التصنيفات » مقالات سياسية

اتّساع نطاق هجرة اليهود من إسرائيل: مؤشّر إلى تضعضع ثقة الإحساس بالأمان!

اتّساع نطاق هجرة اليهود من إسرائيل: مؤشّر إلى تضعضع ثقة الإحساس بالأمان!

07  فبراير 2026
المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيليّة
أنطوان شلحت

يَتَبَيّن يوماً بعد يوم أنّ حرب الإبادة الجماعيّة والتدمير الشامل الإسرائيليّة على قطاع غزة كان لها تأثير مَلموس على هجرة اليهود من إسرائيل وإليها، سواء من حيث اتجاهات تلك الهجرة، أو من حيث دوافع الأفراد.
وبموجب تقرير صادر عن الكنيست الإسرائيلي في تشرين الأوّل 2025، شَهِدَت الهجرة من إسرائيل ارتفاعاً حادّاً في العام 2023، حيث غادَر 82.8 ألف شخص البلَد بهدف إقامات طويلة الأمَد في الخارج، بزيادة قَدْرُها 44 بالمائة مُقارَنةً بالعام الذي سَبَقَه. وسُجِّلَ ارتفاعٌ حادٌ بشكل خاصّ في تشرين الأوّل 2023 عقْب شنّ الحرب على قطاع غزة. واستمرّت هذه الهجرة خلال العام 2024، مع تسجيل ما يَقرُب من 50 ألف مُغادَرة في الأشهر الثمانية الأولى وحدها. وللمرّة الأولى، سَجّلَت إسرائيل عدداً من المُهاجِرين لأمَدٍ طويلٍ يفوق عدد العائدين، حيث شَكّل العام 2023 أكبر فجوة بين المُغادِرين والعائدين في تاريخ الدولة. واستمرّ هذا النمَط خلال العام 2025. ففي تقريره السنوي، أفاد مكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي بأنّ نحو 70 ألف إسرائيلي غادروا البلَد على مَدار العام، في حين عاد 19 ألفاً فقط. وأكّد هذه الأرقام تقريرٌ صادرٌ عن "مركز طاوب لدراسة السياسات الاجتماعيّة"، الذي خلُص إلى أنه بعد أعوام من النمو المُطّرِد، تَباطَأ نموّ السكّان في إسرائيل في العام 2025. وعَزا الباحثون في المركز هذا التحوّل أساساً إلى الارتفاع الحاد في الهجرة، إلى جانب تَراجُع مُعَدّلات الخصوبة وازدياد مُعَدّلات الوفيات المُرتَبِطَة بالحرب. وفي المُجْمَل، غادَر أكثر من 150 ألف إسرائيلي البلاد خلال العامَيْن الماضيين وحدهما، ليَرْتَفِع العدد إلى أكثر من 200 ألف منذ تَوَلّي الحكومة الإسرائيليّة الحاليّة سُدّة الحكم، في أواخر العام 2022.
أمّا فيما يتعلّق بالهجرة إلى إسرائيل، فإنّ مُعظَم التقارير تؤكّد أنه بالرّغم من أنّ هناك ارتفاعاً في طلَبات مثل هذه الهجرة، وأساساً بسبب تَفاقُم ظواهر مُعاداة الساميّة في الخارج، فإنّ الوضع الأمني وعدم الاستقرار في إسرائيل نتيجة الحرب جَعَلا كثيرين من أصحاب هذه الطّلَبات يتردّدون أو يؤجّلون قرار الهجرة إليها.
ونَشَرَت "مجلّة 972+" مؤخّراً تحقيقاً مُفَصّلاً في هذا الشأن اشتَمل على مُقابَلات أجْرَتها مُعِدّة التقرير، هيلا عميت، مع عدد من اليهود الإسرائيليين الذين غادروا البلَد خلال العامَيْن الماضيين. وأكّدت أن شهاداتهم تُشير، في الجوهر، إلى فقدان عميق للثقة في المشروع الصهيوني ذاته، فيما قد يُنْذِر بتفكّك بنيويّ أوسَع في المستقبل. وأضافت أنّ هذه الهجرة الجماعيّة، وفي خضم ما تَصِفُه الدولة بأنه أزمة وجوديّة، تكشف عن تناقض مركزي: إذا كان من المُفْتَرَض في إسرائيل أن تكون مَلاذاً آمِناً لليهود في العالم أجمَع، فلماذا يختار هذا العدد الكبير منهم الفرار منها؟ وخَلُصَت إلى أنّ هذه الهجرة، التي هي إلى النزوح أقرَب، تَطْعَن في ركائز أساسيّة من الأيديولوجيا الصهيونيّة، وتكشف عن حدود سرديّات المسؤوليّة الجماعيّة التي لطالما رَبَطَت المجتمع الإسرائيلي بعضه ببعض.
والمُلْفِت أيضاً أنّ البروفيسور أريئيل فيلدشتاين، وهو مؤرّخ في قسم  دراسات إسرائيل وعِلم الآثار في جامعة أريئيل، يتّفق مع هذا الاستِخلاص، إذ يؤكّد في سياق مقال نشره في صحيفة "يسرائيل هيوم" (3/1/2026) أنّ الهجرة من إسرائيل بهذا الحجم، والتي تُنْعَت في السرديّة الإسرائيليّة بأنها هجرة سلبيّة، لا تنبع فقط من اعتبارات اقتصاديّة، بل من أزمة عميقة في الثقة بالإحساس بالأمان، وباستقرار النظام، وبمستقبل يبدو كأنه ضبابي. وبرأيه، عندما يختار عشرات الآلاف من الإسرائيليين الرّحيل، تحديداً بعد أحداث "انكسار وطني"، فإنّ هذا يَدُلّ على تَصَدّع في التصوّر الأساس لإسرائيل كمَلاذٍ ووطن. كما يجزم بأنّ هذا الرّحيل ليس آنياً، بل هو عمليّة تراكميّة تُضْعِف النسيج الاجتماعي، وتَضُرّ بالمناعة الوطنيّة، وتُعَمّق الشعور بعدم اليقين حتى لدى مَن يَبْقون.
وفي إطار تقرير ظهَر في صحيفة "معاريف" (4/2/2026)، أُشيرَ إلى أنّ هناك تَصاعُداً في ظاهرة هجرة الأدمِغة من إسرائيل، ما يُشير إلى صنف من الإخفاق الاستراتيجي، وما يُنْذِر بأن البلَد يخسر مستقبله رُوَيداً رُوَيداً.
ويكشف التقرير، استناداً إلى تقديرات مَصادِر مُطّلِعَة، أنّ نحو 400 ألف إسرائيلي هاجروا من إسرائيل منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة. ويوضِح أنه بموجب تقرير صادر عن مكتب الإحصاء المركزي، يعيش في الخارج نحو 55 ألف إسرائيلي من حَمَلَة شهادات البكالوريوس والماجستير، و16 بالمائة من حَمَلَة شهادة الدكتوراه يقيمون خارج إسرائيل، ما يُثبِت أنّ ما يَحدُث هو شكل من أشكال هجرة الأدمغة؛ ويعزو ذلك إلى أسباب عدّة عدا الحرب، ومن أبرزها هجوم الحكومة على الأوساط الأكاديميّة والبحث العِلمي. كذلك يلفت إلى أنه في مواجهة ذلك تَسارَعَت الحاجة إلى سدّ ما يَصِفُها بأنها "فجوة ديموغرافيّة". وهي حاجة قديمة تتجدّد باستمرار وتَشي بوضعيّة الهوَس الديموغرافي التي تُمسِك بتلابيب المجتمع الإسرائيلي، والتي ارتَفَعَت، أو تكاد أن ترتفع إلى مستوى الأدْلَجَة؛ فيما باتت اللازمة التي تتكرّر كلّما يَدور الحديث عن الهجرة اليهوديّة وارتباطها المُباشر بـ "الأمن القومي"، تتمثّل في أنّه لولا الهجرة "لما كان ثمّة أغلبيّة يهوديّة في دولة إسرائيل اليهوديّة".

2026-02-25 12:21:06 | 11 قراءة

مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية