الجريمة المُنَظّمَة في المجتمع العربي: "طابور خامس" برعاية المؤسّسة
يَقِف المجتمع العربي اليوم أمام لحظة حاسمة. فاستمرار الوضع الحالي قد يؤدّي إلى ترسيخ سُلطَة شبَكات الجريمة كقوّة أمر واقع داخل بعض البَلْدات؛ وهو سيناريو يحمل تداعيات خطيرة على الاستقرار الاجتماعي والأمن العام.
سامي العلي
موقع عرب 48
14/2/2026
لم تَعُد حرب الجريمة المُتَوَغّلة في المجتمع العربي ظاهرة أمنيّة يمكن تفسيرها فقط بضعف تطبيق القانون، أو تواطؤ الشّرطَة أو فشل مؤقّت في أدائها. ما ينكشف اليوم، بعد سنوات طويلة من سياسات عنصريّة مُمَنهَجَة ومُتَراكِمَة، يُشير إلى نشوء ما يُمكِن وصفُه بـ "طابور خامس" داخل المجتمع العربي؛ منظومة إجراميّة منظّمة نشأت تدريجيًّا في ظلّ سياسات واستراتيجيّات استعماريّة مدروسة، حتى تحوّلت إلى قوّة مُوازِية تُنازِع المجتمع سَيطَرتِه على حياته وفضائه العام.
هذا الطّرْح ليس توصيفًا بلاغيًّا أو خطابًا عاطفيًّا، بل قراءة لواقع تتشابك فيه العوامل الأمنيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة. فعلى مَدار ما يُقارب ثلاثة عقود، تَراجَعَت استثمارات المؤسّسة الإسرائيليّة في البنية التحتيّة، والتنمية الاقتصاديّة داخل البَلْدات العربيّة. وتَرافَقَت هذه الفجوة مع ضعف منهجيّ في تطبيق القانون، وتَراجُع سُلطَة الأهل، وتقويض منظومة القِيَم والحَصانة المُجتمعيّة، وغياب التربية السليمة، ما خلَق فراغًا سُلطَويًّا استغلّته شبَكات الجريمة المنظّمة لتَبني لنفسها نفوذًا واسعًا.
من "طابور خامس" مُتَخَيَّل إلى واقع مُدار: كيف صيغَت مُعادَلة السَّيْطَرة؟
منذ قيامها، نَظَرَت إسرائيل إلى المجتمع العربي كتهديد أمني قبل أن تَنظُر إليه كمجتمع مدني له حقوق واحتياجات. في الأدبيّات الأكاديميّة، ومراكز الأبحاث المُرتَبِطَة بمؤسّسات الأمن القومي، تَكَرّر توصيف العرب في الداخل بوَصفِهم "طابورًا خامسًا" مُحتَمَلًا؛ أي كتلة سكّانيّة يُخشى من تَمَرّدها أكثر ممّا يُستَثمَر في شَراكتها.
هذا التصنيف لم يكن مجرّد خطاب نَظَري، بل انعكس في سياسات الرّقابة والمُلاحقة، والقمع والإقصاء، وإدارة المجال العام بمَنطِق الاحتواء الأمني. وجاءت أحداث أكتوبر 2000 لتُعَمّق هذا التصوّر داخل المؤسّسة الأمنيّة، لا برؤيتها صَرْخَة سياسيّة احتجاجيّة، بل إنذارًا استراتيجيًّا يُعَزّز الشك، ويُغَذّي هاجس "الانفجار الداخلي".
وبدَلًا من مُراجَعَة جُذور الغضب، أو مُعالَجَة أسباب التهميش والتمييز البنيوي، اتّجهت المُقارَبة نحو استباق أيّ حراك وطنيّ مُحتَمَل؛ عبر إعادة هَندَسة التوازنات داخل المجتمع نفسه. هنا بدأ التحوّل الأخطَر: من الخوف من "طابور خامس" وطني سياسي، إلى السماح بنشوء "طابور خامس" اجتماعي – إجرامي.
ظُهور العصابات المنظّمة، وانتشار السلاح غير القانوني، لم يَحْدُثا في فراغ. فخلال سنوات طويلة، سادَت سياسة الإهمال والتواطؤ، وتَراكُم السلاح، وتَعاظَمَت شبَكات المال الأسود، فيما كانت أجهزة الدولة تمتلك القدرة الاستخباراتيّة والقانونيّة على تفكيكها، لكنّها لم تُفَعِّلها بالقَدر الكافي. والنتيجة: قوى إجراميّة راكمت نفوذًا اقتصاديًّا واجتماعيًّا وإعلاميًّا، وأصبحت لاعبًا مؤثّرًا في تشكيل المَشهَد العام.
مع بداية التسعينيّات واتّساع الفجَوات الاقتصاديّة والاجتماعيّة، وتكريس سياسة إفقار البَلْدات العربيّة ومُحاصَرَتها، وغَمْرِها بالأزَمات والمظاهر السلبيّة كالمُخَدّرات والسّموم، ومُخَطّطات التهجير والتهويد، ظَهَرَت مجموعات إجراميّة صغيرة سُرعان ما تطوّرت إلى عصابات مُنَظّمَة. هذه المُنَظّمات لم تكتف بالنشاطات الإجراميّة التقليديّة، بل بنَت منظومة نفوذ اقتصادي واجتماعي مُستَفيدَة من رعاية المؤسّسة وتواطؤها، ومن ضعف الرّقابة المجتمعيّة، ومن غياب البدائل الاقتصاديّة والآفاق المستقبليّة للشباب.
تدريجيًّا، تَمَكّنت هذه العصابات من التغلغل في قطاعات البناء والتجارة والمشاريع الاقتصاديّة. كما فَرَضَت سيطرتها على مُناقَصات عامّة ومَصادِر تمويل محليّة، الأمر الذي مَنَحَها قوّة ماليّة هائلة، ومَكانة اجتماعيّة قائمة على الخَوْف والهَيْمَنة. بذلك تحوّل "الطابور الخامس" إلى قوّة داخليّة قادرة على التأثير في مَسارات الحياة اليوميّة داخل المجتمع العربي؛ بل وأصبح يُنافِس أحيانًا مؤسّسات الحُكم المحلّي على النفوذ والمال العام، ليَنْشَأ جيلٌ كاملٌ داخل مُستَنقَعاته، ويُذَوّت سلوكيّاته وقوانينه ومفاهيمه، ويَحتَذي بقيادته.
بهذا المعنى، لم يَعُد "الطابور الخامس" افتراضًا أمنيًّا خارجيًّا، بل واقعًا داخليًّا يُدار عبر الفوضى. فالجريمة المنظّمة لا تُهَدّد إسرائيل بقَدر ما تُهَدّد المجتمع العربي نفسه، وتُعيد توجيه طاقاته من الفعل السياسي والمجتمعي إلى صراع يومي على البقاء. إنّها آليّة تفتيت ناجعة: مجتمعٌ غارقٌ في الدم، ومُنشَغِلٌ بحماية أفراده، سيكون أقلّ قُدرة على تنظيم نفسه، أو الالتفاف حول خطاب وطنيّ جامع.
اقتصاد الجريمة أداة للسَّيْطَرة
تَعتَمد شبَكات الجريمة على اقتصاد ظلّ قائم على القروض الربويّة، وفَرْض الإتاوات والخاوة، والتحكّم في المشاريع الاقتصاديّة. هذه المنظومة تخلق حالة من التبعيّة الاقتصاديّة، إذ يَجِد كثير من أصحاب المصالح أنفسهم مُضطرّين إلى التعامل مع شبَكات الجريمة في ظلّ غياب بدائل تمويليّة قانونيّة، ويَنزَلِق مئات الشباب المُستَضعَف لهذه الهاوية التي تُجَنّدهم عبر تأمين الدّخل السريع والسهل، والدفيئة لتحقيق أحلامهم الماديّة.
العُنف في هذا السياق لم يَعُد مجرّد وسيلة لتصفية حسابات، بل أصبح أداة استراتيجيّة لترسيخ السيطَرة، وبناء نظام ردع اجتماعي يَمنَع أيّ مُحاوَلة لمُواجَهَة نفوذ هذه الشبَكات.
السلاح غير القانوني.. قوّة "الطابور الخامس"
لا يُمكِن فهم صعود الجريمة المنظّمة دون التطرّق إلى الانتشار الواسع للسلاح غير القانوني. فخلال سنوات طويلة، تدفّقت كميّات كبيرة من الأسلحة إلى داخل المجتمع العربي، وسط مُعطَيات رسميّة وتصريحات قادة في الشرطة الإسرائيليّة تُشير إلى أنّ جزءًا من هذا السلاح مَصدَرُه من الجيش الإسرائيلي، ومنظومات عسكريّة وأمنيّة.
هذا الانتشار الواسع منَح شبَكات الجريمة قُدرة عسكرية شبه منظّمة، ما عَزّز مَكانتها كقوّة مُهَيمِنَة قادرة على فَرْض سيطَرتها بقوّة السلاح والإرهاب.
صراع مفتوح على الحيّز العام
في الأسابيع الأخيرة، بَرَزَت مَوْجَة من الاحتجاجات والغضب والمُبادَرات في البَلْدات العربية المُطالِبَة بمُكافَحَة الجريمة، واستعادة الأمن الشخصي والعام. غير أنّ هذا الحراك تَزامَن مع تصعيد غير مسبوق في جرائم القتل، ما يُظهِر صراعًا واضحًا بين المجتمع الذي يسعى إلى استعادة سيادته المدنيّة وحماية وجوده، و"الطابور الخامس" الذي يُحاوِل الحفاظ على نُفوذه وطُغيانه.
المُعطَيات خَيْر دليل على أنّ المؤسّسة تحرص على استفحال الجريمة، لا سيّما بعد كلّ هبّة شعبيّة وحراك سياسي. تُظهِر الإحصائيّات أنّ عدد ضحايا القتل في المجتمع العربي بين الأعوام 1980-2000 وصل إلى 85 ضحيّة، بمعدّل 4 ضحايا سنويًّا، لتَتَصاعَد هذه الأعداد بعد هبّة القدس والأقصى، إذ تُشير الإحصائيّات إلى وقوع 1600 جريمة قتل بين الأعوام 2000-2020، أي بمعدّل 80 ضحيّة سنويًّا. في حين سَجّلت الإحصائيّات تَفاقُمًا خطيرًا بعد هبّة الكرامة والحرب على غزة بين الأعوام 2021-2026، إذ وقعَت 993 جريمة خلال 5 سنوات، أي بمعدّل 198 ضحيّة سنويًّا. ومنذ مطلع عام 2026، سُجّلَت 44 جريمة قتل؛ وما زال سَيْل الدم يَجري.
المُواجَهَة تَستَوجِب استراتيجيّة شاملة
إنّ التعامل مع الجريمة المنظّمة كقضيّة شرطيّة فقط لم يَعُد كافيًا. فصُعود "الطابور الخامس" برعاية المؤسّسة الإسرائيليّة، التي حرصت على بنائه بعد هبّة القدس والأقصى عام 2000 للسَّيْطَرة على المجتمع العربي من خلال صناعة الدم وتأجيج الاقتتال الداخلي، يُمَثّل تحدّيًّا مُرَكّبًا يتطلّب استراتيجيّة وطنيّة شاملة، وإعلان حرب تشمل تفكيك مَصادِر التمويل والبُنيَة الاقتصاديّة لشبَكات الجريمة، وتنفيذ خطّة واسعة لجَمْع السلاح غير القانوني، وتقوية القيادات السياسيّة والمجتمعيّة، وتعزيز الاستثمار في التعليم والتربية، والتشغيل والتنمية الاقتصاديّة، والمُقاطَعَة الاجتماعيّة للمُجرمين، ومُحارَبة تبييض الأموال والخاوة، والرّقابة على المُناقَصات العامّة، وترميم المنظومة الأخلاقيّة، وسُلطة الأهل والحصانة للمجتمع العربي. في أفضل الحالات سنَحتاج إلى بضعة سنوات من النضال المُمَنْهَج والمُستَدام للقضاء على الجريمة؛ وفي أسوأ السيناريوهات سنَحتاج إلى فترة جيل كامل، 25 عامًا، تُساوي عُمر الجريمة نفسها.
مُفتَرَق طُرُق حاسم
يقِف المجتمع العربي اليوم أمام لحظة حاسمة. فاستمرار الوضع الحالي قد يؤدّي إلى ترسيخ سُلْطَة شبَكات الجريمة كقوّة أمر واقع داخل بعض البَلْدات؛ وهو سيناريو يحمل تداعيات خطيرة على الاستقرار الاجتماعي والأمن العام، وعلى مستقبل الأجيال القادمة، بل وعلى الوجود العربي.
في المُقابِل، يُمكِن لسياسات حكوميّة جادّة أن تضَع حدًّا لهَيمَنة "الطابور الخامس". ولكنّنا نُدرِك جيّدًا بأنّ هذا الأمر لن يَحدُث طالما أنّ فوهات الأسلحة والأعيِرة الناريّة ما زالت تخدم المؤسّسة الإسرائيليّة، وتُحَقّق مآرِبها وتُحْكِم سيطرتها علينا وتقتلنا. وفقط حينما تشعر بتمرّد وتهديد "الطابور الخامس" على أمنها ووجودها، فسَتُدَمّره بلا هوادة في معركة متعدّدة الأذرع. حينها فقط ستَسعى، ربما، إلى بناء منظومة أمنيّة واجتماعيّة أكثر استقرارًا داخل بَلداتِنا العربيّة.
الجريمة المُنَظّمَة ليست قَدَرًا مَحتومًا، بل نتاج سياسة دولة عنصريّة. والسؤال الذي يُواجِه المجتمع العربي اليوم هو: هل نَملك الإرادة والعزيمة والقوّة لمُواجَهَة هذا الطابور الإجرامي، قبل أن يبدأ باستدعاء شبابنا للخدمة الإلزاميّة في صفوفه عَلَنًا، مُقابِل خنوع وهزيمة مجتمعيّة؟
2026-02-24 09:37:36 | 15 قراءة