المجتمع الحريدي والاقتصاد الإسرائيلي: السياسة لتكريس الوضع القائم
يبدو أن القوّة السياسية المُتَنامِيَة للأحزاب الحريديّة، وتزايد اعتماد الائتلاف الحكومي على دعمها، سواء من داخل الائتلاف أو من خارجه، يُوَفّران الغطاء السياسي لاستمرار هذا الوضع، بل وتعزيزه، من خلال ضخّ ميزانيّات كبيرة للمجتمع الحريدي تَضْمَن الحفاظ على الوضع القائم.
امطانس شحادة
تحرير:عرب 48
19/12/2025
في الوقت الذي تشهَد فيه إسرائيل خلال العامَيْن الأخيرين ارتفاعًا في مُعَدّلات الهجرة العكسيّة، ولا سيّما في فئة الشباب وصفوف الطبقة الوسطى، تُشير مُعطَيات حديثة لدائرة الإحصاء المركزيّة أيضًا إلى زيادة ملحوظة في أعداد الأكاديميين الحاصلين على شهادة الدكتوراه الذين انتقلوا للعمل والعيش خارج إسرائيل لفترات تتجاوز ثلاث سنوات. وقد تَسارَع هذا الاتجاه بشكل واضح منذ بدء تنفيذ خطّة إضعاف الجهاز القضائي عقب تشكيل حكومة نتنياهو الحالية مطلع عام 2023، وكذلك في ظلّ تداعيات الحرب على غزة، وفق مُعطَيات نشرَتها دائرة الإحصاء المركزيّة قبل أيّام.
وفي مُقابِل هذه المؤشّرات المُقلِقَة من منظور إسرائيلي، خاصّة على نمو وتطوّر الاقتصاد الإسرائيلي وبنية المجتمع، نشَر المعهد الإسرائيلي للديمقراطية في 14 كانون الأوّل/ديسمبر الجاري كتاب "الإحصاء السنوي للمجتمع الحريدي"، الذي يكشف صورة مُغايِرَة لواقع المجتمع الحريدي مُقارَنةً ببقيّة المجتمع الإسرائيلي. ونجِد أن المجتمع الحريدي يُواصِل تعميق نمَط حياته الخاص، وتزايد مستويات الولادة ورفع نسبته من مجمل المجتمع اليهودي، وزيادة أعداد طلّاب المعاهد الدينية، واستمرار ضعف مُشارَكة الرجال الحريديم في سوق العمل، واستقرار مُشارَكة النساء الحريديّات في سوق العمل؛ فضلًا عن تدنّي مُستَويات الدّخل مُقارَنةً ببقيّة المجتمع اليهودي.
لمُتابَعة الحالة الديموغرافية والاقتصادية للمجتمع الحريدي خلال العام الأخير، نَستَعرِض أبرز المُعطَيات الواردة في كتاب "الإحصاء السنوي للمجتمع الحريدي في إسرائيل"، الصادر عن المعهد الإسرائيلي للديمقراطية الأسبوع الماضي.
الديموغرافيا: مجتمع فتيّ بشكل استثنائي
يبلغ عدد السكّان الحريديين في عام 2025 نحو 1,452,350 نسمة، أي ما يُقارِب 14.3٪ من إجمالي سكان إسرائيل، ونحو 20٪ من السكّان اليهود. ويُعَدّ هذا المجتمع واحدًا من أكثر المجتمعات شبابًا في العالم، إذ يُشَكّل من هم دون سن 19 عامًا نسبة 57٪ منه، بينما تبلغ نسبة من هم حتى سن 19 عامًا نحو 22٪ من مجموع سكّان الدولة. بينما لا تتجاوز نسبة الحريديين الذين تزيد أعمارهم على 65 عامًا 4٪ من إجمالي السكّان. ويبلغ معدّل الخصوبة في المجتمع الحريدي نحو 6.5 أطفال لكلّ امرأة؛ وهو من أعلى المعدّلات على مستوى العالَم.
التعليم
نمَت منظومة التعليم الحريديّة خلال العقد الأخير، بمعدّل سنوي متوسّط يُقارِب 3.7٪. وفي العام الدراسي (2024–2025) يدرس فيها نحو 420 ألف طالب، أي ما يُقارِب 21٪ من مجمل الطلّاب في إسرائيل، ونحو 27٪ من طلّاب التعليم العِبري. كما أن 31٪ من طلّاب الصفوف الأولى (الصف الأوّل) في التعليم العِبري يدرسون ضمن إطار الإشراف الحريدي. وقبل عقد من الزمن، بلغ عدد طلّاب منظومة التعليم الحريديّة نحو 290 ألف طالب، وكانت حصّتها من التعليم العِبري نحو 24٪.
يتوزّع الطلّاب في مؤسّسات التعليم الحريدي على النحو الآتي: 62.5٪ في الشبكات الحريديّة، 8.5٪ في مؤسّسات "المُعتَرَف بها غير الرسمية"، 21٪ في مؤسّسات الإعفاء، و7.5٪ في التعليم الحكومي الحريدي. أي أن الغالبيّة العظمى من الطلّاب في المجتمع الحريدي يتعلّمون في نظام التعليم الخاص بهم، الذي لا يُوَفّر للطلّاب مستويات تعليم مقبولة في مواضيع التدريس الإلزاميّة والأساسيّة لتحضيرهم لأسواق العمل؛ وبذلك يمنع اندماجهم في أسواق العمل.
ونجِد أن نسبة الطلّاب الحريديين المُستَحِقّين لشهادة البجروت ارتفعت من 10٪ قبل عقد إلى 16٪ في الوقت الراهن. إلّا أن الفجوة مُقارَنةً بالتعليم الحكومي والحكومي-الديني ما تزال هائلة، إذ تبلغ نسبة الاستحقاق فيهما نحو 85٪؛ ممّا يوضِح مرّة أخرى عدم رغبة المجتمع الحريدي في الحصول على الأدوات الضرورية للاندماج في أسواق العمل.
المعاهد الدينيّة (اليشيفوت)
في عام 2023 بلَغ عدد طلّاب المعاهد الدينية غير المتزوّجين (طلّاب اليشيفوت)، والمتزوّجين (أبرخيم) من الحريديين فوق سن 18، نحو 169,366 شخصًا. وقد ارتفع عدد طلّاب اليشيفوت والأبرخيم خلال العقد الأخير (2013–2023) من 92,500 إلى نحو 169,500، أي زيادة بنسبة 83٪ ، وبمعدّل نمو سنوي يتجاوز 6٪، وهو معدّل أعلى من وتيرة النمو السكّاني للمجتمع الحريدي نفسه. مع العِلم أن غالبيّة هؤلاء الطلّاب تلقّوا حتى قبل عدّة أشهر تمويلًا ودعمًا شهريًا من ميزانيّة الحكومة، إلّا أن المحكمة العليا أوقفَته وربطَته بسنّ قانون الخدمة العسكرية.
في عام 2024 سُجِّل انخفاض ملحوظ في عدد طلّاب اليشيفوت والأبرخيم الحريديين المُسَجّلين لدى وزارة التعليم. ويُعزى ذلك إلى أن نحو 70 ألف طالب ييشيفاه وأبرخ يُعَدّون من الفئة المُلزَمة بالتجنيد، ضمن الأعمار 18–27 عامًا، ولا يحصلون على تمويل حكومي، الأمر الذي يؤدّي إلى عدم إدراجهم في تقارير وزارة التعليم.
التعليم العالي والتأهيل المهني
يَدرُس في العام الدراسي 2024–2025 في مؤسّسات التعليم العالي 18,953 طالبًا حريديًا، يُشَكّلون نحو 5.5٪ من مجمل الطلّاب في إسرائيل. وقد تباطأ معدّل النمو في السنوات الأخيرة مُقارَنةً بالعقد السابق، ليقتصر في الفترة الأخيرة على نحو 4٪ سنويًا فقط، مع تَرَكّز معظم هذا النمو في برامج الدراسات العليا.
وفي هذا السياق، تحوّل مسار التأهيل التكنولوجي إلى أحد مُحَرّكات النموّ الرئيسة في مجال التأهيل المهني داخل المجتمع الحريدي. إذ بلغ عدد الطلّاب الحريديين المُلتَحِقين بمسارات التأهيل التكنولوجي في عام 2024 نحو 9,600 طالب، وهو رقم يفوق بثلاثة أضعاف ما كان عليه في عام 2014. وقد تسارَع هذا النمو خلال السنوات الخمس الأخيرة ليَصل إلى نحو 17٪ سنويًا، وهي وتيرة ارتفاع سريعة لا تُسَجّل في أيّ مجال آخر من مجالات التعليم العالي الحريدي.
التشغيل والدخل عام 2025
يبلغ معدّل التشغيل بين الرجال الحريديين في عام 2025 نحو 53٪، وذلك وفق مُعطَيات الفصول الثلاثة الأولى من العام، فيما يصل معدّل التشغيل بين النساء الحريديّات إلى نحو 81٪. ويَتَرَكّز تشغيل 30٪ من الرجال الحريديين في قطاع التعليم، في حين لا تتجاوز نسبة العاملين منهم في قطاع الهايتك 5٪؛ وهي مُعطَيات تعكس غياب أيّ تغيير يُذكَر في تركيبة المهن خلال العقد الأخير. أما نسبة النساء الحريديّات العامِلات في مجال التعليم، فتبلغ 42.5٪، وهي نسبة قريبة من مستواها قبل عقد (44٪). أي أنّ غالبية النساء الحريديّات يعمَلن في سوق العمل الخاص بالمجتمع الحريدي، ويتأثّرن بفعل الارتفاع الدائم بعدد الأطفال وحصّتهم من المجتمع الحريدي.
إلى جانب ذلك، توضِح معدّلات الدخل في المجتمع الحريدي الفَرْق الاقتصادي الواسع بين المجتمع الحريدي وغير الحريدي. إذ يبلغ متوسط أجْر الرجل الحريدي 9,929 شيكلًا فقط، أي نحو 49٪ من دخل الرجل اليهودي غير الحريدي. ويبلغ متوسّط أجر النساء الحريديات 8,617 شيكلًا، أي ما يُقارِب 67٪ من أجر النساء اليهوديات غير الحريديّات.
مستوى المعيشة
يعيش 33٪ من العائلات الحريديّة و45٪ من الأطفال الحريديين تحت خطّ الفقر، وهي نسبة أعلى بكثير مُقارَنةً بالعائلات اليهودية غير الحريديّة (14٪ و13٪ على التوالي). ومع ذلك، لوحِظ خلال العقد الأخير انخفاض في معدّلات الفقر بين العائلات الحريديّة، إذ بلغت 39٪ في عام 2015. ويبلغ متوسّط الدّخل الشهري للأسْرة الحريديّة 14,816 شيكلًا، مُقابِل 24,466 شيكلًا للأسْرة اليهودية غير الحريديّة، أي نحو 60.5٪. كما سُجّل تراجع خلال العقد الأخير في مستوى الدّخل الشهري للأُسَر الحريديّة مُقارَنةً بغير الحريديّة (66.5٪ في عام 2012).
ويمتلك 75٪ من الحريديين شققًا سكنيّة، وهي نسبة أعلى بقليل من اليهود غير الحريديين (72٪)؛ وهي مُعطَيات مُشابِهة لتلك المُسَجّلة في الأعوام 2013–2014. في المقابل، لا يمتلك سيّارة سوى 50٪ من الحريديين، مُقارَنةً بـ82٪ بين اليهود غير الحريديين. ومع ذلك، تقلّصت الفجوات في امتلاك السيّارات خلال العقد الأخير، إذ كانت قبل عشر سنوات 37٪ لدى الحريديين مقابل 77٪ لدى غير الحريديين.
تقييم الوضع الاقتصادي
على الرّغم من الفجوات الواضحة في مختلف المؤشّرات الاقتصادية، فإن التصوّر الذاتي للوضع الاقتصادي يكاد يكون مُتَطابِقًا بين المجموعتين؛ إذ أفاد 27٪ من الحريديين و26٪ من اليهود غير الحريديين بأنهم راضون عن وضعهم الاقتصادي.
الحفاظ على الوضع القائم
تعكس المُعطَيات عقدًا من الجمود، بل وحتى التراجع في اندماج الرجال الحريديين في أسواق العمل، مُقارَنةً بالعقد الذي سبَقه. ويتجلّى هذا الجمود والتراجع في معدّلات التشغيل، ومستويات الدّخل، وقطاعات العمل، وكذلك في نسبة المُتَجَنّدين في الجيش الإسرائيلي. كما لم يطرأ تغيير جوهري خلال العقد الأخير في مجال الاستحقاق لشهادة البجروت (الثانوية العامّة)، وذلك على النقيض من الارتفاع السريع في أعداد طلّاب المعاهد الدينية (اليشيفوت) والمتزوّجين الدّارسين فيها (الأبرخيم).
في المُقابِل، تُواصِل النساء الحريديّات مسار ارتفاع المشاركة في أسواق العمل. إذ إن معدّل تشغيلهن يكاد يكون مُماثِلًا لمعدّل تشغيل النساء غير الحريديّات. كما سُجّلت زيادة في نسبة الاستحقاق لشهادة البجروت خلال العقد الأخير. ومع ذلك، ما تزال مستويات دخل النساء الحريديّات منخفضة.
في ظلّ هذا الواقع، من غير المُستَغرَب أن يعمل المجتمع الحريدي والأحزاب الحريديّة للحفاظ على الوضع القائم، والضغط للحصول على الميزانيّات الحكوميّة اللازمة لذلك. إلّا أن هذا الوضع بات يُشَكّل، من منظور المجتمع الإسرائيلي، عِبئًا على الاقتصاد الإسرائيلي في الحاضر، وبدرجة أكبر في المستقبل، وذلك في ضوء ازدياد نسبة المجتمع الحريدي من مُجمَل المجتمع اليهودي، ولا سيما حصّته المُتَنامِيَة بين فئة الشباب وعدم مُشارَكَتِه في أسواق العمل. إذ يُتَوَقّع أنه خلال عقدين من الزمن ستكون نسبة الحريديين من فئة الشباب مُرتَفِعَة جدًا، ما سيجعَلهم عبئًا اقتصاديًا جدّيًا على الاقتصاد في إسرائيل.
ويبدو أن القوّة السياسية المُتَنامِيَة للأحزاب الحريدية، وتزايد اعتماد الائتلاف الحكومي على دعمها، سواء من داخل الائتلاف أو من خارجه، يُوَفّران الغطاء السياسي لاستمرار هذا الوضع، بل وتعزيزه، من خلال ضخّ ميزانيّات كبيرة للمجتمع الحريدي تَضْمَن الحفاظ على الوضع القائم وتكريسه.
2026-01-02 14:26:08 | 38 قراءة