نحو تقييم موضوعي لأداء المقاومة الفلسطينيّة في طوفان الأقصى
بقلم: أ. د. محسن محمّد صالح، مدير عام مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات.
المصدر: موقع عربي 21، لندن
13/2/2026
التقييم الموضوعي لأداء المقاومة الفلسطينيّة واجبٌ وضرورةٌ وليس تَرَفاً؛ وهو وسيلة أساسيّة لاستخلاص الدروس والعِبَر وتطوير الأداء وتجاوز الثغرات؛ وهو منهج عِلمي عالمي. كما أنه منهج إسلامي أصيل برَز في تقييمات وتوجيهات مُفَصّلة وشاملة لغزوات بَدْر (سورة الأنفال) وأُحُد (سورة آل عمران) وتَبوك (سورة التوبة)، وغيرها من التجارب والأحداث.
غير أنّ ثمّة قوى مُتَرَبّصَة بالمقاومة تسعى لتحطيمها وإفشالها وتشويه صورتها، وإبراز السلبيّات وإخفاء الإيجابيّات، والطعن في النوايا، والتغاضي عن الظروف الموضوعيّة التي دفعت المقاومة لقراراتها، والبيئات القاسية التي عملت فيها. وإلى جانب هؤلاء أناس مُخلِصون قد يفتَقدون المَعايير أو تنقصهم المعلومات الكاملة والمُعطَيات، وتختلط انطباعاتهم وأحكامهم بالشائعات وأدَوات التحريض والتشويه الصهيوني والغربي.
يُحاوِل هذا المقال أن يضع عدداً من المؤشّرات للوصول إلى تقييم موضوعي للمقاومة:
أوّلاً: تتّصف المقاومة الفلسطينية بسلوك مَوْجي يصعد ويهبط، ولكنه لا يتوقّف.
والمقاومة مستمرّة منذ بدايات الاحتلال البريطاني لفلسطين، ومع ظهور أوّل تنظيم عسكري فلسطيني مُقاوِم هو “جماعة الفدائيّة” سنة 1919، أي قبل نحو 107 أعوام. والحديث عن طوفان الأقصى باعتباره نهاية الحرب، ونهاية تجربة المقاومة، غير صحيح عِلمياً ومَنهجياً. والتاريخ الفلسطيني مليءٌ بالمَوْجات والانتفاضات والثورات، التي تَتَفَجّر وتُحَقّق مُنجَزات كبيرة مرحليّة في وقتها، ثم لا تلبث أن يُصيبَها الإنهاك، في أجواء من شراسة العدو والتفاوت الهائل في مَوازين القوى، وخذلان أو ضعف أو تواطؤ البيئة الرسميّة المُحيطَة؛ فتهبط مَوْجَتُها، بانتظار استكمال العناصر المؤدّية لمَوْجَة جديدة. مع مُلاحَظَة أنّ المَوْجة التالية تكون أقوى من سابقتها عادة، كما في مَوْجَة انتفاضة الأقصى (2000-2005) التي تلَت مَوْجَة الانتفاضة المباركة / انتفاضة الحجارة (1987-1993)، حيث وصلَت المَوْجات إلى ذروتها في طوفان الأقصى الذي كان المَوْجَة الأقوى منذ إنشاء الكيان الصهيوني. ولذلك، فنحن الآن في حالة ما بين مَوْجَتَيْن، وليس ثمّة إغلاق لملفّ المقاومة. فطالما أنّ المشروع الصهيوني لم يَندَحِر، فإنّ المقاومة لن تتوقّف.
ثانياً: قد يتّفق البعض أو يختلفون حول الرّابح أو الخاسر في طوفان الأقصى، أو من فاز بالنقاط؛ لكن أيّ تقييم استراتيجي يستند إلى مُعطَيات اللّحظة الراهنة فقط، سيكون قاصراً أو فاشلاً، لأنّه لا يستقرئ المشهد العام، ولا يستند إلى الاتجاهات والمسارات الكليّة للأحداث، ويخلط ما بين الحدَث والاتجاه الفرعي وبين المسارات العامّة والمسار الأعظم Mega Trend . ولذلك، فإنّ التركيز فقط على قَسْوة الأوضاع ومُعاناة أهلنا في قطاع غزة، بالرّغم من أهميّته، لا يصلح وحده أساساً للتقييم.
فإلى جانب الوضع الرّاهن والنتائج السياسيّة والأمنيّة والاقتصاديّة المرتبطة بتطبيقات خطّة ترامب، فإنّ التقييم يجب أن يشمل الانعكاسات على الاحتلال الإسرائيلي والهزّة العنيفة التي شهِدها في أصل فكرة وجوده، ودوره الوظيفي، وسقوط سرديّته، وسقوط مشروعيّته الأخلاقية (اعتذاريّات: الهولوكوست وواحة الديموقراطيّة والدفاع عن النفس والعداء للساميّة…)، وخسائره الكبيرة العسكريّة والاقتصاديّة، والهجرة العكسيّة (التي تُقَدّر بنحو 550 ألف يهودي في الأشهر الستّة الأولى لمعركة طوفان الأقصى)؛ وتَصَدُّر قضيّة فلسطين الأجندة العالميّة مصحوبة بتعاطف عالمي هائل غير مسبوق، ووصول عدد الدول التي اعترفت بفلسطين إلى 159 دولة؛ وظهور الاحتلال والصهيونية في شكلها الأبشع بشرياً وإنسانياً، وتَعَطُّل عمليّة التطبيع، واحترام العالم للشعب الفلسطيني وتَضحياته وبُطولاته، وتحوّله إلى حالة إلهام عالميّة، بدَلاً من اتّهامه بالتقصير في الدفاع عن أرضه ومقدّساته. وبالتالي، فبالرّغم من التغوُّل الحالي للاحتلال الإسرائيلي، فإنّ المسارات العامّة تضعه في أوضاع مأزومة، وبأرضٍ تهتزّ تحت أقدامه في المدى الوسيط والبعيد.
ثالثاً: لا بُدّ من دراسة الظروف التي دفعت إلى طوفان الأقصى، قبل المُسارَعَة بلَوْمِ المقاومة بالتسرّع، وعدم تقدير العواقب، والتَّسبُّب بـ ”كارثة”. إذ إنّ الحكومة الإسرائيلية التي تشكّلت في آخر يوم من سنة 2022 بالتحالف بين الليكود والصهيونيّة الدينيّة، جاءت على أساس إنفاذ “خطّة الحسم” من خلال تسريع إجراءات التهويد والضمّ للمسجد الأقصى والقدس والضفّة الغربيّة، وبدأت خطوات فعليّة واسعة في الأشهر التي سبَقت الطوفان؛ كما تسرّبت معلومات عن خطّة إسرائيليّة لضَرْب المقاومة في غزة ومُحاوَلة تطويع القطاع؛ وظهَرت مؤشّرات واضحة عندما وقف نتنياهو مُخاطِباً الجمعيّة العامّة للأمم المتحدة في 22/9/2023، قبل نحو أسبوعين من طوفان الأقصى، وعارِضاً خريطة لـ”إسرائيل” تشمل الضفّة الغربيّة وقطاع غزة أيضاً، مؤكّداً على تجاوزه الملفّ الفلسطيني من خلال عَزْلِه عن البيئة العربية، في ضوء السّيْر في عمليّة التطبيع.
أي أنّ الاحتلال الإسرائيلي كان يتّجه إلى شَطْبٍ “هادئ ومجّاني” لقضيّة فلسطين في بيئة اعتراضات “سلميّة خجولة” يمكن التعامل معها بسهولة.
نعم، كان قرار عملية طوفان الأقصى قوياً وجريئاً ومُكلِفاً، ولكنه جعَل مُحاوَلة شَطْب قضيّة فلسطين ذات أثمان هائلة على الاحتلال الإسرائيلي، وفَتْح فُرَصٍ قويّة لإفشالها وإسقاطها وتعطيلها. وأظهَر للعالم أجمع استحالة تَجاوُز الشعب الفلسطيني وإرادته. ولذلك، حَظِيَ طوفان الأقصى بدعم شعبي فلسطيني ساحق، إلى جانب الدّعم العربي والإسلامي والعالمي، وأظهَرت كلّ استطلاعات الرأي أغلبيّة داعمة للمقاومة على مدار سَنَتَي الحرب بالرّغم من الخسائر والمُعاناة الهائلة، وبالرّغم من الإعلام المُضاد الذي كان يملأ الفضاءات العربيّة والدوليّة.
رابعاً: أولئك الذين يُمارِسون الحكمة بأثَر رَجعي عليهم أن يُراجِعوا أنفسهم. إذ إنّ العديد من الكُتّاب والمُثَقّفين والمُتَصَدّرين لوسائل الإعلام دَعَموا طوفان الأقصى وساندوه أشهراً طويلة؛ ولكن عندما ظهَر حجم التضحيات وظهَرت خطّة ترامب، أخذوا يُرَكّزون على الجوانب السلبيّة ويَتناسون الجوانب الأخرى.
خامساً: ماذا لو لم تنطلق عمليّة طوفان الأقصى “وتَحَلَّت” المقاومة بـ ”الحكمة” والهدوء الذي يُطالِب به النّاقدون؟! وماذا لو استفاد الصهاينة من هكذا ظروف “مثاليّة”، فتابعوا مسيرة تهويد وضمّ الأقصى والقدس وباقي الضفّة الغربيّة، وضَرَبوا المقاومة في غزة… وأغلقوا الملفّ الفلسطيني… دون تكاليف أو بأقلّ التكاليف؛ ألن يأتي هؤلاء اللائمون أنفسهم بعد سنة أو سنتيْن ليتّهموا المقاومة بالضعف والتخاذل وإيثار السّلْطَة والمصالح الذاتيّة… وعدم تحمّل المسؤوليّة؟ ويكون السؤال الأساس؛ أين كنتم وماذا فعلتم؟!
لقد قَدَّرت المقاومة المَخاطِر الهائلة في حينها، وفْق أفضل ما لديها من معلومات، واستَعدّت للمعركة وفْق أفضل ما لديها من إمكانات (في أجواء الحصار والتخاذل والتآمر والتطبيع)، وقامت بالواجب. لم تكن تعلم الغَيْب، ولم تكن هي ولا غيرها ليُحَدّدوا “بالقلَم والمَسطَرة” ما سَيَحْدُث بدقّة. ولكنها قَدّمَت قادتها السياسيين والعسكريين والتنظيميين وفلذات أكبادها والآلاف من كوادرها وأنصارها شهداء. لم تكن ترى أنها تملك تَرَف الاختيار؛ ولكنها أدَّت ما عليها في لحظة حَرِجَة من تاريخ الشعب الفلسطيني والأمّة؛ وقدّمت مَلحَمة بطوليّة هي الأعظم منذ بداية المشروع الصهيوني.
هل من حقّ “أصحاب العقول المُستَريحَة” أن يلوموا المقاومة في كلّ حال، ولأيّ قرار تتّخذه، سواء أطلَقت طوفان الأقصى أم لم تُطلِقه!! وسواء قامت بالواجب أم لم تقم به!!
سادساً: المقاومة لم تُهْزَم؛ ولكنها سعَت لوقْف الحرب لأنها أخذت شكل إبادة جماعيّة للشعب الفلسطيني، وسط ضعف وتَخاذُل وعجز عربي ودولي. المقاومة ما زالت قائمة، واعتَرف الاحتلال الإسرائيلي بفشله في تحقيق أهدافه في سَحْقِها، ولم يتمكّن من تحرير ولو أسير واحد من أسراه دون إرادتها؛ وتمكّنت، حتى بتقديرات إسرائيليّة وغربيّة، من تعويض عديدها، وكان لديها مع بدء الهدنة أكثر من 30 ألف مُقاتِل، وتَوَلّت السيطرة مباشرة بعد وقف الحرب على كلّ الأماكن التي لا يوجد فيها احتلال. واعترَف الاحتلال بفشله في الاجتياحات التي حاولت إخضاع القطاع في الأشهر الأخيرة للحرب، وخصوصاً عمليّة جدعون 1، بينما كانت تسير عمليّة جدعون 2 نحو الفشل؛ وجاءت توصيات رئيس الأركان إيال زامير للقيادة السياسيّة في الأيام الأخيرة للحرب بضرورة الذهاب للحلّ السياسي، في ضوء عدم وجود أُفُق قريب لحسم الحرب.
سابعاً: نعم هناك خطَر حقيقي يتهدّد المقاومة ويتهدّد قضيّة فلسطين؛ ولكن لا ينبغي تقييم الأمور وكأنّ الصفحة قد طُوِيَت، وأنّ العدو انتصر، وأنّ إرادته تتحقّق. هذا الكلام يسمعه ويقرؤه المُراقِب من البعض في حرب 1948 وحرب 1967، وبعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان سنة 1982، وفي أجواء الانتفاضة المُبارَكة 1987-1993. كما يسمع عن إغلاق ملفّ المقاومة بعد مؤتمر شرم الشيخ 1996، وبعد انتفاضة الأقصى 2000-2005، كما يحلو للبعض أن يُرَدّده الآن.
غير أنه بعد كلّ الاستحقاقات “الوجوديّة” كانت المقاومة تقوم وتنهض من جديد. هذه قضيّة حَقّ وعَدْل وحُرِيّة، والشعب الفلسطيني وأمّته سينتصران في النهاية، وحركة التاريخ تسير إلى جانبهما؛ ولا ينبغي لعقليّة “الهزيمة” أن تحكُم مسار تفكيرهما.
ثامناً: في التقييم الموضوعي لمقاومة وشعب يؤدّي أداء مَلحمياً بُطولياً، ويُقَدّم أفضل ما لدى البشريّة من بُطولة وتضحية وصبْر وثبات وإبداع، ويُقَدّم نموذجاً عالمياً ومدرسة إنسانيّة كبرى، ويكسب المعركة الأخلاقيّة والقانونيّة، ويُدْخِل عدوّه في أزَمات مُتَتالِية…، لا ينبغي أن يكون مركز أو جوهر التقييم هو الخسائر والتضحيات، ومُحاوَلة تكريس عقدة “الكارثة” وعقدة “كيّ الوعي”؛ فهذا أفضل ما يُريده العدو والقوى المُعادِية للمقاومة، لأنه يخدم في نَشْر ثقافة الإحباط والفشل والاستسلام؛ وهو ما يَشْتَغِل عليه الإعلام الصهيوني والغربي، وحتى الكثير من الإعلام العربي. وهنا تنتقل الرّواية من اتّهام المُجرِم إلى لَوْم البطل، ومن مُعاقَبَة المُحتَل إلى مُعاقَبَة الضحيّة.
إنّ التقييم في حركات التحرّر ولدى الشعوب التي تتطلّع للحريّة يجب أن ينبع من مركزيّة البُطولة والتضحية وسُمُوّها لتحقيق الغايات الكبرى، وليس من مركزيّة “الخسائر” المُرتبطة بطريقة تكييف الحياة تحت الاحتلال، وتوفير أجواء مستقرّة له للاستمرار.
تاسعاً: المقاومة ليست حالة فلسطينيّة محليّة، يُحْصَر تقييمها في إطار قُطْري ضَيّق. فالمقاومة تُعَبِّر عن إرادة الأمّة العربيّة والأمّة الإسلاميّة وعن أحرار العالم؛ وهي خطّ دفاعٍ أوّل وأساس عن الأمّة في مُواجَهَة المشروع الصهيوني الذي يَستَهدِفُها، ويَستَهدِف الهيمَنة على المنطقة. وهي عندما تُدافِع عن الأقصى والقدس وأرض فلسطين المُقَدّسَة المُبارَكَة وهويّتها، فهي تنوب عن الأمّة في ذلك، وتُقيم الحُجّة عليها. ولذلك، يجب أن يَتّسِق تقييمها مع طبيعة دورها ومهمّتها الجوهريّة العظيمة التي تقوم بها.
عاشراً: إنّ خطّة ترامب ليست نهاية المطاف، وليست قَدَراً، وهي تحمل بذور فشلها في ذاتها، ومجموعة الظروف والتغيّرات لا تَصُبُّ كلّها في صالح المشروع الصهيوني ولا المشروع الأمريكي؛ فكلاهما له أزَماته. وهناك حالة تَدافُع كبرى تشهدها البيئة الإقليميّة والعالميّة. ولا ينبغي الجلوس فقط لنَدْب الحظ ولَوْم المقاومة؛ وإنما إعادة استجماع عناصر القوّة في الشعب الفلسطيني والأمّة العربية والإسلاميّة وأحرار العالم لاستئناف مسيرة المقاومة بكافّة أشكالها وصولاً إلى التحرير.
وأخيراً، فلا بُدّ من المُراجعات، ولا بُدّ من دراسة التجربة ونَقْدِها بشكل موضوعي، على ألّا يكون النّقْد مِعوَل هَدْم، وإنّما أداة بناء وارتقاء.
2026-03-03 18:52:56 | 6 قراءة