حُروب المَمَرّات: إيران في قَلْب الصراع الجيوسياسي
أكرم بزّي
موقع 180 بوست
06/02/2026
ثمّة عقْدة جيوسياسيّة تتّصل بالصراع على المَمَرّات الكبرى. وفي هذا السّياق، يَبرُز التنافس المَحموم بين طريق الحرير الصيني والبديل المَدعوم غربيًا، أي ممرّ الهند-الشرق الأوسط-أوروبا، فيما تتصدّر إيران قلب هذه العقْدة بوَصفِها لاعبًا يسعى إلى حماية مَوْقِعه الاستراتيجي. فالعالَم يشهد بُزوغ مرحلة جديدة تتشكّل فيها مَعالِم «شرق أوسط جديد» عبر بوّابة الاقتصاد والمشاريع العابِرة للقارّات، حيث لم تَعُد السياسة وحدها المُحَرّك الأساسي؛ بل باتت خطوط التجارة وسكك الحديد هي التي تَرْسِم حدود النفوذ وتُحَدّد هويّة النظام الإقليمي، ومن خلاله مَعالِم النظام الدولي الجديد.
يُعَدّ مَمَرّ الهند–الشرق الأوسط–أوروبا المُحَرّك الأساسي للصراع الحالي، إذ يهدف إلى رَبْط الهند بأوروبا عبر مَسارات بحريّة وبريّة تمرّ بالإمارات والسعودية والأردن وصولًا إلى ميناء حيفا. ويُمَثّل هذا المشروع تحدّيًا مباشرًا لمُبادَرة «الحزام والطريق» الصينيّة، التي تعتمد على إيران بوَصفِها حَلَقَة وَصْل جغرافيّة أساسيّة بين آسيا وأوروبا، ما يضع المنطقة أمام صِدامٍ بين رؤيتين للنظام العالمي المقْبل: إحداهما تسعى إلى تثبيت إسرائيل مركزًا حيويًا ووسيطًا للتجارة العالميّة، والأخرى تهدف إلى كَسْر الهيمَنة الغربيّة عبر المَسارات التقليديّة. في هذا الإطار، تَجِد إيران نفسها أمام تَحَدٍّ وجوديّ لموقعها الجيوسياسي، إذ يهدف الممرّ الهندي المَدعوم أميركيًا إلى عَزْل الجغرافية الإيرانيّة وتحويل حركة التجارة الدوليّة بعيدًا عن أراضيها، بما يُفْقِد طهران ميزة التحكّم بالمضائق البحريّة، مثل هرمز وباب المندب، ويُقَلّل من قيمة أوراق القوّة التي راكَمَتها لعقود. وعلى هذا الأساس، تضع الولايات المتحدة شروطًا استراتيجيّة صارمة تشمل التخلّي عن البرنامج النووي العسكري، وتقليص القدرات الصاروخيّة، ووَقْف دعم الفصائل المسلّحة الحليفة لها في المنطقة، لضمان أمْن هذا الممرّ واستقراره. فالهدف لا يقتصر على التفاوض حول البرنامجيْن النووي والصاروخي، بل يتعدّاهما إلى جَعْل إيران «منزوعة المَخالِب» العقائديّة والعسكريّة، وقابلة للاندماج المُنضَبِط في المنظومة التي تقودها واشنطن.
في هذا السياق، علينا أن نُقارِب الجولة السادسة من المفاوضات الأميركية - الإيرانية التي لم تَعُد محصورة بالقنوات الدبلوماسيّة التقليديّة، بل انتقلت إلى غُرَف عمليّات أمنيّة وسياسيّة معقّدة. وتُصِرّ الولايات المتحدة على ربط أيّ انفراج اقتصادي بتفكيك شبكة التهديد التي تمثّلها أذرع إيران الإقليميّة، فيما تُحاوِل طهران المُناوَرة لكَسْب الوقت وتخفيف العقوبات من دون تقديم تنازلات تمسّ جوهر نفوذها. وتدور المفاوضات الراهنة حول ضمانات أمنيّة مُتَبادَلة في الممرّات البحريّة، حيث تُطالِب واشنطن بكفّ يد الحوثيين والفصائل المسلّحة عن طُرُق التجارة العالميّة شَرْطًا مُسبَقًا لأيّ اتفاق شامل، ما يَضَع المُفاوِض الإيراني في زاوية ضيّقة بين الحفاظ على أوراق قوّته الميدانيّة وإنقاذ اقتصاده المُنْهَك. وتتمثّل خيارات إيران في ثلاثة مسارات مُحتَمَلَة: أوّلها، تعزيز التحالف مع الصين وروسيا، بالتوازي مع التفاوض لضمان بقاء مضيق هرمز مفتوحًا؛ ثانيها، تَبَنّي الواقعيّة السياسيّة عبر القبول بالشروط الأميركية مقابل حفظ النظام، بما يُحَوّلها إلى قوّة مُنضَبِطَة وهامشيّة؛ ثالثها، التمسّك بالخيارات العقائديّة، ما قد يقود إلى مُواجَهَة عسكريّة كبرى. يأتي ذلك في ظلّ تلويح أميركي بأدَوات ضغط تشمل التفوّق التكنولوجي العسكري، وزعزعة الداخل الإيراني عبر إحياء مَوْجات الاحتجاج، في رسالة مباشرة مفادها أنّ يَدَ واشنطن قادرة على الوصول إلى العُمق الإيراني في حال عدم القبول بالشروط والمَطالِب الأميركية.
وماذا عن الدّوْرَيْن الروسي والصيني؟ هاتان القوّتان الكبيرتان مَعْنِيّتان أساسًا ببقاء شرايين الطاقة والتجارة مفتوحة لضمان تدفّق البضائع وسلاسل التوريد، أكثر من اهتمامهما بالمشروع الإيراني. هذا الواقع قد يدفع بكين وموسكو إلى الضغط على طهران للقبول بتسويات سياسيّة بدل الانتحار العسكري. ومن هنا يبرز احتمال تسليم ملف الفصائل المسلّحة إلى روسيا كحلٍ وسط، بما يُفَرّغ هذه الجماعات تدريجيًا من مضمونها العقائدي، ويُحَوّلها إلى أدَوات لضبط الأمن تحت إشراف دولي، بما يضمن بقاء النظام الإيراني ويُحَيّد التهديدات المُباشرة للمشاريع الاقتصادية الكبرى.
في المُحَصّلة، تعيش المنطقة اليوم مرحلة تاريخيّة انتقاليّة، تُمَثّل بداية نهاية ترتيبات النظام الإقليمي القديم، وبداية رسم خريطة جديدة للشرق الأوسط، حيث يتجاوز الصراع الحدود السياسيّة التقليديّة إلى حُروب المَمَرّات الاقتصاديّة في السنوات والعقود المقبلة.. ومن يُسَيْطِر على المَمَرّات، يُسَيْطِر على القرارات.. وإيران تُدرِك أنّ تهميشها في هذه المشاريع يُهَدّد دورها الإقليمي. فالخيار أمام طهران بالِغ الصعوبة: إمّا التخلّي عن هويّتها الثوريّة والتحوّل إلى دولة عاديّة تحكُمها الواقعيّة السياسيّة، أو المضيّ في خيار المُواجَهَة الشاملة التي ستكون كلْفتها مُدَمّرَة للجميع.
2026-02-18 13:02:47 | 9 قراءة