التصنيفات » مقالات سياسية

قرارات الكابينيت... بين اختبار واشنطن وحَسْم الضفّة الغربيّة

قرارات الكابينيت... بين اختبار واشنطن وحَسْم الضفّة الغربيّة

تؤثّر هذه السياسات على الحياة اليوميّة للفلسطينيين بصورة مُباشرة، إذ يؤدّي توسيع السيطرة التخطيطيّة والإداريّة إلى تقليص فُرَص البناء والتوسّع العمراني وارتفاع احتمالات الهَدْم والمُصادَرَة في مناطق كانت تُعَدّ سابقًا ضمن صلاحيّات السلطة الفلسطينيّة...
موقع عرب 48 
9/2/2026
ياسر منّاع

 في خُطوَة غير مُفاجئة، يوم الثامن من شباط/فبراير 2026، أُعلِن أنّ المجلس الوزاري الأمني المُصَغّر في إسرائيل أقَرّ مجموعة قرارات مفصليّة تتعلّق بالضفّة الغربيّة وتحمل تداعيات واسعة على مختلف جوانب إدارتها. تضمّنت الحزمة خطوات تهدف إلى تسريع الاستيطان وإعادة صياغة الإطار القانوني والإداري المُنَظّم للأرض والإدارة. قَدّم وزير الجيش يسرائيل كاتس ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش هذه القرارات بوَصْفِها رَفْعًا لقيود تاريخيّة على بَيْع الأراضي لليهود عبر إلغاء تشريعات أردنيّة كانت تَمْنَع بَيْع الأراضي لغير العرب وفتح سجلّات الأراضي والسماح بعمل الإدارة المدنيّة الإسرائيليّة داخل منطقتي (أ - ب) خلافًا لاتفاقيّات أوسلو.
تَتَخَطّى هذه القرارات الإطار البيروقراطي لتُعيدَ تشكيل الخريطة على الأرض ميدانيًا. تشمل نقل صلاحيّات التخطيط والبناء في الخليل إلى الإدارة المدنيّة الإسرائيليّة، وفَصْل مُجَمّع قبر راحيل عن بلديّة بيت لحم، وإنشاء كيان بلَديّ مُستقلّ للتجمّع الاستيطاني في الخليل.
تكشف هذه الخُطوات مَسارًا مُتَدَرّجًا نحو تعميق الضمّ الفعلي وتوسيع الاستيطان، وتهيئة بيئة تُتيح هَدْمَ مَبانٍ فلسطينية حتى داخل مناطق مُصَنّفة وفق اتفاق أوسلو. تُعيد هذه الإجراءات تعريف موقع السلطة الفلسطينية، وتُظهِر عمليًا تآكُل اتفاقيّات أوسلو. وَصَفَ مجلس المستوطنات هذه الحزمة بأنها الأهم منذ ثمانية وخمسين عامًا.
يعكس حجم التحوّل الذي تحمِله هذه القرارات امتدادًا لمَسار طويل يسعى إلى الفصل التام بين الفلسطيني والمُستَوطِن وإعادة تشكيل إدارة الضفّة الغربيّة. تَحَرّك هذا المَسار تدريجيًا، وبوتيرة بطيئة، خلال مَراحل سابقة، ثمّ تَسارَع بشكل واضح بعد السابع من تشرين الأوّل/أكتوبر. يَكشف هذا التسارُع عن تخطيط مُتَراكِم ورؤية استراتيجيّة في إسرائيل، مُقابِل حالة عَجْز فلسطيني رسمي وشعبي عن مُواكَبَة هذا المَسار أو الحَدّ من تداعياته.
ثمّة مُلاحَظات جوهريّة تتعلّق بطريقة إعلان قرارات الكابينيت وسياقها السياسي؛ يتمثّل أوّلها في غياب بيان حكومي رسمي رغم حجم الخطوات المطروحة، مُقابِل صدور التصريحات الأساسيّة عن وزراء مُحَدّدين. يكشف هذا التفصيل نمَطًا متكرّرًا في إدارة القرارات الحسّاسة يقوم على إبقاء قَدر من الغموض المؤسّسي يمنح القيادة السياسيّة هامش مُناوَرَة أمام ردود الفعل الدوليّة، خصوصًا الأميركيّة.
يُتيحُ هذا الأسلوب لرئيس الحكومة بنيامين نتنياهو إمكانيّة التراجع أو إعادة الصياغة عند ظهور اعتراض مُباشر من واشنطن، عبر تقديم ما صَدَرَ بوَصْفِه مواقف وزاريّة أو توجّهات داخليّة لم تتحوّل إلى قرار حُكومي مُلزِم.
يرتبط هذا النمَط بطبيعة العلاقة الخاصّة بين إسرائيل والولايات المتحدة. تُدرِك القيادة الإسرائيليّة أنّ أيّ تحوّل جوهري في الضفّة الغربيّة يتأثّر بدرجة كبيرة بالموقف الأميركي. لذلك، تُطرَح تصريحات ومواقف تمهيديّة لاختبار حُدود القبول أو الاعتراض؛ فإذا جاء الردّ الأميركي ضعيفًا أو غامضًا تتحوّل هذه المواقف تدريجيًا إلى سياسة حكوميّة مُكتَمِلَة؛ وإذا ظهَر اعتراض واضح يجري التباطؤ في التنفيذ أو إعادة الصياغة. وهكذا تتحوّل هذه الآليّة إلى جزء ثابت من إدارة العلاقة مع الحليف الأهم.
كما يتقاطع هذا السّلوك مع تباينات داخليّة عميقة داخل إسرائيل بين اتّجاهين داخل المشروع الإسرائيلي. سعى الاتجاه الأوّل لسنوات إلى الحفاظ على صيغة تَضمَن وجود كيان فلسطيني محدود وضعيف يُوَفّر غطاءً سياسيًا يُخَفّف الضغوط الدوليّة ويَمنَع الانزلاق إلى واقع الدولة الواحدة، واعتمد على إدارة الصراع وإبقائه ضمن حدود يمكن التحكّم بها دبلوماسيًا. يَتَقَدّم الاتجاه الثاني اليوم داخل الحكومة والمؤسّسة الأمنيّة، ويرى أن هذا النموذج لم يَعُد يخدم المصالح الإسرائيلية، وأنّ المرحلة تتطلّب إعادة تشكيل الواقع السياسي والقانوني بصورة أكثر جذريّة.
تعكس القرارات الأخيرة تَقَدّم هذا الاتجاه داخل منظومة الحُكم. يظهَر ذلك في توسيع عمل الإدارة المدنيّة الإسرائيليّة داخل مناطق مُصَنّفة وفْق اتفاقيّات أوسلو ضمن صلاحيّات السلطة الفلسطينية، وفي نقْل صلاحيّات التخطيط والبناء وتغيير الوضع القانوني لمناطق حسّاسة مثل الخليل وبيت لحم. تُشير هذه الخطوات إلى انتقال تدريجي من إدارة الصراع إلى حَسْمه وإعادة هندَسة الواقع الميداني على الأرض.
يكتَسب ملفّ الأراضي الفلسطينية موقعًا حاسمًا في هذه المرحلة. فَتْح سجلّات الأراضي وإلغاء التشرريعات المُرتَبِطَة بملكيّة الأرض يُعَزّزان مسار التوسّع الاستيطاني تحت غطاء التنظيم والتخطيط، بما يُخَفّف من حِدّة الانتقاد الدولي. كما يُوَسّع هذا التحوّل قُدرة إسرائيل على تسجيل الأراضي وإعادة توزيعها داخل المنظومة الاستيطانيّة دون جُهد، ويؤدّي إلى نَقْل مركز الثّقل من السيطرة العسكريّة المُباشرة إلى ترسيخ مُلْكِيّة استيطانيّة فرديّة تُعيد تشكيل واقع الأرض وتجعل التراجع عنه مستقبلًا شبه مستحيل.
يُعيدُ نَقْل صلاحيّات التخطيط والبناء في الخليل ترجيح الكفّة الإداريّة لصالح الاستيطان في واحدة من أكثر مناطق الضفّة الغربيّة حساسيّة، من خلال توسيع قُدرة الإدارة المدنيّة الإسرائيليّة على توجيه التوسّع العُمراني وتضييق الحَيّز الفلسطيني ورَفْع احتمالات الهَدْم والمُصادَرَة. يتزامن ذلك مع فَصْل مُجَمّع قبر راحيل عن بلديّة بيت لحم، بما يُعيد رَسْم الحدود الإداريّة ويربط المواقع الدينيّة والأثريّة مُباشرة بالإدارة الإسرائيليّة؛ إضافة إلى إنشاء كيان بلَدي مُستَقِل للتجمّع الاستيطاني في الخليل بما يُعَزّز مركزيّة البُنْيَة البلديّة الاستيطانيّة على حساب البلديّة الفلسطينيّة.
كذلك، يَتَجاوَز تأثير القرارات البُعد الإداري ليَصِلَ إلى إعادة تعريف العلاقة بين السيطرة الميدانيّة والشرعيّة الدوليّة، إذ يسعى الاتجاه الصاعد داخل إسرائيل إلى فَرْض واقع جديد، حتى مع احتمال تَراجُع القبول الدولي، وانطلاقًا من تقدير يرى أن اللحظة الحاليّة تُتيح إعادة صياغة الواقع السياسي في الضفّة الغربيّة.
على الطرَف المُقابِل، تؤثّر هذه السياسات على الحياة اليوميّة للفلسطينيين بصورة مُباشرة، إذ يؤدّي توسيع السيطرة التخطيطيّة والإداريّة إلى تقليص فُرَص البناء والتوسّع العُمراني وارتفاع احتمالات الهَدْم والمُصادَرَة في مناطق كانت تُعَدّ سابقًا ضمن صلاحيّات السلطة الفلسطينية. كما تفرض القُيود على الحركة والعمل واقعًا اقتصاديًا واجتماعيًا ضاغطًا يخلق بيئة طاردة، تدفع قطاعات من السكّان الفلسطينيين إلى الهجرة الصامتة.
أمّا على المستوى الاجتماعي، يتّسع خطاب الاتّهام بالبيع داخل المجتمع الفلسطيني، ما يُعَمّق التفكّك الاجتماعي في ظلّ سهولة حُصول المُستَوطِنين على سَنَدات مُلْكِيّة وعُقود بيع مقابل صعوبة الطّعْن الفلسطيني فيها وإبطالها. وعلى المستوى السياسي، تدفع هذه القرارات نحو تقويض إمكانيّة قيام كيان سياسي فلسطيني، وتختَزل دور السلطة الفلسطينيّة في إدارة السكّان فقط، كما المُحاوَلات في قطاع غزة، حيث يؤدّي إضعاف غزة وعَزْلها إلى إضعاف السلطة الفلسطينيّة والضفّة الغربيّة في الوقت نفسه؛ لأنّ الفصل بين الساحَتَيْن مصلحة استراتيجيّة إسرائيليّة، عدا أنه يُقَوّض أيّ إطار سياسي وجغرافي مُوَحّد للتمثيل والإدارة الفلسطينيّة. فيما تكشف السياسات الإسرائيليّة مَسارًا واحدًا يعمل في اتجاه الهدَف ذاته عبر ساحات مختلفة، إذ تُستَخدَم في غزة أدَوات الحصار والعَزْل والحرب العسكرية بكامل قوّتها، بينما تُوَظَّف في الضفّة الغربيّة أدَوات الضمّ الإداري والتوسّع الاستيطاني، بما يُفضي في نهاية المَطاف إلى تفكيك المجال الفلسطيني وتقليص قُدرته على الاستمرار كوحدة سياسيّة مُتَماسِكَة.
في المحصّلة، يبقى الموقف الأميركي العامِل الأكثر تأثيرًا في تحديد سرعة التحوّل وحدوده في الضفّة الغربيّة، إذ يُشَكّل غياب الاعتراض ضوءًا أخضر غير مُباشر يُسَرّع الخطوات، في حين يَفرض الاعتراض الواضح إعادة ضبط المَسار. تتقاطع التباينات الداخليّة في إسرائيل مع حسابات العلاقة مع واشنطن، لتُشَكّل معًا مَسار السياسة الإسرائيليّة في المرحلة المقبلة.

 

2026-02-19 13:03:45 | 8 قراءة

مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية