التصنيفات » مقالات سياسية

إمبراطوريّة ترامب الماليّة.. فسادٌ عابرٌ للشعوب والحدود

إمبراطوريّة ترامب الماليّة.. فسادٌ عابرٌ للشعوب والحدود 

 أكرم بزّي
موقع 180 بوست
30/01/2026 

في ولايته الثانية، أرسى دونالد ترامب دعائم نظام يقوم على الدّفْع مقابل النفوذ، مُحَوّلًا الرئاسة إلى أداة لجَمْع الثرَوات الطائلة. ففي الوقت الذي يتحدّث فيه عن حماية الاقتصاد، تُظهِر التقارير أنّ ثروة عائلته الرقميّة وحدها قفزَت بمليارات الدولارات نتيجة سياسات مُوَجّهة استفادَت منها شركات الكريبتو والمُستَثمِرون الكبار الذين ضَخّوا مئات الملايين في حَمْلَته الانتخابيّة وصناديق دعمه السياسي. وهذا النمَط من الحُكم لا يكتفي باستنزاف المَوارِد الداخلية، بل يمتدّ ليشمل صفقات عابرة للقارّات تضع مصالح الإمبراطورية الماليّة فوق أيّ اعتبار قِيَمي أو إنساني. 
تَتَجَلّى نماذج الفساد في هذه الحقبة الإمبراطوريّة من خلال استغلال القرارات السياديّة لتحقيق مَكاسِب ماليّة فوريّة. ففي مطلع عام 2026، كشفَت تقارير رقابيّة عن تَلاعُب في أسهم مجموعة ترامب للإعلام بالتزامن مع تغريداته حول الرّسوم الجمركيّة، ممّا أدّى إلى زيادة ثروته الشخصية بمئات الملايين من الدولارات في يوم واحد. كما تَبرز قضيّة إمبراطوريّة العُملات المُشَفّرة، حيث حقّقت عائلة ترامب أرباحًا تجاوزت 800 مليون دولار من مشروع «وورلد ليبرتي فاينانشال»، مُستَفيدة من قرارات رئاسيّة بتجميد تحقيقات هيئة الأوراق الماليّة والبورصات ضدّ مليارديرات في هذا القطاع، مُقابِل استثمارات ضخمة في مشاريع الرئيس الخاصّة. وهذا التداخل الفجّ بين السلطة التنفيذيّة والقطاع المالي الخاص يُمَثّل أعلى درَجات الاحتيال المؤسّسي الذي يُمارِسه القائد لتضخيم ثروته على حساب المؤسّسات. 
يَمْتَدّ هذا النهج ليشمل بَيْعَ السيادة؛ وخير دليل قبول ترامب بطائرة هديّة من دولة قَطَر مقابل توقيع ضمانات أمنيّة غير مألوفة، في خَرْق واضح لبنود الدستور التي تمنع المسؤولين من قبول مُكافآت أجنبيّة. ولا يتوقّف الأمر عند الهدايا العينيّة، بل يتعدّاه إلى طموحات إمبرياليّة علَنيّة للسيطرة على مَوارِد الشعوب الأخرى، مثل مَساعيه لضمّ غرينلاند والاستحواذ على كندا والسيطرة على قناة بنَما. وهي مُحاوَلات لنهب ثروات الدول وتحويل مَمَرّات التجارة العالميّة إلى أصول تخضع لرغباته الشخصيّة واتفاقيّاته العابرة للحدود؛ فالعالم في نظَره ليس سوى رقعة عقاريّة كبرى يجب استغلالها وتطويرها بما يضمن تَدَفّق الأموال نحو حساباته الخاصّة وحسابات شركائه المُقَرّبين. 
أما على الصعيد الداخلي، فقد تَحَوّلت سلطة العفو الرئاسي إلى وسيلة لحماية الفاسدين وبناء شبكة من المُوالين فوق القانون، حيث أصدَر ترامب عشرات قرارات العفو عن سياسيين ورجال أعمال مُدانين بجرائم الاحتيال المالي والرّشوة. وتُظهِر الإحصاءات أنّ هذه القرارات حَرَمَت ضحايا الاحتيال من تعويضات وغرامات تزيد قيمتها على مليار دولار. وفي الوقت ذاته، يقوم النظام الإمبراطوري بتجميد مليارات الدولارات من المساعدات الفيدراليّة للولايات التي يقودها مُعارِضوه تحت ذرائع واهية، ممّا يعكس استخدام المال العام أداةً للابتزاز السياسي وتجويع الشعوب المُعارِضة لسياساته. وهذا التسييس للمَوارِد العامّة يهدف بالدرجة الأولى إلى إحكام قبْضة القائد المطلق وتدجين أيّ صوت يجرؤ على كشف صفقاته المشبوهة أو المُطالَبة بمُحاسَبته.
العالم العربي سوق استهلاكيّة واستثماريّة 
وفيما يخصّ العالم العربي، تتّخذ الرئاسة الإمبراطوريّة في عهد ترامب بُعْدًا أكثر خطورة، حيث يتم تحويل العلاقات الدبلوماسيّة التاريخيّة إلى مجرّد صفقات تجاريّة شخصيّة يَحكُمها مبدأ الربح والخسارة المباشرة، ممّا يُهَدّد استقرار المنطقة وسيادة دوَلها. 
هذا النهج أدّى إلى نشوء نمَط جديد من الدبلوماسيّة القائمة على الابتزاز، حيث تُرْهَن المواقف السياسية الأميركية والتعاون العسكري بمدى ضَخّ الاستثمارات في مشاريع تابعة لمنظّمة ترامب أو صفقات سلاح ضخمة تخدم الأجندة المحليّة للإمبراطور. وهو ما يُجَسّد أبشع صوَر سرقة ثروات الشعوب العربية تحت غطاء الحماية والتحالفات الأمنيّة؛ فالسلاح هنا لا يُباع لغرَض الدفاع، بل لغرَض تمويل الحمَلات الانتخابيّة وإرضاء كبار المانحين في واشنطن. تَتَجَلّى هذه المُمارَسات في صفقات السلاح الملياريّة التي تُبْرَم مع دول عربية، حيث لا يُنْظَر إليها كأدَواتٍ لتعزيز الأمن الإقليمي بقَدَر ما تُعَدّ وسيلة لتحويل أموال النفط العربي إلى الخزينة الأميركية وخَلْق وظائف في ولايات بِعَيْنِها لتعزيز شعبيّته. وتَبرز هنا قضية استخدام الفيتو الرئاسي لتجاوز اعتراضات الكونغرس على صفقات سلاح مُثيرَة للجدَل، ممّا يُثبِت أن قرار الحرب والسلام أصبح خاضعًا لرَغَبات القائد الذي يرى في المنطقة العربية مُجَرّد سوق استهلاكيّة واستثماريّة ضخمة. وفي المقابل، تَظهَر اتهامات حول مَنْح عائلته، وتحديدًا صهره جاريد كوشنر، استثمارات بمليارات الدولارات من صناديق سياديّة عربيّة؛ وهو نَهْجٌ استمرّ وتوسّع في الولاية الثانية ليشمل وعودًا بتسهيلات سياسيّة مقابل استثمارات في مشاريع عقاريّة وسياحيّة كبرى تحمل اسم ترامب في سواحل عربيّة، ممّا يربط مصير دول كاملة باستقرار استثمارات عائلة الرئيس، وآخرها سعي كوشنر إلى تحويل غزة إلى مشروع سياحيّ استثماريّ عالمي. 
أما على صعيد سرقة مَوارِد الشعوب بشكل مباشر، فإنّ السياسات التي تَبَنّاها ترامب تجاه مناطق النزاع في العالم العربي، مثل المُطالَبَة بالاستيلاء على النفط في سوريا، أو المُطالَبَة بتعويضات خياليّة مقابل الوجود العسكري في بعض الدول، إنّما تعكس عقليّة إمبرياليّة ترى في مَوارِد العرب حقًّا مُكتَسَبًا مُقابِل خَدَمات الحماية. ويَمتدّ هذا التأثير ليشمل صفقات الطاقة والغاز، حيث يتمّ الضغط على الدول العربية لتعديل مسارات أنابيب الغاز أو تغيير حصص الإنتاج في منظّمة «أوبك» بما يخدم المصالح الانتخابيّة للإمبراطور، بِغَضّ النظَر عن الأضرار الاقتصادية التي قد تَلْحَق بميزانيّات تلك الدول أو بمستوى معيشة شعوبها. 
إنّ هذا الاستنزاف المُنَظّم للثروات العربيّة يتم عبر مفاوضات تجري خَلْفَ الأبواب المُغلَقَة، حيث يُوضَع الحُكّام أمام خيارات صعبة تتراوح بين تقديم التنازلات الماليّة أو مواجهة العقوبات الاقتصادية والضغوط السياسية. كما أنّ هذا النهج الذي يُقايِض الحقوق التاريخية للشعوب بمَكاسِب سياسيّة قصيرة الأمَد (مثل رَفْع العقوبات وغيرها) يُفْرِغ الدبلوماسيّة من محتواها الأخلاقي، ويَجعَل العالم العربي ساحة تجارب لرجل أعمال لا يرى في القضايا العربية العادلة إلّا أوراقًا للضغط والتفاوض. وهذا النوع من التعامل أدّى إلى تآكل الثقة في الدور الأميركي، وفتَح الباب أمام قوى دولية أخرى لاستغلال هذا الفراغ، بينما تَظَلّ الشعوب العربية هي من يدفع ثمَن هذه المُقامَرات السياسيّة من أمنها ومستقبل أجيالها. تؤدّي هذه السياسات في نهاية المطاف إلى زعزعة الاستقرار طويل الأمَد في المنطقة العربية، لأنّ الصفقات التي تُبنى على الولاءات الشخصيّة والرشاوى المُقَنّعة والمصالح الماليّة الضيّقة تنهار فور تَغَيّر موازين القوى، ممّا يترك الشعوب العربية تُواجِه تبعات دُيون صفقات السلاح الفاشلة والالتزامات الاقتصادية المُرهِقة. 
إنّ إمبراطورية ترامب لا تكتفي بنَهْب الداخل الأميركي، بل تَمُدّ أذرُعَها لتطال مُدّخَرات الأجيال القادمة في العالم العربي، مُحَوّلة المنطقة إلى مُجَرّد رقعة شطرنج في لعبة النفوذ والثروة التي يُديرها من مكتبه البيضاوي، حيث لا صوت يعلو فوق صوت الصفقات، ولا قيمة تُحتَرَم أمام بريق الذهب وسُلطَة التحكّم في مصائر الشعوب. فالمسألة تَعَدّت حدود السياسة لتُصبِح عملية نهب مُنَظّمة تتغذّى على الأزَمات وتنمو في غياب الرقابة الدولية والمُحاسَبَة الحقيقيّة. 
إنّ هذا المَشهَد الذي يمزج بين الثراء الفاحش من السلطة وبين التنكيل بالخصوم وتجاوز القوانين الدولية يضع العالم أمام نسخة من القيادة لا تعترف بالحدود والقِيَم الأخلاقية، وتعتبر ثروات الشعوب مُجَرّد غنائم في مسيرة بناء إمبراطوريّة شخصيّة لا تغيب عنها الشمس؛ بينما يبقى التحدّي الأكبر أمام الشعوب والمنظّمات الحقوقيّة هو في كيفيّة استعادة السيادة من يد إمبراطور يرى في كلّ شيء سعرًا، وفي كلّ قيمة مجرّد عَقَبَة أمام صفقته القادمة. "  

 

2026-02-10 11:25:14 | 13 قراءة

مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية