و"هل يوجد شعب فلسطيني؟"
في البداية، يكون إخراجُه من اللّغة، من الكلام، من التّداوُل، من الذّاكرة ومن الوَعي، كمُقَدّمَة لإخراجِه من المَكان والحَيّز. أو إنّ السّعْيَ إلى طَرْدِه من اللّغة وتغييبه عن الكلام هو تعويضٌ عن عدم القُدرة على إخراجه من المَكان...
مرزوق الحلبي
موقع عرب 48
13/2/2026
في أوْج نقاش بين جماعة يهوديّة إسرائيليّة ومجموعة فلسطينيّة، انتَهَت إحدى المُشارِكات اليهوديّات إلى التشكيك بوجود شعب فلسطيني. "هل شعبٌ كهذا موجود؟"، "هل كانوا هنا من قَبْل؟". وقَبْلَ أن تأتيها "الشجاعة" لطَرْح أسئلة كهذه، سأل بعضهم المجموعة الفلسطينيّة لماذا تُصِرّ على تعريف نفسها على أنها فلسطينيّة! أحَد المُشارِكين الفلسطينيين رَدّ بالقول إنه في الصباح، وقَبْل الحضور إلى اللّقاء، نَظَرَ إلى صورَته في المرآة فألفى نفسه موجودًا حيًّا يُرْزَق، فقَرّرَ أن يأتي. ورَدّت أخرى بالقول إن اللقاء عُرّفَ مُسبَقًا على أنه بين مجموعة يهوديّة في إسرائيل وبين مجموعة فلسطينيّة. بين سؤالٍ كهذا وجوابٍ كذاك، طَلَبَت إحدى المُشارِكات اليهوديّات بأن يَشرَح لها أحدُهم ماذا يعني أن تُعَرّف المجموعة نفسها فلسطينيّة.
يُمكِنُنا أن نَعتَبر الأسئلة المُوَجّهَة للمجموعة الفلسطينيّة على أنها استفساريّة؛ لكنها لم تَكُن كذلك. بل كانت جزءًا من تفكير الطَّرَف اليهوديّ والتلهّي بصوتٍ عالٍ بفكرة "ألّا يكون هنا شعب فلسطيني"! فلا يُضْطّرّ إلى مُواجَهَتِه كمرآة تعكس صورة اليهودي الحقيقيّة في فلسطين التاريخيّة، وتعكس ما أحْدَثَه من غُبْن وما ارتَكَبَه من فظائع وأعمال مُروِعَة كي يستَولي على بلاد الفلسطينيين. السؤال الذي أرادَته صاحِبتُه أن يكون ساذجًا لم يكن كذلك أبدًا، بل كان تعبيرًا عن رغبة دفينة ألّا ترى أمامها فلسطينيين، أو أن يُقِرّ الفلسطيني بنفسه أنه غير موجود. سؤال يعكس الحالة الوجوديّة لليهودي هنا ـ وهي حالة من الخوف والقلَق والهجاس وغياب الطّمأنينة والاستقرار طالَما أن الفلسطيني موجود. هو سؤالٌ يعكس الرّغبة في اختفاء مَنْبَع هذه المشاعر، النقيض الذي لا يزال يَطرُق باب الذّاكرة وجُدران المَكان الذي له على سُكّانه الغُرباء. سؤالٌ يُعَبّر عن رغبة في طَرْد الفلسطيني من الوعي على الأقلّ، فلا يكون في الحقيقة ـ هكذا يُخَيّل لهم!
في البداية، يكون إخراجه من اللّغة، من الكلام، من التّداوُل، من الذّاكرة ومن الوعي، كمُقَدّمة لإخراجه من المَكان والحَيّز. أو إنّ السّعْيَ إلى طَرْدِه من اللّغة وتغييبه عن الكلام هو تعويضٌ عن عدم القُدرة على إخراجه من المَكان؛ أو هو فعلُ إنكارٍ بدائيّ حِيال فشل كلّ مُحاوَلات التغييب والإبعاد والإبادة. هو إعفاءٌ للنفس من عَناء المُواجَهَة، وسَعْيٌ إلى تحصيل طمأنينة موهومة بالزّعم أنه ليس في المَكان فلسطينيّون ولا كانوا هنا. وهو قَوْلٌ يُحاوِل اليهوديّ القائل به أن يُخَفّف عبء ضميره، خاصّة عندما يُوَضِّح له الفلسطيني أنّ وجوده هنا يعني غياب فلسطيني في مواقع اللّجوء، وأنّ تعميره مُستَوطنَة هنا وبلدة هناك يعني هَدْم قَرْيَة فلسطينيّة أو سَلْب أرض قَرْيَة أخرى ـ كما الحاصِل الآن لحظة كتابة هذه السّطور.
سؤالٌ يَعكِس مُحاوَلَة اليهودي التهرّب من فِعْلَتِه، من تاريخه هنا، من روايته الباطلة عن بلاد بدون شعبٍ آلَت إلى شعبٍ بدون بلاد! أو هو مُحاوَلَة لتناسي الضحيّة كي لا تَظهَر الجِناية والفِعْلَة. حُضور الفلسطيني بروايتِه وصوتِه ووجهِه يُسَبّب حَرَجًا لقاتِليه، أو الذين اعتقَدوا أنهم أخضَعوه وهَجّروه، خاصّة بعد الحرب على غزة.
هو سؤالُ تَعَجّب ودَهْشَة من الفلسطيني القادر على الحُضور في كلّ مرّة تعتقد فيها النفس اليهوديّة أنها تَخَلّصت منه وغَيّبَته تمامًا من الحَيّز واللّغة والكلام. فالمَشاهِد التي رسمَتها الحرب على غزة توحي أو توهِم بأنه لم يبقَ أحد! وها هُم هنا على مَرمى كُرسيّ أو مقعدين، حاضِرين بكلّ عنفوانهم؛ فلسطينيين يَروون ما حصَل ويُخَطّطون للمستقبل.
أما السؤال عن معنى أن يكون المَرء فلسطينيًّا، فهو سؤالٌ يُريد أن يفحَص سائلُه فَرَضِيّاته؛ أوّلها، إذا ما كان التعريف/الإجابة ستؤكّد الأفكار المُسْبَقَة والصورة السّالِبَة للفلسطيني في عَيْن اليهودي المتوسّط. ثانيها، إمكانيّة أن يكون في الإجابة ما يَطرُد الخوف الدفين في نفس المجموعة اليهوديّة. هذا فيما الإجابة في الحقيقة لا تُقَدّم ولا تؤخّر لأنّ السؤال هو تعبير فقط عن حالة يُشَكّل الفلسطيني فيها مَنبَع خوف وغياب ثقة.
مثل هذه الأسئلة التي تتَكَرّر كلّ يومٍ في اللّقاء المُباشر بين اليهودي وصُنْوَه الفلسطيني، أو في الحياة العامّة والإعلام، وفي أرجاء اللّغة العِبْريّة، حيث تَرَكَت أفعالُها أثَرًا في المَكان وفي الزّمان، وتعكس بأمانة بالغة جوهر الوجود اليهودي في فلسطين التاريخيّة. وهو وجودٌ لم يكن لِيَحْصَل كما حَصَلَ بدون النّكبة ومفاعيلها المستمرّة حتى الحرب على غزة والمخيّمات في الضفة الغربية. أمّا وجود الفلسطيني وحُضوره وانتماؤه لروايته، فهو الفعل المُضادّ الذي يُرْبِك السائلين ومشاريعهم إلى هذه اللّحظة. وهنا بالتحديد علينا أن نعترف أنّ بعض الفلسطينيين، لا سيّما في الجليل والمثلّث والنقب، خَفّفوا حُضورهم اليومي والقومي إلى حدود الاختفاء، أو القبول بتسميات أخرى غير مُشْتَقّة من فلسطين في إطار التعامل مع أمانيّ "النّفْس اليهوديّة المتوسّطة" وللحَدّ من "قَلَقِها". ومنهم من هو مُسْتَعِدٌ للاستلقاء على الأرض و"الانمساح" بها كي يَمُرّ القَلِقون على جَسَدِه، ربما تَوَفّرَت الطمأنينة المفقودة ونجا المُسْتَلْقي. فلا هي آتِية ولا هو ناجٍ!
2026-02-24 09:28:05 | 14 قراءة