من بروتوكول الخليل إلى تسوية الأراضي: تفكيك ما تبقّى من أوسلو
الكاتب: د. محمّد الأيّوبي
موقع الخنادق
16/2/2026
لم يَعُد ما يجري في الضفة الغربية مُجَرّد توسّع استيطاني يُمكن وَصفُه بـ"الزاحف"، بل بات مشروعاً مُداراً بعِناية، تحكُمه قرارات مؤسّساتيّة وأرقام دقيقة وخُطوات قانونيّة مُتَراكِمَة. ما أقَرّهُ الكابينيت "الإسرائيلي" في 8 فبراير/شباط 2026 لا يُمكِن قراءته كإجراء إداريّ تقني، بل كتَحَوّل بنيويّ في فلسفة إدارة الأرض المحتلة: من احتلال عسكري مؤقّت إلى ضمّ تدريجي مُقَنَّع بإجراءات مدنيّة.
القرار الخاصّ بتسجيل وتسوية مساحات واسعة من أراضي الضفّة باعتبارها "أراضي دولة" يُمَثّل نقطة انعطاف. فهو للمرّة الأولى منذ عام 1967 يفتَح مسار تسجيل شامل يُتيح نَقْل المُلكيّة إلى سجلّات رسميّة "إسرائيليّة"، بإشراف "سُلْطَة تسجيل وتسوية الحقوق العقاريّة" التابعة لوزارة العدل. هنا لا نتحدّث عن بؤر عشوائيّة أو أوامر عسكريّة موضعيّة، بل عن إعادة تعريف العلاقة القانونيّة مع الأرض نفسها.
من بروتوكول الخليل إلى تصفية المرجعيّة المرحليّة
عندما وُقّعَ بروتوكول الخليل عام 1997، استناداً إلى اتفاق أوسلو 1995، تمّ تقسيم المدينة إلى منطقتين: "الخليل 1" تحت إدارة فلسطينيّة، و"الخليل 2" تحت سيطرة "إسرائيليّة". كان ذلك يُفْتَرَض أن يكون ترتيباً انتقالياً. لكنّ القرار الأخير بسَحْب صلاحيّات الترخيص والبناء من بلديّة الخليل في مُحيط الحَرَم الإبراهيمي، وإسنادها للسلطات "الإسرائيليّة"، يعني عملياً تقويضاً لذلك البروتوكول.
ما يجري في الخليل اليوم ليس استثناءً، بل نموذجاً أوّلياً. إذا نجح هذا النموذج، يمكن تعميمه على بقيّة الضفّة، تماماً كما جرى في القدس الشرقيّة على مدى عقود. الفارق أنّ العمليّة الآن أكثر صراحة وأقلّ حاجة إلى أقنِعة سياسيّة.
أرقامٌ لا تكذب
عام 2025 كان الأعلى تاريخياً في المُصادَقَة على وَحَدات استيطانيّة، بأكثر من 28 ألف وحدة سكنيّة. في مطلع 2026، اقتَرَب عدد المستوطنين في الضفّة الغربيّة، بما فيها القدس الشرقيّة، من 800 ألف، مُقارَنةً بنحو 720 ألفاً قبل سنوات قليلة. زيادة تُقارِب 15% خلال خمس سنوات فقط.
لكنّ الرّقم الأهم ليس عدد الوَحَدات، بل الشرعنة المؤسسيّة. تحويل 63 بؤرة استيطانية عشوائيّة إلى مستوطنات رسميّة يعني إدخالها ضمن منظومة البُنْيَة التحتيّة والميزانيّات والخَدَمات. لم يَعُد المُستَوطِن فاعلاً هامشياً، بل أصبح جزءاً من جهاز الدولة.
في المُقابِل، يُرْفَض 99.5% من طلَبات البناء الفلسطينيّة في المنطقة "ج". هذه النسبة تكشف نظام تخطيط مُزدَوَج: تَوَسّع لطَرَف، وخَنْق للآخر. أكثر من 1700 فلسطيني هُجّروا عام 2025 نتيجة هَدْم مُنشَآت بحجّة عدم الترخيص؛ وهو أعلى رقم منذ بدء التوثيق عام 2009. وتمّ تهجير 13 تجمّعاً بدَوياً يضم 1090 فَرْداً.
في شمال الضفّة، نَزَحَ أكثر من 40 ألف لاجئ من مخيّمات جنين وطولكرم ونور شمس. في طولكرم ونور شمس وحدهما، نَزَحَ نحو 27.5 ألف شخص، مع تدمير كلّي لنحو 1750 وحدة سكنيّة وتضرّر 3650 جزئياً. في جنين، نَزَحَ 21 ألفاً، ودُمّرَت 1200 شقّة كلّياً و700 جزئياً. هذه ليست أضراراً جانبيّة. إنها إعادة تشكيل للواقع السكّاني.
تسوية الأراضي: الضمّ من الباب القانوني
قرار تسجيل الأراضي يُمَكّن "إسرائيل" من تثبيت مُلكِيّة مساحات واسعة باسم ما يُسَمّى "دولة إسرائيل" أو "أراضي الدولة" في سجلّات رسميّة. كما أُلغِي القانون الأردني الذي كان يمنع الأجانب من شراء الأراضي مُباشَرَة، ما يسمَح للمستوطنين بالشراء دون شركات وسيطة.
وفْق القانون الدولي، ولا سيما القرار 2334 الصادر عن مجلس الأمن الدولي في 23 ديسمبر/كانون الأوّل 2016، تُعَدّ المستوطنات غير شرعيّة. كما تَحْظُر المادّة 49 من اتفاقيّة جنيف الرابعة نَقْل سكّان الدولة المحتلّة إلى الأراضي المحتلّة. لكن ما يجري اليوم يتجاوز بناء وَحَدات سكنيّة؛ إنه تغيير دائم في البُنْيَة القانونيّة للأرض.
نَقْل الاختصاص من "الإدارة المدنيّة" العسكريّة إلى وزارة مدنيّة يعني مُعامَلَة الضفّة كجزء من الحَيّز "الإداري الوطني". الاحتلال، وفْق القانون الدولي، مؤقّت. لكنّ تحويل المؤقّت إلى منظومة تسجيل دائمة يعني إعادة تعريفه عملياً.
اقتصاد مُجَزّأ وجغرافيا مُقَطّعة
تَجاوَز عدد الحواجز والعوائق 790 عائق حركة. قَدّر البنك الدولي الخسائر التراكميّة للاقتصاد الفلسطيني منذ عام 2000 بأكثر من 50 مليار دولار، أي ما يُعادِل ضعف الناتج المحلّي الإجمالي السنوي الحالي تقريباً. الضفّة اليوم عبارة عن ثمانية كانتونات رئيسيّة معزولة.
الاقتصاد هنا ليس ضحيّة عَرَضِيّة؛ بل أداة إخضاع. حين تُقَيّد الحركة وتُحاصَر المناطق ويُمنَع البناء، يُصبِح البقاء نفسه معركة يوميّة.
العقوبات الدوليّة وحُدودُها
منذ مطلع 2024، فَرَضَت الولايات المتحدة وكندا وبريطانيا ودُوَل أوروبيّة عقوبات على مستوطنين وشركات استيطانيّة. في 1 فبراير/شباط 2024، وَقّع الرئيس الأميركي آنذاك بايدن أمراً تنفيذياً بفَرْض عقوبات على 17 مستوطناً و16 كياناً استيطانياً. الاتحاد الأوروبي فَرَض عقوبات مُماثِلَة في مارس/آذار 2024.
لكن في يناير/كانون الثاني 2025، رفعَت إدارة ترامب العقوبات الأميركيّة، بينما بَقِيَت الأوروبيّة سارية. عملياً، لم تُحْدِث هذه العقوبات تَحَوّلاً في المسار العام. عام 2025 سُجّلَ نحو 23,827 اعتداء في الضفّة، منها 4,723 نَفّذَها مستوطنون، و720 بالتعاون مع "الجيش الإسرائيلي".
ما بعد أوسلو
أوسلو قام على فرضيّة انتقاليّة: خمس سنوات تنتهي بمفاوضات حول الوضع النهائي. بعد ثلاثة عقود، تحوّلت المرحلة الانتقاليّة إلى واقع دائم. تقسيم المناطق "أ" و"ب" و"ج" كان يُفتَرَض أن يُدارَ تدريجياً نحو دولة فلسطينية. اليوم، تُعادُ قراءة هذا التقسيم كأداة لإدارة سيطَرة شاملة.
توسيع صلاحيّات الإنفاذ "الإسرائيلية" لتشمل مناطق "أ" و"ب"، وسَحْب صلاحيّات البلديّات الفلسطينيّة، وتسجيل الأراضي باسم "الدولة"، كلّها خطوات تُفرِغ الاتفاق من مضمونه دون إعلان وفاته رسمياً.
بين عبّاس وعرفات: جَدَل الاستراتيجيّة
السلطة الفلسطينيّة بقيادة محمود عبّاس تمسّكت بخيار التنسيق الأمني وسَدّ الذرائع، انطلاقاً من فرضيّة أن ضبط السلاح يمنع التوسّع. لكن الوقائع تُشير إلى أن الاستيطان لم يكن يوماً مَشروطاً بذريعة أمنيّة؛ بل مشروعاً قائماً بذاته.
في المُقابِل، كان ياسر عرفات قد أعلَن انتفاضة عام 2000 بعد انهيار مفاوضات كامب ديفيد، مُعتَبِراً أن مَسار التفاوض وصَل إلى طريق مسدود. الفارق بين المُقارَبَتَيْن لا يتعلّق بالشعارات، بل بقراءة طبيعة المشروع "الإسرائيلي": هل هو قابلٌ للاحتواء عبر التفاوض، أم أنه مشروع إحلالي يتقدّم حيثما تُتاح له الفرصة؟
الضمّ بلا إعلان
لا تحتاج "إسرائيل" إلى إعلان ضمّ رسمي. يكفي أن تُنْقَل السجلّات، وتُشَرْعَن البؤر، وتُلغى القوانين السابقة، وتُفرَض وقائع على الأرض. كلّ خطوة تبدو تقنيّة، لكنها في مجموعها تُعيدُ رسم الخريطة.
من بروتوكول الخليل إلى تسوية الأراضي، نحن أمام تفكيك منهجي لما تبقّى من أوسلو. السؤال لم يَعُد إن كانت هناك إمكانيّة لدولة فلسطينيّة مُتّصِلَة جغرافياً، بل ما طبيعة النظام الذي يتشكّل: نظام ازدواجي يمنَح المُستَوطِن قانوناً مدنياً وحقوقاً كاملة، ويُبقي الفلسطيني تحت منظومة عسكريّة مُقَيّدَة.
الواقع الميداني يتقدّم أسرَع من البيانات الدبلوماسيّة. وبين نُصوص القانون الدولي وإرادة القوى الكبرى، تستمرّ عمليّة إداريّة باردة تُعيدُ تشكيل الأرض والهويّة والسيادة-دون إعلان رسمي، ولكن بنتائج نهائيّة.
2026-02-28 20:34:28 | 14 قراءة