استراتيجيّة ترامب للأمن القومي: إعادة تعريف الهيمَنة الأمريكيّة ومَكانة "إسرائيل"
موقع الخنادق
الخميس، 18 كانون الأوّل، 2025
تتناول الدراسة أدناه، من إصدار معهد الأمن القومي الإسرائيلي، وترجمة موقع الخنادق، تَحَوّل استراتيجيّة الأمن القومي لإدارة ترامب بوَصْفِها إعادة صياغة لمبدأ "أمريكا أوّلًا" بعيدًا عن المُقارَبة الليبراليّة القائمة على القِيَم، باتجاه نهج واقعي يُرَكّز على المصلحة القومية، السيادة، وتقليص التدخّلات الخارجيّة. وتؤكّد الوثيقة أن الولايات المتحدة لم تَعُد معنيّة بالحفاظ على النظام الدولي الليبرالي كما بعد الحرب العالميّة الثانية، بل بإدارة التنافس بين القوى الكبرى، ومُعالَجة إرهاق الحروب، وإعادة توجيه المَوارِد نحو الاقتصاد والأمن الداخليين.
ونتيجة لذلك، يتحوّل الهدف الأمريكي في الشرق الأوسط من الاستثمار العسكري الواسع إلى إدارة الاستقرار، عبر وجود عسكري محدود، وتجنّب الحروب الكبرى، ونقل العبء الأمني إلى شركاء إقليميين تقودهم "إسرائيل" ودول الخليج.
تُعَرَّف إسرائيل في الاستراتيجيّة بوَصْفِها مصلحة أمريكية جوهرية وشريكًا استراتيجيًا مركزيًا في البنية الإقليميّة الجديدة، مع التزام أمريكي مُعلَن بتفوّقها العسكري النوعي، واستمرار الدعم الأمني والاستخباراتي والدبلوماسي لها. غير أنّ هذا الالتزام مشروط بمبدأ مُوازٍ هو تجنّب "الحروب الأبديّة"، ما يعني أن الدعم الأمريكي يُشَكّل في الوقت نفسه ركيزة حماية وأداة ضغط على إسرائيل لعدم إعادة فتح جبهات واسعة قد تُقَوّض سرديّة "الشرق الأوسط المُستَقِر".
تُبرِز الدراسة أن هذه السياسة تمنح إسرائيل نافذة زمنيّة قصيرة ومحدودة (نحو ثلاث سنوات أو أقل) من التزام أمريكي استثنائي، ينبغي استغلالها لتعزيز مَكاسِب طويلة الأجَل: ترسيخ أمنها كمصلحة أمريكية رسمية، الحفاظ على مُذَكّرة التفاهم العسكرية وتوسيعها، تعميق التعاون الاستخباراتي والتكنولوجي، والتموضع كمركز أمني وتقني ضمن المحور المُوالي لواشنطن، إضافة إلى الاندماج في مشاريع الطاقة النوويّة المدنيّة والذكاء الاصطناعي.
في المُقابِل، تُحَذّر الدراسة من مَخاطِر استراتيجيّة، أبرزها ترسيخ سرديّة "إغلاق الملفّات" بما يُضعِف شرعيّة أيّ عمليّات عسكرية إسرائيلية مستقبلية، واتساع الفجوة بين الرؤية الأمريكية واحتياجات إسرائيل الأمنيّة، وتزايد الضغوط السياسية والأمنية عليها بفعل توطيد علاقات واشنطن مع شركاء إقليميين لا تتطابق مصالحهم معها، فضلًا عن مَخاطِر تآكل التفوّق النوعي الإسرائيلي نتيجة صفقات إقليميّة، وتعميق التوتّر مع أوروبا والحزب الديمقراطي الأمريكي.
وتَخلُص الدراسة إلى أن استراتيجيّة ترامب لا تُنهي التحالف الأمريكي–الإسرائيلي، لكنّها تُغَيّر قواعده: دعم سياسي وأمني مُعلَن، مُقابِل تقليص التدخّل العسكري المباشر ونقل العبء إلى الحُلفاء. وبناءً عليه، تُواجِه إسرائيل تحدّيًا مركزيًا يتمثّل في تحقيق توازن دقيق بين تعميق الشراكة مع الإدارة الحاليّة، والحفاظ على حريّة العمل الاستراتيجيّة والقدرة على الردع، دون الإضرار بعلاقاتها مع الإدارات الأمريكية المستقبلية، أو الظهور كعامِل يُعَرقِل مشروع إعادة تشكيل الشرق الأوسط وفق التصوّر الأمريكي.
النصّ المُتَرجَم للدراسة
تُعيدُ استراتيجيّة الأمن القومي لإدارة ترامب صياغة مبدأ "أمريكا أوّلاً" بطريقة تُقَوّض التصوّر التقليدي للهيمَنة الأمريكيّة. لم يَعُد هذا المبدأ نهجاً قائماً على القِيَم من قِبَل المعسكر الليبرالي الديمقراطي، بل أصبح سعياً للاعتراف بجنسيّات الدول وتجنّب التدخّل في شؤونها الداخلية.
يُصَوَّر الشرق الأوسط على أنه "حالة مُحْكَمَة" - إيران ضعيفة، والمشروع النووي "مُدَمَّر"، والحرب في غزة انتهت، والتطبيع الإقليمي يتقدّم. في هذا الإطار، تُعَرَّف إسرائيل بأنها مصلحة جوهريّة وشريك رئيس، إلى جانب دول أخرى، في البنية الجديدة للشرق الأوسط، وهو الهدف الرئيس للإدارة الأمريكية في المنطقة. في الوقت نفسه، تُعتَبَر إسرائيل عامِلاً قادراً على إعادة فتح جبهات واسعة، وبالتالي تقويض قصّة النجاح التي تسعى الإدارة إلى ترسيخها.
على أيّ حال، فإنّ التركيز في الاستراتيجيّة الأمنيّة والسياسة الفعليّة التي تقودها إدارة ترامب يمنح إسرائيل فرصة قصيرة ومُحَدّدة، تتجاوز ثلاث سنوات في أقصى تقدير، وربما أقل في الواقع، تلتزم خلالها واشنطن التزامًا خاصًا تجاه إسرائيل. بالنسبة لإسرائيل، لا يقتصر الأمر على مجرّد "التوافق" مع الإدارة، بل يتعدّاه إلى استغلال هذه الفترة الزمنيّة المحدودة لتعزيز أهداف استراتيجيّة ذات قيمة طويلة الأجَل في علاقتها مع الولايات المتحدة والمنطقة، مع إدارة المَخاطِر الناجمة عن مَيْل الإدارة إلى إعلان "إغلاق الملف"، ونقل العبء إلى الشركاء، وتجنّب التدخل العسكري المباشر على نطاق واسع.
إنّ رَبط أمن إسرائيل رسميًا بالمصلحة الأمريكية يُعَزّز قدرتها على المُطالَبة بالحفاظ على مُذَكّرة التفاهم بين البلَدين وتوسيع نطاقها، ممّا يضمن لها تفوّقًا نوعيًا، فضلًا عن تعميق التعاون الأمني والتكنولوجي، ووضعها في موقع مركزي للاستخبارات العسكرية ضمن المحور المُوالي للولايات المتحدة، بما في ذلك الاندماج في مشاريع الطاقة النوويّة المدنيّة والذكاء الاصطناعي.
من جهة أخرى، فإنّ الرواية القائلة بأن التهديدات من إيران وقطاع غزة وسوريا ولبنان قد "تمّ التعامل معها" تُضعِف شرعيّة الإجراءات العسكرية الإسرائيلية واسعة النطاق في المستقبل؛ ومن المُرَجّح أن تتّسع الفجوة بين الرؤية الأمريكية للشرق الأوسط واحتياجات إسرائيل الأمنيّة؛ كما أنّ توطيد العلاقات بين إدارة ترامب وحُلفائها الخليجيين وتركيا، فضلًا عن اعتمادها على شركاء آخرين في المنطقة، من شأنه أن يُتَرْجَم إلى ضغوط على إسرائيل لاتخاذ تدابير سياسيّة وأمنيّة تتعارض مع مصالحها، لا سيما في الساحة الفلسطينية.
تعكس استراتيجية الأمن القومي لإدارة ترامب مُحاوَلة لإعادة صياغة مبدأ "أمريكا أوّلاً" في سياق التنافس بين القوى العظمى، والإرهاق من الحروب، والحاجة إلى إعادة الاستثمار في الأمن والاقتصاد الأمريكيين. وتسعى هذه الوثيقة إلى "مُعالَجة" خمسة إخفاقات حَدّدتها الإدارة الحاليّة في السياسة الأمريكية على مدى العقود الماضية.
-التوسّع المُفرِط في الالتزامات العالميّة: الحفاظ على "النظام الليبرالي" في جميع أنحاء العالم، حتى عندما تكون مُساهَمته المباشرة في أمن الولايات المتحدة مُثيرَة للجدل.
- إهمال الأمن الداخلي والاقتصاد: استثمار الموارد في الشرق الأوسط وأوروبا وشرق آسيا على حساب البنية التحتيّة والحدود والصناعة الأمريكية.
- تشجيع العَولمة والتجارة الحرّة: لقد ألحَق "الرهان" على العَولمة والتجارة الحرّة ضرَراً بالغاً بالطبقة الوسطى الأمريكية والقاعدة الصناعية، والتي كانت تُعتَبَر مركز ثقل التفوّق العسكري والاقتصادي الأمريكي.
- مزج القِيَم بالمصالح: تعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان كأداة مركزيّة في السياسة الخارجية، حتى عندما يتعارض ذلك مع المصالح الأمنية والاقتصادية.
- الاعتماد على المنظّمات والمؤسّسات متعدّدة الأطراف: ربط السياسة الخارجية الأمريكية بالأطُر الدولية، والتي حدّدت الإدارة بعضها على أنها ذات تحيّز مُعادٍ لأمريكا وتنتهك السيادة الأمريكية.
وفي هذا السياق، تُمَثّل الوثيقة التخلّي عن الالتزام الأمريكي بالحفاظ على النظام الدولي الليبرالي والدفاع عنه، والذي كان ركيزة أساسية للسياسة الخارجية الحزبية منذ الحرب العالميّة الثانية.
إعادة صياغة المبادئ التوجيهيّة والعقيدة
تُحَدّد استراتيجيّة الأمن القومي إطاراً جديداً للسياسة الخارجية لا يستند إلى أيديولوجيّة سياسيّة ثابتة، بل يُرَكّز على ما تُحَدّده الإدارة على أنه المصلحة الوطنية الأمريكية:
- الأمن الاقتصادي: التركيز الرئيسي: تعزيز الهيمَنة الاقتصادية، وإنعاش الصناعة، وإعادة هيكَلة نظام التجارة العالمي، وتوسيع القدرات الأمنيّة، وحماية حقوق العامِل الأمريكي. وتُعَدّ المَوارِد الطبيعية، ولا سيما المَعادِن والطاقة الحيويّة، مجالاً مُفَضّلاً للسيطرة.
- المصالح الأمريكية على المصالح الدولية/العالمية: إعطاء الأولويّة للمصالح السياسية والاقتصادية الأمريكية المَلموسة، مع تقليل وزن الأمن الجماعي والمؤسّسات متعدّدة الأطراف.
- نهجٌ واقعيٌّ لا يتدخّل في شؤون الدولة: ويضع معايير عالية للتدخّل العسكري. وتؤكّد الإدارة أنها لن تسعى لفرض "تغييرات ديمقراطية اجتماعية" على الدول الأخرى، وستُقيم علاقات مع الأنظمة غير الديمقراطية، واصفةً هذا النهج بالواقعي وغير المُنافِق.
- مركزيّة السيادة والدولة القوميّة: تُقَدَّم الدولة القومية كأساس للنظام الدولي. ويُنظَر إلى حماية الحدود من الهجرة الجماعيّة وغير المُنضبِطة على أنها أساس للنظام والتماسك الاجتماعي ومُرونة الدولة.
- توازن القوى وتقاسم الأعباء: تسعى الإدارة إلى العمل مع الحلفاء للحفاظ على توازن القوى الإقليمي والعالمي، دون أن تتصرّف كـ"شرطي عالمي". ويتطلّب الأمر تقاسمًا جديدًا للأعباء: حيث يُطلَب من الدول الغنيّة زيادة استثماراتها في أمنها بشكل كبير (أعضاء الناتو، والدول الشريكة للولايات المتحدة في منطقة المُحيطين الهندي والهادئ).
الشرق الأوسط
يُصَوَّر الشرق الأوسط كساحة تحقّقت فيها إنجازات كبيرة:
- إلحاق الضرر بقدرات إيران وإضعافها، بما في ذلك "تدمير المشروع النووي"؛
- إنهاء الحرب في قطاع غزة وإعادة الرهائن الإسرائيليين من أسْر حماس؛
- تتوسّع عملية التطبيع بين إسرائيل والدول العربية.
وبالتالي، فإن الهدف الرئيس هو "إدارة الاستقرار" وليس استثمار مَوارِد إضافيّة.
وفي هذا السياق، تعتزم الولايات المتحدة القيام بما يلي:
- الحفاظ على وجود عسكري مُرَكّز (بحري، جوّي، استخباراتي، قوّات خاصّة)، بشكل أساسي حول مضيق هرمز والبحر الأحمر لحماية خطوط الطاقة والشحن؛
- تجنّب الحروب "الكبرى" والتواجد البريّ المُطَوّل؛
- الاعتماد على شركاء إقليميين أقوياء - بقيادة إسرائيل ودول الخليج، كخط دفاع أول.
يتضمّن المفهوم الأمني الأمريكي التزامًا صريحًا بأمن إسرائيل، الذي يُعَرَّف بأنه مصلحة جوهريّة للولايات المتحدة في الشرق الأوسط. تُقَدَّم إسرائيل كشريك استراتيجي رئيس في منظومة التحالفات الإقليمية لواشنطن، إلى جانب دول الخليج ومصر. وتتلخّص الرسالة في أن الإدارة الأمريكية ترى في الحفاظ على التفوّق العسكري والنوعي لإسرائيل وقدرتها على الدفاع عن نفسها شرطًا أساسيًا للبنية الإقليمية الجديدة؛ وبالتالي يوجد مُبَرّر مُستَمر لتقديم المساعدة الأمنيّة لها، والتعاون الاستخباراتي معها، ومُمارَسة الدبلوماسية الحمائيّة تجاهها في المحافل الدولية.
مع ذلك، يرتكز هذا الالتزام على مبدأ آخر: تجنّب "الحروب الأبديّة" ونقل العبء إلى الحلفاء. بعبارة أخرى، تلتزم الولايات المتحدة بأن "تبقى إسرائيل آمِنة"، لكنها لا تلتزم بالعودة إلى انخراط عسكري عميق ومُستَدام في المنطقة، وتتوقّع من إسرائيل وشركائها الإقليميين تحمّل معظم العبء الأمني. ومن ثم، يُعَدّ الالتزام الأمني في آنٍ واحدٍ ركيزةً وأداةً للضغط: فهو يمنح إسرائيل دعماً أمريكياً قوياً، ولكنه يُشَكّل أيضاً أساساً للضغط على القدس لتجنّب أيّ خطوات من شأنها تعريض الولايات المتحدة لجولة جديدة من الحروب والتدخّلات، وللعمل، قدر الإمكان، ضمن إطار من الاستقرار الإقليمي والتطبيع. ويُنظَر إلى أيّ خطوة إسرائيلية من شأنها إعادة فتح صراعات انتهت على أنها عرقلة لمشروع استراتيجي أوسع يحدّده الرئيس ترامب لنفسه.
معاني إسرائيل
تُتيح التركيزات في الاستراتيجيّة الأمنيّة والسياسة الفعليّة التي تقودها إدارة ترامب لإسرائيل فرصةً قصيرةً ومُرَكّزة، لا تتجاوز ثلاث سنوات، وربما أقل في الواقع، تلتزم خلالها واشنطن التزامًا استثنائيًا تجاه إسرائيل. تُهَيمِن الولايات المتحدة على الساحة الإقليميّة، وتعمل وفقًا لمبدأ "السلام من خلال القوّة": السعي لتحقيق إنجازات سياسية واقتصادية سريعة، وتسويق النجاحات، والاستفادة من نتائج الصراعات العسكرية لتشكيل بنية إقليميّة جديدة. بالنسبة لإسرائيل، لا يعني هذا مجرّد "التوافق" مع الإدارة، بل يعني أيضًا استغلال هذه الفترة الزمنيّة المحدودة لتعزيز أهداف استراتيجيّة ذات قيمة طويلة الأجَل تجاه الولايات المتحدة والمنطقة، مع إدارة المخاطر الناجمة عن ميْل الإدارة إلى إعلان "إغلاق الملف"، ونقل العبء إلى الشركاء، وتجنّب التدخّل العسكري المباشر على نطاق واسع. كلّما تحقّق الهدف الأمريكي المتمثّل في إرساء الاستقرار الإقليمي، ازداد حافز الولايات المتحدة للحفاظ على وجودها في المنطقة وتعزيز المصالح المشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل ودول الخليج.
أهداف وفُرَص إسرائيل
ترسيخ أمن إسرائيل رسميًا كمصلحة أمريكية: إنّ تعريف أمن إسرائيل كمصلحة أمريكيّة جوهريّة يُوَفّر أساسًا متينًا للمُطالَبة بمواصلة ضمان التفوّق النوعي، والحفاظ على المساعدات الأمنيّة وتطويرها، وتعزيز التعاون في مجالات الاستخبارات، والأمن السيبراني، والدفاع الجوّي، والتكنولوجيا. علاوة على ذلك، عندما ترغب واشنطن في نقل العبء إلى شركائها، يمكن لإسرائيل أن تضع نفسها في موقع محوري أمني وتكنولوجي ضمن المحور المُوالي لأمريكا: مزيج من القدرات الاستخباراتية والحربيّة القائمة على صناعة دفاعيّة متقدّمة.
بنية إقليميّة جديدة: يُتيح سعي الإدارة الأمريكية لتوسيع نطاق "اتفاقيّات أبراهام" كعنصر أساسي في هذه البنية الجديدة، وكركيزة للاستقرار الإقليمي طويل الأمَد، فُرصَة استراتيجيّة لإسرائيل. ويستَند هذا إلى دمج المصالح المشتركة بينها وبين دول رئيسيّة (لا سيما السعودية ودول الخليج، إلى جانب مصر والأردن) في مجالات الأمن والبنية التحتيّة والطاقة والمَمَرّات التجارية والتكنولوجيا، بما يُرسي ترابطًا مُتَبادَلًا ويُقَلّل من قدرة إيران ووكلائها على التحرّك.
تحسين الموقف التفاوضي مع واشنطن: كلّما زادت الولايات المتحدة من تعريفها لإسرائيل على أنها لا غنى عنها في الإطار الإقليمي، اتّسعت مساحة التفاوض الإسرائيلية – سواء فيما يتعلّق بالوعود طويلة الأجَل بالمساعدات والأسلحة، أو في سياق التفاهمات المكتوبة بشأن حريّة العمل (وخاصّة مع إيران ووكلائها).
الاستفادة من أجندة الطاقة النوويّة المدنيّة والذكاء الاصطناعي: إنّ التركيز على شراكات الطاقة (بما في ذلك الطاقة النوويّة المدنيّة) وعلى المشاريع القائمة على الذكاء الاصطناعي والابتكار، يخلق مساحة لإسرائيل للاندماج في المشاريع الإقليميّة، بطريقة من شأنها أن تُعَزّز اعتماد شركائها عليها، والمصلحة الأمريكية في ضمان أمنها.
مَخاطِر تُواجِه إسرائيل
ترسيخ سرديّة مفادها أنّ "حادثة الشرق الأوسط" قد انتهت: إنّ المُبالَغة في تقدير أن "المشروع النووي قد دُمّر"، وأنّ إيران قد أُضعِفَت، وأنّ الحرب في قطاع غزة قد انتهت - يُرَسّخ سرديّة "إغلاق الملفّات". ومن المرجّح أن تُقابَل أيّ محاولة إسرائيلية مستقبلية للادّعاء بأنّ التهديد الإيراني قد تجدّد، أو أنّ هناك حاجة إلى مزيد من التحرّكات الواسعة في غزة، بالتشكيك والشعور بأن إسرائيل تُقَوّض إنجازًا كبيرًا تتباهى به الإدارة الأمريكية. في هذا السياق، يُنظَر إلى إسرائيل على أنها اللاعب الوحيد الذي يُمكِنه فتح جبهات جديدة رئيسية (ضدّ إيران، وفي لبنان، وفي قطاع غزة).
ردود الفعل السلبيّة على الصفقات: إنّ ميْل ترامب إلى إبرام صفقات يمكن تقديمها على أنها إنجاز، حتى لو لم تكن مُفَصّلة بالتفصيل، فضلاً عن قدرته على الضغط على إسرائيل لقبولها، قد يؤدّي إلى وضع تُجبَر فيه إسرائيل على الموافقة على اتفاقيّات تبدو وكأنها تخدم مصالح الإدارة، ولكن لها عواقب سلبيّة طويلة الأجَل على إسرائيل، وقد تُقَلّل من هامش المُناوَرَة لديها في الأزمات المستقبليّة.
تراجع الرغبة العمليّة في استخدام القوّة دفاعًا عن إسرائيل – على الرّغم من الإعلان بأن أمن إسرائيل مصلحة جوهريّة، فإنّ مبدأ تجنّب الحروب الكبرى ونقل العبء إلى الشركاء قد يؤدّي إلى اتّساع الفجوة بين الالتزام المُعلَن والاستعداد لاستخدام القوّة العسكرية المباشرة، لا سيما ضدّ إيران وحزب الله. وتَعتَبر الإدارة الأمريكية الهجوم الأمريكي على المُنشَآت النووية الإيرانية ناجحًا؛ إلّا أن هذا القرار لاقى انتقادات من مؤيّدي الإدارة. وبشكل عام، تُبدي الإدارة تردّدًا في الانخراط الفعّال في القتال.
الاعتماد المُتَزايِد على الشركاء الإقليميين الذين لا تتداخل مصالحهم: عندما تنقل الولايات المتحدة عبء الأمن إلى "المحور المُوالي لأمريكا" (إسرائيل والمملكة العربية السعودية ودول الخليج ومصر وتركيا)، وهي خطوة تتطلّب زيادة كبيرة في التنسيق بينهم، فقد يُطلَب من إسرائيل دفع ثمن أمني أو سياسي للحفاظ على هيكل التحالف، حتى عندما لا تتطابق مصالحها تمامًا مع مصالح شركائها.
الإضرار بالميزة النوعيّة لإسرائيل ( QME ) : كلّما سعَت الحكومة جاهدة لإبرام صفقات إقليميّة (بما في ذلك مبيعات المعدّات المتقدّمة)، زاد خطَر تآكل الميزة النوعيّة إذا لم يتم تحديد التعويضات/الاستثناءات/ القيود.
تعميق الفجوات مع أوروبا وأجزاء من النظام الأمريكي: إنّ الابتعاد عن التأكيد على الديمقراطية وحقوق الإنسان يُوَلّد مُعارَضة في أوروبا وفي الأوساط الديمقراطية في الولايات المتحدة نفسها؛ ومن المُرَجّح أن يؤدّي الارتباط الإسرائيلي المفتوح للغاية بهذا الإطار الأيديولوجي الذي يُوَجّه إدارة ترامب إلى تفاقم التوتّرات بين إسرائيل وأوروبا، وبينها وبين الحزب الديمقراطي، وكذلك مع أجزاء من المجتمعات اليهودية؛ فضلاً عن تعميق الانقسام الاجتماعي والسياسي في إسرائيل.
ملخّص
لا تُنهي استراتيجيّة الأمن القومي لإدارة ترامب الشراكة الاستراتيجيّة بين إسرائيل والولايات المتحدة، لكنّها تُغَيّر قواعد اللعبة بشكلٍ كبير: تقليل التدخّل الأمريكي المباشر، وزيادة الاعتماد الأمني على الشركاء الإقليميين، وترسيخ سرديّة مفادها أن "الشرق الأوسط تحت السيطرة" وأنه يَسير على طريق الاستقرار. في هذا الواقع، يبقى أمن إسرائيل مصلحة أمريكية مُعلَنة؛ لكن في الوقت نفسه يُتَوَقّع من إسرائيل أن تتصرّف بطريقة لا تُعيد فتح جبهات إقليميّة واسعة.
أمام إسرائيل فرصة محدودة للاستفادة من الفُرَص المُتَبَقّيَة في ولاية الرئيس ترامب. ويتمثّل التحدّي الرئيسي أمامها في تحقيق توازن حكيم بين التوتّرات التالية: تعزيز وتعميق الدعم الأمريكي لها، والاستفادة من البنية الإقليميّة الجديدة التي تقودها الولايات المتحدة، مع الاستعداد في الوقت نفسه لوضع يقع فيه الجزء الأكبر من العبء الأمني عليها وعلى شركائها؛ والاندماج في المبادرات الاقتصادية والتكنولوجية الإقليميّة، مع الحفاظ على حريّة العمل الاستراتيجيّة تجاه إيران ووكلائها؛ وتعزيز العلاقات مع الإدارة الحالية دون الإضرار بالقدرة على التعاون مع الإدارات المستقبلية - سواء كانت ديمقراطية أو جمهورية.
على المدى البعيد، لا تُعزى التوجّهات التي تعكسها الوثيقة - تقليص الالتزامات العالميّة، ونقل العبء إلى الحلفاء، وتقليل الاعتماد على النظام الليبرالي - إلى شخصية ترامب وحدها، بل تعكس عمليّات متأصّلة في النظام الدولي وفي المجتمع الأمريكي نفسه. بالنسبة لإسرائيل، يعني هذا ضرورة صياغة استراتيجيّة مُزدَوَجَة: الحفاظ على التحالف الخاص مع الولايات المتحدة إلى أقصى حد، إلى جانب تعزيز الاستقلال الاستراتيجي، والقدرة على الردع، والتروّي في استخدام القوّة، حتى لا يُنظَر إلى ذلك على أنه تقويض لمشروع إعادة تشكيل الشرق الأوسط وفقًا للمفهوم الأمريكي.
المصدر: معهد دراسات الأمن القومي
الكاتب: إلداد شافيت وجيسي واينبرغ
2026-01-02 14:28:52 | 66 قراءة