التصنيفات » قراءة في كتاب

كيف يمكن فَهم القوّة الصينيّة عبر مسيرة "هواوي"؟

مراجعة كتاب

كيف يمكن فَهم القوّة الصينيّة عبر مسيرة "هواوي"؟

عرض: بسنت عادل

مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدّمة

14 يوليو 2025

في العقد الأخير، أصبحت التقاطعات بين التكنولوجيا المتقدّمة والاستراتيجيات السياسية وصراعات النفوذ العالمي محوراً رئيسياً في الحوارات الدولية، حيث تحوّلت التكنولوجيا من مجرّد أدوات تخدم البشرية إلى ساحة حاسمة للتنافس الجيوسياسي بين القوى العظمى. وفي صميم هذا المشهد المُتشابك، تبرز شركة هواوي كواحدة من أكثر الأسماء إثارةً للجدَل والاهتمام على الساحة العالمية. فبينما يُجَسّد صعودها السريع قصّة نجاح تكنولوجي واقتصادي غير مسبوقة، يعكف المُحَلّلون والسّاسة في الغرب على دراسة هذه الظاهرة بخَلْطة من الإعجاب والرّيبة؛ بل والخشية أحياناً من تداعياتها على الأمن القومي وميزان القوى التكنولوجية العالمي.

 وفي هذا الإطار، يأتي كتاب "بيت هواوي: التاريخ السرّي لأقوى شركة في الصين"، للكاتبة إيفا دو، كعمل استثنائي لسَرْد القصّة الرسمية للشركة؛ إذ يَنفذ إلى أعماق المحطّات المحورية والتفاصيل الخفيّة التي شكّلت مسيرتها. فالكتاب ليس مُجَرّد توثيق لتاريخ شركة اتصالات ناجحة؛ بل هو رحلة استكشافية مُثيرة تَتْبع مسار التحوّل الجذري لهواوي من ورشة صغيرة مُتواضعة في شينزين إلى عملاق تكنولوجي يُهيمن على أسواق الاتصالات العالمية، ويُسهم في رَسم ملامح الثورة الرقميّة في القرن الحادي والعشرين.

والأكثر إثارة في هذا الكتاب هو كيف يتحوّل سَرد قصّة هواوي إلى نافذة لفهم التحوّلات الكبرى التي تُشَكّل عالَمنا اليوم. فمن خلال تتبّع مسار هذه الشركة، تنجح الكاتبة في ربط الأحداث بسياقها الأوسع، مُظهِرةً كيف أصبحت التكنولوجيا ساحة جديدة للتنافس الاستراتيجي، وكيف تُعيد الصين كتابة قواعد اللعبة العالمية من خلال نموذجها الفريد الذي يدمج بين الرأسمالية والتحكّم الحكومي. وتُقَدّم الكاتبة الأدوات الفكرية اللازمة لفَهم تعقيدات المشهد العالمي الراهن، واستشراف مَلامح المستقبل الذي تتشكّل معالمه الآن في مَعامل الابتكار وقاعات صنع القرار حول العالم.

تطوّر "هواوي":

في كتابها، تُقَدّم إيفا دو تحليلاً عميقاً لتأسيس وتطوّر شركة هواوي، حيث أرسَت سياقها التاريخي ضمن التحوّلات الاجتماعية والسياسية التي شهدتها الصين في ثمانينيات القرن العشرين. ففي تلك الفترة المحوريّة، قاد الزعيم الصيني السابق، دنغ شياو بينغ، موجة إصلاحات اقتصادية طموحة، نقلَت البلاد من النظام الاشتراكي المُغلَق إلى اقتصاد السوق المُنفَتح؛ ممّا مَهّد الطريق لظهور كيانات اقتصادية جديدة. وفي هذا المناخ، تأسّست هواوي عام 1987 في شينزين، المدينة التي تحوّلت لاحقاً إلى واجهة للنهضة الاقتصادية الصينية ورمز لسياسات الإصلاح والانفتاح.

 ووفقاً للكتاب، لم تكن هواوي شركة خاصّة تقليدية منذ نشأتها؛ بل اعتمدت نموذجاً فريداً للملكيّة الجماعيّة، وهو إطار قانوني مَرن ساعدها على المُناورة في ظلّ بيئة تنظيمية غامضة وغير مُستقرّة آنذاك. وقد منَحها هذا الهيكل مزايا متعدّدة: فمن ناحية، وفّر لها مساحة كبيرة من الحريّة في التحرّك واتّخاذ القرارات؛ ومن ناحية أخرى، حافظ على روابط غير مُباشرة مع مؤسّسات الدولة؛ ممّا ضمن لها الحصول على الدعم اللوجستي والسياسي عند الضرورة.

ويتَتبّع الكتاب مسيرة تحوّل هواوي من شركة ناشئة تعتمد على بيع معدّات الاتصالات المُستورَدة إلى عملاق تكنولوجي يُهيمن على الأسواق العالمية، حيث يستعرض الاستراتيجيات الرئيسية التي اعتمدتها الشركة لتتفوّق على مُنافسيها، مثل سياسات التسعير التنافسية، والاستثمار الهائل في البحث والتطوير، والتركيز المُفرط على رضا العملاء. وتتحدّى الكاتبة الرواية السائدة التي تربط نجاح هواوي بالدعم الحكومي فقط، موضِحةً كيف أسهمت ثقافتها المؤسّسية الفريدة – القائمة على الانضباط والتنافس والابتكار– في صناعة قوّتها التكنولوجية.

 ويُسَلّط الكتاب أيضاً الضوء على العلاقة المُعَقّدة بين هواوي والدولة الصينية، وكيف نجحت الشركة في طمس الحدود بين القطاع الخاص والمصالح الوطنية. فمن خلال تحليل نظام المُساهمة الداخلية للموظّفين – الذي يُقَدَّم رسمياً كنموذج للتشاركيّة – كشفَت إيفا دو عن هيكل إداري شديد المركزية، تتركّز فيه السلطة الحقيقية بين يدي عدد محدود من التنفيذيين المُقَرّبين من المؤسّس رن تشنغ فاي. هذا الغموض الهيكلي، كما يوضِح الكتاب، يُغَذّي الشكوك الدولية حول مدى استقلالية هواوي عن بكين، ويجعلها محط تساؤلات دائمة بشأن نيّاتها وولاءاتها، خاصّة في ظلّ التوتّرات الجيوسياسية المُتصاعدة حول تقنيّات الاتصال والأمن السيبراني.  

لغز رن تشنغ فاي:

يَتصدّر رن تشنغ فاي، مؤسّس هواوي، المشهد في الكتاب، حيث يقدّم صورة مُرَكّبة لهذا القائد الذي ترك بصمةً لا تُمحى على ثقافة وهويّة الشركة. كان تشنغ فاي ضابطاً سابقاً في جيش التحرير الشعبي؛ وتَصفُه إيفا دو بأنه شخصية ذات طموح شديد، وقيادة حازمة، وعقلية تنافسية لا تعرف التردّد؛ كما رسمَت صورة مُتوازنة له بعيدة عن التنميط. فهي تَنسب إليه الفضل في غَرس ثقافة الابتكار والمُثابرة داخل الشركة؛ إذ شجّع على الاستثمار المُكَثّف في البحث والتطوير، حتى في الأوقات التي كانت فيها الهوامش الربحيّة ضعيفة. كما شجّع على بيئة تنافسية داخلية قاسية، حيث تُوضَع الفرق في مواجهة بعضها بعضاً لإنتاج أفضل النتائج. ورغم صعوبة هذه الثقافة؛ فإنها أدّت إلى تحقيق قفزات تكنولوجية ساعدت هواوي على البروز عالمياً.

ومع ذلك، تغضّ الكاتبة الطرف عن الجوانب المُثيرة للجدَل في شخصية مؤسّس هواوي، خاصّة ما يتعلّق باستعداده للعمل في مناطق قانونية رماديّة؛ بل وربما خرق القوانين أحياناً في سبيل تحقيق أهداف الشركة؛ لكنها تُسَلّط الضوء على علاقاته الوثيقة بالجيش والحزب الشيوعي، موضِحة أن تشنغ فاي لم يكن أداة بيَد الدولة، ولا رأسمالياً مُتَمرّداً؛ بل كان استراتيجياً حاذقاً يختار التحالف مع الدولة عندما يخدم مصالح هواوي، ويتمايز عنها عند الضرورة. هذه المُرونة سمحَت لهواوي بالنمو بسرعة مع الحفاظ  على درجة من الاستقلال لا تتوفّر عادةً للشركات المَملوكة للدولة.

ويتناول الكتاب واحدة من أكثر اللحظات تأثيراً في مسيرة شركة هواوي ومؤسّسها، وهي قضية احتجاز منغ وانزو، ابنة رن تشنغ فاي والمُديرة المالية لهواوي، في كندا عام 2018، حيث يُقَدّم عَرضاً مُفَصّلاً للمُلابسات القانونية والدبلوماسية التي أحاطَت بالحادثة، بدءاً من التُّهم الأمريكية لها بالاحتيال والتآمر لخرق العقوبات على إيران، مروراً بالإجراءات القانونية في كندا، وانتهاءً بالتداعيات السياسية التي انعكست على العلاقات بين الصين والولايات المتحدة. 

وتَعرض الكاتبة هذه الحادثة بوصفها لحظة مفصليّة، ليس فقط في حياة تشنغ فاي الشخصية؛ بل أيضاً في إدراك العالَم لطبيعة التداخل بين مصالح الدولة الصينية والشركات الكبرى مثل هواوي. وقد أدّى اعتقال منغ وانزهو إلى إخضاع هواوي لتدقيق دولي مُكَثّف؛ ممّا أثار تساؤلات حول امتثال الشركة للقوانين الدولية وأخلاقيّات العمل الخاصّة بها. هنا، التزمَت إيفا دو بالامتناع عن إصدار حُكمها في هذه "القضية المُثيرة للانقسام" والسماح "للحقائق بالتحدّث عن نفسها".

علاقة تكافليّة:

من أكثر الجوانب حساسيّة سياسيّة في كتاب إيفا دو، هو تناولها لعلاقة هواوي بالحزب الشيوعي الصيني؛ وهي علاقة تستقطب اهتماماً دولياً مُتزايداً، لا سيما في ظلّ الجدَل الدائر حول مُشاركة الشركة في تطوير شبكات الجيل الخامس حول العالَم. وتتناول الكاتبة هذا الموضوع بدقّة وتحليل مُتوازن، فلا تنزلق إلى تبرئة مُطلَقة للشركة ولا إلى شيطنتها؛ بل تُقَدّم سَرْداً موضوعياً يكشف أوجه التعاون والتداخل بين الشركة والدولة.

 وتشير الكاتبة إلى أن فَهم مسيرة هواوي لا يكتمل دون فهم عمق علاقتها بالحزب الشيوعي؛ إذ تلقّت الشركة منذ نشأتها دعماً مُتَعَدّد الأوجه من الدولة، بدءاً من رأس المال، ومروراً بالتسهيلات التنظيمية، ووصولاً إلى فرص دخول الأسواق عبر الشركات الحكومية. وفي المُقابل، تَبَنّت هواوي عدداً من أولويّات الدولة الاستراتيجية، مثل: تحقيق الاكتفاء الذاتي في التكنولوجيا، وتعزيز النفوذ التكنولوجي الصيني عالمياً. ويوضِح الكتاب أن نحو 20% من مُوَظّفي الشركة كانوا من أعضاء الحزب الشيوعي بحلول عام 2007؛ وهي نسبة تُعادل تقريباً ثلاثة أضعاف مُتوسط عضويّة الحزب على مستوى السكّان.

 وترى الكاتبة أن هذا الحضور لا يمكن اعتباره رمزياً فحسب؛ بل كان آليّة لضمان التنسيق الأيديولوجي والعملياتي بين الشركة ومؤسّسات الدولة. ومع ذلك، تُشَدّد الكاتبة على أن نجاح هواوي في الأسواق العالمية لم يكن نتاج التوجيه الحكومي فحسب؛ بل اعتمد أيضاً على قدراتها التكنولوجية واستراتيجياتها التنافسية.

 وتولِي إيفا دو اهتماماً خاصاً بالتُّهم المُتَكرّرة التي وُجّهت لهواوي فيما يتعلق بالتجسّس وسرقة الملكيّة الفكريّة، مؤكّدة أن بعض هذه المخاوف تستند إلى شواهد حقيقية؛ لكنها تنتقد في الوقت ذاته المَيل الغربي إلى تعميم الشك على جميع الشركات الصينية. ومن خلال هذه المُعالجة المُتوازنة، يكشف الكتاب عن تعقيد المشهد الجيوسياسي المحيط بهواوي، حيث تتداخل اعتبارات الأمن القومي بالمصالح التجارية في خضم صراع عالمي على الهيمنة التكنولوجية.

 وختاماً، يُعَدّ كتاب "بيت هواوي" مُساهمة كبيرة في فَهمنا لإحدى أقوى الشركات الصينية وأكثرها غموضاً في العالم؛ حيث يسعى إلى كشف تعقيدات هواوي، من خلال استكشاف تاريخ الشركة وعلاقتها بالحزب الشيوعي الصيني والخلافات المُحيطة بها، كما يُقَدّم سَرْداً دقيقاً وثاقباً يُلقي الضوء على القوى التي تُشَكّل المشهد التكنولوجي العالمي. كما قام الكتاب بربط قصّة هواوي بموضوعات أوسع حول المُنافَسة الجيوسياسية، والتقدّم التكنولوجي، والطبيعة المُتَطوّرة للعلاقات بين الدولة والمؤسّسة في الصين.

 ويَذْكر الكتاب بأن هواوي ليست مُجَرّد شركة اتصالات؛ ولكنها فاعل رئيسي في الصراع على السلطة العالمية في القرن الحادي والعشرين. وعلى هذا النحو؛ فإن الكتاب يُمَثّل قراءة أساسيّة لصانعي السياسات وقادة الأعمال، وأي شخص مُهتَم بمستقبل التكنولوجيا والعلاقات الدولية. أخيراً، يُمَثّل كتاب "بيت هواوي" انتصاراً للصحافة الاستقصائية؛ حيث يُقَدّم صورة شاملة ومُقْنِعة لشركة ارتقَت إلى قمّة الصناعة العالمية، بينما كانت تتنقل في مشهد سياسي مُعَقّد ومُضطَرب في كثير من الأحيان. 

المصدر:

Eva Dou, House of Huawei: The Secret History of China’s Most Powerful Company, (review in Foreign Affairs, March/April 2025, P.185).

 

2025-07-21 10:25:13 | 61 قراءة

مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية