الاستيطان يبتلع الضفّة
بقلم: د. عقل صلاح – كاتب وباحث فلسطيني مختص بالحركات الأيديولوجيّة.
المركز الديمقراطي العربي
8/2/2026
نُناقِش في هذه المقالة الاستيطان في الضفّة. فإسرائيل تُسابِق الزمن لفَرْض الوقائع على الأرض في الضفّة التي تمّ تقسيمها ضمن اتفاقيّة أوسلو سنة 1993 إلى ثلاث مناطق (أ، ب، ج)؛ وتمثّل منطقة “أ” 18% من مساحة الضفّة، ومنطقة “ب” 20%، ومنطقة “ج” 62% تقريبًا. إلّا أن إسرائيل لم تُسَلّم بهذه المُعادَلة لتقسيم الضفّة التي تُسَيطِر عليها دولتان؛ الأولى دولة الاحتلال مُمَثّلة في الحكومة التي تُشَرّع القوانين للسيطرة على الضفّة من خلال الجيش الإسرائيلي الذي يُمارِس أبشع أنواع المُمارسات القمعيّة والاحتلاليّة ضدّ الشعب الفلسطيني. أمّا الدولة الثانية، فهي دولة المُستوطنين الذين يقومون بسرقة الأرض والقتل والاعتداءات المُتواصِلَة والمُتَصاعِدَة على الشعب الفلسطيني. وهذا ما تسعى المقالة لمُناقَشته وتَناوله في استفاضة.
ففي عام 2021 كنتُ قد حَكّمْتُ كتابًا بعنوان الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي العربية المحتلّة، ولم أكن أعرف اسم المؤلّف حينها. إلّا أنّني توقّعتُ أن الكتاب لدكتور فلسطيني. ولكن عندما تمّ نشر الكتاب دوليًا في عام 2022، تفاجأتُ بأنّ الكتاب للدكتور عيسى النزّال وهو عراقي؛ والكتاب يتناول تأسيس ما تُسَمّى “دولة إسرائيل” على أرض فلسطين سنة 1948؛ ويقول إنّ إسرائيل شَيّدَت الكثير من المستوطنات من أجل استيعاب اليهود. ولم تَكتَفِ إسرائيل بذلك، بل ظَلّت ترنو إلى احتلال المزيد من الأراضي العربيّة. ولأجل ذلك شَنَّت العديد من الحروب ضدّ مُحيطها العربي، تمكّنت خلالها من مُضاعفة مساحتها أربع مرّات على حساب البُلدان العربيّة. وشرَعت بعد ذلك بتشييد المستوطنات على تلك الأراضي.
ويُفَنّد الكتاب الاستيطان ويتناول كلّ مُستوطنة. وتَطَرّق أيضًا لسياسة إسرائيل الاستيطانيّة تجاه فلسطين، ويَذكر أنّ الاستيطان في فلسطين، وحتى في الدول العربية، كان بدعم من أمريكا، التي اعترفت مؤخّرًا، وعبْر رئيسها دونالد ترامب، بالقدس عاصمة أبديّة لإسرائيل، وبالجولان أرضًا “إسرائيلية”؛ بل قَدّمَت إلى الفلسطينيين سنة 2020 خريطة مُشَوّهة للضفّة الغربيّة، تقتصّ منها غور الأردن الخصب، ونحو نصف ما تبقّى من الضفّة لمصلحة إسرائيل.
وفي هذا الصدد، يمكن التعريج على مراحل بناء المستوطنة في الضفّة. فعمليّة البناء أبسط ممّا يتصوّر أيّ إنسان في العالم، حيث يبدأ الاستيطان بأن يُعجَب مُستَوطِن ما أو مجموعة من المُستَوطِنين عددهم أقلّ من عدد أصابع اليد، في جَبَلٍ ما في الضفّة، فيَرفَعون العَلَم الإسرائيلي عليه؛ والزيارة الثانية يُشيدون عريشة من القماش؛ وتستمرّ زياراتهم للجبل، ومن ثمّ يضعون الشمعدان الحديدي الكبير، ثم يُشيدون بعض البيوت من الزينكو، ويبدؤون في استقطاب مجموعات المُستوطنين للسيطرة على المنطقة؛ وتبدأ عملية شقّ الطُرُق ونَقْل الكرفانات والبيوت الجاهزة للبؤرة الاستيطانيّة. وبعد ذلك تتّخذ الحكومة الإسرائيلية القرار في تشريع البؤرة لتُصبِح في قانون الاحتلال مُستوطنة شرعيّة؛ ولن تَقِف البؤرة التي أصبحت مُستوطنة عند هذا الحد، بل يأتي مُستوطن واحد للسيطرة على منطقة مساحتها آلاف الدونمات تحت مُسَمّى “الاستيطان الرعوي”؛ والجيش والمُستوطنون يبدؤون بمنع المُواطنين من الوصول إلى أراضيهم ويفرضون منطقة أمنيّة يُمنَع على الفلسطينيين الاقتراب منها، قد تَصِل إلى أطراف القُرى والمُدُن الفلسطينية، كما حصَل في برقة نابلس وسبسطية وسيلة الظهر وقريوت وبرقة رام والمغير وترمسعيا، وجميع المناطق المُقامَة عليها مُستوطنات. وللعِلْم، وصَل عدد المستوطنات في الضفّة الغربيّة إلى أكثر من 200 مستوطنة وأكثر من 260 بؤرة استيطانيّة والعشرات من “المستوطنات الرعويّة”؛ وتمّ ابتكار استيطان جديد يتّبع “الاستيطان الرعوي”، وهو “الاستيطان الزراعي”، حيث يقوم المستوطنون بزراعة الأرض الفلسطينية المسروقة؛ وحتى الجَرّار الزراعي يُسرَق من المواطنين، وعود الحراثة والبذور والشجر والسولار من محطّات الوقود كما حصل في محطّة عصيرة الشماليّة. فحياة المُستوطنين قائمة على سرقة المُواطنين وقَتْل مواشي الفلسطينيين، وطَرْد أصحاب التجمّعات البدَويّة والمُزارعين من مناطقهم الرعويّة، كما حصَل في منطقة الأغوار، وخربة يانون، وغيرها. وتمّ سرقة التراث الفلسطيني، من تربية المَواشي وركوب الحمير والخَيْل وكلّ ما يمتّ للتراث الفلسطيني الوطني. كما جرى السيطرة على عُيون المياه، كما حصَل في قريوت والعوجا والعديد من المناطق؛ واليوم عُيونهم على منطقة طوباس لمنع الفلسطينيين من الزراعة كَوْن هذه المنطقة تُعتَبَر سلّة فلسطين الزراعيّة. وبنفس الوقت تشنّ إسرائيل والمستوطنين حرب إبادة الزيتون؛ كما تستهدف المنطقة “ج”، والتي تشمل 62% من مساحة الضفّة، وفيها 1% من المُواطنين، حيث تعمل إسرائيل ليلًا ونهارًا على تفريغها نهائيًا من السكّان.
وعلى نفس المنوال تقوم إسرائيل في شقّ وتوسيع الشوارع الاستيطانيّة التي تأكل الأراضي الفلسطينيّة، وتسرق آلاف الدونمات في الضفّة الغربيّة، وتُهَندِس الضفّة جغرافيًا وطبوغرافيًا بفَرْض سياسة الأمر الواقع، وتعمل على ربط المستوطنات مع بعضها البعض التي أصبحت مُدُنًا كبيرة، وبها أبراج سكنية وتجمّعات أكبر بكثير من المُدُن الفلسطينية. وأصبح حتى البناء شبيه بالبناء الفلسطيني، كما هو حاصل في مستوطنة "عليه" التي شُيّدَت بها سلسلة أبراج وتجمّعات شبيهة بمدينة نابلس. ولم تكتف إسرائيل عند هذا الحدّ من الاستيطان، بل تقوم بالمُصادَرَة بدواعي أمنيّة وعسكريّة؛ ومن ثمّ تقوم بإخلاء المعسكرات وتسليمها للمستوطنين. كما قال وزير الماليّة الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، عبر حسابه على منصّة “إكس”، إنّ الجيش الإسرائيلي بصدَد إخلاء مُعسكراته بمستوطنة بيت إيل شمال شرق البيرة وسط الضفّة، ما سيَسمَح ببناء 1200 وحدة استيطانيّة ومُضاعَفة مساحة المُستوطنة. وهذه المستوطنة تُعتَبَر بقلب رام الله، العاصمة السياسيّة الفلسطينيّة الافتراضيّة.
وعلى نفس المنوال، تتّبع إسرائيل سياسة الهدم في منطقة “ج”. وفْق توثيق مكتب تنسيق الشؤون الإنسانيّة التابع للأمم المتحدة، للفترة بين الأوّل من كانون الثاني/يناير 2010 وحتى الأوّل من كانون الثاني/يناير 2025، تمّ هدم نحو 8 آلاف و765 مُنشأة فلسطينية في المنطقة “ج”، أغلبها بذريعة البناء دون ترخيص، منها 3107 مُنشآت زراعية و2025 مَسكنًا مَأهولًا ونحو 700 مَسكن غير مأهول. وتسبّبت عمليّات الهدم في المنطقة “ج” في تهجير قرابة 10 آلاف فلسطيني، وتضرّر نحو 192 ألفا و548 آخرين؛ حتى وصَل الحد إلى الهدم في أطراف المُدُن الفلسطينية، كما حصَل ويحصل في نابلس والبيرة والخليل والعديد من المُحافظات؛ بالإضافة إلى الهدم في المخيّمات الفلسطينيّة الثلاث (نور شمس ومخيّم طولكرم ومخيّم جنين)، حيث تمّ هدم نصف المُخيّمات، وتمّ تهجير 50 ألف مُواطِن فلسطيني وهَنْدَسَة المخيّمات طبوغرافياً على الطريقة الاحتلاليّة.
ولقد دعا الوزير السابق، أفيغدور كهلاني، إلى “إزالة جميع مخيّمات اللاجئين وتسويتها بالأرض”. بالإضافة إلى التدمير المُتَواصِل في المُحافظات الفلسطينية، كما حصَل في طوباس وقباطية والاقتحامات اليوميّة لقلب المُحافظات، وتعطيل الحياة والاعتقالات اليوميّة والقتل اليومي. لقد قَتَل المُستوطنون خلال 27 شهر 38 مُواطِنًا فلسطينيًا؛ والجيش الإسرائيلي قَتَل أكثر من “1100 مواطنًا فلسطينيًا”؛ وتمّ تنفيذ أكثر من 40 ألف اعتداء ضدّ المواطنين والمُمتلكات؛ فالضفّة تتعرّض لحرب إبادة صامتة على جميع المُستَويات والصُّعُد؛ فجميع ما تقوم به دولة الاحتلال ودولة المُستوطنين يهدف إلى حسم الصراع وبسط السيادة، ومن ثمّ ضمّ الضفّة الغربيّة وحَصْر التواجد الفلسطيني فقط في التجمّعات السكانيّة المحدّدة في منطقة “أ”، والتي تقلّ عن 20% من مساحة الضفّة الغربيّة التي لا تتّسع لسَيّارات المُواطِنين. فهذا المُخَطّط يُبقي من مساحة فلسطين التاريخيّة للفلسطينيين أقلّ من3% فقط؛ وكلّ ذلك يصبّ في الضغط على الشعب الفلسطيني للهجرة. وكلّ هذا يتمّ بدعم أمريكي وبظلّ صمت عربي مُريب.
فبعد تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترامب حيث قال “لن أسمح لإسرائيل بضمّ الضفة الغربية”؛ وأضاف “لن يحدث ذلك”، صَعّدَت إسرائيل من عمليّات المُصادَرَة. وكانت منطقة الأغوار ومُحافظة طوباس على رأس هذه المُصادَرات، حيث تمّ مُصادرة آلاف الدونمات في الأغوار، وكذلك منطقة طوباس لقائمة جدار يخنق طوباس، ويُسيطر على آبار المياه والأراضي الزراعيّة الخصبة. وهذا ما أعلَن عنه سموتريتش من رأس العين في العوجا بالأغوار الشماليّة، حيث وَجّه التحيّة لقطعان المســتوطنين، وقال لهم: أرى نتائج عملكم الرائع الذي تقومون به. لقد عُدنا إلى آبار المياه وسيطرنا على كلّ هذه المناطق؛ ومن المُمتع التجوّل هنا. أنتم أبطال؛ استمرّوا. وبعد ذلك عملت إسرائيل على شنّ حرب لإبادة الزيتون، وأعلنت عن إقامة 19 مستوطنة جديدة في الضفّة الغربيّة، وعودة الاستيطان لمستوطنات الشمال في الضفّة الغربيّة؛ وبدأت العمل في مُستوطنة صانور، وأعلنت عن مُصادَرَة آلاف الدونمات من أجل إقامة طريق التفافي لربط مُستوطنات شمال الضفّة ومُصادَرة مناطق السهل والمسعودية والبرج من أراضي برقة وسبسطية تحت مُبَرّر المُصادَرَة السياحيّة؛ وهذا في شمال الضفّة. إضافة إلى المُصادَرَة في الخليل وأريحا والقدس وسلفيت وجميع مُحافَظات الضفّة الغربيّة وتشريع 69 بؤرة استيطانيّة في الضفّة؛ وكلّ ذلك تحت مظلّة أنّ ترامب لا يسمح بضمّ الضفّة. وعلى ما يبدو أنّ ترامب قال لهم ضمّوا الضفة من خلال الحسم، ودون الإعلان عن ذلك في هذا الوقت حتى تسنح الفرصة السياسيّة للإعلان عن الضمّ الإعلامي؛ وهذا يُدَلّل على الموقف الأمريكي من إقامة الدولة الفلسطينية والاعتراف بها، حيث لم تعترف أمريكا بدولة فلسطين مثلما اعترفت بها الدول الغربية قبل عدّة أشهر؛ ولعلّ تصريح سموتريتش يؤكّد هذا الموقف الأمريكي الإسرائيلي المُشترك حين قال: “نحن نوقِف قيام دولة فلسطينية إرهابيّة على أرض الواقع. سنُواصِل التطوير والبناء والاستيطان في أرض أجدادنا، إيمانًا منّا بصواب الطريق”؛ فهذه استراتيجيّة مُتكاملة تسعى إسرائيل من خلالها إلى تكريس ما يُسَمّى “بالضمّ الصامت” الذي يبتلع الضفّة الغربيّة.
2026-03-13 17:21:20 | 11 قراءة