التصنيفات » مقالات سياسية

إغلاق مضيق هرمز والتطلّع لـ"إعادة تموضع إسرائيل في عالَم الطاقة"

إغلاق مضيق هرمز والتطلّع لـ"إعادة تموضع إسرائيل في عالَم الطاقة"

30  مارس 2026
ياسر مناع
المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيليّة 

في ذروة الحرب بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، يتّسع مشهد المواجهة ليشمل الاقتصاد العالمي وممرّاته الحيويّة. في هذا السياق، يبرز مضيق هرمز كإحدى أهم أدوات الضغط الاستراتيجيّة التي تمتلكها إيران نظرًا لموقعه الحاكم في تدفّقات الطاقة العالميّة.  ومع تصاعد لَهَب المواجهة، يتحوّل إغلاق المضيق أو تعطيل الملاحة فيه إلى عنصر مركزي في مُعادَلَة الحرب. بينما تمتدّ التداعيات إلى الاقتصاد الدولي وسلاسل الإمداد العالمي. 
ضمن هذا الإطار، تتناول هذه المساهمة جانبًا من النقاش الإسرائيلي حول أهميّة مضيق هرمز وتأثير إغلاقه على الاقتصاد العالمي وعلى إسرائيل؛ كما تعرض الطروحات التي تنظر إلى هذا الإغلاق بوصفه فرصة لإعادة تموضع إسرائيل في سوق الطاقة الإقليميّة والدوليّة.
عقدة استراتيجيّة في الاقتصاد العالمي 
بادئ ذي بدء استَعرَضت معظم وسائل الإعلام الإسرائيلية أهميّة مضيق هرمز، إذ إنّه يُشَكّل إحدى أبرز نقاط الاختناق في الاقتصاد العالمي. وبيّنت قناة i24 NEWS أنّه يمرّ عبره يوميًا نحو 21 مليون برميل من النفط؛ أي ما يقارب خُمس الإمدادات العالميّة، إضافة إلى نحو ثلث تجارة الغاز الطبيعي المُسال. 
تتضاعف حساسيّة هذا الممر بسبب خصائصه الجغرافيّة، إذ لا يتجاوز عَرضُه في أضيق نقطة 33 كيلومترًا، بينما تنحصر ممرّات الملاحة في نحو 3.5 كيلومترات لكلّ اتجاه، ما يجعله نقطة ضعف قابلة للتعطيل بسهولة.
في السياق، أظهرت صحيفة غلوبس الاقتصادية أن تعطيل الملاحة في المضيق أثبت قدرته على التحوّل إلى أداة ضغط استراتيجيّة فعّالة. وأدّت التهديدات الإيرانية وزرع الألغام إلى تراجع حركة ناقلات النفط بنحو 70%؛ وهو ما تسبّب في ارتفاع الأسعار وخلق ضغوط اقتصادية وسياسية واسعة. في الوقت نفسه، تعتمد دول الخليج على هذا الممر لتصدير نحو 80% من عائداتها النفطيّة.
وتُظهِر المُعطيات الميدانية حجم هذا التأثير، إذ تُشير بيانات مجلّة "لويدز ليست" المتخصّصة في تتبع حركة السفُن إلى تراجع عدد السفُن العابرة للمضيق من نحو 60 - 70 سفينة يوميًا إلى ثلاث سفن فقط في الحدّ الأقصى. كما أنّ لجوء بعض السفُن إلى إطفاء أجهزة التتبّع أثناء العبور يزيد من صعوبة رصد الحركة بدقّة ويعكس مستوى المخاطر المرتفع في هذا الممرّ البحري.
وتُعَدّ شرق آسيا الأكثر تأثّرًا بأيّ إغلاق محتمل للمضيق. فمن أصل 19.2 مليون برميل نفط تمر يوميًا عبر هرمز، يتّجه نحو 16 مليون برميل إلى الأسواق الآسيويّة. ويُشَكّل النفط العابر عبر المضيق قرابة نصف واردات الصين النفطيّة. كما تُظهِر بيانات وزارة الطاقة الأميركية أنّ هذه التدفّقات تتوزّع على نحو 5.4 ملايين برميل يوميًا لكلٍ من الصين والهند، و2.1 مليون برميل إلى كوريا الجنوبية، و1.7 مليون إلى اليابان، إضافة إلى 1.6 مليون برميل إلى بقيّة دول آسيا.
في الواقع، يُنظَر إلى مضيق هرمز بأنه يُشَكّل نقطة ارتكاز مركزية في بُنية الاقتصاد العالمي، إذ تُتيح السيطرة عليه التأثير المباشر في تدفّقات الطاقة وأسعارها؛ حيث تكشف الأزمة الراهنة عن هشاشة النظام الدولي واعتماد أوروبا والعالم على ممرّات بحريّة ضيّقة ومُعَرّضة للتهديد. كما يوضِح أن البدائل المُتاحة، سواء عبر خطوط الأنابيب أو المسارات البديلة، محدودة القدرة وسهلة الاستهداف، ما يجعل تجاوز هذه العقدة مُكلِفًا وغير مضمون .
ترى الباحثتان تامي كينر وبنينا شرفيت باروخ من "معهد دراسات الأمن القومي" أن ما يجري في مضيق هرمز يعكس تحوّل تعطيل حريّة الملاحة إلى أداة ضغط استراتيجيّة فعّالة. وتوضِحان أن إيران نجحت في التأثير على أحد أهم مسارات التجارة العالميّة من دون إعلان إغلاق كامل، وفرضت بذلك مستوى مرتفعًا من الضغط على النظام الدولي.
في الوقت ذاته، ورغم تعارض هذه الممارسات مع قواعد قانونية واضحة - وفق الباحثتيْن - تسعى إيران إلى تأطيرها ضمن مبرّرات قانونية تمنحها غطاءً شكليًا. ورغم أن هذا السلوك يوفّر أساسًا قانونيًا قويًا لمساءلتها، فإن الردّ الدولي لا يزال محدودًا وحذرًا؛ غير أن هذا الخرق يفتح المجال أمام توسيع الانخراط الدولي من خلال إشراك دول إضافيّة في ضمان حريّة الملاحة، سواء خلال الحرب أو بعدها.
كذلك، يرى ميخائيل آيزنشتات وأساف أوريون من "معهد دراسات الأمن القومي" أيضًا، أن فتح مضيق هرمز وكسر السيطرة الإيرانية عليه يتطلّب مُقارَبَة مُرَكّبَة تجمع بين العمل العسكري والضغط الاقتصادي، إذ فشلت حتى الآن التهديدات والضربات المحدودة في تغيير سلوك طهران، التي طوّرت نظام عبور انتقائي يربط المرور بدفع رسوم، ويستخدم المضيق كورقة ضغط استراتيجيّة على الاقتصاد العالمي. 
يوضِح الباحثان أن خيارات مثل حماية القوافل أو استنزاف القدرات الإيرانية قد تخفّف التهديد مؤقتًا، لكنها مُكلِفة ولا تضمن أمن الملاحة بسبب تعدّد أدوات إيران، من الألغام إلى الصواريخ والمُسَيّرات. 
في المقابل، يقترح الباحثان نقل المعركة إلى المجال الاقتصادي عبر استهداف صادرات النفط الإيرانية، أو فرض قيود على وارداتها، إلى جانب خيارات تصعيديّة مثل تعطيل جزيرة خرج، مع الإقرار بأن كلّ هذه الأدوات تحمل مخاطر ردود انتقاميّة قد تشمل ضرب مُنشآت الطاقة في الخليج. ويخلص الباحثان إلى أنه لا يوجد حلٌ سريعٌ أو حاسم، وأن إيران تميل إلى إدارة صراع طويل يستنزف خصومها، ما يفرض على الولايات المتحدة وشركائها الجمع بين الضغط العسكري والاقتصادي وفتح مسارات دبلوماسية، مع الاستعداد لاضطرابات مستمرّة في أسواق الطاقة والملاحة العالميّة.
عَرَضَت غلوبس بتاريخ 22 آذار 2026 ثلاثة سيناريوهات رئيسة للتعامل مع إغلاق مضيق هرمز، تتدرّج من أدوات اقتصادية إلى خيارات عسكرية مباشرة. يتمثّل السيناريو الأوّل في استخدام آليّة السوق، عبر السماح المؤقّت بتدفّق النفط الإيراني لاحتواء ارتفاع الأسعار، ضمن محاولة إدارة الأزمة دون مواجهة مفتوحة. 
يقوم السيناريو الثاني على تصعيد الضغط من خلال التهديد باستهداف البنية التحتيّة للطاقة في إيران؛ بهدف دفعها إلى إعادة فتح المضيق تحت وطأة الكلفة الداخلية. أما السيناريو الثالث، فيتّجه نحو خيار عسكري مباشر يستهدف مفاصل التصدير، وعلى رأسها جزيرة خرج، بما يؤدّي إلى خنق القدرة النفطية الإيرانية، مع ما يحمله ذلك من مخاطر توسّع المواجهة.
في المقابل، فإن دراسة أعدّها مارك غونزينغر، وهو مسؤول سابق في البنتاغون، عام 2011، تُشير إلى أن الولايات المتحدة تحتاج أوّلًا إلى تحييد تهديد الصواريخ المنتشرة على امتداد الخليج العربي قبل أن تتمكّن من نشر سُفُنها لتنفيذ عمليّات إزالة الألغام التي قد تزرعها إيران في مضيق هرمز؛ وهي عمليّة قد تستغرق وقتًا.
إغلاق المضيق كـ "فرصة استراتيجيّة لإسرائيل" 
ترى إسرائيل أن إغلاق مضيق هرمز قد يُشَكّل فرصة لها، إذ عرض وزير الطاقة والبنية التحتيّة إيلي كوهين، في مقابلة مع 103FM  تصوّرًا يقوم على إمكانيّة تحوّل إسرائيل إلى محور مركزي في منظومة نقل الطاقة الإقليمية، كبديل للمسارات البحريّة المهدّدة. وأوضح أن هذا الدور يمكن تحقيقه عبر نقل الطاقة من الجهة الغربية للسعودية من خلال خطوط أنابيب قائمة، بما يُوَفّر مسارًا بديلًا لتدفّقها.
في تقييم اقتصادي، يرى أليكس زبجينسكي، كبير الاقتصاديين في شركة "ميتاف"، في تحليل نشرَته "غلوبس" بتاريخ 3 آذار 2026، أن إغلاق المضيق لن يُحدِث أثَرًا كبيرًا على المدى القصير بالنسبة لإسرائيل. ويوضِح أن اعتماد إسرائيل على الغاز المحليّ يخفّف من حجم التأثّر، مع استمرار عمل حقل "تمار" بكامل طاقته لتعويض توقّف حقْلي "ليفياتان" و"كاريش"؛ ويضيف أن زيادة إنتاج محطّات الفحم والاعتماد على مخزونات الديزل يعزّزان قدرة قطاع الطاقة على الاستمرار.
يرتبط هذا التقييم أيضًا بمسارات التوريد، إذ يصل جزء كبير من النفط عبر خط باكو تبليسي جيهان إلى تركيا ثم يُنقَل بحرًا، ما يُعيد طرح النقاش حول جدوى استيراد النفط الخام أو المشتقّات وفق اعتبارات تشغيليّة واقتصاديّة.
من زاوية استراتيجيّة، يرى الباحث حنان شاي ،من "معهد مسغاف"، أن أزمة مضيق هرمز تُمَثّل لحظة استراتيجيّة نادرة يجب استثمارها لإعادة تشكيل بُنية المنطقة، لا مجرّد إدارتها كأزمة طاقة. ينطلق هذا التصوّر من أن الحرب تفتح نافذة لتحويل الإنجاز العسكري إلى ترتيبات سياسية واقتصادية طويلة المدى تقوّض قدرة إيران على استخدام المضيق كأداة ضغط.
يربط شاي هذا الطرح بالسياق الأوسع، إذ يُشير إلى أن إيران قدّمت هجوم 7 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2023 بوصفه محاولة لإفشال مشروع الممرّ الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا؛ لكنه يُقَدّم قراءة مُعاكِسة مفادها أن الحرب قد تُسَرّع إنشاء هذا الممر بدَل تعطيله، خاصّة إذا ما جرى استثمار الأزمة الحاليّة لتطوير بدائل استراتيجيّة للمضيق.
ضمن هذا الإطار، يُطرَح مشروع ممر طاقة بريّ عبر خط أنابيب غاز يمتدّ من قَطَر إلى البحر المتوسّط مرورًا بالسعودية والأردن وإسرائيل، بوصفه نموذجًا لتقاطع المصالح. يوفّر هذا المسار حماية لصادرات الخليج، ويمنح إسرائيل موقعًا محوريًا، ويعزّز استقرار دول العُبور. تُشير التقديرات إلى أنّ تحقّق هذا المشروع قد يؤسّس لنظام إقليمي يمتد من الهند إلى أوروبا، ويُعيد توزيع مراكز القوّة الاقتصادية بعيدًا عن إيران. مع ذلك، تبقى هذه الفرصة محدودة زمنيًا في ظلّ احتمال تحرّك قوى إقليمية مُنافِسَة مثل تركيا، وطبيعة اللحظة السياسية المرتبطة بالحرب.
في السياق نفسه، يرى يهودا شاروني ،في صحيفة "معاريف"، أن تهديدات إيران بإغلاق مضيق هرمز تفتح مجالًا لإعادة صياغة موقع إسرائيل في سوق الطاقة العالمي استنادًا إلى أنّ المضيق يمر عبره نحو 20% من استهلاك الوقود العالمي، ما يجعل أيّ تعطيل فيه دافعًا للبحث عن مسارات بديلة. 
في هذا المقام - وفق شاروني - يبرز خط أنابيب إيلات عسقلان كخيار عملي لنقل النفط من الخليج إلى البحر المتوسّط عبر البحر الأحمر من دون المرور بالمضيق، ما يمنح إسرائيل بُنية تحتيّة جاهزة يمكن أن تدعم تحوّلها إلى ممر طاقة يخدم الأسواق الأوروبية.
كذلك، يرتبط تفعيل هذا المسار بعامل سياسي حاسم يتمثّل في التطبيع مع السعودية، إضافة إلى الحاجة إلى بيئة إقليميّة مستقرّة وعلاقات متقدّمة مع دول الخليج لضمان استمراريّة التدفّقات. كما يتقاطع ذلك مع حاجة أوروبا إلى تنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على روسيا، ما يمنح هذا المسار قيمة إضافيّة في حال توفّر الشروط السياسيّة والأمنيّة اللازمة.
في المقابل، يرى أمير أفيفي - رئيس حركة "الأمنيّون" -  أن أزمة مضيق هرمز لا تمثّل خطرًا فقط، وإنما تفتح فرصة مباشرة أمام إسرائيل لاستثمار مسار قائم وتحويله إلى بديل دولي لنقل الطاقة في الوقت ذاته. ينطلق هذا الطرح من اعتبار أنّ المضيق أصبح غير مستقرٍ أمنيًا وأنّ الاعتماد عليه ينطوي على مخاطر مستمرّة، ما يدفع السوق العالميّة للبحث عن بدائل موثوقة.
يطرح أفيفي مسارًا محدّدًا يقوم على ربط النفط القادم من الخليج عبر خط الأنابيب السعودي إلى البحر الأحمر، ثم نقله إلى إيلات، ومن هناك عبر خط إيلات عسقلان إلى البحر المتوسّط وصولًا إلى أوروبا. يؤكّد أنّ هذا المسار جاهز من حيث البُنية التحتيّة ولا يحتاج إلى إنشاءات واسعة، ما يجعله قابلًا للتفعيل السريع. ويرى أن قيمته تتجاوز الجانب الاقتصادي، إذ يضع إسرائيل في موقع مركزي داخل شبكة الطاقة العالميّة، ويمنحها دورًا في تأمين تدفّقات الطاقة، ويعزّز علاقاتها الإقليميّة، خاصة مع دول الخليج.
يُشير أفيفي إلى أنّ العائق الرئيس أمام تفعيل هذا المشروع كان داخليًا مُرتبطًا بالتنظيم والبيروقراطيّة والخلافات المؤسسيّة في إسرائيل، بالإضافة إلى اعتبارات بيئيّة في خليج إيلات. ويُقَدّر أن التقنيّات الحديثة تسمح بإدارة هذه المخاطر من دون تعطيل المشروع. ويرى أن اللحظة الحالية تمثّل فرصة محدودة زمنيًا؛ وذلك لأنّ استمرار الأزمة سيدفع لاعبين آخرين إلى تطوير مسارات بديلة، ما يعني أنّ عدم تحرّك إسرائيل قد يؤدّي إلى فقدان هذه المكانة المحتملة في سوق الطاقة العالميّة.

 

2026-04-14 01:00:06 | 10 قراءة

مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية