التصنيفات » مقالات سياسية

في أحدَث الاستنتاجات الإسرائيليّة المُستَحِقّة بشأن "ديمقراطيّة الدولة"...
في أحدَث الاستنتاجات الإسرائيليّة المُستَحِقّة بشأن "ديمقراطيّة الدولة"...
المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيليّة - مدار
05  يناير 2026
• انطوان شلحت
شهِد الأسبوع الأوّل من العام الجديد المزيد من الوقائع التي تدلّ على مآل إسرائيل تحت وطأة ولايات حكومات بنيامين نتنياهو المُتَعاقِبة منذ العام 2009، ولا سيما منذ خطّة الإصلاح القضائي للحكومة الحاليّة، والتي ترمي إلى الانقلاب على الجهاز القضائي وإخضاعه إلى السلطة التنفيذيّة، بعد أن قامت هذه الأخيرة بإخضاع السلطة التشريعيّة أيضاً. 
ويُمكِن إدراج هذه الوقائع ضمن صيرورة الاستنتاجات المُستَحِقّة.
ومهما تكن هذه الاستنتاجات المُستَحِقّة، سنكتفي بأن نُشير إلى اثنين منها:
(*)  الاستنتاج الأوّل الذي تمّ إشهاره في أثناء قيام البروفيسور أهارون باراك، الرئيس السابق للمحكمة الإسرائيلية العليا، بشنّ هجوم لاذع على الحكومة الإسرائيلية، وذلك خلال مُشارَكتِه في مسيرة الاحتجاج المركزية التي أقيمَت في "ميدان هبيما" في تل أبيب بمناسبة مرور ثلاثة أعوام على خطاب وزير العدل الإسرائيلي ياريف ليفين (الليكود)، الذي كشَف فيه عن خطّة الإصلاح القضائي (ألقِي الخطاب يوم 4/1/2023). وقال باراك فيه إن إسرائيل لم تَعُد "ديمقراطيّة ليبراليّة"، ونظامها في الوقت الحالي باتَ عبارة عن حُكم سلطة سياسية واحدة تُسَيطِر عليها، فعلياً، شخصيّة واحدة؛ وتلك الشخصيّة تُسَيطِر على الحكومة والكنيست، وهي شخصيّة رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو.
وأكّد باراك أيضاً أنه لكي تكون هذه السيطرة كاملة، يجب السيطرة أيضاً على الجهة الوحيدة التي يُمكنها مُراقَبة الحُكم، وهي المحكمة العليا. وبناءً على ذلك، ليس من المُستَغرَب أنّ المرحلة الأولى من الثورة على نظام الحُكم تركّزت على تعيين القُضاة، وعلى قدرتهم على إبطال التشريعات وإجراءات الحكومة. وقال: "عندما تكون المحكمة تابعة للنظام الحاكم، لن يكون هناك حُكم القانون على نظام الحُكم بعد اليوم، بل سيحلّ مكانه حُكم الحاكم للقانون". وأشار باراك إلى أن المحكمة بحدّ ذاتها لن تستطيع، في المدى الطويل، منع التدهور؛ وفقط الشعب الذي يقف في مركز الديمقراطيّة الليبراليّة يستطيع إيقاف التدهور.
وتطرّق الرئيس السابق للمحكمة العليا إلى الشرطة الإسرائيلية، فقال إن الشرطة تستَخدم قوّتها بشكل غير مُتَساوٍ وغير مُنضَبِط. وبعد ذلك، تطرّق إلى قضيّة تجنيد الشبّان اليهود الحريديم (المُتَشَدّدون دينياً) المُشتَعِلَة في هذه الأيام، فقال إن الحُكم في إسرائيل اليوم لا يحقّق المُساواة في الحقوق الاجتماعيّة والمدنيّة لكلّ مُواطِن. وإنّ عدم المساواة في تجنيد الحريديم، الذين يعتبرون دراستهم الدينية مِهنَة، والذي يُناقَش الآن كقانون في الكنيست، والتمييز والعنف ضدّ المجتمع العربي، هما فقط مثالان للانتهاك اليومي لحقوق المُواطِنين.
ودفعَت تصريحات باراك هذه صحيفة "هآرتس" إلى إنشاء افتتاحيّة (5/1/2026) دعَت فيها الجمهور العريض إلى تلبية ندائه الذي دعاه فيه إلى التحرّك من أجل إيقاف التدهور. 
(*)   الاستنتاج الثاني ورَد في سياق إصدار "المعهد الإسرائيلي للديمقراطية" وثيقة رصد وتقييم للخطوات المركزية التي اتّخذتها الحكومة والائتلاف الحاكم "لإضعاف الديمقراطية الإسرائيلية خلال العام 2025"، بحسب ما جاء في تقديمها (تُطالِعون تقريراً مُتَرْجَماً وافياً عنها في مكان آخر). 
وتَستَند هذه الوثيقة، من بين أمور أخرى، إلى مُراجَعات دوريّة تمّ إعدادها على امتداد العام المُنصرم، وجرى الوقوف فيها على تعاظم الخطوات الرّامية إلى إضعاف الديمقراطيّة، وكذلك على تحليل الخطوات التي جرى الدفع بها قُدُماً في الأشهر الأخيرة.
وتستعرض الوثيقة الإجراءات المركزية التي يعمل الائتلاف الحكومي الحالي على دفعها إلى الأمام لإضعاف الديمقراطية في ست ساحات رئيسة:
             (1) المسّ باستقلاليّة الجهاز القضائي؛
(2)  تقويض سيادة القانون والمسّ بمؤسّسة المستشار القانوني للحكومة؛
(3)      تسييس الشرطة الإسرائيلية والخدمة العامة؛
(4)  المسّ بالحقوق الأساسية؛
(5)      إضعاف الإعلام الحر، والمجتمع المدني، والمؤسّسة الأكاديميّة؛
(6)    المسّ بنزاهة الانتخابات.
ووفقاً للوثيقة، سُجّلَت في كلّ واحدة من هذه الساحات خلال العام المُنقضي خطوات جوهرية في التشريع، وفي قرارات حكومية، وفي إجراءات إدارية، ترَك بعضُها بالفعل أثَراً ملموساً على أرض الواقع. وتُشير إلى أن دراسات عديدة وجدت أن الديمقراطيّات لا تميل إلى الانهيار دفعة واحدة، وإنّما تتآكل تدريجياً على امتداد الزمن. وقد أشار باحثون مُختلفون إلى أوجُه الشبه التي تُمَيّز عمليّات التراجع الديمقراطي، ووجَدوا أنها تميل إلى التقدّم عبر عدد من المحاور المُتوازِية: تآكل عنصر التنافس ونزاهة الانتخابات؛ الإضعاف المنهجي لسيادة القانون، ولا سيما للجهاز القضائي؛ تقييد الإعلام المستقل وإسكاته؛ وتقليص حَيّز عمل المجتمع المدني. وبحسب المعرفة البحثيّة المُتَراكِمَة، فإنّ هذه الخطوات لا تحدث بصورة عشوائيّة، بل هي مُتَشابِكَة فيما بينها. فهي تُحدِث تآكلاً تراكمياً في منظومة الضوابط والتوازنات القائمة في الديمقراطية، وتُمَهّد الطريق لسيطرة جهات سياسية على مؤسّسات الدولة. ويُظهِر البحث أن التراجع الديمقراطي يحدث في الغالب عبر تغييرات قانونية ودستورية تمنح غطاءً ديمقراطياً لتفكيك الديمقراطية، وذلك إلى جانب السيطرة على مؤسّسات الدولة، بما يُتيح إمكان تنفيذ هذه السيرورة فعلياً. كما أشار البحث الأكاديمي إلى العلاقة الثنائيّة الاتجاه ما بين التراجع الديمقراطي وحالات الطوارئ: إذ قد تُفاقِم حالات الطوارئ من تدهور الديمقراطية. وبالمقابل، ففي الدول التي تشهد تراجعاً ديمقراطياً، يميل الزعماء إلى استغلال حالة الطوارئ على نحوٍ أوسع.
عند هذا الحد يجدُر التذكير بأن أهارون باراك هو من مَثّلَ إسرائيل في الدعوى التي رفعَتها جنوب أفريقيا إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي، ودافع عن الاحتلال وعمّا جرى ارتكابه في قطاع غزة من جرائم حرب وإبادة جماعيّة.  وسبَق له، قبل أكثر من عقد من الأعوام، أن أشار، في سياق مُقابَلة صحافيّة، إلى أن النواة الديمقراطيّة في إسرائيل هشّة، لأن هناك ثلاث ظواهر تجعلها هشّة. الظاهرة الأولى هي أنّ جذورها الديمقراطية ليست عميقة. والهجرات اليهودية المختلفة، من دول الاتحاد السوفياتي السابق والدول الإسلامية، لم تأتِ من ثقافة حُكم ديمقراطي. كذلك فإنّ منظومة التربية والتعليم في إسرائيل لا تُعَمّق الجذور الديمقراطية. لذلك، فإنه بالنسبة لمعظم سكّان إسرائيل، مُصطَلَح الديمقراطية يعني حكم الأغلبيّة؛ وهذا مفهوم ضحِل جداً للديمقراطية، برأيه.
والظاهرة الثانية هي التوتّر الأمني. فـ "نحن"، على ما يؤكّد، "نعيش في توتّر أمني منذ اليوم الأوّل لقيام الدولة. وهذا التوتّر لا يتوقّف. وعندما يكون هناك توتّر أمني، ما الذي يُريده الشعب؟ الأمن. والأمن قد ينتهك الحقوق. وقرارات الحُكم في المواضيع الأمنيّة تَميل إلى المساس بحقوق الإنسان"!
وتابع أن الظاهرة الثالثة التي تشكّل عاملاً آخر للهشاشة، هي غياب ثقافة الحُكم. وثمّة أعضاء كنيست ليست لديهم ثقافة حُكم يُطالِبون دائماً بضبط النفس وكبحها من المحكمة العليا فقط، في حين أنه يجب أن يكون هناك كبح وضبط للنفس من جانب الكنيست والحكومة أيضاً؛ ولكن لا يوجد أمرٌ كهذا.
وأشار باراك كذلك إلى أن المحكمة العليا ألغَت طوال العشرين عاماً الماضية 12 قانوناً فقط، بينما المحكمة الدستوريّة في بولندا ألغَت 60 قانوناً في عام واحد. وفي كندا تُلغي المحكمة ما بين ثلاثة إلى خمسة قوانين في السنة.
 أمّا الاستنتاج الذي فحواه أن إسرائيل لم تَعُد "ديمقراطيّة ليبراليّة"، والذي استُحِقّ من ناحية باراك هذه الأيام فقط، فقد توصّل إليه، على سبيل المثال، المؤرّخ الإسرائيلي زئيف شطرنهيل (1935- 2020)، المتخصّص في موضوع الفاشيّة، قبله بأكثر من عشرة أعوام، ولا سيما بعد الحرب العدوانيّة على غزة العام 2014. وفي قراءة هذا المؤرّخ، فإن ما مَيّزَ تلك الحرب على وجه التخصيص هو سلوك المثقّفين، إلى ناحية الالتزام المُطلَق بالخط الرسمي والسّير مع القطيع من جانب معظم المثقّفين. كما أنّ إفلاس الإعلام الجماهيري في تلك الحرب كان مُطلَقاً. كذلك، فإنّ الجامعات والمؤسّسة الأكاديميّة استقامتا وفقاً للحُكم والأغلبيّة الصارخة في الشارع. ومن دون أن يطلب منها أحد، بدأت مؤسّسات جامعية تُطالِب الطواقم الأكاديميّة بأن تكبَح نفسها في انتقاداتها. 
وفي الوقت عينه، أكّد شطرنهيل أن العقليّة التي يمثّلها نتنياهو هي العقليّة الفاشيّة. ولذلك، فهو يشمئز من أيّ مظهر من مظاهر الديمقراطيّة الليبراليّة التي تقوم على تقييد السلطة التنفيذية، ويُمَجّد ما يُسَمّى بـ"مبدأ الحوكمة"، وكأنّ مهمّة الدولة الرئيسة هي الحُكم، بأيّ ثمن ومهما يحدث، في حين أنه من بين السلطات الثلاث التي تتكوّن منها الدولة ـ السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية ـ يُشَكّل القانون مهمّة السلطتين الأولى والثانية، في حين أنّ أولئك الذين يتحدّثون باسم "مبدأ الحوكمة" يَدّعون عملياً بأن السلطتين اللتين تحفظان نظام القانون يجب أن تكونا في خدمة السلطة الثالثة، التنفيذية؛ وهو مبدأ مُشَوّه، ويتّكئ عليه أيّ نظام دكتاتوري. وسبَق لوثائق "المعهد الإسرائيلي للديمقراطية" أن أكّدت أنه في الدولة التي تَحكُم فيها السلطة التنفيذية فقط، فإنّ التعريف الوحيد الذي يَنطَبِق عليها هو أنها دكتاتوريّة!
ولا بُدّ من أن نُعيدَ التذكير بأنّنا أكّدنا مراراً أن غالبيّة التحليلات الإسرائيلية المُناهِضة لخطّة الوزير ياريف ليفين هذه، أجمعَت، حتى قبل انطلاق حملة الاحتجاجات العاصفة عليها، على أنها ستُلحِق أضراراً بـ "الديمقراطية الإسرائيلية" (للسكّان اليهود) وبحقوق الإنسان، وأنها ستُحَوّل إسرائيل من دولة ديمقراطية (كما يعتقدون ويدّعون) إلى دولة أخرى... وكانت هناك استخدامات وصفيّة عديدة لهذه الدولة المُتَحَوّلة في قراءتهم: ديموكتاتورية؛ كلبتوقراطية (حُكم الفاسدين)؛ كاكي- ستوقراطية (الحُكم السيّء)... وغيرها.
كذلك ينبغي التشديد مرّة أخرى على أنه إذا كان اليمين في إسرائيل يعتقد أن المحكمة العليا تعتدي على حقوق السلطتين التنفيذية والتشريعية المُنتَخبَتين، فهذا لا يعني بأيّ حال أنها كذلك في كلّ ما يتعلّق بالقضايا التي تندرج تحت مُسَمّى "الأمن"، بما في ذلك كلّ ما يتعلبالاحتلال في أراضي 1967 وحقوق الفلسطينيين المدنيّة في إسرائيل.

2026-01-21 11:12:38 | 19 قراءة

مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية