الحزم والوضوح لا المُسايَرَة
في لحظة تاريخية تُكَثَّف فيها مُحاوَلات كسر الإرادة الفلسطينية، يصبح التحدّي الأساسي هو الحفاظ على القدرة على الفعل، وعلى قول «لا»، وعلى بناء سياسة لا تكتفي بإدارة الظلم، بل تسعى إلى تفكيك شروطه.
عوض عبد الفتاح
موقع عرب 48
23/12/2025
لا يزال نهج منصور عبّاس وقيادة الحركة الإسلامية الجنوبية يُثير نقاشًا واسعًا ومشحونًا داخل المجتمع الفلسطيني في إسرائيل. هذا النقاش الذي تجاوز الخلافات الحزبيّة التقليديّة، بات يمسّ جوهر السؤال السياسي: ما طبيعة السياسة المُمكِنة تحت نظام كولونيالي استيطاني وفصل عنصري؟ وهل يمكن تحسين شروط الحياة اليوميّة من دون المساس بالحقوق القوميّة والهويّة الوطنيّة؟ وهل بنية المنظومة الإسرائيلية قابلة أصلًا لاستيعاب مبدأ المسااواة، حتى لو جرى التخلّي عن القضية الوطنية، أو التنصّل من الانتماء الجَمْعي، أو اختزال الوجود الفلسطيني في بُعْدٍ دينيٍ أو خدَماتي؟
إنّ نهج الحركة الجنوبية، كما يتبدّى في السنوات الأخيرة، يستَدعي من النخب السياسية والفكرية مُواجَهَةً أكثر حزمًا ووضوحًا، نظَرًا لما ينطوي عليه من مخاطر عميقة على الوعي السياسي لأجيال كاملة، ولما يُسَبّبه من تفكّك وانقسام وتحلّل في البنية الوطنية. فلا يجوز التكيّف مع هذا النهج أو التعامل معه كاجتهاد سياسي مشروع، بل ينبغي تفكيكه وتعريته بلا هوادة، مقابل العمل الجاد على إعادة بناء خطاب وطني جامع، يجمع بين البُعد المدني والبُعد القومي، ويستعيد البوصلة الاستراتيجيّة.
حتى الآن، يبدو من سلوك الأحزاب، رغم مُعارضتها لهذا النهج، وكأنّنا أمام تنافس بين اجتهادين شرعيين، لا بين اجتهاد يتمسّك بالسقف السياسي الذي جمَع الأحزاب حتى سنوات قليلة، ومشروعٍ مُنشَقٍّ دخيل يفتقر إلى المشروعية التاريخية والوطنية والدينية. لقد باتت الحاجة أكثر إلحاحًا إلى إعادة تنظيم الحاضنة الاجتماعية الشعبية التي صنعت يوم الأرض، وهبّة أكتوبر، وسلسلة طويلة من النضالات الشعبية والثقافية والفكرية. فمن دون إعادة إنتاج ثقافة سياسية وطنية رصينة ومسؤولة، قد ينجح هذا النهج في تحقيق غاياته التدميرية: تطبيع المُقايَضَة، واستبدال الحقوق بالخدمات، ومنح الشرعية لمنطق "الهدوء مقابل الفتات". ومن هنا، لا يجوز لأيّ قوى سياسية أو نخب ناقدة لهذا المسار أن تمنحه شرعية ضمنيّة أو صريحة.
لم يَعُد هذا النقاش نظريًا أو أكاديميًا، بل يتبَلور في سياق بالغ القسوة: حرب إبادة مُتواصِلة على غزة، وحصار وتجويع، وعدوان وتطهير عِرقي في الضفة الغربية، وتصاعد غير مسبوق لليمين الإسرائيلي الفاشي، وسياسات تهجير وتطهير في النقب، وحمَلات تحريض دمويّة وتخويف، وتضييق حاد على الحريّات السياسيّة.
من البراغماتيّة إلى إعادة تعريف السياسة
يرتكز أنصار هذا النهج على خطاب "الواقعيّة السياسيّة": المجتمع الفلسطيني في الداخل يُواجِه أزمات خانقة في السكن، والتخطيط، والميزانيّات، والعنف والجريمة؛ ويُقال إنّ الدولة، أي نظام الفصل العنصري الكولونيالي، لا يستجيب إلّا لمن يندمج في مُعادَلة الحُكم. وعليه، يُقَدَّم الدخول في الائتلافات الحكومية كوسيلة لتحصيل المَوارِد وتقليص الفجوات.
غير أن جوهر النقد لا يستهدف المَطالِب الحياتيّة بحدّ ذاتها، بل الإطار الذي تُطرَح فيه. فالمشكلة ليست في السعي إلى الميزانيّات، بل في تحويل هذا السعي إلى منهج سياسي كامل، يقوم على تحييد القضية الفلسطينية، والتنصّل من الحقوق القومية، والتسليم بالثوابت الصهيونية، وعلى رأسها يهوديّة الدولة، مقابل وعود بتحسينات خدميّة محدودة ومشروطة.
هنا لا نكون أمام تكتيك مرحلي، بل أمام تحوّل بنيويّ في الوعي السياسي: من سياسة ترى في منظومة الفوقيّة اليهوديّة ساحة صراع، إلى سياسة تتعامل معها كإطار نهائي، ومع الصراع كملف إدارة لا كقضية تحرّر.
المُواطَنَة الكولونياليّة كإطار ضابط
لفهم هذا التحوّل، لا بدّ من استحضار مفهوم المُواطَنَة الكولونياليّة. فالفلسطينيون في إسرائيل يحملون مُواطَنَة قانونية، لكنها مُواطَنَة تعمل ضمن نظام لا يعترف بهم كجماعة أصلانيّة ذات حقوق جماعية، بل كأفراد تُدارُ مَطالِبُهم ضمن حدود مرسومة سلفًا.
منذ النكبة، استُخدِمَت هذه المُواطَنَة كأداة ضبط عبر ثلاث آليّات مركزيّة:
أوّلًا، شَرطِيّة الحقوق، حيث لا تُمنَح الحقوق بوصفها استحقاقًا، بل كمُكافَأة على "السلوك السياسي المسؤول".
ثانيًا، تجزئة القضايا، عبر تفكيك الظلم البنيوي إلى ملفّات خدَماتيّة معزولة، وفصلها عن جذورها الاستعمارية.
ثالثًا، إعادة تشكيل القيادة، بحيث تتحوّل من ممثّل لإرادة جماعيّة إلى وسيط إداري بين المجتمع والدولة.
ضمن هذا الإطار، يصبح تخفيف الخطاب الوطني، أو طمسه، شرطًا غير مُعلَن للاندماج السياسي.
تفكيك الإجماع وتحويل التمثيل إلى وظيفة
يرى مُنتَقِدو نهج الحركة الجنوبية أن هذا المسار يهدّد ما تبقّى من إجماع سياسي فلسطيني في الداخل، سواء عبر إضعاف القائمة المشتركة أو تحويلها إلى إطار انتخابي تقني بلا مضمون جامع، بحيث يصبح السياسي مُقاوِل أصوات، أو عبر مُحاوَلة تخريب لجنة المتابعة العليا، وهي المُحاوَلة التي جرى إحباطها بفضل وعي الكثيرين.
وضمن هذا المفهوم المُنحَرِف، يُعادُ تعريف التمثيل البرلماني: لم يَعُد أداة لبناء مشروع جماعي أو لحماية خطوط وطنية حمراء، بل وظيفة تُقاس بمدى القُرب من مراكز القرار وقدرة النائب على "جلب الإنجازات". وهكذا تتحوّل السياسة إلى إدارة علاقات، ومُقاوَلة أصوات، وتفقد وظيفتها التعبويّة والتنظيميّة.
والمُفارَقة أن النقاش، الذي كان يدور سابقًا حول جدوى المشاركة في الكنيست أو أخلاقيّتها، ينحدر اليوم، بفعل هذا النهج، إلى نقاش حول المشاركة في منظومة الإبادة الكولونياليّة نفسها. هل كان يمكن تَخَيّل هذا المُنزَلَق؟
الخطَر لا يكمُن فقط في تراجع الخطاب القومي، بل في تفريغ المجتمع من السياسة ومن المعنى، في لحظة تاريخية تتطلّب أعلى درجات التنظيم والوحدة. فهذا النهج يزرَع وعيًا يرى في الوطنية، وفي القِيَم التحرّريّة للإسلام الوسَطي، عبئًا على الحياة اليومية، لا طريقًا لتحسينها وللتحرّر الشامل.
الواقع الاجتماعي والاقتصادي: ضغط وأداة ضبط
لا يمكن فهم القاعدة الاجتماعية التي يستند إليها هذا النهج من دون التوقّف عند الواقع الاجتماعي - الاقتصادي الخانق لفلسطينيي الداخل: أزمة السكن، خطَر الهدم، الفقر، البطالة، والإجرام المنظّم الذي ترعاه الدولة. هذه العوامل تدفع قطاعات واسعة إلى البحث عن حلول عاجلة، حتى لو كانت محدودة ومشروطة.
لكن هذه القاعدة لم تكن لتتوسّع دون فاعل سياسي استغلّ الضائقة المعيشيّة بدَل العمل على رفع الوعي السياسي وتفكيك الواقع بصورة نقديّة. ومع الوقت، يتحوّل هذا النهج إلى حالة بنيويّة، ترتبط بتفاهمات راسخة مع حكومات المستوطنين، ومع أنظمة عربية انتقلت من التطبيع إلى التماهي مع الصهيونية والتحالف معها في حرب الإبادة. ولهذا، لا يعود إصلاح هذه الحالة مُمكنًا من دون ضغط حقيقي من داخل الحركة ومن خارجها، وهو ما يفسّر استعداد قيادتها للتضحية بالوحدة الانتخابية وضرب إرادة الغالبيّة عرض الحائط. فهل كان أحد يتخيّل أن تُفَضّل القائمة المُوَحّدة التفاهم مع نفتالي بينيت، وتعجز عن، بل ترفض، التفاهم مع شركائها العرب؟
إن الجدَل حول نهج منصور عباس ليس خلافًا شخصيًا أو فئويًا، بل تعبير عن مأزق استراتيجي عميق. فالسؤال الحقيقي ليس ماذا يمكن أن نأخذ من الدولة؟ بل كيف ننتزع حقوقنا من دون أن نُرَوَّض داخل نظام كولونيالي؟
نهج الحركة الجنوبية لا يُقاسُ فقط بما قد يحقّقه من ميزانيّات، بل بما يُنتِجه من وعي سياسي جديد: وعي لا-سياسي، يتعامل مع نظام الفصل العنصري كإطار نهائي، ومع الصراع كمسألة تحسين شروط اندماج، لا كمسألة تفكيك بنية استعمارية.
ما تطرحه القوى والنخب المُعارِضة ليس رفضًا لتحسين شروط الحياة، بل رفضًا لاستبدال المشروع الوطني بصفقات مشروطة. والبديل يتمثّل في سياسة تجمع بين النضال من أجل الحقوق المدنية والتمسّك بالحقوق القوميّة الجماعيّة، وتنظيم شعبي مستقل، لا يخضع لابتزاز الائتلافات ولا لمنطق «الهدوء مقابل الحقوق».
في لحظة تاريخية تُكَثَّف فيها مُحاوَلات كسر الإرادة الفلسطينية، يصبح التحدّي الأساسي هو الحفاظ على القدرة على الفعل، وعلى قول «لا»، وعلى بناء سياسة لا تكتفي بإدارة الظلم، بل تسعى إلى تفكيك شروطه.
كلّ ذلك لا يمكن مواجهته وتحييد تأثيراته المُدَمّرة سياسيًا وأخلاقيًا، إلّا بخطاب سياسي وثقافي صلب، وبتماسك النخب المثقّفة والمفكّرة، وإيجاد الوسائل والآليات المناسبة لإعادة تثقيف الأجيال الجديدة والشارع عمومًا. فهذا ما يساعد على إعادة بناء الحركة السياسية الوطنية، ونشر الخطاب الوطني، أي شقّ الطريق الصحيح الذي يُنقِذ شخصيّتنا الجمعيّة، ويقودنا إلى حقوقنا القومية والمدنية.
2026-01-06 16:17:52 | 16 قراءة