التصنيفات » مقالات سياسية

هكذا تُصنَع الحروب الكارثيّة.. خطاب “محو الدول” نموذجاً!

هكذا تُصنَع الحروب الكارثيّة.. خطاب “محو الدول” نموذجاً!

جميل مطر
موقع 180 بوست
19/03/2026 

فكّرتُ وفكّرتُ ثم فكّرتُ في تأجيل كتابة مقال هذا الأسبوع بعد أن توصّلتُ إلى قناعة مفادها أن الكتابة بصراحة مطلقة كادت تصبح لدى كثير من الكتّاب الصحفيين نوعاً من المحرّمات. كان من بين المحرّمات في زمنٍ ولّى كتابة عبارة “محو إسرائيل”، وقد زالت بفعل فاعلين. حَلّ محلّها، ولكن عند مسئولين وكُتّاب آخرين، عبارة “محو إيران”. هذه استَجدّت مؤخّراً على لسان رئيس حكومة إسرائيل بنيامين نتنياهو؛ راح يُرَدّدها بعد قوله إنّ هدفه الأوّل من الحرب على إيران هو قتل مُرشِدها الأعلى علي خامنئي تمهيداً لمحو الدولة من الوجود. تعلّمتُ في مطلع حياتي الصحفيّة أنّ التهديد في مقال بمحو دولة، أو حتى التحريض على إشعال حرب، إنما هو سلوك مرفوض في منظومة أخلاقيّات مهنة الصحافة المحترمة. عَلّمَني أيضاً صحفي كبير أنّ “محو دولة” لا تخرج عن كونها عِبارة تُخفي نيّة أو محاولة للهروب من “زنقة” في مسيرة البحث عن مخرج؛ وما أكثر “الزنقات” والمآزق التي تعترض جهود ومحاولات التعبير عن رأي! 
من هنا يسود اعتقاد في المؤسّسات الصحفية العتيدة مفاده أن الكتابة الصريحة جداً تعتبرها بعض القيادات السياسية ضَرْباً من الخيال الصحفي، وفي حالات كثيرة تعتبرها أحد أهم عناصر التخريب أو الإحراج. أمّا إذا صدَرت عن مسئول سياسي، فهي ضَرْبٌ في الغيب؛ بمعنى أنها تحمل معنى تمنّي وقوعه وليس بالضرورة القدرة على تحقيقه. 
*** 
نعيش، هذه الأيام، أجواء حرب من نوع خاص تختلط فيها الرومانسيّة؛ الفارس على ظَهْر حصان شاهراً سيفه ومهدّداً القاصي والداني، بَشَراً كانوا أم مؤسّسات أو حتى طواحين هواء، بحرب؛ حربٌ نشبَت فعلاً؛ وواقع الحال أنْ لا أحد أبلغنا حتى ساعة كتابة هذه السطور بأهداف هذه الحرب، ولم نطّلع على خطّتها ومسالكها وتعقيداتها. المُدهِش في ما نحن بصدده أنّ الفارس الهمّام ما أن طرَح فكرته عن محو دولة العدو إلّا وخرج الجنرالات مُنَدّدين بغباء الفكرة ومُعَدّدين مخاطر تنفيذها. حدَث بالفعل في تاريخ الأزمات والنزاعات أنْ وقع اختيار هذا المشهد وانتهى باتخاذ القيادة السياسية قرار الحرب. كانت النتائج في معظم هذه الحالات كارثيّة لا أقل. أذكر كمثال في هذا الصدد اللّوم الذي وَجّهَه الرئيس جمال عبد الناصر في خريف 1967 للصحفيين، وبخاصّة العاملين في صُحُف عربيّة خارج مصر، ممّن تحمّسوا لرأي يضغط من أجل اتخاذ قرار حرب في ظلّ ظروف غير مؤاتية. 
*** 
غريبٌ شكل الحرب الناشبة حالياً، ومسارها بالمناسبة أشدّ غرابة. إيران دولة بحجم متوسّط وموقع حسّاس استطاعت أن تصمد في وجه قطب دولي أعظم في المساحة وتعداد السكّان والموقع الفريد وفي القوّة الماديّة والعسكريّة والاستخباراتيّة وكفاءة الأجهزة العاملة في مجالات التكنولوجيا المتقدّمة وفي تنوّع الحلفاء. هنا كان وما يزال مَوطِن الخطأ الجسيم. يبدو الآن واضحاً أن الطرَف الأقوى بين الطرَفين اللذين توافقا على شنّ الحرب لم يبذل جهداً يُذكَر لتعبئة وحشد الطاقات اللازمة للدفاع عن أراضي وشعوب الحكومات الحليفة. عُدْنا نسأل مع السائلين. نسأل هل صحيح، وهو في غالبه صحيح، أنّ دولة صغيرة جداً، وهي بالفعل أصغر بألفي كيلومتر مربّع من مساحة ولاية نيوجرسي الأميركية، هي التي، مع اعتذاري عن فجاجة الكلمة، “جَرْجَرَت” الدولة الأعظم حجماً وقوّةً نحو حرب متعدّدة الأبعاد والأهداف في الإقليم. إنْ صحّ هذا الأمر وتحقّقت “الجَرْجَرَة”، لماذا لم ننتبه؛ وإذا انتبه البعض منّا، لماذا لم يبذل جهداً حقيقياً وقوياً في سبيل تعطيل نشوب هذه الحرب أو منع نشوبها نهائياً. نسأل هنا لماذا لم تتقدّم، حتى الآن، دولة عربية أو مجموعة دول في الإقليم بخطّة جديدة تُعَوّض العرب عن سنوات عديدة من رفض فكرة إقامة منظومة أمن جماعي عربي، أم أنّ هناك من فَكَرّ وهناك من رفَض الفكرة؟ أليس هذا هو حالنا منذ أنْ توافقنا على أن نكون عرباً، وقد حدَث، ثم على أن نتكامل اقتصادياً، ثم على أن نتكامل أمنياً.. ولم يحدُث ذلك كلّهُ؟ 
*** 
نعود لنسأل مع السائلين، وأكثرهم من الشباب؛ هل صحيحٌ أن أحداً مجهول الاسم والصفة، بحث واستقصى فاكتشف أن عبارات مثل: العروبة، القومية العربية، والوحدة العربية، قد خلَت منها في السنوات الأخيرة أغلب الكتابات الصحفيّة والخطابات السياسية في عالمنا “العربي”. البعض منّا راح يُحَمّل هذا الوضع مسئولية حالات الانفراط في أغلب دولنا، ومسئولية تجميد الجامعة العربية أو شلّ ما تبقّى لها من أنشطة. آخرون بيننا ألقوا باللّوم على بعض الحكومات العربية التي برفضها أو تلكؤها أو عجزها عن تقديم بديل، شجّعت إسرائيل على الاستمرار في تحدّي كلّ العرب، وصولاً إلى إعلان خطّتها توسيع مساحة الدولة العبريّة وتثبيت دعائم هيمنة جديدة في الإقليم.
 ***
 ألحّ نتنياهو وجماعته “الإرهابية” على ضرورة شنّ حرب “مشتركة” لتحقيق هذا الهدف، وكنّا على عِلم بما يجري. بلغَنا أيضاً أن عديد جنرالات البنتاجون والصحفيين وبعض صانعي الرأي من الذين انتقلوا من علاقة الولاء لإسرائيل إلى حال الدفع للتخلّص من هيمنة إسرائيل على عمليّة صنع القرار الأميركي، واحتلالها مكانة الدولة الأحق باستغلال إمكانات أميركا لتحقيق هدف الهيمنة على المنطقة. لم يَغِب عن أذهان هؤلاء، وأبرزهم الصحفي الأشهر تاكر كارلسون المسيحي المُحافِظ، والأكاديمي المرموق جيفري ساكس، وعالِم السياسة البارز والمُخضرم جون ميرشايمر، وكلاهما يهوديّان، أنّ إسرائيل تسعى بكلّ نفوذها وأموال أثرياء اليهود لتنتهز ما اعتبرته فُرصتها الأخيرة في تجنيد البيت الأبيض لخدمة مصالحها وشنّ حروبها. لم نفعل شيئاً. تابَعنا الانقسام داخل حركة “ماغا”، الحركة التي حملت ترامب إلى البيت الأبيض، ولم نفعل شيئاً.
 *** 
كانت فعلاً فترة مُثيرة تلك التي شهدت ضغوطاً قويّة لحثّ الرئيس ترامب على إعلان نيّته المُشارَكة بقوّة أميركا في حرب حقيقيّة ومُدَمّرة تقودها إسرائيل ضدّ إيران. لاحظنا أن أغلب هذه الضغوط لم تكن مُعلنة؛ ولعلّ هذا الغموض هو الذي دفع بكثير من الدبلوماسيين الأجانب والصحفيين المُصَنّفين مؤخّراً تحت صفة “الأحرار” يميلون إلى الاعتقاد بأن ترامب خضع خلال المرحلة السابقة مباشرة على الحرب لعمليّات ابتزاز أو إغراءات أو عقوبات ماديّة هائلة. للحق، وبصراحة، دفعنا، أقصد دفع القادرون. وفيما يبدو لم تكن لأموالنا نجاعة أموال أغنى يهود العالم. قيل، من ناحية أخرى، إنّ كثيرين من بين من نصحوا ترامب بعدم الذهاب إلى حرب أشاروا إلى العواقب السيّئة لمثل هذا التدخّل في عام انتخابات نصفيّة وعلى الاقتصاد العالمي، ناهيك عمّا قد يُصيب الاقتصاد الأميركي ومنطقة الخليج بالذات من أضرار وخسائر جسيمة. كلّ هذه الاعتبارات يمكن أن تفسّر تأخّره في قبول العَرض (أو الفَرض) الإسرائيلي بشنّ الحرب. تُفَسّر أيضاً مظاهر تسرّعه المُبالَغ فيه لإنهاء الحرب أو الخروج منها بإعلانات انتصار متعدّدة، ولكن وهميّة في غالب الأحوال. 
***
نقترب من الأسبوع الرابع للحرب وما زالت الدولة الأقوى تسلّحاً والأعظم إمكانات ومكانات بعيدة عن الخروج منها مُنتصرة. عدد أكبر من عُلماء السياسة والمؤرّخين ينضم الآن إلى قائمة طويلة من المؤمنين بأن الولايات المتحدة دخلت مرحلة الانحدار التي كانت مصيراً لعديد الإمبراطوريّات التاريخيّة. جديرٌ بنا قبل أن ننتقل إلى مرحلة أخرى في حرب إسرائيل وأميركا ضدّ إيران أن ننتهز الفرصة لنُعلِن فيما تبقّى لنا من مساحة عن أهم الآثار التي رأت أوساط متخصّصة أنّ الحرب خَلّفَتها بالفعل، أو سوف تُخَلّفها، سواء على الدول والشعوب المعنيّة بها، كما على الشعوب والدول غير المعنيّة: أوّلاً؛ مرّة أخرى تتعرّض سمعة أميركا للضرَر الشديد، والاحتمال أقوى بأننا سنكون شهوداً على كارثة اقتصادية تُصيب الولايات المتحدة في وقتٍ تحتفل فيه بمرور 250 عاماً على استقلالها؛ وسنكون شهوداً على كوارث متنوّعة الجسامة في مختلف أنحاء العالم. 
ثانياً؛ أسباب كثيرة، ومنها حركة “ماغا”، صادفت ظروف الذهاب نحو الحرب لتُثير معها واحدة من أهم القضايا السياسية الراهنة في الولايات المتحدة، وهي قضية نقص في ولاء قطاع هام من الشعب الأميركي لوطنه. المقصود هنا هو القطاع الصهيوني داخل الطائفة اليهودية وداخل بعض أتباع الكنيسة الإنجيلية. 
ثالثاً؛ تطرح الحرب، وللمرّة الأولى، نقاشاً واسعاً في العالم العربي بشكل عام حول معنى وفعاليّة نُظُم التحالفات السياسية التي نشأت في المنطقة أو ورثتها عن مرحلة تاريخية سابقة على الاستقلال. 
رابعاً؛ فَجّرَت الحرب وتوابعها بعث تطوّر “إيماني” بالغ الخطورة، وهو المتعلّق بعودة انتشار المُعتقد الديني أو اللاديني المُرتبط بأساطير بعضها موروث عن فلسفات وعقائد دينية، والبعض الآخر عائد إلى اجتهادات حديثة. يتصدّر هذه التوجّهات تطوّر تحت عنوان “نهاية الزمن”، ومعه أو قريب منه “القيامة في حياتنا” و”ظهور المسيح”. تطوّرٌ يكشف عن جهود لصهينة العقل الشرق أوسطي. خامساً؛ السؤال الهام في هذه الأيام يتعلّق باختلاف وجهات النظر حول مستقبل الحرب. إيران ليست العراق المُنبَسط جغرافياً، وطهران ليست بغداد القريبة من كلّ المرافئ والطُرُق. معروفٌ أيضاً أن إيران أمّة بعقيدة وتاريخ، وأكثر سكّانها ومُقاتليها بميول استشهادية. معروفٌ كذلك أن شعوب المنطقة، باستثناء شعب إسرائيل، تسعى لمحو وصمة الإرهاب التي اختلقَتها إسرائيل في أعقاب تنفيذ جريمة تدمير برجي نيويورك (11 أيلول/سبتمبر الشهير). 
سادساً؛ مع استمرار الحرب لأسابيع أخرى وليس لشهور، يُحتَمَل أن نشهد تحوّلات في خريطة الحرب في المنطقة ترسمها “مُقاوَمات” جديدة دفاعاً عن حقّ الشعوب الشرق أوسطية، ومنها العربية، الواقعة تحت حُكم الإسرائيليين، في الحريّة. وهذه الشعوب في تزايد، كما توضِح لنا خريطة نتنياهو للشرق الأوسط الجديد. 

 

2026-04-03 20:26:53 | 6 قراءة

مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية