غرينلاند.. رسالةٌ استعماريَّةٌ إلى العالَم
بسّام ضو
24/01/2026
موقع 180 بوست
الاتّحادُ الأوروبيُّ في مَأزِق. ربَّما لم يَشهَد له مثيلاً منذ مُعاهَدةِ ماسْتريختْ قبل ما يَزيدُ على ثلاثةِ عقود. أزمتُهُ مُرَكَّبةٌ بين الهُويَّةِ والدورِ الاستراتيجي. هُويّتُهُ منذ إنشائهِ اِلتحمَتْ عُضويَّاً بحِلْفِ الناتو. كان يَستَظِلُّ بخَيْمةِ الولاياتِ المتحدةِ أمنياً واستراتيجياً. لم يَبْنِ في أيِّ حِقبةٍ قراراً مُسْتَقلّاً. عاشَ تَبَعيَّةً كاملةً للأميركيين. ولَطالَما تَراجَعَ عن مَواقفَ في الساحةِ الدوليَّةِ حينما كانت تَعتَرضُ عليهِ واشنطن. لا يَستَطيعُ أنْ يتَحمَّلَ اعتراضَها، فهو مُرتَكِزٌ عليها دفاعياً، وهي التي تُنْفِقُ الأموالَ العسكريَّةَ أكثر مِنه.
ثقافةُ الاستقلاليّةِ التي تَطلَّعَ إليها الجنرال ديغول في الخمسينيَّاتِ لم تَتَحَوَّلْ إلى سياسة، وهو كان يَرى المأزقَ آتياً منذ ذلك الوقت. وهو قد أتى فعلاً، وباتَتْ نُذُرُ الاهتزازِ التَفَكُّكي واضِحةً. لقد فوجِئتِ القارَّةُ العجوزُ بتَغيُّراتٍ هائلةٍ. المسألةُ لا تتعلَّقُ بشخصِ الرئيسِ الأميركيِّ دونالد ترامب، بل هي أبعَدُ من هذه النقطة، وإنْ يَكُن ترامب هو الأكثرُ فَجاجةً في التعبير عن مَطامع ِالأوليغارشيّةِ الماليّةِ الأميركيّة، والأكثر وحشيَّةً في إعلانِ رَغبَتهِ في السيطرة على مَوارِد العالم، وعن مَزاعِمِه بأنَّ أميركا يحقّ لها كلُّ شيء؛ فهيَ عندهُ إمبراطوريَّةٌ يجبُ أنْ تَحْكُمَ الكوكب. الجوهرُ التاريخيُّ هو أنَّ ما يَحصلُ يَنْدَرِجُ في سِياقِ التنافس ِضمْنَ الدائرةِ الرأسماليّةِ الواحدة. أنماط ُعلاقاتِ الإنتاج ِفي أميركا وأوروبا مُتَشابهة ٌومُتَنافِسة. الرّبحُ والبَحثُ عن المَوارِدِ في بلادِ الآخرينَ هما الأيقونةُ السوداءُ للقداسةِ الاستعماريَّةِ الرأسماليّة. وهذا ما يَدفَعُ أحياناً كثيرةً إلى أنْ يَتَنَكَّرَ الحَليفُ لحَليفِهِ، وأنْ يَطْعَنَهُ في ظهره وصدرِهِ عندما تَتَضاربُ المَصالحُ الرّبْحيّة. ما يُذَكُّرنا بالتنافس الرأسمالي – الرأسمالي في النصف الأوَّل من القَرن الماضي. آنذاك تَسَبَّبَ ذلك التنافسُ بإشعالِ حَرْبَيْنِ عالمِيّتينِ حَصَدَتا الملايين من البشر وغَيَّرتا المَوازين الدوليَّة. وكان يُمْكِنُ للغربِ أن يَمْتلِك الكُرةَ الأرضيَّةَ لولا دور الاتحاد السوفياتي. الآنَ نعيشُ صورةً مختلفة ًمن حيثُ عناصرُها، لكنها قريبةٌ ممَّا مَضى من حيث المُعادَلات.
الولايات المتحدةُ مأزومة؛ تَرْزَحُ تحت دَيْن ٍفاقَ سبعةً وثلاثينَ تريليون دولار، واقتصادٍ يَرْتَكِزُ بصورةٍ مُتَسارعةٍ على الريعيّةِ الماليّةِ الضريبيَّةِ أكثرَ ممّا يَرْتَكِزُ على الإنتاج السّلَعيِّ الأساسيِّ، فضلاً عن نَقصٍ هائلٍ في المَوارِد الطبيعيّة، ولا سيَّما المَعادنُ النادرةُ اللازمةُ للصناعاتِ التكنولوجيَّةِ الحديثة. وهذا ما يُؤسّسُ أكثرَ فأكثرَ لازديادِ نَزْعَةِ التوسُّعِ والهَيْمَنةِ الاستعماريَّةِ الرأسماليَّةِ التي تَقودُها حاليَّاً الولاياتُ المتحدةُ بصَلافةٍ فاقِعة، مُسْتَهدِفةً كلَّ بقاعِ الأرضِ تقريباً، وبخاصّةٍ أميركا اللاتينيَّة والقُطْبُ الشمالي وبلاد الشرق والمَمَرّات البحريّة العالميّة.
مسألة ُ”غرينلاند” لَيسَتْ جديدةً كما يَظُنُّ كثيرون. وهي عالميَّةٌ بتداعياتِها لا أميركيَّةٌ فحَسْب. الولاياتُ المتحدة تَتَطلَّعُ إليها بصورةٍ عمليَّةٍ منذ نهاياتِ القرنِ الثامنَ عَشَرَ. لم تُساعِدْها الظروفُ لِتُطَبّقَ عليها نموذجَ “ألاسكا” التي اشْتَرَتْها من القيصريّةِ الروسيَّة عام 1867، لكنَّها ظَلَّتْ نُصْبَ عَيْنَيْها، وستَبقى كذلك لسَبَبيْنِ: 1- استراتيجي عسكريّ؛ 2- واقتصادي مُرتَبطٍ بالثرواتِ الباطنيّةِ. والقَصدُ الرئيسيُّ إكْمالُ مُحاوَلةِ تَطويقِ روسيا. ومن هنا يَبْرُزُ الشّبَهُ بين “ألاسكا” المُشتَراةِ و”غرينلاند” المُستَهدَفةِ للشراء أو المُصادَرَة. الأولى نقطةٌ قريبةٌ جداً من البرِّ الروسي، والثانية جوهرةٌ جغرافيَّةٌ في القُطبِ الشمالي، حيث أيُّ صاروخ ٍأميركي لا يَحتاجُ أكثرَ من أربعِ دقائقَ لاختراقِ مَدى روسيا الاستراتيجي؛ فضلاً عن توفير فُرْصَةٍ إضافيّةٍ لمشروع خَنْق الصين في البحار.
إنَّها إذاً مرحلةٌ تمهيديَّةٌ لحربٍ جديدة، تُريدُ فيها الولاياتُ المتحدة أن تُفَعِّلَ ثنائيَّةَ “ألاسكا – غرينلاند”. أوروبا هي المَسْرَحُ الآتي. ومن قَبْلُ خلال الحربِ العالميّةِ الثانيةِ أنْزَلتِ الولاياتُ المتحدةُ جَحافِلَها في الجزيرةِ القُطْبيّةِ الشماليَّةِ ثمَّ انْسَحَبتْ منها بالتزامن مع إنشاء حِلْفِ الناتو. ومنذ ذلك الحين تَرى واشنطن أنَّ “غرينلاند” هي في قَلْبِ حساباتِها؛ وما فَعَلَهُ ترامب راهِناً هو كَشفُ القِناعِ؛ فالمسألةُ لَيْسَت ترامبيَّةً فحَسْب، بل أميركيّةٌ استعماريّة ٌبكلِّ ما للكلمةِ من معنى. أمام حساباتِ الرّبحِ لم تَبْقَ عند ترامب قيمةٌ للتحالفات، ولا هَيْبَةٌ للجناح الأوروبي في حِلْف الناتو. الاتحاد الأوروبي التَقَط ذلك مَصدوماً، لكنَّهُ عاجزٌ عن ابتلاع الموسى. لا يَستَطيعُ تَشجيعَ الدنمارك على بَيْع ِالجزيرة، ولا يَمْلِكُ القُدرةَ على حِمايتِها؛ وفي الحالَيْن، أُصيبَ بشَرْخٍ في الهويّةِ السياسيّة والمستقبليَّة؛ فهو لا يتمكَّن من أنْ يقول “لا” صلبةً للديناصور الأميركي، ولا يَجرؤُ على الحوار مع روسيا القويَّة، ويَخْشى أنْ يقول “نعم” للتنّين الصيني. وهكذا يَخرُجُ تدريجياً من دائرةِ التأثيرِ الاستراتيجيّ الفعَّالِ دافعاً ثمَناً باهظاً بسب شَبيههِ الأميركي الاستعماري المُنافِس. وواشنطن لَنْ تَحُلَّ الآن قضيَّة “غرينلاند” بانتظارِ أنْ يَحسمَ الاتحادُ الأوروبيَّ مَوقِعَهُ بين أمْرَيْن: إمّا أن يَرْضى بالتبعيّةِ العمياء لأميركا، وإمَّا أن يَبحثَ عن مَسارٍ جديدٍ ما زال غامضاً؛ ولا مؤشِّراتِ على احتمالِ وضوحِهِ في المدى القريب، فيما الإمبرياليَّةُ الاستعماريَّةُ الأميركيّةُ على أهبّةِ الاستعدادِ للاحتلالِ بالقوّةِ أو للشراءِ بالمال.
الإمبراطوريَّةُ الأميركيّةُ تَسْعى بطبيعتِها الكولونياليّةِ إلى تأخير نهايتِها، وبالتالي إعادة تجديد نفسها. لم تَعُد تَجِدُ أمامَها سوى زيادةِ التوسُّع والاستِتباع ولو على حسابِ حُلفائها. تَخشى من الصين وروسيا اللّتين تَقَدَّمَتا كثيراً، عِلميَّاً وعَسكرياً، وباتَتَا أكثرَ تفوُّقاً في الذكاء الاصطناعي والتسلُّحِ الصاروخي والنوويِّ. وهكذا فإنَّ ما يَدورُ حاليَّاً هو حربٌ غَيْرُ معلنةٍ، يَسقُطُ فيها كثيرٌ من المُعادَلاتِ القديمة. وما اهْتزاز الثّقة الهائل بين واشنطن والأوروبيين سوى أحَد الأدلّة على ذلك.
نحنُ أمام حِقْبةٍ ناريَّةٍ جديدةٍ في العالَم. الولايات المتحدة مُصَمِّمةٌ على التوسُّعِ الاستعماريّ، وتوظيفِ القوّة؛ ولن تَسْلَمَ مِنطَقتُنا، وإنْ تَكُنْ واشنطن قد أرْجَأتِ الحربَ على إيرانَ إلى وقتٍ آخر أو إلى أسلوبٍ آخر. العناوين واضحةٌ من فنزويلّا إلى غرينلاند إلى الشرق. هل تَعَلَّمَ القادةُ الأوروبيُّونَ دَرْساً بعد أن عاشوا أوهام الحمايةِ الأميركيّة؟ وتَلَقَّوْا صَفَعاتٍ موجِعةً من شعوبِ عددٍ من دولِ أفريقيا؟ والسؤالُ الذي يَعنينا في بلادنا: هل سَيَتَعَلَّم أولياء السلطة العرب دَرْساً من تَخَلِّي أميركا عن حُلفائها جميعاً ما عدا الصهيونية و”إسرائيل”؟ هل يَتَعَلَّم مَنْ يُسَمُّونَ أنفسَهم زعماءَ الأقليَّاتِ في المنطقةِ العربيَّةِ من درس تَخَلّي واشنطن عن حركةِ ” قَسَد” فيَعودون إلى معنى الوحدة والوطن في مُواجَهَة التقسيم والبيع والشراء. هل سَيَفْهَمون رَمْزيَّة غرينلاند وفنزويلّا، أم يَبْقونَ أعداءَ أنفسِهم وأعداء مُراجَعَة الذات؟
2026-02-05 12:23:10 | 13 قراءة