيني الحديث كتاريخ واحد لشعب واحد، بكلّ ما يَعني ذلك من أهميّة في تحدّي واقع وسياسة تجزئة الشعب الفلسطيني.
ويُوَضّح الباحث في مقدّمة كتابه أنّ الشعب الفلسطيني وجَد نفسه، أمام هذا الواقع (النكبة)، مُنتَشِراً في مواقع عدّة خَلف حدود فلسطين، بالإضافة إلى من بقِي منه في أرضه، سواء تلك التي أُقيم عليها الكيان الإسرائيلي، أو تلك في الضفة الغربية وقطاع غزّة. وهنا تَشَكّلت مرحلة جديدة من تاريخه، حيث سَطّرت كلّ مجموعة فلسطينية تاريخها في موقعها الجغرافي الجديد، وواجَهت التحدّيات التي تخصّها. ولكن ما وَحّد المجموعات الفلسطينية ولا يزال هو رغبتها في إعادة تشكيل فلسطين واحدة لهذا الشعب المُشَتّت.
وفي غلاف الكتاب نقرأ: "ليست فلسطين قضية صراع فحسب، إنها أرض حضارات وتحدّيات عبر العصور التاريخية المُتتالية. فعلى هذه الأرض جرَت أحداث تاريخية رسمَت مسيرة أُمَمٍ وشعوب، وعليها تَشَكّل تاريخ شعوب المنطقة بأكمله. وعَبْرَ فلسطين يصطدم العرب، حتى يومنا هذا، بحركة استعمارية تُحاول جاهدة نَهش جسَدهم، وتقويض جهودهم، وتفتيت مُحاولات وحدتهم".
وفي مَعرض حديثه عن نكبة 48 يكتب: تعرّض الشعب الفلسطيني إلى أبشع جريمة شهِدها العالم بعد الحرب العالمية الثانية؛ ألا وهي تشتيت الشعب الفلسطيني عن مَواطنه الأصليّة وتحويله إلى شعب لاجئ ومُهَجّر. وتفيدنا مصادر "الأونروا" وهيئات العمل الفلسطينية أن عدد اللاجئين الفلسطينيين حوالي سبعة ملايين لاجئ تقريبًا، وحوالي 450 ألف فلسطيني مُهَجّر داخلي. ويُشَكّل هؤلاء اللاجئون والمُهَجّرون حوالي 70% من إجمالي تعداد الشعب الفلسطيني في جميع أنحاء العالم، والذي بلَغ حوالي 9.8 ملايين نسمة مع بداية عام 2007.
ويشمل اللاجئون الفلسطينيون أولئك الذين أصبحوا لاجئين بعد نكبة عام 1948، وخلال، وفي أعقاب الحرب العربية -الإسرائيلية عام 1967؛ فضلاً عن أولئك الفلسطينيين الذين كانوا أثناء تلك الحقبة خارج حدود فلسطين وأصبحوا غير قادرين، أو غير راغبين في العودة بسبب عوامل الخوف القويّة من تعرّضهم للاضطهاد.
ويُواصل وَصفَه لهذا الحَدَث الجَلَل في تاريخ الشعب الفلسطيني بالقول، إنه جرّاء الحرب الإسرائيلية ضدّ الشعب الفلسطيني خلال العام 1948، وما تلاها من تطوّرات، فإنّ مئات آلاف الفلسطينيين فَقَدوا أراضيهم ومُمتلَكاتهم ومَصادر معيشتهم، وتَفَرّقت العائلات. كما أن نسيج المجتمع الفلسطيني قد تمزّق، وتشتّت أبناء الشعب الفلسطيني بالكامل تقريبًا، ممّا ترَك أثَرًا بالغًا على التركيبة الاجتماعية الفلسطينية. لكن بالرغم من الكارثة الكبيرة التي تعرّض لها الشعب الفلسطيني بفقدانه وطنه وأملاكه، إلّا أن أبناءه عملوا جاهدين من أجل إعادة بناء أُسس المجتمع الفلسطيني من خلال الحفاظ على المَوروث الحضاري والثقافي والإنساني، والتمسّك بعدالة القضية وعدم التفريط بها.
وبهذا الصّدد، حاور "عرب 48" الباحث د. جوني منصور، لإلقاء المزيد من الضوء حول الكتاب.
"عرب 48": العنوان يربط الشعب الفلسطيني الذي شتّتَته النكبة منذ 77 عاماً بفلسطين الوطن الواحد، ويسعى لجَمع أجزائه المُوَزّعة في مواقع مختلفة تحت تاريخ واحد، دون إهمال أيٍ منها، خاصّة نحن الذين بقينا تحت الاستعمار الإسرائيلي عام 48، أو إغفال خصوصيّة أيّ تجمّع من التجمّعات الفلسطينية المُنضوية تحت يافطة الشعب الفلسطيني الواحد؟

د. منصور: الفكرة التي راودتني كلّ الوقت كانت ناتجة عن حالة الانقسام الفلسطيني الأخيرة، والتي أدّت إلى ظهور منطقة جغرافية جديدة أُضيفت إلى حالة التشتّت الفلسطيني، 48 و67 وشتات يتوزّع في دول الجوار، حيث انقسمت أراضي الـ67 التي يُفترَض أن تضم الكيان السياسي الفلسطيني المأمول إلى منطقتين هما: الضفة الغربية وقطاع غزة.
وقد أردتُ أن أضيء ضوءاً أحمر بطريقتي كمؤرّخ، للتحذير من حالة تاريخية خطِرة جداً ستستمر لسنوات طويلة، ومضى عليها حقيقة سنوات طويلة، حيث تُشارف على إغلاق الـ20 عاماً. وحتى الآن، وفي ظلّ الظروف الراهنة، وهي أصعب ظروف يمرّ بها التاريخ البشري وليس الفلسطيني فقط، لا يسعى أيّ طرَف من طرَفي الانقسام بشكل جديّ لإنجاز المُصالحة وإعادة اللّحمة والوحدة. فقد اجتمعوا في بكين وفي موسكو، وأصدَروا قرارات جميلة أضيفت إلى قرارات سُمّيت بمُسَمّيات عواصم أخرى؛ لكن جميعها بقيت حبراً على ورَق.
الكتاب هو مُحاولة لكتابة تاريخ فلسطيني يجمَع الفلسطينيين تحت إطار الوطن الواحد والشعب الواحد اللذين ينتمون إليهما. وقد بدأتُ منذ "فجر القضية الفلسطينية" في نهايات القرن التاسع عشر، وصولًا إلى الانكسار الأوّل عام 1948، والانكسار الثاني عام 1967، وانتهاءً بما يجري اليوم من حرب إبادة ضدّ الشعب الفلسطيني، تدور رحاها أساساً في غزة.
"فلسطين والفلسطينيون" يَروي قصّة فلسطين الأرض التاريخية، وقصّة الشعب الفلسطيني وكفاحه من أجل وحدته وإعادة بناء كيانه السياسي على أرض وطنه. والعنوان الفرعي للكتاب "شعب واحد تاريخ واحد"، يُشير إلى أنه بالرغم من كلّ التقسيمات والانقسامات الجغرافية والسياسية التي جزّأت الشعب الفلسطيني، فإنّ هذا الشعب لم يزَل يحمل على أكتافه تاريخاً واحداً ويرتبط بوطن واحد هو فلسطين.
صحيح أن هناك تَباينات بين فلسطينيّي الداخل وفلسطينيّي الضفة والقطاع؛ وربما نشأ تباين أيضاً بين الضفة والقطاع خلال العشرين سنة الماضية من الانقسام. كما أن هناك تَباينات بين اللجوء الفلسطيني في كلٍ من الأردن وسورية ولبنان وسائر الشتات الموجود في كلّ العالَم. تَباينات ترتبط بالوضعية القانونية والحضور السياسي وغيرها من العوامل. لكن يبقى التاريخ الفلسطيني هو تاريخ واحد لشعب واحد.
هذه هي نَظرتي التي أردتُ أن أؤكّد عليها، والتي جاء الكتاب لكي يُكَرّسها، في ظرفٍ يتعرّض فيه كلّ المشروع الفلسطيني، وحتى الوجود المادّي الفلسطيني، لمُحاولات إبادة، ربما تكون حرب الإبادة في غزة أولى حلَقاتها.
"عرب 48": الكتاب تناول فترة قرن ونيّف من تاريخ فلسطين والفلسطينيين، مليئة بالأحداث العالمية والعربية والفلسطينية، هي من شكّلت بمحصّلتها الجغرافية السياسية لفلسطين والمنطقة العربية، بما يُرافقها من صراع دامي لا يزال يستنزف الفلسطينيين منذ مئة عام؟
د. منصور: الكتاب يستعرض التاريخ الفلسطيني من القرن التاسع عشر؛ وهو ينقسم إلى ثلاث حقب: الحقبة الأولى تُلامِس الفترة العثمانية في نهاياتها، والكارثة التي حَلّت بفلسطين في الحرب العالمية الأولى. وقد سرَد لنا أجدادُنا عن "السفربرلك" في الحرب العالمية الأولى، والمجاعة والجَراد والكوليرا وغيرها من الأمراض والأوبئة، وعن الحرب التي دارت على أرضهم؛ فقد دُمّرَت غزة بفعل الحرب عام 1917. كما أنّ الحرب خلقَت ظروفاً اقتصادية وحياتية غاية في الصعوبة على أهل البلاد، حيث أغلقَت المدارس كلّياً لمدّة سنوات؛ وكانت النتيجة أن جيلًا كاملًا خرَجوا أمّيين.

وجاءت حقَبة الانتداب الذي اعتقدَ الكثيرون أنها ستكون أفضل؛ لكن على أرض الواقع كانت أدهى وأشد، حيث صار مطلوباً من الشعب الفلسطيني مُواجهة مشروعين: الاستعمار البريطاني الذي يُسَمّي نفسه انتداباً، لكنّه فعلياً هو احتلال قامع للشعب الفلسطيني ولتطلّعاته السياسية؛ والمشروع الصهيوني المُتَحالف معه. لذلك، فإنّ تلك الحقَبة كانت حقَبة مهمّة في تاريخ نشوء الحركة الوطنية الفلسطينية المُقاومة، وفي التنظيم الفلسطيني كمؤسّسات في مُواجهة المؤسّسات الصهيونية.
هذا عِلماً أن الحركة الصهيونية جاءت منظّمة من أوروبا، ودعمَتها بريطانيا وفرنسا، وحتى ألمانيا ثم الولايات المتحدة لاحقاً، في حين أن الفلسطينيين كانوا يُحاولون أن يعملوا كلّ ما في جهدهم ضمن المحدوديّات القائمة.
أنا بعكس الكثير من الآخرين الذين يدّعون أن الفلسطينيين فشلوا في تنظيم أنفسهم، أقول إن الفلسطينيين الذين خرَجوا من الحرب العالمية الأولى بدأوا يُنَظّمون أنفسهم في مُواجهة آلة منظّمة مَدعومة دولياً، اسمها المشروع الصهيوني ومشروع الاستعمار البريطاني؛ ودخلوا في مباراة غير مُتكافئة مع عدو مُتَفَوّق عليهم، عسكرياً وتمويلياً.
ولا ننسى أن القوّة الصهيونية تَضافرت مع القوّة الاستعمارية الكولونيالية البريطانية. بالمقابل، فإّن الشعب الفلسطيني عمل كلّ جهده، ولم يَدّخر طريقة أو أسلوباً إلّا واستعمله لمُواجهة هذين المشروعين. وبالنهاية وقعَت النكبة، وكان أحد أسبابها الجيوش العربية غير المُنَظّمة وغير المُتناغمة في ما بينها حتى بالحدّ الأدنى، في كيفيّة مُواجهة العصابات الصهيونية التي كانت بمثابة جيوش مُنَظّمة ومُدَرّبة ومُسَلّحة، وتتمتّع بغطاء الاستعمار البريطاني.
"عرب 48": تقصد أن العصابات الصهيونية هي من كانت جيوشاً بالفعل، في حين أن الجيوش العربية كانت تُسَمّى كذلك فقط؟
د. منصور: الجيوش العربية كانت مُتَخَلّفة ورجعيّة وهشّة، لا تتمتّع بقيادة وطنية، لأن دوَلها لم تكن تحظى بالاستقلال الوطني الفعلي. فمصر كانت لا تزال مُستَعمَرة، والجيش الأردني كان يقوده غلوب باشا، والجيش العراقي، رغم أنه كان الأفضل، فإنه في النهاية جيش نظام ملَكي تابع للإنجليز.
"عرب 48": الكثير من المؤرّخين والمُحَلّلين قالوا إن بريطانيا حسمَت المعركة مسبقاً، عندما كسرَت ظهر الحركة الوطنية الفلسطينية المُقاومة خلال ثورة 36-39؛ وبذلك ترَكت فلسطين تحت رحمة الجيوش العربية عام 1948؟
د. منصور: صحيح؛ بريطانيا جَرّدت الفلسطينيين من قوّتهم العسكرية وتأثيرهم خلال الثورة؛ وهَيّأت بذلك الجو للانقضاض الصهيوني على الفلسطينيين ودَحرهم، ثم دَحر الجيوش العربية في فترةٍ لم تكن الحركة القومية العربية قد أخذَت الزّخم اللازم.
الحقَبة الثالثة هي حقَبة ما بعد النكبة، حيث حصلَ ما حصلَ من تشتّت الشعب الفلسطيني وتهجير ما يُقارب المليون من الفلسطينيين من أراضيهم، وجرى تدمير قُراهم ومُدنهم؛ وتحوّل الفلسطينيون إلى لاجئين.
الكتاب يبدأ بسرد عدّة تواريخ للتجمّعات الفلسطينية المُختلفة التي أنتجتها النكبة، مُبتدئاً بتاريخ الفلسطينيين "المَنسيّين" في الداخل، الذين لم يُنظَر إليهم سابقاً بوصفهم جزءاً من الشعب الفلسطيني. الكلّ يقولون إنهم بقوا هناك، وينسون أنه لنا "تاريخنا الخاص" وظروفنا المُختلفة.
فلسطينيو الداخل ثلثهم لاجئون داخل الوطن، هُجّروا من قُراهُم ومُدُنِهم التي تقع على مرمى حجر من أماكن لجوئهم الجديدة؛ وبعضهم يحمل بيدِه قراراً من المحكمة العليا الإسرائيلية يقضي بعودتهم إلى قُراهم، مثل أهالي إقرث وكفر برعم. ومع ذلك، ترفض إسرائيل عودتهم.
ويستعرض الكتاب التجمّع الفلسطيني المَوجود في الضفة الغربية وقطاع غزة، ثم مناطق اللجوء في الأردن وسورية ولبنان أساساً. وفي هذا الفصل أتناول موضوع إعادة بناء الحركة الوطنية الفلسطينية تحت راية منظّمة التحرير الفلسطينية، وأقوم باستعراض نضالاتها منذ انطلاقتها وحتى الخروج من بيروت، وصولًا إلى مدريد وأوسلو، بإيجابياته وسلبياته، وأهمّها استثناء فلسطينيي الداخل من حلّ القضية الفلسطينية، وتقليص مساحة الدولة المَأمول إقامتها، وعدم قيام هذه الدولة بسبب العراقيل التي وضعَها الاتفاق أمام إقامتها، وبسبب استمرار النشاط الاستيطاني الاقتلاعي الاحتلالي.
الفكرة الرئيسية هي وضع كلّ التاريخ في سلّة واحدة، والقيام بدراسته من خلال الحضور الفلسطيني المستمر وغير المُنقطِع، حيث يُحاول الكتاب أن يجمع كلّ الفلسطينيين المُنتشرين في العالَم تحت تاريخ واحد، ليقول، إنه رغم التهجير واللجوء والتدمير الكلّي والطّمس وإبادة المكان وإبادة الثقافة والتاريخ الفلسطيني، فإنّ الفلسطيني لا يزال يُقاوِم حتى اليوم، وبكلّ الطّرُق.

 

2025-07-21 10:22:54 | 77 قراءة

مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية