هل تنجح إيران في كسر المشروع الصهيو أميركي؟
"قبل اندلاع هذه الثورة، انقسم العالم العربي بين مُعسكرَين، أحدهما يسعى إلى تسوية سلمية بأيّ ثمن، والآخر يرفض تسويةً بالشروط الإسرائيلية".
حسن نافعة
موقع عرب 48
14/3/2026
لنتخيّل جَدَلاً، لدواعي التحليل واستثارة الأفكار، أنّ الثورة الإيرانية كانت قد اندلعت في زمن جمال عبد الناصر وليس في زمن أنور السادات. الأرجح أنه كان سيَسعد بها كثيرًا، وسيُدرك على الفور أن إيران الثورة أصبحت عمقاً استراتيجياً لمصر في مواجهة الحركة الصهيونية، ولأصبح هناك مجالٌ لتعاون مُثمِر بين بَلَدَيْن في وسع قيادتيْهما تجنيب المنطقة صراعات عبثيّة عديدة عصفت بها طوال العقود الماضية، ولما تمكّن التحالف الصهيو – أميركي من اختراق المنطقة وتمزيقها مثلما يحدث الآن. غير أنّ الأقدار شاءت أن تندلع هذه الثورة في زمن السادات، وبعد زيارته القدس المحتلّة لا قبلها.
حين انطلقت الإرهاصات الأولى لهذه الثورة عام 1978، كان السادات قد أدار ظهره للإرث التحرّري للحركة الوطنية المصرية بروافدها المختلفة، لا للإرث الناصري وحده، وبدأ يسير في الطريق الذي أوصله إلى زيارة القدس المحتلّة عام 1977، مُدّعِيًا آنذاك أن الولايات المتحدة تملك 99% من الأوراق، وأن التقارب معها يمكن أن يساعد في التوصّل إلى تسوية سياسيّة شاملة للصراع مع إسرائيل، تُفضي إلى انسحابها من الأراضي العربية التي احتلّتها عام 1967 وإقامة دولة فلسطينية مستقلّة عاصمتها القدس الشرقية. ورغم ردّة الفعل الإسرائيلية السلبية على مُقامرته غير المدروسة، إلّا أن السادات تمادى في غيّه وأصرّ على مُواصلة الطريق الذي اختاره لنفسه، فقَبِلَ دعوة الرئيس جيمي كارتر إلى إجراء مفاوضات مباشرة مع مناحيم بيغن، تُعقَد في كامب ديفيد تحت رعايته. لكن هذه المفاوضات لم تُسفِر سوى عن اتفاقيتَي إطار، حَذّرَه أقربُ مُساعِديه من مغبّة القبول بهما؛ ومع ذلك ركب رأسه وأقدم على توقيعهما، ما أحدث شَرْخًا عميقًا في النظام العربي، جَسّدَه نقل مقرّ جامعة الدول العربية إلى تونس، وقيام جبهة عربية مُعارِضة لنهج السادات أُطلِق عليها اسم "جبهة الصمود والتصدّي".
تبدو قيادات النظام الإيراني الجديدة أكثر تصميمًا
لم تكد تمرّ أشهر قليلة على تلك الأحداث الجسام حتى كان ضغط الشارع الإيراني قد بلغ ذروته، ما أدّى إلى هروب الشاه (16/1/1979) وعودة الإمام الخميني من منفاه الفرنسي (1/2/1979). وراحت الثورة الإيرانية تُواصِل مسيرتها إلى أن تمكّنت من إسقاط النظام القديم وإعلان قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية (11/2/1979). ما يُثير الانتباه هنا تجاهل السادات كلّ ما يجري، ربّما تحت وهم الاعتقاد بأن الولايات المتحدة لن تترك أحد أهم حلفائها في المنطقة يسقط بهذه السهولة، ومن ثم ستتحرّك بسرعة لإعادة الشاه إلى عرشه مثلما فعلت من قبل مع ثورة محمّد مصدّق في بداية الخمسينيّات، ما يُفَسّر قراره استضافة الشاه المخلوع في القاهرة، في خطوة تنمّ عن تحدّي إرادة الشعب الإيراني وإصراره على مواصلة النهج الذي أفضى إلى التوقيع على معاهدة سلام مُنفرد مع إسرائيل (26/3/1979)، ما شَكّل نقطة تحوّل كبرى في تاريخ المنطقة.
بانتصار الثورة الإسلامية في إيران، من ناحية، وبتخلّي مصر الساداتيّة عن الكفاح المسلّح في مواجهة المشروع الصهيوني، من ناحية أخرى، دخلت منطقة الشرق الأوسط مرحلةً جديدةً تُنذر بهبوب عواصف عاتية. فقبل اندلاع هذه الثورة، انقسم العالم العربي بين مُعسكرَيْن، أحدهما يسعى إلى تسوية سلمية بأيّ ثمن، والآخر يرفض تسويةً بالشروط الإسرائيلية، ويُطالِب بمواصلة الكفاح المسلّح، ما أدّى إلى خلط كبير في الأوراق.
فعلى الرّغم من أن الرئيس العراقي صدّام حسين كان من أكثر الزعماء العرب تحمّسًا لقيام "جبهة الصمود والتصدّي"، وساعياً إلى قيادتها. إلّا أن نجاح الثورة الإسلامية قلَب حساباته وأولويّاته رأسًا على عقب، ما يُفَسّر قراره بشنّ الحرب على إيران، مُتَوَهّمًا أنها ستكون لقمة سائغة بسبب حالة الفوضى القائمة، وعدم تمكّن النظام الجديد من ترسيخ أقدامه، ومُطمَئنًا إلى أنه سيُحَقّق انتصارًا سهلاً يساعده على فرض سيطرته على منطقة الخليج، ليتفرّغ بعد ذلك لإدارة الصراع مع العدوّ الصهيوني من موقع القوّة. غير أن ما حدث كان العكس؛ فقد ترتّب من هذا "العمى الاستراتيجي" انغراس صدّام في الوحل الإيراني أكثر من ثماني سنوات، وجَرّ المنطقة كلّها إلى الارتماء في الحضن الأميركي، خصوصًا بعد غزوه الكويت عقب انتهاء الحرب على إيران، ودفْع دول الخليج العربية نحو "نهج كامب ديفيد"، وتخلّيها عن دعم القضية الفلسطينية؛ ومَهّدَ الطريق أمام الولايات المتحدة للتغلغل في أحشاء المنطقة وغزو واحتلال وتدمير العراق.
حرص السادات على ترويج فكرة أن إدارة الصراع بالوسائل السياسية تُحَقّق نتائج أفضل
في الجانب الآخر، خشِي النظام الجديد في إيران من احتمال تكرار ما جرى لثورة مُصَدّق، حين تآمرت عليها أجهزة المخابرات الأميركية التي نجحت في إعادة الشاه الهارب إلى سدّة الحُكم مرّة ثانية، فاحتلّ الجناح المتشدّد في الحركة الطلابيّة السفارة الأميركية في طهران واحتجز العاملين فيها رهائن 444 يومًا، وبدأت رحلة البحث عن وسائل تُمَكّن النظام الجديد من بناء خطوط دفاع أماميّة قويّة لتحصين الثورة في مواجهة المحاولات الرامية لإجهاضها، ونشط في بناء الجسور مع القوى المُناهِضة للسياسات الأميركية والصهيونية في المنطقة، فأغلق مقرّ البعثة الإسرائيلية في طهران وأهداه إلى منظّمة التحرير الفلسطينية اعترافًا بها ممثّلاً وحيدًا للشعب الفلسطيني. وحين اجتاحت إسرائيل لبنان وتمكّنت من إبعاد منظّمة التحرير الفلسطينية إلى تونس، شرَع النظام في إيران على الفور في دعم جهود تأسيس حزب الله الذي راح يُكَرّس جلّ نشاطه في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان؛ وما إن توقّفت الحرب مع العراق حتى بدأت إيران تُرَكّز اهتماماتها في التصنيع العسكري وتمكّنت من تحقيق طفرة كبرى في هذا المجال. وحين استغلّت الولايات المتحدة هجوم 11 سبتمبر/ أيلول (2001) لغزو أفغانستان واحتلالها، ثم استدارت بسرعة لغزو العراق واحتلاله، أدركت إيران أنها ستكون الهدف التالي، فنشطت لمساعدة القوى التي تسعى إلى مقاومة الاحتلال الأميركي، ما مَكّنَها لاحقًا من بناء معاقل نفوذ قويّة في بلَد كان حتى وقت قريب يخوض حرب استنزاف طويلة ضدّها؛ وراحت تُواصِل جهودها على هذا الصعيد إلى أن تمكّنت من تشكيل (وقيادة) "محور المقاومة" الذي يخوض الجولة الحاليّة من الصراع المسلّح مع المشروع الصهيو – أميركي، التي أشعل "طوفان الأقصى" شرارتها الأولى (7/10/2023)، ثم راح لهيبها يتّسع ليشمل، بالإضافة إلى غزّة، كلّاً من الضفّة الغربيّة ولبنان وسورية والعراق واليمن، إلى أن وصل إلى إيران نفسها، رأس "محور المقاومة". ولأنه لم يكن بمقدور إسرائيل خوْض الحرب بمفردها ضدّ دولة بحجم إيران، فقد سعى نتنياهو مرارًا وتكرارًا إلى جَرّ الولايات المتحدة للمشاركة معه في حرب كان يحلم بشنّها على إيران منذ سنوات، وهو ما نجح فيه أخيرًا، ليس في مَرّة واحدة، وإنما في مَرّتَيْن، الأولى: في مواجهة محدودة استمرّت 12 يومًا، اقتصر الدور الأميركي فيها على القيام بالمهام التي لا تستطيع آلة الحرب الإسرائيلية إنجازها، ألا وهي تدمير المُنشآت النوويّة. والثانية: في حرب مفتوحة ما زالت مُشتعلةً حتى كتابة هذه السطور.
ولأنها حرب شاملة تستهدف إسقاط النظام الإيراني وفتح الطريق أمام الهيمَنة التامّة على المنطقة، فقد تبوّأت الولايات المتحدة فيها موقع القيادة، بينما تراجع الدور الإسرائيلي إلى الخلف، ما يقطع بأنّ المشروع الصهيو – أميركي للهيمنة على المنطقة كلٌّ واحدٌ غير قابل للتجزئة أو الانفصام، وبأن هذه الهيمنة لا تكتمل إلّا بإزاحة العقَبة الوحيدة التي باتت تعترض طريقها، ألا وهي إيران.
انتقلت إدارة الصراع المسلّح بعد 1973 إلى قوىً غير نظامية
ليس بمقدور أحد أن يتكهّن بالفترة الزمنيّة التي ستستغرقها الحرب التي تُشَنّ على إيران حاليًا، أو بما ستُسفر عنه من نتائج وتداعيات. غير أن الشواهد كلّها تُشير إلى أنها ستكون حاسمةً في تحديد مصير ومستقبل الصراع مع المشروع الصهيوني ومصير ومستقبل المنطقة كلّها. فقد تكفّلت الجيوش النظامية العربية بخوض الجولات الأولى من الصراع المسلّح مع الكيان، أعوام: 48 و56 و67 و73، وكان بمقدور إسرائيل أن تُقاتِل فيها جميعاً بمفردها، وأن تُحَقّق فيها نتائجَ باهرةً في الوقت نفسه. وحين قَرّرَ السادات التخلّي عن السلاح، بإعلان حرب 1973 آخر الحروب، حَرِصَ في ذلك الوقت على ترويج مقولة مفادها أن إدارة الصراع بالوسائل السياسية وحدها تساعد على تحقيق نتائج أفضل، وهي مقولة ثبت خطؤها تماماً؛ فقد انفتحت شهيّة إسرائيل للتوسّع، ولضمّ مزيد من الأراضي، بدليل غزوها المتكرّر الجنوب اللبناني، ورفض الانسحاب إلى حدود 1967 في المفاوضات التي جرت مع سورية قبل رحيل حافظ الأسد. ولأن أيًّا من الجيوش العربية لم يجرؤ على خوض الحرب ضدّ إسرائيل منذ 1973، رغم كلّ ما ارتكبَته من جرائم، فقد انتقلت إدارة الصراع المسلّح إلى قوىً غير نظامية، راح دورها ينتعش عقب انتصار الثورة الإيرانية، وتمكّنت من تحقيق إنجازات كبيرة، مَهّدَت لتأسيس "محور المقاومة" الذي أصبحت إيران الطرف الوحيد المؤهّل لقيادته.
وحين نجحت حركة حماس في تفجير "طوفان الأقصى"، انطلقت جولة جديدة من الصراع المسلّح لا تُشبِه أيًّا من جولاته السابقة. فللمرّة الأولى في تاريخ هذا الصراع تُشارِك الولايات المتحدة مع إسرائيل في حرب شاملة، يُشعلها فصيل فلسطيني يُقاوم الاحتلال الإسرائيلي لأرضه، وتستهدف تدمير دولة غير عربية أصبحت هي الدولة الوحيدة المُنخرطة في الصراع المسلّح مع إسرائيل، بينما الجيوش العربية قابعة في الظلّ لا تُحَرّك ساكنًا.
يُشير مسار هذه الحرب إلى أن إسرائيل والولايات المتحدة لم تتمكّنا (حتى كتابة هذه السطور) من تحقيق أيٍّ من الأهداف التي سَعَتا إليها، رغم ضربة البداية الهائلة التي أطاحت رأس النظام الإيراني وعدد كبير من قيادات الصفّ الأوّل العسكرية والسياسية، وإلى أن قياداته الجديدة تبدو أكثر تصميماً وقدرة على إدارة حرب استنزاف طويلة الأمَد. ومن ثمّ قد تنجح في كسْر هيْبة المشروع الصهيو – أميركي في المنطقة، يُساعِد في وقف تمدّده، ما قد يُعَجّل بانهياره في الأمَد المنظور.
المصدر: العربي الجديد
2026-03-16 19:17:44 | 6 قراءة