التصنيفات » مقالات سياسية

تقرير: "الإرهاب اليهودي خرَج عن السيطرة"..."قد يؤدّي إلى انفجار أمنيّ واسع"

تقرير: "الإرهاب اليهودي خرَج عن السيطرة"..."قد يؤدّي إلى انفجار أمنيّ واسع"

تقريرٌ صادرٌ عن معهد أبحاث الأمن القومي يُحَذّر من تَصاعُد الإرهاب اليهودي ضدّ الفلسطينيين في الضفة الغربية، ويَعرض أرقامًا ومُعطَيات تُشير إلى فشل إنفاذ القانون، وتواطؤ سياسي، وتداعيات أمنيّة خطيرة، وسط مَخاوف من أن يؤدّي ذلك إلى "انفجار أمنيّ واسع".
عرب 48 
تحرير: محمود مجادلة 
21/1/2026

يُحَذّر تقرير إسرائيلي من تَصاعُد مُتَسارِع في الإرهاب اليهودي ضدّ الفلسطينيين في الضفة الغربية، وتَحَوّلِه إلى ظاهرة واسعة ذات أبعاد أمنيّة واستراتيجيّة، تَهدف لتقويض الوجود الفلسطيني، وتَنطوي على مَخاطِر جديّة في تَفَجّر "مَوجات عنف" واسعة، وإلحاق ضرَر مُتزايد بالمَكانة الدوليّة لإسرائيل.
وبَيّن التقرير الصادر عن معهد أبحاث الأمن القومي في جامعة تل أبيب، الثلاثاء، أنّ السنوات الأخيرة، ولا سيما منذ 7 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2023، شهِدت قفزة نوعيّة وكميّة في الاعتداءات التي يُنَفّذها يهود ضدّ فلسطينيين، في سياق "صراع على السيطرة على الأرض" و"مُحاوَلات مُتزايدة لتقويض الوجود الفلسطيني، خصوصًا في المناطق المُصَنَّفة ج".
ويَعرض التقرير مُعطَيات من مصادر عسكرية ودولية تُشير إلى تَصاعُد حاد في حجم الاعتداءات. فوفْق بيانات قيادة المنطقة الوسطى في الجيش الإسرائيلي، سُجّلَ خلال عام 2025 ارتفاع بنحو 27% في ما تُصَنّفه المؤسّسة الأمنيّة كـ"جريمة قوميّة"، مع توثيق نحو 870 جريمة، بينها 120 جريمة وُصِفَت بالخطيرة، مُقارَنةً بـ83 جريمة خطيرة في عام 2024.
في المُقابِل، تَرسم مُعطَيات الأمم المتحدة صورة أشدّ قتامة. ففي عام 2024، جرى توثيق نحو 1,420 اعتداء ضدّ فلسطينيين، بزيادة 16% مُقارَنةً بعام 2023، وهو المستوى الأعلى منذ بدء التوثيق المنهجي عام 2006. ووفْق التقرير، أسفَرت هذه الاعتداءات عن مقتل خمسة فلسطينيين، وإصابة نحو 350 آخرين، إضافة إلى تهجير أكثر من 300 عائلة فلسطينية، أي ما يُقارِب 1,700 شخص، من مناطق سَكَنِهم.
ويُشير التقرير إلى أنّ المُنحَنى التصاعدي لم يتوقّف عند هذا الحد، إذ "تَجاوَز عدد الاعتداءات في عام 2025 حاجز 1,770 حادثة"، مُتَخَطّيًا الذروة المُسَجّلة في العام السابق.
ويَلفت التقرير إلى أن العنف اليهودي لا يتناسب مع ما وَصَفَه بـ"مستوى التهديد الأمني" الفلسطيني. فخلال الرّبع الأوّل من عام 2025، "ارتفَعت الاعتداءات ضدّ الفلسطينيين بنحو 30% مُقارَنةً بالفترة نفسها من العام السابق"، رغم أن "عدد العمليّات الفلسطينية تَراجَع بنحو 44% في الفترة ذاتها"، ما يَدُلّ، وفْق التقرير، على أنّ هذه الاعتداءات "ليست مجرّد ردود فعل آنيّة، بل جزء من نَمَطٍ مُستَقِل".
ولفَت التقرير إلى "إشكاليّة بنيويّة" في توصيف الظاهرة، موضِحًا أن "هناك فَجَوات عميقة بين الجهات المختلفة في تعريف مفاهيم مثل ‘إرهاب يهودي’ و‘جريمة قومية’ و‘عنف’". ومع ذلك، يُشَدّد التقرير على أن "حتى المُعطَيات الرسمية للجيش الإسرائيلي ترسم صورة مُقلِقة"، وأن "هناك تَوافُقًا داخل أجهزة الأمن على أن الظاهرة حقيقيّة ومُتَفاقِمَة".
أنماط العنف: من "تدفيع الثمن" إلى إخلاء الأرض وتهجير السكّان
ويَستَعرِض التقرير الأنماط الميدانيّة للاعتداءات، مُشيرًا إلى أنّ مُعظمها يتركّز في شمال الضفة الغربية، ولا سيما مناطق نابلس وجنين وشمال ووسط غور الأردن، إضافة إلى جنوب الخليل.
ووفْق التقرير، تُنَفّذ مجموعات "شبيبة التلال" هجَمات "تَتراوح بين رَشق الحجارة، والاعتداء على مُزارعين، وإحراق حقول، واقتلاع أشجار زيتون، وحَرق منازل ومَرْكَبات، وأحيانًا إطلاق نار حي".
ويُذَكّر التقرير بأحداث بارزة، مثل الهجوم على بلدة حوارة في شباط/ فبراير 2023، حيث "أضرَم مئات المتطرّفين النار في عشرات المنازل والمَرْكَبات، وقُتِلَ فلسطيني"، وكذلك موجة الاعتداءات التي أعقبَت هجوم 7 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2023، والتي "شملت أكثر من 400 اعتداء خلال ثلاثة أشهر".
غير أنّ التقرير يُشَدّد على أن العنف "لا يقتصر على أعمال انتقاميّة"، بل يُمارَس أيضًا "دون حدَث مُفَجِّر مُحَدّد"، في إطار "مُحاوَلة مُمَنهَجَة لجَعْل الحياة الفلسطينية غير مُحتَملة، ودَفْع السكّان إلى الرّحيل، خصوصًا في المناطق المُصَنّفة ج".
السيطرة على الأرض عبر الاستيطان الرعوي والبؤر الاستيطانيّة 
ويَصِف التقرير ظاهرة الاستيلاء على الأراضي عبر إقامة مزارع رعويّة وبؤر استيطانيّة غير قانونيّة، أُقيمَت دون مُصادَقة رسمية أو إجراءات تنظيم من الحكومة الإسرائيلية، بأنها "رافعة مركزية" لتوسيع السيطرة الجغرافية.
وبالاستناد إلى مُعطَيات حركة "سلام الآن"، يُشير التقرير إلى أنّ المُستوطنين "سيطَروا عبر هذه المَزارع والبؤر على نحو 14% من مساحة الضفة الغربية"؛ وهو ما يَعكس، بحسب التقرير، "تحوّلًا مَلموسًا في ميزان السيطرة على الأرض".
ويُضيف أن هذه الظاهرة "تَحظى بدعم أيديولوجي وسياسي"، بما في ذلك "تشجيع مُباشر أو غير مُباشر من جهات حكومية"، في إطار "مُحاوَلة فرض وقائع غير قابلة للعكس" بدعمٍ من مسؤولين في حكومة بنيامين نتنياهو.
من هم المُنَفّذون؟ بنية اجتماعيّة وأيديولوجيا راديكاليّة
ويُخَصّص التقرير فصلًا للبنية الاجتماعية للمجموعات الاستيطانية العنيفة، وذَكَرَ أن "عددًا كبيرًا من مُنَفّذي الاعتداءات يَنشطون انطلاقًا من المَزارِع والبؤر المعزولة"، التي "تَجذب شبّانًا على هامش المجتمع، أُقصوا من أُطُر تعليميّة واجتماعيّة".
وبحسب التقرير، تتبنّى النواة الصلبة من هؤلاء "رؤية دينية–قومية متطرّفة"، ترى أنّ "السيادة اليهودية على كامل أرض إسرائيل هي أمرٌ إلهيٌ لا يجوز تقييده بقرارات دولة أو جيش"، وأنّ "أيّ انسحاب أو تقييد للنشاط الاستيطاني يُعَدّ خيانة".
ولفَت التقرير إلى أنّ هذه الرؤية تقود أحيانًا إلى "مواجهة مباشرة مع الجيش والشرطة"، بما في ذلك "رَشْق الحجارة وإلحاق أضرار بمَرْكَبات عسكرية"، مُعتَبرًا أن الظاهرة "تُقَوّض سيادة القانون وتُشَكّل تهديدًا داخليًا للحُكم والديمقراطية".
تحذيرات أمنيّة: "تهديد حقيقي ومُتَفاقِم"
وينقل التقرير تحذيرات صادرة عن أجهزة أمنيّة إسرائيليّة، تُشير إلى أن "الإرهاب اليهودي خرَج عن السيطرة"، وأنه "يُشَكّل تهديدًا أمنيًا حقيقيًا".
ويَستَشهِد التقرير بتصريحات لرئيس جهاز الشاباك السابق، رونين بار، الذي حَذّر في آب/ أغسطس 2024 من أنّ هذه الظاهرة "تُلحِق ضَرَرًا بالغًا بإسرائيل، أمنيًا وسياسيًا وأخلاقيًا".
موقف الحكومة: رسائل مُتناقضة وازدواجيّة في التطبيق
ويَنتقد التقرير بشدّة تعامل الحكومة الإسرائيلية مع الظاهرة منذ عام 2023، مُعتَبِرًا أنها "لم تُظهِر إرادة حقيقيّة لمُواجهتها".
ويُشير إلى تصريحات لوزراء في الائتلاف عَبّروا فيها عن "تفهّم أو تساهل" تجاه مُنَفّذي الاعتداءات، وإلى قرارات سياسية "عَمّقت ازدواجيّة المعايير".
ويُسَلّط التقرير الضوء على إعلان وزير الأمن يسرائيل كاتس، في تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، إلغاء الاعتقالات الإدارية بحقّ يهود في الضفة الغربية، وإلغاء أوامر اعتقال قائمة، بزَعم أن هذه الأداة "قاسية ولا ينبغي استخدامها ضدّ مُستوطنين"، في مقابل استمرار استخدامها "كإجراء روتيني ضدّ فلسطينيين".
ويَخْلُص التقرير إلى أن هذه السياسات "تُعَزّز شعور الحصانة لدى المجموعات المتطرّفة"، وتَفرض على الجيش "تحويل مَوارِد من مُكافَحة الإرهاب إلى الفصل بين مجموعات يهودية متطرّفة وفلسطينيين".
فشل إنفاذ القانون وثقافة الإفلات من العقاب
ويَعرض التقرير مُعطَيات صادمة بشأن إنفاذ القانون، إذ يُشير إلى أنّ أكثر من 90% من ملفّات الجرائم العنصريّة التي يرتكبها يهود ضدّ فلسطينيين على خلفيّة أيديولوجيّة "تُغلَق دون تقديم لوائح اتهام"، مع "نسبة إدانة شبه معدومة".
كما يَذكُر أن "نحو ثلثي الضحايا الفلسطينيين في عام 2024 امتَنعوا عن تقديم شكاوى"، بسبب "انعدام الثقة والخوف"، ما "يُعَزّز ثقافة الإفلات من العقاب".
ويُشير التقرير إلى حالات "اكتفَت فيها قوّات الجيش بإبعاد الفلسطينيين عن موقع الاعتداء"، وأخرى "وُثّق فيها تساهلٌ أو تعاونٌ مع المُعتَدين" من قِبَل عناصر الجيش الإسرائيلي، ما "يُغَذّي دوّامة العنف".
ويُحَذّر التقرير من أنّ استمرار الوضع القائم "قد يؤدّي إلى انفجار أمني واسع"، وتصعيد مُتَبادَل، و"مزيد من التآكل في صورة إسرائيل الدوليّة". واعتَبر أن "تحوّل مناطق في الضفة إلى جيوب خارجة عن سلطة القانون" يُشَكّل "خطرًا استراتيجيًا بعيد المدى".
وفي خلاصته، يدعو التقرير الحكومة الإسرائيلية إلى "تطبيق صارِم ومُتَساوٍ للقانون"، وتعزيز الشرطة في الضفة الغربية، ووَضْع "تعليمات واضحة تُلزِم الجنود بحماية المدنيين الفلسطينيين".
كما يدعو إلى "إعادة النظَر، في حالات استثنائيّة ووفق القانون، باستخدام أدوات ردعيّة ضدّ ناشطين يهود متطرّفين"، وإلى "تحرّك عَلَني من قيادة المُستوطنين واليمين السياسي لإدانة الإرهاب اليهودي دون مُوارَبَة"، مُحَذّراً من أنّ "التقاعس الحالي قد يُفضي إلى تصعيد خطير، ونزيف أمني وسياسي طويل الأمَد.

 

2026-02-05 12:18:47 | 16 قراءة

مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية