من فنزويلّا إلى إيران:
دوافع تحوّل سياسة ترامب من "الضغط الأقصى" إلى "حروب الاختيار"
د. رغدة البهي
أستاذ العلوم السياسيّة المُساعِد بكليّة الاقتصاد والعلوم السياسيّة - جامعة القاهرة
مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدّمة
5/3/2026
شهدت السياسة الخارجية الأمريكية في الولاية الثانية للرئيس دونالد ترامب تحوّلاً من سياسة "الضغوط القصوى" التي ركّزت على زيادة التكلفة الاقتصادية على الأنظمة المُستَهدفَة بهدف تغيير سلوكها الاستراتيجي، إلى التدخّل العسكري المباشر. وقد ظهر نهج "الضغوط القصوى" سابقاً في حالة إيران، عبر الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي لعام 2015 وإعادة فرض عقوبات واسعة على قطاعات الطاقة والمصارف والنقل، وكذلك في حالة فنزويلّا من خلال تجميد الأصول وحظر التعامل مع شركات النفط الوطنية والاعتراف بزعيم المعارضة خوان غوايدو رئيساً انتقالياً في عام 2019.
لكن هذا النهج الأمريكي لم يحقّق النتائج المرجوّة؛ إذ لم يحدث الانهيار الداخلي المتوقّع في هذه الدول. كما واجهت الولايات المتحدة أنظمة سياسية راسخة تقوم على أُسُس قومية أو دينية وأيديولوجية، إضافة إلى تزايد قدرة تلك الدول على التكيّف مع العقوبات والالتفاف عليها.
ونتيجة لذلك، اتّجهت الإدارة الأمريكية الحالية إلى استخدام القوّة الصلبة لإعادة ضبط قواعد الاشتباك، في تحوّل واضح في سلوكها الخارجي. وفي هذا السياق، أصبحت الإزاحة القسريّة للقيادات السياسية أداة مشروعة من وجهة نظر ترامب لإعادة تشكيل التوازنات الداخلية والدولية بما يخدم المصالح الأمريكية.
نهج ترامب:
تعكس حالتا فنزويلّا وإيران جملة من السّمات الكاشفة للتغيّر الذي طرأ على السياسة الخارجية الأمريكية في ولاية ترامب الثانية، الأمر الذي يمكن الوقوف عليه كما يلي:
1- تغيير الأنظمة السياسية بالقوّة العسكرية: عكست تصريحات ترامب الداعمة للمُتظاهرين الإيرانيين، وما تلاها من تصعيد عسكري أفضى إلى اغتيال المُرشِد الأعلى علي خامنئي وعدد آخر من القيادات الإيرانية؛ انتقالاً واضحاً من سياسة الضغط والردع إلى مُقارَبَة تستهدف تغيير النظام الإيراني بالقوّة، وإحداث تحوّل سياسي جذري عبر الضربات الجويّة، وربما العمليّات الخاصّة. وهذا ما قد ينطوي على رهانات استراتيجيّة تبدو عالية المخاطر، ولا سيّما في حالة دولة مُتباعدة جغرافياً وذات بُنية أمنية وعسكرية معقّدة مثل إيران؛ ما يُثير التساؤلات عن فُرَص التدخّل البريّ الذي حذّرت منه تقديرات عسكرية أمريكية عدّة بسبب تكلفته البشرية واحتمالات فشله.
لذا اضطرّ ترامب إلى التراجع عن هدف تغيير النظام الإيراني، مع تأكيد إدارته أنّ هذا الخيار، وإن لم يكن هدفاً مرغوباً، أصبح احتمالاً قائماً في الواقع. وفي هذا السياق، برز النموذج الفنزويلّي بوَصفِه سابقة يمكن تكرارها من وجهة نظر واشنطن؛ إذ أدّت العملية الأمريكية في كاراكاس إلى إزاحة الرئيس السابق نيكولاس مادورو مع الإبقاء على البُنية الحكومية الأساسية، في صيغة أقرب إلى إعادة توجيه النظام بدَلاً من تفكيكه. بَيْدَ أن القياس على حالة فنزويلّا قد يغفل عدّة فوارق، منها القدرات العسكرية الإيرانية، وتعدّد الوكلاء الإيرانيين، والطموحات النووية لطهران، فضلاً عن تعقيدات اجتماعية وتاريخية؛ وهي كلّها عوامل ربما تجعل من إعادة هندسة السلطة في إيران عبر تدخّل خارجي مهمّة أكثر صعوبة وتكلفة.
2- الانقلاب على الحدود التقليديّة لاستخدام القوّة: يعكس نمط استخدام القوّة العسكرية في عهد ترامب تحوّلاً واضحاً عن المُرتكزات التقليديّة التي حكمت السلوك العسكري الأمريكي منذ نهاية حرب فيتنام، ولا سيّما تلك المُرتَبطة بما يُعرَف باسم "مبدأ باول" القائم على اعتبار الحرب ملاذاً أخيراً، مشروطاً بهدف سياسي محدّد، واستراتيجيّة خروج واضحة، وتفويض شعبي، واستخدام حاسم للقوّة لتجنّب الاستنزاف.
وخلافاً لذلك، اتّسمت تدخّلات إدارة ترامب في ولايتيْها الأولى والثانية بنزعة تشغيليّة ترى في القوّة العسكرية أداة مَرِنَة لإعادة تشكيل البيئة الاستراتيجيّة، وليست خياراً اضطرارياً يُلجَأ إليه عقب استنفاد الوسائل الدبلوماسية. وقد تجسّد ذلك في سلسلة عمليّات امتدّت من الضربات ضدّ النظام السوري السابق، إلى استهداف الجنرال الإيراني قاسم سليماني، وصولاً إلى عمليّات عسكرية واسعة في إيران وأخرى محدودة في فنزويلّا؛ في سياقات لم تُستَكمَل فيها المسارات التفاوضيّة، أو لم تُمنَح إنذارات علنيّة كما جرى في سوابق تاريخيّة.
وبهذا المعنى، لم يَعُد استخدام القوّة العسكرية نتاجاً لفشل البدائل السياسية، بل أداة استباقيّة لتعظيم عنصر المفاجأة؛ وهو تحوّل مفاهيمي يُعيد تعريف العلاقة بين الدبلوماسية والعمل العسكري في الاستراتيجيّة الأمريكيّة المُعاصِرَة.
3- غياب الأهداف الواضحة: اتّسمت مُقارَبَة إدارة ترامب لاستخدام القوّة العسكرية بقدر ملحوظ من الغموض المفاهيمي والتذبذب في تحديد الأهداف. ففي السياق الإيراني، تراوحت المُبَرّرات المُعلَنة بين منع الانتشار النووي، والدفاع عن الشعب الأمريكي من تهديدات وشيكة، والسعي إلى السلام الإقليمي والعالمي، وصولاً إلى التلميح بتغيير النظام الحالي والتفاوض مع قيادة بديلة؛ وذلك دون صياغة إطار استراتيجي مُتماسك يحدّد بدقّة طبيعة التهديد الإيراني أو ملامح اليوم التالي لإسقاط النظام.
وقد سبق ذلك أنْ انتقل الخطاب المتعلّق بفنزويلّا من ربط التدخّل بقضايا الهجرة والمخدّرات وأمن الحدود إلى مُلاحقة القيادة السياسية والسيطرة على الموارد النفطيّة، بل وإحياء تأويلات جديدة لمبدأ "مونرو"؛ ما يعكس تعدّداً في السرديّات دون وضوح للغايات النهائيّة. وقد تفاقم هذا الالتباس في ظلّ غياب تفويض صريح من الكونغرس، واندلاع العمليّات بمسارات غير متوقّعة؛ الأمر الذي جعل من الصعوبة بمكان تحديد ما الذي تسعى الولايات المتحدة إلى تحقيقه ومؤشّرات النجاح أو الإخفاق في تحقيق تلك الأهداف.
4- التناقض بين التفاوض والتصعيد العسكري: بالرّغم من أنّ إدارة ترامب دأبت على تأكيد أنّ الخيار الأمريكي الأفضل هو اتفاق يُنهي طموحات طهران النووية؛ فإنّ المفاوضات الأمريكية مع إيران تزامنت مع حشد عسكري واسع النطاق. وفي ظلّ غياب النقاش الأمريكي المُعَمّق والغطاء البرلماني، يتأجّج التناقض بين خطاب يُعلن تفضيل الحلول الدبلوماسية وسلوك ميداني اقترب من خيار الضربة الاستباقيّة وصولاً إلى شنّ الحرب.
بعبارة أخرى، فإنّ الجمع بين الدعوة إلى التفاوض والتلويح بعمل عسكري واسع النطاق، بل وشنّ الحرب أثناء انعقاد المفاوضات؛ لا يعكس فقط تضارباً في توظيف أدوات السياسة الخارجية، بل يُدَلّل أيضاً على خلل في هندسة القرار الاستراتيجي؛ حيث تتقدّم ديناميّات القوّة على منطق التسوية.
5- الخروج عن الوعود الانتخابيّة: تكشف المُقارَنَة بين الخطاب الانتخابي لترامب وسياساته الخارجية عن تناقضات جوهريّة. فقد قُدِّمَ ترامب خلال حملته بوصفه مرشّحاً مُناهضاً للحروب الاختيارية، ناقداً صريحاً لنَزْعة "المُحافظين الجُدد"، ورافضاً للزجّ بالولايات المتحدة في صراعات مُكلِفة لا تحظى بتفويض شعبي واسع. غير أن الانتقال إلى تبنّي خيارات عسكرية مباشرة، سواء في الشرق الأوسط أم في نصف الكرة الغربي؛ يعكس خروجاً عن تلك الوعود الانتخابية نحو مُقارَبَة أكثر اندفاعاً في استخدام القوّة العسكريّة.
6- سياسات قَيْد التطوير: يُواجِه مستقبل فنزويلّا حالة من عدم اليقين في أعقاب اعتقال مادورو، مع اتجاه الولايات المتحدة إلى إدارة البلاد مؤقّتاً وإعادة إعمار قطاع النفط باستثمارات تصل إلى 100 مليار دولار. وهذا ما يُثير مخاوف من انعدام الاستقرار السياسي وهيمَنة أمريكية طويلة الأمَد، على نحوٍ يؤكّد أن السياسة الخارجية الأمريكية لا تزال قَيْد التطوير. وهو ما يتأكّد بالنظر إلى حالة إيران بعد أقلّ من عام على الضربة الأمريكية في يونيو 2025، والتي أصرّ ترامب على أنها دمّرت المُنشآت النوويّة الإيرانية، دون أُفُق واضح لما بعد الحرب.
مداخل تفسيريّة:
تتعدّد العوامل المُفَسِّرة للتحوّلات التي طرأت على السياسة الخارجية الأمريكية في عهد ترامب استناداً إلى حالتي فنزويلّا وإيران، وذلك على النحو التالي:
1- إحياء الإمبراطوريّة التقليديّة: يكشف السلوك الخارجي لإدارة ترامب عن تحوّل ملحوظ في تموضع الولايات المتحدة من قوّة مُهَيمِنَة ضمن نظام دولي ليبرالي إلى فاعل يميل إلى إعادة إحياء منطق الإمبراطورية التقليدي. وفي هذا السياق، فإنّ اعتقال قيادة سياسية أجنبية، والسيطرة على موارد نفطية، وفرض حصارات ضاغطة، والحشد العسكري الواسع، والتهديد المتكرّر باستخدام القوّة؛ إنما يعكس نزعة توسعيّة لا تنسجم مع أطروحات أولويّة المصالح الوطنية أو تقليص الالتزامات الخارجية؛ بل تأخذ شكل إعادة توظيف أدوات الهيمَنة العسكرية والاقتصادية للتأثير في الواقع السياسي لدول أخرى.
ويتعزّز هذا التوجّه من خلال الخطاب الأيديولوجي الصادر عن كبار مسؤولي الإدارة الأمريكية الحالية، وفي مقدّمتهم وزير الخارجية مارك روبيو، الذي استعاد سرديّات توسّع الغرب، واعتبر أنّ تراجع الإمبراطوريات جاء نتيجة حركات الاستقلال المُناهِضَة للاستعمار، داعياً إلى تحالف حضاري يُعيد الثقة في الإرث الغربي. وفي هذا السياق، تبدو الولايات المتحدة بصدد إعادة تشكيل النظام الدولي وفق تصوّر أحاديّ للهيمنة، تُسَخَّر فيه التحالفات والأدوات العسكرية، بما يُحَوّل شعار "أمريكا أوّلاً" من شعار سيادي دفاعي إلى مشروع يحمل سِمات إمبراطوريّة واضحة.
2- تفضيل الأداة العسكرية: إنّ التحوّل في السلوك الخارجي للولايات المتحدة لا يمكن تفسيره باعتباره نتاجاً لاعتبارات تكتيكيّة عابرة أو للسّمات الشخصية للقيادة السياسية فحسب، بل بوصفِه أيضاً تعبيراً عن مَيْل بنيويّ راسخ داخل منظومة صُنع القرار الأمريكي إلى تفضيل الأداة العسكرية عند إدارة الأزمات. ففي اتجاه مُضاد للخطاب السياسي لترامب الذي وعَد بإنهاء "الحروب التي لا تنتهي"، تكشف الممارسة العمليّة عن استمراريّة نمط استراتيجي يجعل من القوّة المسلّحة خياراً جاهزاً يَسهُل استدعاؤه بالرّغم من توافر بدائل دبلوماسية واقتصادية أخرى.
ويعكس ذلك رسوخ قناعة مفادها أنّ إعادة ترسيم الردع وفرض المصداقيّة الدوليّة يقتضيان أحياناً تحرّكاً عسكرياً مباشراً، ولو على حساب اعتبارات الإجماع الداخلي. كما يُعزى هذا التحوّل إلى تشابك مؤسّسي بين النخبة السياسية ومؤسّسات الأمن القومي والمجمع الصناعي العسكري، بما يخفّف التكلفة السياسية لاستخدام القوّة العسكرية، وبما يُعيد إنتاج حلقة مُفرغة من التهديد والاستجابة العسكرية؛ حيث تتحوّل الحرب من ملاذ أخير إلى أداة اعتياديّة لإدارة السياسات الدولية.
3- تقاسم مُحتَمَل لمناطق النفوذ: تُشير مَعالِم السياسة الخارجية الأمريكية في ظلّ إدارة ترامب إلى احتمال إعادة إحياء منطق تقاسم مناطق النفوذ بين القوى الدولية الكبرى. فقد تعدّدت المؤشّرات الدالّة على اعتراف أمريكي ضمني بالمصالح الروسية الخاصّة في الفضاء السوفييتي السابق، مقابل إعادة تعزيز واشنطن لحضورها المباشر في نصف الكرة الغربي. وفي آسيا، تُظهِر العلاقة الأمريكية مع الصين مزيجاً من المُنافَسَة الحادّة والاعتراف الواقعي بتوازن القوى؛ حيث اتّسمت الحرب التجارية بتصعيد جُمركي مُتبادل انتهى إلى تفاهمات تفاوضيّة. وعلى الرّغم من الخطاب الصيني الرافض صراحة لفكرة مناطق النفوذ بوصفِها إرثاً استعمارياً؛ فإن سلوك بكين في بحر الصين الجنوبي وسعيها لتقليص أو إبعاد الوجود العسكري الأمريكي يُشيران إلى تفضيلها إقامة مجال أمني مباشر في محيطها الإقليمي، على نحوٍ يُوازي ما تسعى إليه واشنطن داخل فضائها القارّي.
وعليه، يبدو أنّ النظام الدولي يتّجه نحو صيغة غير مُعلنة من تقاسم النفوذ بين الولايات المتحدة وروسيا والصين، تقوم على إدارة التنافس عبر خطوط تماس جغرافية واضحة، بما يُطلِق يد روسيا في دول الاتحاد السوفييتي السابق، ويد الولايات المتحدة في نصف الكرة الغربي والشرق الأوسط، ويد الصين في بحر الصين الجنوبي.
4- غياب الالتزام بالقواعد القانونيّة: يمكن الدفع بأنّ التدخّل الأمريكي في فنزويلّا والحرب على إيران حَدَثا من دون أيّ تفويض صادر عن الأمم المتحدة؛ ما يجعلهما مؤشّراً على انتقال تدريجي من نظام دولي قائم على القواعد إلى نظام يصبح فيه القانون الدولي إطاراً تفاوضياً أكثر منه مرجعيّة مُلزِمَة. وبعبارة أخرى، تجري إعادة تعريف وظيفة القانون الدولي من كونه إطاراً مُلزِماً يُنَظّم سلوك الدول إلى أداة انتقائيّة تُستَخدَم عندما تتوافق مع المصالح الاستراتيجيّة للقوى الكبرى.
5- استمالة الداخل الأمريكي: ربَط ترامب في ولايته الثانية صراحة بين السياسة الخارجية الأمريكية وتحقيق الأهداف الداخلية. فقد قدّمت إدارته استخدام القوّة في منطقة الكاريبي وإزاحة مادورو بوصفِها عمليّات لإنفاذ القانون، بالتوازي مع إجراءات داخليّة مثل الترحيل الجماعي للمُهاجرين. كما صُوّرَت الرّسوم الجُمركيّة على أنها خطوة ضروريّة لزيادة الإيرادات من الخارج، وخفض الضرائب، وتشجيع الإنتاج داخل الولايات المتحدة، وخلق فُرَص عمل للأمريكيين. وفي السياق نفسه، جرى تصوير خفض المساعدات الخارجية والانسحاب من بعض المنظّمات الدولية باعتبارهما إجراءً ضرورياً لإعادة توجيه المَوارِد نحو المواطنين الأمريكيين.
في ضوء ما سبق، يمكن القول إن السياسة الخارجية الأمريكية في عهد ترامب تعكس إعادة تعريف لدور القوّة العسكريّة في الاستراتيجيّة الأمريكيّة؛ إذ لم يَعُد استخدامها نتيجة لفشل المسارات التفاوضيّة، بل أصبح خياراً مطروحاً سَلَفاً بالتوازي معها أو حتى دونها. وبالتالي تحوّلت القوّة العسكريّة إلى إطار يُنتِج الخيارات ويُحَدّد سقف التفاوض.
2026-03-30 16:13:55 | 20 قراءة