التصنيفات » مقالات سياسية

من “حرب أميركا” إلى “حرب إسرائيل”.. تحوّل السرديّات في واشنطن

 من “حرب أميركا” إلى “حرب إسرائيل”.. تحوّل السرديّات في واشنطن

محمّد المنشاوي
موقع 180 بوست
27/03/2026 

أحيَت استقالة مدير المركز الوطني لمُكافحة الإرهاب، جو كِنِت، من منصبه احتجاجًا على الحرب الجارية ضدّ إيران، الجَدَل داخل العاصمة الأميركية بشأن مُبَرّرات الانخراط العسكري ودور إسرائيل في توجيه القرار الأميركي. قال جو كِنِت، في نصّ استقالته: «لا يُمكنني تأييد حرب إيران التي لم تُشَكّل تهديدًا وشيكًا»، مُضيفًا: «واضحٌ أنّنا بدأنا الحرب تحت ضغط إسرائيلي واللوبي النافذ لها». وفي نصّ استقالته التي نشرَها عبر منصّة «إكس» وقَرَأها أكثر من مليون شخص، أكّد كِنِت أنه لا يستطيع «بضمير حي» دعم الحرب على إيران، مُعتبرًا أنها جاءت نتيجة «ضغوط إسرائيلية وحملة تضليل» هدفَت إلى إقناع إدارة دونالد ترامب بوجود تهديد إيراني وشيك، ومُعتبرًا أن هذه الحرب تخدم بالأساس المصالح الإسرائيلية، ولا تعكس أولويّات واشنطن الاستراتيجيّة. وعكست هذه الكلمات ما يمكن وصفه بالمسكوت عنه داخل دوائر القرار الأميركية. وجاءت استقالة كِنِت لتؤكّد ما قاله وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو حين أقَرّ أمام مجلس الشيوخ بأن الولايات المتحدة دخلت الحرب بعد قرار إسرائيلي بمهاجمة إيران، وأنه «لم يكن بالإمكان ترك إسرائيل وحدها». الجدير بالذّكر أنّ تكلفة الحرب حتى الآن تجاوزت 20 مليار دولار، وتُضيف مليار دولار يوميًا، كما أسفَرت عن مقتل 13 جنديًا أميركيًا حتى الآن، وهو ما يزيد من الضغوط الداخلية على إدارة ترامب. ومع قُرب دخول الحرب أسبوعها الخامس دون حسم عسكري واضح، ومع زيادة شعور الأميركيين بتأثير القتال في الشرق الأوسط على حياتهم اليوميّة، مع ارتفاع تكلفة وقود السيّارات بما يقرب من 30%، وما يتبعه من ارتفاع أسعار المواد الغذائية والمعيشية الأساسية، أصبح مُلفِتًا علنيّةُ إلقاء اللوم على إسرائيل بالاسم، وهو ما يُمَثّل سابقة مهمّة لم تَعُد مُقتصرة على أحاديث الغُرَف المُغلَقة.
 *** 
منذ بدء الهجمات على إيران، عبّأت شبكات اللوبي الإسرائيلي، المباشرة وغير المباشرة، والمُمَثّلَة في عدد من مراكز الأبحاث، منها معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، أو مؤسّسة الدفاع عن الديموقراطيات، أو منظّمات حقوقيّة وغير حزبيّة تدعم السرديّات الإسرائيليّة، كمؤسّسة مُكافحة التشويه، أو جهات إعلامية كمجلس تحرير صحيفة “وول ستريت جورنال”، لتُكَرّر عدّة نقاط مهمّة لنفي شبهة توريط إسرائيل ورئيس وزرائها بنيامين نتنياهو للولايات المتحدة ورئيسها دونالد ترامب في حربٍ بالاختيار وليست حربًا بالاضطرار. وتُكَرّر هذه الجهات ما تعتبره واحدة من أكثر الأكاذيب استمرارًا وتداولًا في الخطاب السياسي الأميركي، وهي الادّعاء بأنّ هذه الحرب هي «من أجل إسرائيل». وتؤكّد هذه اللوبيات أن «هذه ليست حرب إسرائيل، بل هي حرب أميركا، فَرَضَها ما يقرب من نصف قرن من العدوان الإيراني، وسفك الدماء، وأخذ الرهائن، والكراهية الأيديولوجية المُوَجّهة أوّلًا وقبل كلّ شيء نحو الولايات المتحدة». كما تستدعي هذه اللوبيات حديث التاريخ المُنتَقى بعناية، ويقولون: «لم تبدأ الجمهورية الإسلامية الإيرانية عداءها لأميركا بسبب إسرائيل، بل بدأ العداء منذ أيام الثورة الأولى عام 1979، في اللحظة التي استولى فيها رجال الدّين على السلطة، قبل وقتٍ طويلٍ من اتّهام أيّ رئيس أميركي حديث بالتصرّف بناءً على طلب إسرائيل. منذ اليوم الأوّل، عَرّفَ النظام نفسه من خلال كراهيّته للولايات المتحدة، واصفًا إياها بالشيطان العظيم، وجعل المواجهة مع أميركا ركيزة مركزية لهويّته الثوريّة». ولا يتوقّف هذا التيّار عن استدعاء أزمة رهائن السفارة الأميركية في طهران، وصولًا إلى ما يعتبرونه دعمًا إيرانيًا لهجمات أسفَرت عن تفجير ثكنات مشاة البحرية الأميركية في بيروت عام 1983، قُتِلَ فيه 241 جنديًا أميركيًا، إضافة إلى ما يرونه دورًا إيرانيًا من خلال تزويد الميليشيات المدعومة من إيران بقنابل توضع على جانب الطريق، قتلت وشوّهت مئات الجنود الأميركيين.
 *** 
ويتّهم اللوبي اليهودي مُعارضيه بأنهم، مع هذا السجلّ الإيراني المُعادي لأميركا، ما زالوا يصرّون على أن تحرّك ترامب العسكري جاء «من أجل إسرائيل». ومن بين الأصوات التي تُرَكّز إسرائيل على مُهاجمتها، شخصيات إعلامية نافذة مثل تاكر كارلسون، وكانديس أوينز، ونيكولاس فوينتس، وميجين كيلي، الذين رَوّجوا بشكل مباشر أو غير مباشر لسرديّة أن السياسة الأميركية تجاه إيران مدفوعة بمصالح إسرائيلية، وليس أميركية. ويكرّر أنصار إسرائيل أن الإيرانيين، على مدار ما يقرب من نصف قرن، لا يهتفون «الموت لإسرائيل» وحدها، بل يهتفون كذلك «الموت لأميركا» بحماسة مُماثلة. ويَدّعي اللوبي أن المُنتقدين الذين يَدّعون أن الحرب على إيران تهدف إلى حماية إسرائيل يتجاهلون النقطة الأساسية، وهي أنّ «أميركا تحمي نفسها»، إذ لا يمكن لأيّ دولة ذات سيادة أن تتسامح مع نظام قتَل مُواطنيها مرارًا، وهاجَم مصالحها، وأخَذَهم كرهائن، وفي الوقت نفسه يسعى نحو امتلاك القدرة النوويّة. وتدّعي إسرائيل أن أنصار تيّار «حرب إسرائيل» يهدفون إلى تشويه شرعيّة الهجمات الأميركية على إيران، وتحويل اللوْم بعيدًا عن المُعتدي الحقيقي، وهو النظام الإيراني. ولا يغيب عن سرديّات إسرائيل ولوبياتها الأميركية التطرّق إلى اتّهام مُنتقديها بتغذية الشك والانقسام، وبالطبع «مُعاداة السامية».
 *** 
وفي النهاية، من المُثير أن تتزامن الحرب الأميركية -الإسرائيلية الجارية على إيران مع ذكرى مرور عشرين عامًا على نشر كتاب «لوبي إسرائيل وسياسة أميركا الخارجية» لجون ميرشايمر وستيف والت في آذار/مارس 2006، والذي ركّز على الدور الذي تلعبه جماعات اللوبي اليهودي في تشكيل «الخطاب السياسي» و«السياسات» الأميركية تجاه إسرائيل. وبعد عشرين عامًا، لم تتغيّر سياسات واشنطن الداعمة لإسرائيل، مع استمرار هيمنة نفوذ اللوبي على دائرة صنع القرار الأميركي؛ إلّا أنه من المؤكّد أن اللوبي اليهودي لم يتوقّع أن تتغيّر السرديّات داخل الولايات المتحدة لتصل إلى درجة انحدار الدعم الشعبي الأميركي لإسرائيل، خاصّة بين الشباب الأميركي، بما يُبَشّر بتبِعات عبء دعم إسرائيل على المُرَشّحين من كلا الحزبيْن في السنوات القليلة القادمة.
(*) بالتزامن مع “الشروق” المصرية. 

 

2026-04-03 20:30:31 | 9 قراءة

مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية