التصنيفات » مقالات سياسية

مُسَبّبات الفقر في إسرائيل تتراجع عند العرب بخلاف اليهود الحَريديم لكنها تبقى عالية والأعمَق على الإطلاق!
مُسَبّبات الفقر في إسرائيل تتراجع عند العرب بخلاف اليهود الحَريديم لكنها تبقى عالية والأعمَق على الإطلاق!
 
09  فبراير 2026
المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيليّة 
• برهوم جرايسي
يُسْتَدَلّ من تقرير الفقر الرّسمي الإسرائيلي، الصّادر في مطلع شباط الجاري، بتأخير شَهْرَيْن عن مَوعِده السّنَوي الرّسمي، وهو عن حال الفقر في العام قبل الماضي، 2024، أنّ نسبة من هُم دون خطّ الفقر، راوَحت مكانها، مع تَراجُع طفيف جداً على مستوى الأفراد، من 20.8% في العام 2023، إلى 20.7% في العام التالي 2024؛ ولوحِظ أيضاً استمرار تَراجُع نسبة الفقر بين العرب، وإنْ كان بوتيرة طفيفة، انعكاساً لمُسَبّبات اجتماعيّة واقتصاديّة، وتقريباً مُوازِية للنسبة بين جمهور المُتَدَيّنين المُتَزَمّتين، الحَريديم، على الرّغم من أنّ مُسَبّبات الفقر تَتراجَع بين العرب، وتبقى على حالِها لدى الحَريديم؛ لكنّ الفقر بين العرب يبقى هو الأعمَق على الإطلاق. 
ولم تُشِر مؤسّسة الضمان الاجتماعي الإسرائيليّة الرسميّة (مؤسّسة التأمين الوطني، بحسب التسمية)، إلى سَبَب تأخير صدور تقرير الفقر الرّسمي، الذي يَصْدُر عادة في الشهر الأخير من كلّ عام، عن العام الذي سَبَق، ورغم دَعَوات ظَهَرَت مراراً، تدعو المؤسّسة لأن يكون صُدور التقرير مُبكِراً، وقبل مُعالَجَة ميزانيّة العام الجديد.
فقد قال تقرير الفقر الرسمي، عن العام قبل الماضي (2024)، إنّ نسبة الفقر العامّة، على مستوى الأفراد، بناءً على مَدخول العائلة الصافي، بما يَشمل مُخَصّصات اجتماعيّة متنوّعة، بلغَت 20.7%، في مُقابِل  نسبة 20.8% في العام 2023. وعلى مستوى العائلات، فقد كانت نسبة الفقر 20%، وهي أيضاً شبيهة إلى حدّ التطابق مع العام الذي سَبَق.
خطّ الفقر
وفي تحديدها لخطّ الفقر الجديد، رَفَعَته مؤسّسة الضمان بنسبة 6.72%، مُقارَنَة بما كان عليه في العام 2023، الذي ارتَفَعَ فيه خطّ الفقر مُقارَنَة بالعام الذي سَبَق، بنسبة 7.5%.
وفي عَرْضِنا لخطّ الفقر، أجْرَيْنا حساب الدولار هنا على أساس 3,64 شيكل للدولار بموجب مُعَدّل سعر الصّرْف في نهاية العام قبل الماضي 2024، بينما سعر صَرْف الدولار في فترة نَشْر هذا التقرير هنا، كان يدور حول 3.1 شيكل للدولار. 
وقال تقرير الفقر إنّ خطّ الفقر بالنسبة للفرد الواحد 4434 شيكلًا (1218 دولاراً، في حينه). أمّا بالنسبة لعائلة من شَخْصَيْن، فإنّ خطّ الفقر بات 7095 شيكلاً (1949 دولاراً)، وثلاثة أشخاص 9401 شيكل (2582 دولاراً)، وأربعة أشخاص 11532 شيكلاً (3186 دولاراً)، وخمسة أشخاص 13303 شواكل (3655 دولاراً)، وستّة أشخاص 15077 شيكلاً (4142 دولاراً)، وسبعة أشخاص 15789 شيكلاً (4337 دولاراً)، وثمانية أشخاص 18447 شيكلاً (5068 دولاراً)، وتسعة أشخاص 19866 شيكلاً (5458 دولاراً).
نِسَب الفقر بحسب الشّرائح وعُمقِه
وكما ذُكِر، فإنّ الفقر العام، على مستوى الأفراد، في العام 2024، بلَغ نسبة 20.7%، وبين اليهود ككل، 15.5%، وبين العرب نسبة 37.9%، مُقابِل نسبة 38.5% في العام 2023. لكنّ نسبة الفقر بين اليهود من دون الحَريديم، بلغت حوالى 11%، لأنّ الفقر بين الحريديم بلَغ 38.4%؛ وهي نسبة تبقى مُطابِقَة للعام الذي سبَق 2023.
وبالرّغم من تَراجُع الفقر لدى العرب، فإنّ الفقر بين أطفالهم يبقى الأعلى، إذ إنّ نسبة الفقر بين الأطفال بشكل عام بلغَت 28%، بزيادة طفيفة عن العام 2023، حينما كانت النسبة 27.6%؛ وبين أطفال اليهود ككل، فإنّ نسبة الفقر 21.2%، بزيادة طفيفة عن العام الذي سَبَق، إذ كانت 20.9%. أمّا بين الأطفال اليهود من دون الحَريديم، فقد بلغَت نسبة الفقر 12.9%، وبين أطفال الحَريديم 45.1%، بزيادة طفيفة عن العام الذي سَبَق.
ونسبة الفقر بين أطفال العرب سَجّلَت ارتفاعاً مَلموساً، أكثر من باقي الشّرائح، من 48.2% في العام 2023، إلى 48.8% في العام 2024، وهي الأعلى على الإطلاق.
وتَتَعَمّق الفجوة بين العرب واليهود، في نِسَب الفقر لدى المُسِنّين، ممّن أعمارهم من 65 عاماً وأعلى، إذ إنّ نسبة الفقر العامّة لدى هذه الشريحة بلغَت 12.5%، وبين اليهود ككل 10%؛ وهذه النسبة لا ترتفع بسبب الحَريديم، رغم أنّ نسبة الفقر بين المُسِنّين الحَريديم بلغَت 11.1%، وهذا لأنّ نسبة الحَريديم المُسِنّين تبقى أقلّ بكثير من نسبتهم العامّة في المجتمع.
أما نسبة الفقر بين المُسِنّين العرب، فقد بلغَت 32.2%، بتراجع مَلموس، إلى حَدٍ مُعَيّن، عن العام 2023، حينما بلغَت النسبة 33.6%؛ وهذا التراجع نابعٌ في الأساس من تَبَدّل الأجيال، ورحيل المُسِنّين الذين عاشوا ظروفاً اقتصاديّة أصعَب، وفُرَص عمل ليست مُنَظّمة، جعلت نسبة عالية جداً منهم من دون رواتب تقاعديّة، ويعتمدون على المُخَصّصات الاجتماعيّة، التي وحدها لا تَرْفَعُهُم عن خطّ الفقر.
ونُشيرُ هنا إلى أنّ تقرير الفقر يَعرِض نسبة الفقر على مُستوى العائلات. وفي هذا الجانب تتقلّب النّسَب المئويّة؛ فمَثَلاً، تهبط نسبة الفقر بين عائلات الحَريديم إلى 32.8%، لكنها لا يمكن أن تكون مقياساً، لأنّ مُعَدّل عدد أفراد عائلة الحَريديم أكثر من ضعفي مُعَدّل عدد أفراد العائلة العربيّة، استناداً إلى تقرير دوريّ آخر، حول مُعَدّل الولادات للأمّ الواحدة، الذي يتراوح لدى نساء الحَريديم حالياً ما بين 6.5 إلى 6.8 ولادة للأمّ الواحدة، في مُقابِل أقلّ من 3 ولادات للأم العربيّة. وأحد التقارير تَحَدّث حتى عن 2.9 ولادات للأمّ العربيّة.
ويَعرِض التقرير عُمق الفقر، وهذا يتكشّف في حساب الفقر من دون مُخَصّصات اجتماعيّة، وبعد احتساب المُخَصّصات الاجتماعيّة للعائلة، إذ إنّ المُخَصّصات الاجتماعيّة ترفَع 49% من الفقراء اليهود إلى ما فوق خطّ الفقر، السّابق عَرْضه هنا؛ ولدى اليهود من دون الحَريديم تَرفَع المُخَصّصات 51.3% من الفقراء اليهود إلى ما فوق خطّ الفقر؛ وبين الحَريديم وحدهم، فإنّ النسبة 37.5٪. 
أمّا بين العرب، فإنّ نسبةَ من تَرفَعهم المُخَصّصات الاجتماعيّة إلى ما فوق خطّ الفقر 23.5%، على الرّغم من أنّ المُخَصّصات الاجتماعيّة مُتَساوِيَة؛ فإنّ انخفاض النسبة لدى العرب هو دليل على أنّ الفقر بين العرب في إسرائيل هو الأعمَق على الإطلاق.
التطوّرات في المجتمع العربي
تَدُلّ تقارير الفقر الإسرائيليّة الرسميّة على تَراجُع مُستَمِرّ في مُعَدّلات الفقر في المجتمع العربي، وأيضاً في مجتمع اليهود الحَريديم، على الرّغم من أن مُسَبّبات الفقر، التي يعتمدها التقرير لاحتساب الفقر، تَتَراجَع لدى العرب باستمرار، بناءً على تطوّر المجتمع، ومنها ما هو على الرّغم من سياسات التمييز التي يُواجِهُها المُواطِنون العرب في سوق العمل، وفي مُستَويات الرّواتب، وأيضاً في مجالات التعليم العالي؛ عدا عن التمييز ضدّ العرب في الميزانيّات في جهاز التعليم المَدرَسي.
فمنذ أوائل سنوات التّسعين من القَرْن الماضي، بدأت مرحلة تَراجُع في مُعَدّلات الولادة لدى العرب، بعد حالة استقرار لسنوات سبقَت تلك الفترة. لكن في السنوات القليلة الأخيرة، بات تَراجُع مُعَدّل الولادات للأمّ العربيّة الواحدة بشكل أكبر من فَتَرات سابقة؛ وهذا بعد تَراجُع ملموس جداً في معدّل الولادات في البلدات العربيّة في منطقة النقب الجنوبيّة، حيث يعيش أكثر من 16% من المُواطِنين العرب، من دون القدس المحتلّة، التي يتمّ إدخال الفلسطينيين فيها في سِجِلّات السكّان الإسرائيليّة.
وحسب آخر تقرير إسرائيلي رسمي عن مُعَدّلات الولادة، فإنّ مُعَدّل الولادات بين النساء اليهوديّات بلَغ في العام 2022، حوالى 3.1 ولادة للأمّ اليهوديّة الواحدة، مُقابِل 2.9 ولادة للأمّ العربيّة الواحدة.
لكن في تفصيل اليهود وحدهم، نرى أن مُعَدّل الولادات لدى الأمّ الحَريديّة حوالى 6.5 ولادة للأم؛ وفي تقارير أخرى كان المُعَدّل أكثر بقليل، 6.8 ولادة. أمّا لدى باقي النساء اليهوديّات من دون الحَريديم، وبما يشمل المُتَدَيّنات والمُحافِظات والعَلمانيّات، فإن مُعَدّل الولادة أقلّ من 2.1 ولادة للأمّ الواحدة، وبين العَلمانيّات وحدهن حوالي 1.65 ولادة للأمّ الواحدة.
وكما هو معروف، فإنّه كلّما قَلّ عدد أفراد العائلة، فإنّ مُعَدّل الفرد من مدخول العائلة يرتفع؛ وهذا ما يؤثّر على مُعَدّلات الفقر.
الجانب الآخر في التطوّر في المجتمع العربي، هو ارتفاع نسبة الانخراط في سوق العمل، وأساساً بين النساء، في مُقابِل تراجع نسبة المُسِنّين الذين ليست لديهم رواتب تقاعد؛ وهذا بفعل تَبَدّل الأجيال. ويَسْبِق هذا الارتفاع المُستَمِرّ في نسبة خرّيجي معاهد التعليم العالي، وذوي الشهادات المهنيّة العُليا، في مجالات متعدّدة، على الرّغم من أنّ قطاعات العمل الأكثر تطوّراً، وبالذات قطاع التقنيّة العالية، "الهايتك"، حيث الرّواتب الأعلى، ما زال استيعابه للعرب بنسبة مُتَدَنّيَة، كأحد أشكال التمييز. ونرى بحسب تقارير متعدّدة، أنّ ما بين 25% إلى 30% فقط، من ذوي شهادات التقنيّة العالية، يَنْخَرِطون كلّياً في وظائف كاملة وثابتة في هذا القطاع؛ ومن المُمْكِن أن تكون هذه النسبة قد ارتَفَعَت قليلاً في العامَيْن الماضِيَيْن.
وما سَبَق هو تطوّر ليس قائماً في مجتمع الحَريديم، وفْق التقارير التي تَصْدُر تِباعاً، حول انخراط الحَريديم في سوق العمل، وشَكْل انخراطهم.
ففي ما يتعلّق بالانخراط في سوق العمل، تقول التقارير إنّ نسبة انخراط الرّجال العرب في جيل العمل الفعلي، من 25 عاماً إلى 64 عاماً، في حدود 78%، في مُقابِل 87% بين الرّجال اليهود من دون الحَريديم. ويعود سبَب هذه الفجوة، الآخذة بالتقلّص، إلى ارتفاع نسبة انخراط الرّجال العرب في الأعمال الصّعبة، مثل البناء وما يتعلّق به؛ بمعنى نسبة أعلى من انخراط اليهود فيه؛ وهذه أعمال تتطلّب جُهْداً جَسَدِياً، تجعَل العامِلين فيه يخرجون إلى التقاعد في جيلٍ مُبْكِر نسبياً؛ فجيل التقاعد للرجال هو 67 عاماً.
وفي العامَيْن الأخيرَيْن، قَفَزَت نسبة انخراط النساء العربيّات في سوق العمل عن 52%. وهذه النسبة التي هي بفارق كبير عن نسبة انخراط النساء اليهوديّات من دون الحَريديّات، في حدود 84%، تختلف كثيراً كلّما قَلّ جيل النساء، بِقَصْد أنّ انخراط الشابّات العربيّات أعلى بكثير جداً، ما يعني أن النسبة العامّة لانخراط النساء العربيّات ترتفع باستمرار. ويُساهِم في هذا تَبَدّل الأجيال.
أما لدى الحَريديم، فإنّ نسبة انخراط رجالهم في سوق العمل هي 53%، في مُقابِل 78% لدى العرب. لكن نسبة انخراط نساء الحَريديم باتت 82%، في مقابل حوالى 52% لدى النساء العربيّات. لكن في هذه النقطة، نُشير إلى أنّه بحسب التقارير، فإنّ نسبة الوظائف الجزئيّة لدى نساء الحَريديّات أعلى من غيرهنّ بكثير. 
ومن المُتَغَيّرات في المجتمع العربي، أيضاً، أنه بفعل تطوّر المجتمع، وزيادة الوعي الاقتصادي الاجتماعي أكثر، فقد تقلّصت بدرَجة عالية جداً، ظاهرة العمل غير المُسَجّل، أو ما يُسَمّى "العمل الأسود"، وتفضيل العامِلين العمل المُنَظّم، مع ضمان صناديق تَقاعُد، وغيرها.
هذه المُتَغَيّرات الجِديّة جداً، كان من المفروض أن تُقَلّص مُعَدّلات الفقر لدى العرب بقَدر أكبر، وأن تكون الفجوة بينهم وبين الحَريديم أكبر بكثير، وكذا بالنسبة للأطفال العرب؛ إلّا أنّ سياسات التمييز القائمة تَنعَكِس على شكل الانخراط في سوق العمل، وفي مُعَدّلات الرّواتب. وتَنعكِس أيضاً في استمرار الفقر، وجَعْله أعمَق من باقي الشرائح، بقَدَر مَلحوظ، كما أسلَفنا هنا لدى عَرْض المُعطَيات.

2026-02-24 09:30:12 | 26 قراءة

مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية