التصنيفات » مقالات سياسية

تقرير: المُواجَهَة الجيواقتصاديّة تتصدّر المَخاطِر العالميّة

تقرير: المُواجَهَة الجيواقتصاديّة تتصدّر المَخاطِر العالميّة

تقرير المُنتَدى الاقتصادي العالمي يُحَذّر من مُواجَهَة جيواقتصادية عالميّة، تُهَدّد التجارة وسَلاسِل الإمداد مع تَصاعُد النزاعات الاقتصاديّة والعسكريّة، وتآكُل التنسيق الدولي، وتركيز المَوارِد الاستراتيجيّة، واضطرابات الأسواق، وهشاشة الدوَل، وصعود قوى سلطويّة، ما يُفاقِم الرّكود والنزاعات، خلال العامَيْن المُقبِلَيْن.
17/2/2026
عرب 48

 تَصَدّرَت المُواجَهَة الجيواقتصاديّة المَخاطِر المُتَوَقّعَة للعامَيْن المُقبِلَيْن، إذ تتعرّض التجارة العالميّة لأكبر اضطرابات منذ عقود، وتَآكُل التنسيق الدولي بسبب انعدام الثقة المُتَزايِد بين الدوَل، بحسب ما أكّد التقرير السنويّ الصادر عن المُنتَدى الاقتصادي العالمي، تحت عنوان: "تقرير المَخاطِر العالميّة: لَمْحَة عن التحدّيات العالميّة".
ويَتَصَدّر خَطَر المُواجَهَة الجيواقتصاديّة قائمة المَخاطِر العالميّة للعامَيْن المُقْبِلَيْن، بحسب استطلاعات رُوّاد الأعمال وصُنّاع القرار؛ كما يظلّ خطَر الصراع المسلّح بين الدوَل من أبرز التهديدات المُباشِرة، في ظلّ ترابط واضح بين التصعيد الاقتصادي والعسكري.
ويُشير التقرير إلى أنّ العالم يَشهَد بالفعل تَرَسّخ الاتجاه نحو تجزّؤ جيواقتصادي، مع تَصاعُد النزاعات التجاريّة والرّسوم الجمركيّة، واتساع الفجوة بين الغرب والشرق والجنوب العالمي، رغم مُحاوَلات بعض الدول اتّباع مسارات تَوازُن مستقلّة.
الواقعيّة السياسيّة وطُموح السياسة العالميّة 
تُواصِل التجارة العالميّة وسَلاسِل القيمة العابرة للحدود التعرّض لأكبر اضطراب تشهده منذ عقود، في وقتٍ تتصاعد حالة عدم اليقين بشأن السياسات التجاريّة. وفي أحد أسوأ السيناريوهات المُحتَملَة، قد لا تكتفي الحكومات بفَرْض رسوم جمركيّة على الدوَل أو الكتَل التي تَفرض رُسومًا عليها، بل قد تمتدّ الإجراءات إلى جميع الشُّرَكاء التجاريين. مثل هذه الرّسوم الشاملة على نطاق عالمي من شأنها أن تؤدّي إلى انكماش حاد في حجم التجارة الدوليّة.
غَيْرَ أن المُواجَهَة الجيواقتصاديّة تَجاوَزَت بالفعل حدود الرّسوم الجمركيّة. فالحُكومات تبدو وكأنها تفقد الثقة بالإطار القانوني الذي يقوم عليه النظام التجاري العالمي، إذ يشهد نظام تسوية النزاعات في منظّمة التجارة العالميّة تراجعًا ملحوظًا في دوره، بعد تعطيل هيئة الاستئناف عام 2019، ما أدّى إلى انخفاض عدد القضايا المَعروضة عليه إلى نحو ثلث مُستَواه السابق.
في مُوازاة ذلك، تتوسّع دوَل مجموعة العشرين
  G20
في تطبيق سياسات فحص الاستثمارات، مَدفوعَةً باعتبارات إعادة التموضع الاستراتيجيّ والأمن القومي، أكثر من أيّ وقتٍ مضى. كما قد تتعرّض الدول غير المُنحازة إلى الصين أو الولايات المتحدة لضغوط للامتثال لأنظمة العقوبات.
ويتزايد عدد القطاعات المُصَنّفة "استراتيجيّة"، والخاضعة لقُيود مثل ضوابط التصدير أو حَظْر الاستثمارات، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا الحيويّة، والحَوْسَبَة الكميّة، والطائرات المُسَيّرة، والعناصر الأرضيّة النادرة.
وتنعكس هذه الاتجاهات في استطلاعات المَخاطِر العالميّة، إذ ارتفع خطَر تعطّل سَلاسِل الإمداد الحيويّة في ترتيب المَخاطِر خلال العامَيْن المُقْبِلَيْن. كما تُظهِر نتائج على مستوى الدوَل أنّ الاقتصادات التي تضع المُواجَهَة الجيواقتصاديّة في صدارة مَخاطِرِها الوطنية، تُعَبّر كذلك عن قلَق مُتزايد بشأن اضطرابات سَلاسِل التوريد. ويعني ذلك أنّ التوتّرات الاقتصاديّة، إلى جانب مَخاطِر النزاعات العسكريّة، باتت تُهَدّد استقرار الإمدادات العالميّة، مع ما يحمله ذلك من تَبِعات اقتصاديّة جسيمة.
ومن المُرَجّح أن تتحوّل تدفّقات رأس المال والسَّيطَرة عليها إلى ساحة جديدة للصراع الجيواقتصادي، لا سيّما في ظلّ الأوضاع الماليّة الهشّة لكثير من الاقتصادات الكبرى. فقد تلجأ الحكومات إلى سياسات أكثر تشدّدًا لإعادة تشكيل النظام النقديّ العالمي، بما يخدم مصالحها. وقد تُصبِح البُنْيَة التحتيّة الماليّة الأساسيّة، مثل أنظمة المَدفوعات، أهدافًا لتقييد الوصول أو حِرمان أطراف منها. كما لا يُمكِن استبعاد اللّجوء المتكرّر إلى مُصادَرَة الأصول، أو تجميد الاحتياطيّات الأجنبيّة.
وفي الوقت ذاته، تتزايد المَخاوِف من أنّ تدفّقات العُمُلات المستقرّة المُرتبطة بعُمُلات أجنبيّة قد تُضعِف الأنظمة الماليّة الوطنيّة وتمسّ بالسيادة النقديّة، خاصّة في الاقتصادات الناشئة ذات العُمُلات الضعيفة. وتُشير التقديرات إلى أنّ مُشتَريات العُمُلات المستقرّة من الاقتصادات النامية قد تَصِل إلى 1.22 تريليون دولار، بحُلول نهاية 2028، مُقارَنةً بنحو 173 مليار دولار في تشرين الأوّل/ أكتوبر 2025.
ولا يَقتَصِر استخدام الأدَوات الاقتصاديّة لتعزيز المواقع الجيوسياسيّة على السياسات الماليّة والتجاريّة، إذ قد تمتدّ المُواجَهَة إلى تعطيل البنى التحتيّة الحيويّة وسَلاسِل الإمداد، سواء عبر استهداف شَبَكات الأقمار الاصطناعيّة، أو أسلاك الاتصالات البحريّة، أو تعطيل الممرّات المائيّة والموانئ، أو إرباك خطوط أنابيب الطاقة، إلى جانب الهَجَمات السيبرانيّة.
واستجابة لهذه التهديدات، يُرَجّح أن تسعى مزيد من الحكومات إلى تحصين اقتصاداتها من خلال تعزيز احتياطيّات الطاقة ومُدخَلات التصنيع الأساسيّة، وتخزين الغذاء والمَعادِن. غير أن السباق نحو تأمين المَعادِن الحيويّة اللازمة للتحوّل في مجال الطاقة، قد يؤدّي إلى ارتفاعات حادّة في الأسعار، ويفتح الباب أمام ضغوط تجاريّة ودبلوماسيّة، وربما عسكريّة على الدول الغنيّة بالمَوارِد. كما يتزايد خطَر التدخّلات المباشرة أو غير المباشرة للقوى الكبرى في مناطق غنيّة بالمَوارِد.
ويرى المُشارِكون في استطلاعات المَخاطِر أنّ أبرز التداعيات المُحتمَلة للمواجهة الجيواقتصادية خلال العامَيْن المُقبلَيْن تشمل: اضطرابات سَلاسِل الإمداد الحيويّة، وتركيز المَوارِد والتقنيّات الاستراتيجيّة، ونقص المَوارِد الطبيعيّة، والانكماش الاقتصادي، وتَصاعُد النزاعات المسلّحة بين الدوَل.
وفي أسوأ السيناريوهات، قد يؤدّي تسارع فكّ الارتباط بين الكتل الشرقيّة والغربيّة إلى تداعيات سلبيّة عميقة على النموّ الاقتصادي العالمي. وتُواجِه الدوَل غير المُنحازَة مَخاطِر خاصّة إذا لم تتمكّن من إيجاد تَوازُن جديد. وحتى في حال كان فكّ الارتباط جزئيًّا، في مجالات التجارة والاستثمار والتمويل والتكنولوجيا، فإنّ الكلفة على الشركات ستَرتَفِع بشكل ملحوظ مع تباطؤ النشاط الاقتصادي العالمي.
تآكل التنسيق مُتَعَدّد الأطراف
تُسْهِم المُواجَهَة الجيواقتصاديّة بالفعل في تقويض الثقة التي تقوم عليها العلاقات الدوليّة. وكلّما شعَرت الحُكومات بأنّ النظام الدولي القائم على القواعد يَضعف، وأنّ كلفة الخروج عليه لم تَعُد مُرتفعة كما في السابق؛ ازدادت احتمالات لجوئها إلى إجراءات عدائيّة في مجالات التجارة والاستثمار، وغيرها من الملفّات الجيواقتصاديّة. ويبدو أن هذه الحلَقة المُفرَغة مُرَشّحة للاستمرار خلال العامَيْن المُقبلَيْن.
ومع تآكل قوّة المؤسّسات متعدّدة الأطراف، بفعل تحرّكات أحاديّة من بعض الحُكومات، تَعجَز دوَل أخرى عن التصدّي لها، أو لا تُبدي استعدادًا لذلك. كما تؤدّي التخفيضات الحادّة في تمويل العديد من المؤسّسات الدوليّة إلى انكماش أنشطة التنمية والمساعدات. وفي المُقابِل، تتّجه بعض الحُكومات التي لا تنضوي تحت مظلّة النظام أحاديّ القطبيّة إلى إنشاء أُطُر جديدة متعدّدة الأطراف؛ تستخدمها منصّة لتعزيز مصالحها الوطنيّة، وإعادة صياغة قواعد اللّعبة.
في هذا المَشهَد العالمي المُتَشَظّي، تُصبِح إدارة التهديدات العابرة للحدود، من تغيّر المناخ إلى مُكافَحة الأوبئة والجريمة المنظّمة، أكثر صعوبة. ويتشكّل فراغ مُتَنامٍ في الحَوْكَمَة العالميّة، قد يستغرق سنوات قبل أن يتّضح مدى عمقه، وما الذي يمكن أن يَحِلّ مَحَلّه.
وترى حُكومات عديدة أن تعزيز "الاستقلاليّة الاستراتيجيّة" هو استجابة ضروريّة لهذا الفراغ، فتَمضي في توسيع قُدُراتِها الدفاعيّة. كما أن ظهور أسلحة جديدة بالكامل، بما في ذلك تلك المدعومة بالذكاء الاصطناعي، يُضيف طبَقة جديدة من المَخاطِر.
وفي بيئة تتّسم بتَراجُع القُدرة على التنبّؤ وتَصاعُد النَّزْعَة العسكريّة، يُرَجّح أن تتزايد مَخاطِر النزاعات، مع تَعَرّض الدوَل الأقلّ قوّة لهشاشة أكبر. ووفقًا لمؤشّر السلام العالمي لعام 2025، يَشهَد العالم حاليًّا عددًا من النزاعات المسلّحة بين الدول هو الأعلى منذ الحرب العالميّة الثانية؛ كما بلغت مؤشّرات مَخاطِر الصراع أسوأ مستوياتها منذ ذلك الحين، في وقتٍ تشهد عشرات الدوَل تدهورًا في علاقاتها مع جيرانها.
استقطاب محلّي في ظلّ تصدّعات عالميّة 
يرتبط الاضطراب الجيوسياسي ارتباطًا وثيقًا بهشاشة الدوَل داخليًّا، وبحالة عدم الاستقرار الاجتماعي. ووفقًا لتقرير "مؤشّر الدول الهشّة" الصادر عن صندوق السلام، فإنّ مظاهر الهشاشة على مستوى الدول تتفاقم وتتّسع رقعتها؛ ولم تَعُد الديمقراطيّات المستقرّة سابقًا بمنأى عن هذا المصير.
وتشمل أبرز دوافع هذا التدهور تأثيرات تغيّر المناخ، وضعف الحَوْكَمَة، واستمرار النزاعات، وهي عوامل ترتبط جميعها بتراجع التعدديّة وفقدان الثقة بالنظام العالمي القائم على القواعد.
ومن تجلّيات هذه الهشاشة المُتنامية، تَصاعُد موجات الاحتجاج، التي يقودها الشباب جزئيًّا، وتُنَظَّم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مع تَزايُد شعور قطاعات واسعة بالإقصاء من عمليّة صُنع القرار السياسي، وتَراجُع الأمل بتحسّن الأوضاع المعيشيّة. وكما اعتُبِرَت العَوْلَمَة الاقتصاديّة والتجاريّة في السنوات الأخيرة شأنًا نخبويًّا، قد يُثير التحوّل نحو القوميّة الاقتصاديّة بدوره ردود فعل شعبيّة مُعاكِسَة. وقد أسفَرت الاحتجاجات بالفعل عن تغييرات سياسيّة في دوَل مثل نيبال عام 2025، وبنغلادش عام 2024، وسريلانكا عام 2022.
وفي مُوازاة تَصاعُد الاستقطاب المجتمعي عالميًّا، وانتشار المعلومات المُضَلّلة والأخبار الزائفة، تتّجه بعض الحُكومات إلى تشديد قبضتها، في مؤشّر على مَيْل مُتزايد نحو أنماط حُكم أكثر سلطويّة. وتتزايد الأدلّة على تَراجُع سيادة القانون داخل العديد من الدوَل.
وكان تقرير المَخاطِر العالميّة 2025، قد أشار إلى دخول العالم مرحلة رُكود جيوسياسي. ويبدو أنّ هذه المرحلة تُسهِم الآن في تسريع ما وَصَفَه "مؤشّر سيادة القانون 2025"، الصادر عن مشروع العدالة العالميّة، بـ "الرّكود العالمي المُتَسارِع لسيادة القانون"، حيث شهِدت 68% من أصل 143 دولة ومنطقة خاضعة للمسح تراجعًا في مؤشّرات سيادة القانون، خلال عام 2025.
وما يُثير القلَق بشكل خاص، هو أنّ وتيرة التَراجُع في عام 2025 كانت حادّة، ما يؤكّد أن التقدّم البطيء في ترسيخ سيادة القانون، يُمكِن أن يُقَوَّض بسرعة، وأنّ المَكاسِب المؤسسيّة ليست بمنأى عن الانتكاس.
ماذا يُمكِن أن يُفعَل اليوم؟
رغم مناخ المُواجَهَة الجيواقتصاديّة السائد، لا يزال بإمكان الحكومات إيجاد مساحات للتعاون وتحديد نقاط التقاء مُشتركة. وحيث يتعذّر تحقيق تقدّم عالمي شامل في المدى القصير، يمكن لـ"تحالفات الرّاغبين"، (وهي تحالفات دوليّة مؤقّتة تجمع عدّة دوَل راغبة في العمل على قضيّة مُشتركة)، أن تَمضي قُدُمًا في مجالات محدّدة من التجارة والاستثمار.
وينبغي إعطاء الأولويّة للحَوافِز الاقتصاديّة التي تُحَقّق مَكاسِب مُتَبادَلَة، بدَلًا من السياسات المُصَمّمَة لإلحاق الضرَر باقتصادات دوَل أخرى. كما يتعيّن صَوْن قُدرة القطاع الخاصّ على التواصل مع مختلف الأطراف السياسيّة، داخليًّا وخارجيًّا، باعتبار ذلك عاملًا أساسيًّا في استقرار بيئة الأعمال. ويُمكِن لآليّات التشاور بين القطاعَيْن العام والخاص أن تُعَزّز الشفافيّة في صُنع القرار، وتُوَفّر وضوحًا أكبر لبيئة الأعمال في زَمَنٍ يتصاعد توظيف الأدوات الاقتصاديّة والماليّة في خدمة السياسات الدوليّة.
ويُمكِن لتحالفات الرّاغبين أيضًا أن تؤدّي دورًا محوريًّا في دعم المؤسّسات متعدّدة الأطراف القائمة. ومن الأهميّة بمكان أن يُواصِل الفاعلون في القِطاعَيْن العام والخاص، إضافة إلى المجتمع المدني، العمل المشترك لتعزيز هذه المؤسّسات حيثما أمكَن.
وفي ظلّ هذه المخاوف، يبرُز تعزيز القُدرة على الصمود محليًّا بوَصفِه أولويّة أخرى. ويتطلّب ذلك دعم الهياكل المجتمعيّة القائمة على المُبادَرة المحليّة، وتوسيع نطاق الحَوْكَمَة المجتمعيّة، وضمان وصول عادل إلى المَوارِد، وتمكين الفاعلين المحلّيين من الاستجابة للأزمات والتخفيف من آثارها. وبالتوازي، تظلّ الأُطُر الدوليّة، بما في ذلك الاتفاقيّات المُصَغّرة ومتعدّدة الأطراف المحدودة، ضروريّة لدعم حُلول مَرِنَة تَنطلِق من السياقات المحليّة.

 

2026-02-28 20:38:18 | 15 قراءة

مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية