التصنيفات » مقالات سياسية

"الثورة المُلَوّنَة" في الداخل... مُحاوَلات التسلّق على الهبّة الشعبيّة ضدّ الجريمة

"الثورة المُلَوّنَة" في الداخل... مُحاوَلات التسلّق على الهبّة الشعبيّة ضدّ الجريمة

فجأة، ومع سَبْق الإصرار والترصّد، تَجري مُحاوَلات فَرْض نقاش مُخْتَلَق ومُصْطَنَع حول الشراكة العربيّة - اليهوديّة في نضال المُواطِنين العرب ضدّ الجريمة.
موقع عرب 48
رامي منصور
8/2/2026

يَبدو الأمر موقفًا إنسانيًا نبيلًا؛ جمعيّات "غير ربحيّة" تتبنّى مَطالِب المُواطِنين الغلابة العادلة، مثل مُحارَبة الفساد، مُحارَبة الجريمة، الانتخابات الديمقراطيّة، والحريّات عمومًا. ويَأخذ كلّ مَطلَب شعارًا ولَوْنًا ثابتًا، ويُفَضَّل أن يكون "حياديًّا" و"غير مُسَيَّس"، لا يَرْمُز إلى انتماء وطنيّ أو أيديولوجيّ أو حزبي. تَبدأ العمليّة بالاندساس بين الناس خفيةً؛ تَتَرافَق مع توزيع الشعارات المُلَوّنَة بلَوْنٍ واحدٍ طاغٍ "مُحايِد" على المُواطِنين، وتعظيم الحَدَث عبر الإعلام، مع إبراز شخصيّات مُحَدّدة تبدو رموزًا للنضال.
هذه بعض سِمات وطريقة عمل الثورات المُلَوّنَة التي اتّبَعَتها الولايات المتحدة في مُحارَبة الأنظمة المُعادِية لها، سواء في أوروبا الشرقيّة أو غيرها، بحيث تتجنّب هذه "الثورات" الصّدام أو العُنف.
تَجارُب عديدة، وهذه أمثلةٌ منها:
في عام 2003، انطَلَقَت في جورجيا ما تُعرَف بـ"ثورة الزهور" ضدّ الرئيس المُوالي لموسكو إدوارد شيفرنادزه، وأطاحَت به.
في أوكرانيا عَرِفنا "ثورة البرتقال" أو "البرتقاليّة"، التي خَرَجَت في عام 2004 ضدّ الرئيس فيكتور يانوكوفيتش المُقَرّب من روسيا، بحجّة تزوير الانتخابات الرئاسيّة.
هذه عَيّنات من "ثورات" القوّة الناعمة التي اتّبَعَها مُوالون للولايات المتحدة ضدّ المُوالين لروسيا في أوروبا الشرقيّة. والأمثلة تَمْتَدّ إلى قارّات أخرى بالطّبع.
أما الانتفاضات الشعبيّة العربيّة في العقد الماضي، فقد حاوَل الغرب أن يُحَوّلها إلى "مُلَوّنَة"، وأطلَقَ عليها الإعلام الغربي اسم "ثورة الياسمين".
وما علاقة الثورة المُلَوّنَة في جورجيا وأوكرانيا بسخنين؟
فَجْأة، ومع سَبْقِ الإصرار والترصّد، تجري مُحاوَلات فَرْض نقاش مُخْتَلق ومُصْطَنَع حول الشراكة العربيّة - اليهوديّة في نضال المُواطِنين العرب ضدّ الجريمة.
فَجْأة، وليس صدْفة، تجري مُحاوَلات فَرْض أجنْدة على نضال الفلسطينيين ضدّ الجريمة، مثل موضوع الشراكة مع "القوى الليبراليّة" في المجتمع الإسرائيلي. ليس تَعاونًا أو تَحالفًا، بل "شراكة كاملة"؛ أي أنْ تخضع الأغلبيّة في هذا النضال، أي المواطنين العرب، إلى السّقْف السياسي للأقليّة في هذا النضال وفي المجتمع الإسرائيلي، مع تَجاهُلٍ واعٍ وتحييدٍ لأيّ بُعْدٍ وطنيٍ وقوميٍ لواقِعِنا، وتغييب الإبادة الجماعيّة في غزة؛ أي تجريد مَطالِب العرب من أيّ بُعْدٍ سياسيٍ جماعي، وتحويل مَطالِبِهم العادلة إلى أداة بِيَدِ طبَقة أشكنازيّة ثريّة في مُقارَعَة نظام بنيامين نتنياهو.
فبَعد "الثورة المُلَوّنَة" تحت شعار "التأثير" و"إحنا مليون صوت"، والتي كان لونُها أخضر، لا هو فاتح ولا غامق، حِياديّ مثل شعارات الحرَكات من أجل البيئة، وقد اختير لها رمزٌ وبطلٌ هو أيمن عودة، جاءت ثورة مُلَوّنَة بنَكْهَة إسلاميّة شَبّت عن الطّوْق وأبْدَت استعدادها للتحالف مع اليمين الاستيطاني، واختارت لَوْنًا أخضر غامقًا برّاقًا، وَعَدَت بـ"إسلام مُتَجَدّد"، فصارَ رَمْزُها وبَطَلُها منصور عبّاس.
في الحالتَيْن جرى التسلّق على الرّغبة الشعبيّة الحقيقيّة بالوحدة السياسيّة وحَرْفها نحو صراعات المعسكرات الصهيونيّة. في المحصّلة، تأثّر خطابنا السياسي أكثر ممّا أثّر في الآخرين.
ورغم فشل هذه المُحاوَلات في الإطاحة بنظام بنيامين نتنياهو، إلّا أنها تمكّنت فعليًا من ضَرْب الخطاب الوطني والقيادات الوطنيّة في الداخل، وأبرَزَت رموزًا مثل عودة وعبّاس، الذين أفرَغوا السياسة والحقوق الجماعيّة وحَوّلوها إلى مَطالِب مدنيّة تربط الحقوق بقبول يهوديّة الدولة والمشروع الصهيوني، بالتوازي مع مُلاحَقَة السّلطات الرسميّة للحركات الوطنيّة وصولًا إلى حَظْرِها.
ومنذ مُظاهَرة سخنين الضّخمة ضدّ الجريمة، لم يَكُنِ السؤال الشاغل للمُواطِن العادي هو الشراكة مع "القوى الليبراليّة" الإسرائيليّة، بل وَقْف شلّال الدم. ولم يكن شاغِل المُواطِن العادي هل ستُشارِك "القوى الليبراليّة" في مُظاهَرة تل أبيب أم لا؛ لكن هناك مُحاوَلة لتفريغ واختطاف هذا النضال العادل والصادق والوجودي، وتحويله إلى ثورة مُلَوّنَة خالية من أيّ بُعد سياسيّ وطنيّ جماعي، وتحويله إلى نضال مَطلَبيّ مَدنيّ تحت السّقف السياسي للقوى الليبراليّة الصهيونيّة والجهات المُمَوّلة، مُستَغِلًا آلام الناس تحت شعار "الشراكة العربية - اليهودية" أو "النضال المُشتَرك".
تُحاوِل جمعيّات الثورة المُلَوّنَة جَعْل العرب في هذا الجزء من فلسطين قضية إسرائيليّة داخليّة، بلا كيان وطني جامع أو مؤسّسات وطنية، فتجري مُحاوَلات الاندساس للجنة المتابعة واللجنة القُطْرِيّة لرؤساء السلطات المحليّة من باب "التمويل" و"الخُبراء" لإحباطها وتفريغ دورها الوطني، وليس تطويرها، وتختَزل السياسة والنضال في لَوْنٍ واحدٍ مُحايِد، لا تاريخ له ولا إرث.
جمعيّات الثورة المُلَوّنَة تُحاوِل السيطرة على نضالنا ضدّ الجريمة، كما نضالنا الوطني وعملنا السياسي ومؤسّساته، وفَرْض أجنْداتها عليه، وتفريغه ليظلّ تحت السّقف الذي تُحَدّده القوى الليبراليّة المُناوِئة لنتنياهو. لكن في النهاية لن ينجحوا، لأنهم بلا امتداد شعبي، رغم كلّ الحَمَلات على السوشال ميديا وصناديق التمويل؛ إلّا أن سُلوكهم هذا قد يُفرِغ النضال من أصالته ويَحرفه ويُحبطه، لأنهم بلا عمود فقريّ سياسيّ حقيقي، ولا جذور في الأرض.
تَستَغلّ هذه الجمعيّات نَقْص التمويل لمؤسّساتنا الوطنية للاندساس والتسلّق على آلام الناس واستغلالها والاستثمار فيها. لكن الفُرْصَة الآن مُواتِيَة في ظلّ هذا الحراك الجماعيّ الضخم للمُبادَرة للتمويل الشعبي وإقامة صندوق وطني؛ فذلك بات مَطلَبًا وجوديًا للحفاظ على الهويّة، وليس فقط السياسة الوطنيّة، وإعادة تشكيل وصياغة بُنْيَة اللجان الشعبيّة لتشمل قطاعات جديدة من المجتمع.
والتمويل الشعبي ضروريّ لأنّ الثورة المُلَوّنَة لا تَهدف إلى تحويلنا لقضية إسرائيلّية داخليّة فقط، بل إلى تجريف الأرضيّة السياسيّة والوطنيّة التي نَقِف عليها، من خطاب سياسي إلى قيادات وطنيّة، والاعتماد على "فونكتسيونرز" في جمعيّات يتقمّصون دَوْرَ "قيادات مجتمعيّة" أو ميدانيّة.
هي "ثورة مُلَوّنَة" لأنها ليست أصيلة، هجينة ودخيلة، خدّاعة؛ أما الهبّة الشعبيّة الأخيرة، فهي نضال أصيل، من ألَمِنا. لذا يتقدّم ويتراجع، لكنّه مُتَواصِل، وباستطاعته تمويل نفسه شعبيًا.
إنّ حُضورَنا ودَعْمَنا للنضال والحراك يظلّ أمرًا سياسيًّا في صُلبه، ويجب أن يبقى كذلك، حتى وإن شابَهُ شيء من التلوّن أو التلوّث؛ فمُهِمّتنا ليست الانسحاب بل الضّبط والتقويم عبر الحُضور الفاعل. ذلك أن الالتفاف حول هذا الحراك الشعبي ضدّ الجريمة كبير ومُتَنَوّع وغير مسبوق، ويضم فئات وطبَقات اجتماعيّة مختلفة وواسعة، ما يَفرِض علينا عدم تَرْكه ليُصادَر أو يُفَرّغ من مضمونه، بل استثماره وحمايته والبناء عليه.

 

2026-02-19 13:01:51 | 8 قراءة

مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية