التصنيفات » دراسات

شرق اوسط جديد – قديم: الزعزعة في الشرق الاوسط وآثارها على اسرائيل*


بقلم: ميخائيل ملشتاين**
 مقدمة:
 جرب الشرق الاوسط في الاشهر الاخيرة زعزعات عميقة، بعضها لم يسبق له مثيل في خصائصها وقوتها. فالحديث عن واحدة من الزعزعات الأشد قوة التي حدثت في المنطقة منذ ان صيغت على صورتها الحديثة بعد الحرب العالمية الاولى. تصيب الزعزعة دولا كثيرة في المنطقة على نحو مفصل، لكن توحد الأحداث في الوقت نفسه وعلى خلفية متشابهة، وفي حين يقدم بعضها إلهاما لبعض، يمنحها صبغة موجة اقليمية واسعة. ليس واضحا الآن في أي مرحلة توجد الزعزعة وكيف ستتطور لكن يلاحظ انها قد غيرت وجه المنطقة.
 دُرة تاج الزعزعة هي الثورة في مصر. فهذه الدولة لا بسبب وزنها الجغرافي – السياسي على الصعيد الاقليمي والدولي فقط، بل بسبب المفاجأة الاستراتيجية التي أصابت بها الثورة كل الجهات التي تتابع ما يجري في المنطقة من المراقبين الخارجيين، من العالم العربي ومن الغرب واللاعبات المحلية ولا سيما نظام الحكم في القاهرة. إن التحولات الدرامية في مصر هي بقدر كبير صورة منعكسة لما يحدث في أكثر العالم العربي، انها تجسد تغييرا جوهريا في سلوك وقوة عدد من اللاعبات الرئيسات في العالم العربي وكذلك ظهور ظواهر وعناصر جديدة لم تكن معروفة حتى الآن أو أن معرفتها كانت محدودة.
 يلاحظ التغيير الذي وصفناه عند كل لاعب في المنطقة: نظم الحكم القديمة العظيمة القوة التي وصفت على نحو عام بأنها المعسكر المعتدل في الشرق الاوسط الذي يقوم الى جانب الولايات المتحدة ويساعد على تأسيس استقرار اقليمي، وقد أخذت توصف فجأة بأنها نظم استبدادية، ويبدو بعضها ضعيفا؛ وتبين ان الشارع العربي الذي اعتبر خاضعا وغير مكترث هو عامل ثائر عظيم التأثير، يستطيع ان يُغير نظاما استمر سنين، وتظهر الجيوش في العالم العربي التي اعتبرت بأنها تخضع تماما لسلطة نظم الحكم، تظهر استقلالا غير متوقع؛ والحركات الاسلامية التي وصفت على نحو عام بأنها التهديد المركزي لنظم الحكم في المنطقة تبين – في هذه المرحلة الحالية على الأقل – أنها منضبطة جدا؛ والاتحاد الاوروبي الذي أظهرت أكثر العضوات فيه على نحو عام تحفظا من استعمال القوة في الشرق الاوسط وقف مثل "رأس الحربة" في المعركة مع نظام حكم القذافي في ليبيا (بقيادة فرنسا!)؛ وتفاجئنا الولايات المتحدة بادارة ظهرها لحلفاء قدماء وتشهد بذلك على استخلاص محدود لدروس من سابقات الماضي. والى جانب التغييرات التي وقعت عند لاعبين قدماء، ظهر لاعبون جُدد عظيمو القوة على رأسهم الشبكات الاجتماعية الوهمية، ووسائل الاعلام العصرية وجمهور الشباب الذين كانوا عنصرا مركزيا في التطورات الاخيرة. إن جملة التحولات قد تشهد بالحاجة الى تغيير جزء من المفاهيم الأساسية ومن التصورات التي سادت حتى الآن بوصف الواقع والمسارات الأساسية في الشرق الاوسط.
 هدف المقالة تحليل خصائص الزعزعة في الشرق الاوسط برغم انها ما تزال في وضع تشكل. في هذا النطاق سنجري محاولة التعرف على تجديدات ثورية في التحولات الحالية تغير وجه المنطقة مع الاشارة الى آثار الماضي التي ما زالت توجد في المنطقة وتؤثر في صورتها.
بُعد الدولة:
نهاية عصر "الجمهوكية"
تبشر الزعزعة الاقليمية بقدر كبير بنهاية النظام الذي وجد في دول كثيرة في المنطقة وقام على التأليف بين عدة عناصر: زعيم قديم عظيم القوة، وحزب حاكم يسيطر على كل مستويات الحياة، وبيروقراطية مضخمة متشعبة تخدم مصلحة النخبة الحاكمة، وجيش قوي يظهر الولاء المطلق للحاكم. ضُعضع أكثر عناصر المعادلة أو ربما اختفت في الاشهر الاخيرة ويلاحظ عند بعضها سلوك مختلف.
 احدى الظواهر البارزة في الاحداث الاخيرة هي الخروج الواسع النطاق للجمهور في الدول المختلفة ثائرا على مؤسسات حكم قديمة عظيمة القوة. لوحظت هذه الظاهرة خاصة في نظم حكم ادعت مدة عشرات السنين بأنها تبشر باصلاحات في الصعيد الاجتماعي والسياسي والثقافي. وهي نظم حكم ظهرت في صبغة جمهورية في الظاهر، وقامت باعتبارها نقيضا ثوريا للملكيات التقليدية التي حكمت قبلها. لكنه مع مرور السنين أصبحت الجمهوريات الثورية نظم حكم فاسدة ينتقل الحكم فيها بالوراثة من الأب الى الابن. منحتها هذه الظاهرة اسم "الجمهوكية"، وهو مصطلح عربي يؤلف بين "جمهورية" و"ملكية". يختفي ممثلو هذا النظام بالتدريج: فقد خُلع رئيس مصر حسني مبارك وزين العابدين بن علي رئيس تونس القديم؛ ويجري القذافي حربا أهلية دامية يحاول الحفاظ على سلطته في ليبيا؛ وتتعرض مكانة زعماء آخرين في العالم العربي مثل رئيس سوريا بشار الاسد ورئيس اليمن علي عبد الله صالح لتحدٍ لم يسبق له مثيل. ولم تجرب نظم الحكم الملكية في المنطقة خاصة والتي تحظى على نحو عام بصورة سلبية بصفتها فاسدة عفنة، لم تجرب حتى الآن، اذا استثنينا حالة البحرين المتميزة، زعزعات مشابهة. قد يكون تفسير هذا أن نظم الحكم هذه لم ترفع منذ البدء شعارات ثورية ولذلك لم تُدفع الى ورطة تناقضات شديدة بين الرؤيا والواقع. والى ذلك، فان صبغة المجتمعات في هذه الدول ولا سيما في الخليج الفارسي أكثر محافظة على نحو عام، وهو أمر يُسهل على السكان مهادنة نظم الحكم ذات الصبغة القبلية – العائلية.
 وكانت الظاهرة المفاجئة الاخرى المتعلقة بادارات المنطقة وكشفت عنها الاحداث الاخيرة هي سلوك الجيوش العربية الذي شذ عن تصورها الذي ثبت في العقود الاخيرة. مال تحليل الماضي – ولا سيما منذ استقرار وضع نظم الحكم العربية في اثناء السبعينيات – الى وصف الجيوش بأنها الدعامة المخلصة المركزية التي تعتمد عليها نظم الحكم في المنطقة. إن سلوك الجيوش في مصر وتونس وفي ليبيا ايضا بقدر كبير يضعضع هذا التصور القديم. فالجيوش تعود الى مقدمة المنصة السياسية وتظهر استقلالا مفاجئا إزاء الحاكم وهي تحذر في عدد من الدول القيام بخطوات قمع لحركات الاحتجاج (بل إن جزءا من الجيش في ليبيا واليمن انضم الى حركة الاحتجاج). على أثر ذلك أصبح أكثر الجمهور في هذه الدول يتقبل الجيوش في مشايعة ويراها قوة تحافظ على المصالح الوطنية. تبرز المكانة المركزية للجيش في النظام الجديد ولا سيما في مصر حيث يُدبر الجيش امور الدولة منذ استقال مبارك والى أن تُجرى انتخابات ديمقراطية. في مقابلة هذا، فان الجيش في دول اخرى في المنطقة كسوريا أو الاردن أو البحرين يمثل مصالح أقلية حاكمة ويحظى لذلك منذ البدء بنظرة عداء من جزء كبير من الجمهور. من المعقول ان نفترض ان تظهر هذه الجيوش قدرا أقل من الصبر على نشوء حركات احتجاج واسعة النطاق في دولها إزاء ادراك قادة الجيوش ان تغيير وجه نظم الحكم سيقوض مكانتها ايضا. كان يمكن ان نجد أدلة أولية على هذا الافتراض في شكل القمع العنيف من قوات الامن في سوريا والبحرين للاحتجاجات الشعبية التي نشأت في هاتين الدولتين والتي جسدت في أساسها عداء لسلطة الأقلية فيها.
 في وضع عدم يقين يزداد، قد يعيد الجيش في العالم العربي بالتدريج ولو على نحو جزئي بناء التأثير الذي كان له في الماضي في الساحة السياسية. الجيش اليوم كما في الماضي ما زال العنصر الأقوى الأكثر تنظيما في أكثر الدول العربية. وفي هذا الوضع قد يصبح الجيش ايضا كابحا مركزيا للتيار الاسلامي ولا سيما اذا قوي هذا التيار على أثر انتخابات ديمقراطية. وهذا على نحو يشبه الطراز الذي كان سائدا في تركيا الى العقد الاخير حيث حافظ الجيش على الصبغة العلمانية للدولة وحدّ من تأثير الحزب الحاكم الاسلامي. هناك اتجاه عميق كشفت عنه الاحداث الاخيرة وأثبت ضعف نظم الحكم العربية وهو خفوت الاحزاب الحاكمة. كان هذا مسارا منذ سنين طويلة ويبدو أنه بلغ ذروته في الزعزعة الحالية. اعتمدت الاحزاب الحاكمة مع حكام "الجمهوكية" على ماض مجيد لكفاح من اجل التحرر القومي ولوحت بالوعد بثورة اجتماعية لكن انتهت الى ان أصبحت جهات فاسدة تحكمها نخب ضيقة. الشهادة المحسوسة على هذا الاتجاه هي انهيار الحزب الوطني الديمقراطي في مصر وحزب التجمع الدستوري الديمقراطي في تونس. سبق ذلك ضعف احزاب حاكمة اخرى في الشرق الاوسط: جبهة التحرر الوطني في الجزائر، وفتح في الساحة الفلسطينية وحزب البعث في العراق الذي حُطم بعد احتلال الولايات المتحدة للدولة في 2003. وفي هذا السياق، يمكن ان نتساءل ما هي قوة حزب البعث في سوريا وبأي قدر يستطيع ان يساعد نظام الحكم في دمشق على مواجهة تحديات مشابهة، يبدو في حالة سوريا الآن انها ستنشأ نشوءً أقوى إزاء التوتر الطائفي والديني العميق الذي يسود الدولة.
 البُعد الاجتماعي: أديمقراطية لا غربية؟
 ما الذي يريده المتظاهرون بالضبط، وما هي الرؤيا التي تقوم من وراء شعار "الشعب يريد اسقاط النظام"، الذي يهتف به الجمهور في الدول المختلفة؟ يمكن ان نقول الآن إن التحولات في مصر وتونس وليبيا، وكذلك الفوران المتواصل في مراكز اخرى في العالم العربي، تشهد بقيام مجتمع مدني نشيط مؤثر في جزء كبير من العالم العربي. كانت الثورة في تونس هي الاولى في العالم العربي، وكانت الثورة في مصر هي الأهم والأكثر تغطية اعلامية وكانت الثورة في ليبيا هي الأعنف بينها. مع ذلك ينبغي ان نؤكد ان المسارات لم تُستكمل: ففي مصر وتونس خُلع الحاكمان القديمان حقا لكن الدولتين ما تزالان يحكمهما الجيش، وهو ممثل النظام القديم، الى أن تُجرى انتخابات ديمقراطية؛ وفي ليبيا ما زال الحاكم القديم يحاول ان يصد الثورة بالقوة. على كل حال لم تظهر ظواهر كهذه في المنطقة الى اليوم اذا استثنينا الثورة في ايران. وعلى ذلك فقد اعتُبر الجمهور العربي على نحو عام غير ناضج لنظام سياسي عصري فضلا عن تدبير ديمقراطية سليمة. لكن بعد سنين كثيرة رسخ فيها مصطلح "أسطورة الشارع العربي" باعتباره تعبيرا يثبت استسلام الجماهير العربية، أثبتت هذه الجماهير وجودها الحقيقي وقدرتها على تغيير واقع قديم.
 مع ذلك يصعب أن نميز على وجه الدقة القوة الشعبية الصاعدة. إن الباعث المركزي على حركة الثورة شباب من المدن من أبناء الطبقة الوسطى والطبقة الدنيا الذين جمعوا مدة سنين كثيرة غضبا عظيما على الواقع الذي يسود المنطقة كلها.
 مصادر الغضب هي الضائقة الاقتصادية الطويلة، وفساد نظام الحكم، وتقييد النشاط السياسي والعدوان على حقوق الانسان. هؤلاء الشباب هم عنصر سكاني مركزي من سكان المنطقة. اكتسب كثيرون منهم ثقافة اكاديمية عصرية لكن يصعب عليهم ان يجدوا عملا أو عملا يلائم ثقافتهم. وفي المجال الاجتماعي يظهر لهم ما يجري في الغرب ويشعرون باغتراب إزاء النظام السياسي والاجتماعي الذي يحيط بهم. يتجه كثيرون منهم الى الاسلام باعتباره ملاذا من الضائقات الشديدة. إن اجتماعهم الجماهيري في ميادين المدن في العالم العربي وفي ايران واستعدادهم لمجابهة نظام الحكم طالبين التغيير يُعبران عن ذروة مسارات عميقة عظيمة القوة في الصعيد الاجتماعي والثقافي والسكاني في أرجاء الشرق الاوسط كله.
 لكن القوة الكبيرة لموجة الثورات تجسد مشكلة أساسية بارزة ايضا. إن هذه الموجة تتغذى من التأليف بين عدد كبير من أشواق التغيير ذات الصبغة العامة جدا من غير برنامج عمل منظم متفق عليه بين جميع العناصر المشاركة في الثورات. ينبع جزء كبير من الاحتجاج الحالي من بواعث اقتصادية بارزة، امتزاجها مع مصادر الفوران السياسي هو مصدر قوة موجة الزعزعات الحالية. والى ذلك تتغذى الموجة الثورية التي تدعي رفع صبغة نضال متقدم عصري من اجل الديمقراطية، بتوترات ذات صبغة تراثية – دينية أو طائفية أو قبلية. ففي ليبيا مثلا حيث كان مركز الاحتجاج على نظام حكم القذافي في اقليم كرينايكا، وكان من جملة اسباب ذلك الخصومات القبلية والمناطقية مع نخبة اقليم طرابلس؛ وفي البحرين – تعير حركة الاحتجاج في أساسها عن صراع بين الأكثرية الشيعية (وهي 80 في المائة من سكان الدولة) وبين الأقلية السنية الحاكمة (إن دخول الجيش السعودي الى البحرين في محاولة حماية نظام الحكم فيها قد جعل الازمة ساحة صراع واسعة بين العالم العربي السني وبين ايران خاصة والشيعة عامة)؛ وفي اليمن – تطور الهتاف من اجل اصلاح نظام الحكم ليصبح طلبا من سكان اقليم عدن ان ينفصلوا عن الدولة وينشئوا من جديد دولة مستقلة كما كانت الحال حتى سنة 1990؛ وفي السعودية ايضا حيث تطور الاحتجاج الشعبي في الأساس في مراكز السكان الشيعة شرقي المملكة.
 فتحت الموجة الثورية في العالم العربي اذا "صندوق المفاسد"، الذي انطلقت منه التوترات الخفية والظاهرة في دول المنطقة. في ضوء ذلك ينبغي ان نحذر من تعريف الاحداث بأنها تعبير عن "عطش للحرية" أو انها تجسيد لثورات ديمقراطية كتلك التي حدثت في الكتلة الشيوعية في نهاية الثمانينيات – وهذا تصور تحاول تثبيته أكثر حركات الاحتجاج في العالم العربي. اجل ان الديمقراطية تحتل مكانا مركزيا من مطالب حركات الاحتجاج لكنها واحدة منها فقط وليست بالضرورة الأكثر تبلورا فيها.
 تبرز في هذا السياق حقيقة ان الشوق الى الديمقراطية ليس مصحوبا بالضرورة بسعي الى تمغرب في الجانبين الثقافي أو الفكري. بالعكس، ان جزءا من العناصر التي تدفع قُدما بالاحتجاج الشعبي في العالم العربي اليوم وليست هي من بين التيار الاسلامي وحده، تُعادي في أساسها الغرب عامة والولايات المتحدة واسرائيل خاصة. ونذكر في هذا السياق الفصل المتكلف الذي يقوم به بعض المحللين الغربيين بين جمهور الشباب الذي يحرك أكثر حركات الاحتجاج وبين العناصر الاسلامية التي تندمج فيه. إن الواقع يضلل كثيرا في هذا السياق أكثر من مرة: إن جزءا كبيرا من الشباب الذين يملأون الشوارع اسلاميون والقدرة على تنفيذ فصل واضح بين "احتجاج علماني" و"احتجاج ديني" ليست قائمة بالفعل. إن المراقب الخارجي ولا سيما الغربي يحتاج اذا الى إبداء الحذر في تحليله للتطورات الحالية. لا شك في ان الاحتجاج شعبي وأصيل وأن أحد أهدافه المركزية هو تأسيس ديمقراطية. لكنه لا يُعبر عن شبه يزداد للرأي العام في مجتمعات العالم العربي بما يوجد في الغرب وليس الحديث الآن عن تطور "معسكر سلام" بحسب المفاهيم المعروفة في الغرب وفي اسرائيل. والى ذلك فان صوت الجمهور في الوقت الحالي هو بقدر كبير صوت شبكة "الجزيرة" ذات النهج المعادي لاسرائيل وامريكا. إن بغض مبارك مثلا ينبع من الجمع بين الفساد الذي تفشى في الادارة وحقيقة ان الرئيس المصري ربط مصيره بالولايات المتحدة واعتُبر حاميا للتسوية السياسية مع اسرائيل.
 للعنصر الاسلامي دور مركزي لكنه مفاجيء بقدر كبير، في الاحداث الاخيرة. لم يتحقق الكابوس القديم عند العالم الغربي ونظم الحكم العربية من انقلاب عنيف في الحكم بقيادة المنظمات الاسلامية. بدل هذا لوحظ ان هذه المنظمات ولا سيما حركة الاخوان المسلمين في مصر لا تحاول استغلال الزعزعات للسيطرة بالقوة على الدول بل تفضل طرقا أكثر ليونة وحذرا لتحقيق السيطرة على نظام الحكم. من المعقول ان نفترض ان هذه العناصر يحركها ادراك ان السيطرة العنيفة كانت ستؤدي بها الى مواجهة مع نظام الحكم، وجها لوجه، وكان سيناريو كهذا سيُسهل على نظام الحكم ان يأخذ بخطوات قوية لقمع الاحتجاج الشعبي بل ليحظى بتفهم من الجمهور المحلي والجماعة الدولية التي ما تزال تظهر شكا عميقا في العناصر الاسلامية. تأخذ أكثر العناصر الاسلامية اذا بموقف معتدل جدا وذلك بحسب روح "الصبر"، وهو مبدأ أساسي في نظرية الاخوان المسلمين. فهم في مصر وتونس مثلا يندمجون في الاحتجاج الشعبي ويحظون باعتراف لم يسبق له مثيل من الادارات المحلية ومن الجماعة الدولية، وهم في الأساس يحثون استعداداتهم للانتخابات المتوقع ان تُجرى في هذه الدول. وفي هذا الاطار تقف المنظمات الاسلامية ولا سيما حركة الاخوان المسلمين في ظروف انطلاق جيدة نحو تحديات المستقبل لان لها جهازا تنظيميا كبيرا وناجعا؛ وهي تتمتع بتأييد جماهيري واسع ينبع من جملة ما ينبع منه من استعمال شبكة متشعبة قديمة من مؤسسات المساعدة الاجتماعية؛ وعقيدتها تسحر أكثر أبناء هذه المنطقة منذ عشرات السنين؛ ويحظى سلوكها بتقدير الجمهور بل يقوى في أعقاب عودة فريق من كبار مسؤوليها الى دولهم بعد سنين من الجلاء (مثل يوسف القرضاوي الفقيه المصري الكبير التأثير الذي يشبه أبا روحيا لحركة الاخوان المسلمين في العالم العربي كله، وراشد الغنوشي زعيم الحركة الاسلامية في تونس). يتميز أكثر عناصر المعارضة غير المتدينة في العالم العربي بجدوى تنظيم وجذب فكري أقل كثيرا مما للعناصر الاسلامية، وعلى ذلك سيصعب عليها في المرحلة الحالية على الأقل ان تعرض بديلا حقيقيا عن نظام الحكم الذي انهار وأن تكون تحديا للتيار الاسلامي.
 هناك ظاهرة اجتماعية مركزية اخرى عبّرت عنها الاحداث الاخيرة وهي تتجاوز النطاقين السياسي والجماهيري وهي التأثير العظيم لوسائل الاعلام الحديثة. إن القوة التي أخذت تزداد للشبكة العنكبوتية وشبكات الاتصال العربية وعلى رأسها "الجزيرة" على ما يحدث في المنطقة عبّرت عنه أحداث في الماضي ايضا. كان التعبير الأبرز عن ظاهرة شركات الشبكة الوهمية الصدام في ايران في صيف 2009 بين حركة الاحتجاج الجماهيري في الدولة والادارة الاسلامية بعد انتخابات الرئاسة في الدولة. جرى تنظيم جزء من المسارات العظيمة القوة التي لم يسبق لها مثيل لحركة الاحتجاج وما زالت تُدبر اليوم ايضا بواسطة الشبكات الوهمية. وقد جرى التعبير عن قدرة "الجزيرة" على اثارة حماسة الشارع العربي في اوقات الصراع بين القوى غير العربية والعالم العربي خاصة، كما في انتفاضة الاقصى وفي المعركة الامريكية في العراق، وحرب لبنان الثانية وفي عملية "الرصاص المصبوب". في جميع هذه الحالات شجعت الشبكة فورانا اجتماعيا كان مصحوبا بانتقاد عجز وعدم اكتراث النظم العربية إزاء المس الذي تعرض له العالم العربي والاسلامي. عبّرت وسائل الاعلام الحديثة عن كامل قوتها في الزعزعة الحالية. ففي شبه تعاون غير مخطط له بذلت الشبكات الاجتماعية الوهمية الاطار التنظيمي لحركات الاحتجاج في حين أن شبكة "الجزيرة" القطرية تولت صوغ الشحنة الفكرية للثورات وتعمل مثل حافز يُعد لخروج الجماهير على نظم الحكم. إن التأليف بين هذين العنصرين سبّب تحييد قدرة نظم الحكم على فرض النظام وسيطرتها على عرض صورة الواقع نحو الداخل والخارج. مكّنت الظاهرة الجديدة الجمهور العريض من الاجتماع ونقل المعلومات والتخطيط لمسارات فوق رؤوس نظم الحكم. يبدو ان نظم الحكم القديمة في المنطقة، ولا سيما "الجمهوكيات" التي يشغل قياداتها في أكثرها أبناء الجيل القديم لم تعرف معرفة عميقة نوعية الشبكات وجوهر الاعلام الحديث. فقد صعب عليها ان تلاحظ قوتها وايقاع نشاطها السريع الذي عبرت عنه تطورات ثورات واسعة النطاق خلال ايام معدودة. دأب هؤلاء القادة سنين طويلة على تطوير قدرة على مجابهة تهديدات عرفوها في الماضي مثل هجمات ارهابية وغزو اجنبي وتمرد وانقلابات عسكرية. ووقف أكثرهم عاجزين إزاء اجتماع الجماهير في مراكز المدن الكبيرة على نحو أصاب مراكز السلطة بالشلل. لكن يكمن في أساس قوة الظاهرة الجديدة ضعفها الأساسي ايضا بقدر كبير. إن الحراك الجماهيري العظيم القوة الذي تنشئه وسائل الاعلام والشبكات الاجتماعية الوهمية ليس مصحوبا على نحو عام بقيادة ذات مؤسسات وتخطيط منظم لاجراءات وبرنامج عمل مصوغ. وكل ذلك أسس ضرورية لصوغ بديل حقيقي عن النظام الموجود.
 برهن الجمهور في العالم العربي اذا في أكثر الحالات على قدرته على ان يعمل مثل مجتمع مدني تحركه في الجزء الأكبر قوة الشوق الى الحرية. وقد اجتمع على نظم حكم كريهة بل أسقط عددا منها. وقد أثبت الجمهور في عدد من الدول في السنين الاخيرة قدرة على اجراء انتخابات ديمقراطية حقيقية. لكن الثبات الكامل لامتحان الديمقراطية لا يقاس فقط بحالات تطرف ثورات أو انتخابات بل في المراحل الطويلة لوجود نظام ليبرالي زمنا طويلا. سيتم التعبير عن نضج الجمهور العربي للديمقراطية بالقدرة على تدبير ساحات مفتوحة لمختلف الآراء واستعداد كل نظام حكم يحكم فيها لاقامة قواعد اللعبة الديمقراطية. والى اليوم أظهرت تجربة اللعبة الديمقراطية في الشرق الاوسط شكوكا عميقة في هذه الامكانية، ففي كل دولة في المنطقة تقريبا جرت فيها انتخابات ديمقراطية سليمة في العقدين الاخيرين حظيت القوى الاسلامية بنجاح كبير. هذا ما كان في الجزائر وفي السلطة الفلسطينية وفي تركيا. ولا تُظهر هذه العناصر مشايعة طبيعية للفكرة الديمقراطية بمعناها الغربي فضلا عن الاستعداد لاقامة مجال سياسي واجتماعي تعددي. والى ذلك لا يبشر توليها السلطة بالضرورة بكف جماح مواقفها. انها تلقى عوامل قسرية أكثر مما كان في الماضي حينما تصبح ذات سيادة، لكنها لا تشعر بضرورة تغيير جوهرها العقائدي التقليدي في السياقين الداخلي والخارجي. إن التحولات الاخيرة توجب على المراقب الغربي اذا ان يحذر من تبني تصورات مأخوذة من تصوره العام لوصف ما يجري في الشرق الاوسط. إن موجة احتجاج الشباب والدعوة الى اسقاط الحكام المستبدين ليستا بالضرورة ما يعرفه الغرب من تجربته في الماضي أو يطمح الى رؤيته في الشرق الاوسط. وهما ليستا تعبيرا عن التمغرب أو العلمانية أو التعدد الفكري، وليستا بيقين تعبيرا عن صوغ "معسكر سلام" يسعى الى مصالحة أعداء العالم العربي والاسلامي وعلى رأسهم اسرائيل والولايات المتحدة. فهو طموح الى نظام ديمقراطي مختلف مقطوع بقدر كبير عن التعريفات الكونية أو الغربية، والى تغيير أساسي ما يزال جزء كبير من الباعثين عليه يستصعبون رسم صورته الدقيقة.
 البُعد الاقليمي: هل تم تبرئة معسكر المقاومة من الفساد؟
 في النظرة الاولى وليست هي مخطئة بالضرورة، يبدو أن الزعزعة الحالية هي في الأساس لمصلحة معسكر المقاومة في الشرق الاوسط، الذي تقوده ايران وأنها تعمل في غير صالح المعسكر المعتدل في المنطقة. ويبعث على ذلك عدة اسباب: فالزعزعات تصيب في الأساس دول المعسكر المعتدل وعلى رأسها مصر التي هي كابح مركزي لمعسكر المقاومة؛ وتبدو الولايات المتحدة في هذه المرحلة على أنها دعامة هشة بالنسبة لحليفاتها وانها "بلا أسنان" في مواجهة أعدائها في المنطقة وهو امر يضعف أكثر مكانتها في الشرق الاوسط؛ وفي الاحداث الاخيرة طاقة كامنة على تعزيز المعسكر الاسلامي في المنطقة ولا سيما في مصر؛ وانحصار العناية الدولية في التحولات في العالم العربي يصرف الانتباه العالمي ولو لأجل محدود عما يجري في ساحات مشتعلة اخرى في المنطقة وعلى رأس ذلك قضية الذرة الايرانية. ليست الزعزعة بطبيعة الامر ثمرة مبادرة معسكر المقاومة لكنها تساعد على تثبيت هيمنته على المنطقة وتزيد في عمق ضعف المعسكر المعتدل الذي أخذ ينحل في واقع الامر.
 ومع ذلك يبدو انه يوجد عند عناصر معسكر المقاومة ايضا خوف كبير من تفشي موجة الاحتجاج الشعبي نحوها. يبرز في هذا السياق على نحو خاص تطور حركة الاحتجاج في سوريا المصحوبة بمجابهة عنيفة بين النظام والجمهور وتتغذى برواسب العداوة العميقة بين الأكثرية السنية والأقلية العلوية الحاكمة؛ والتأجيج من جديد لحركة الاحتجاج في ايران بالهام مما يجري في العالم العربي (وإن يكن النظام الاسلامي ما يزال يحكم بقسوة)، وتعاظم الفوران الشعبي الموجه على حزب الله في لبنان. إن القيادات في معسكر المقاومة، على خلاف مصر أو تونس، مستعدة كما يبدو لاستعمال قوة كبيرة من اجل قمع الفوران الاجتماعي داخلها لانه يُرى بحسب رأيها تهديدا وجوديا حقيقيا لها.
 على كل حال تأتلف التطورات الاخيرة مع التحليل الاستراتيجي الواسع الذي تقوم به عناصر المقاومة منذ زمن وينفخ فيها تفاؤلا نسبيا فيما يتعلق بالمستقبل. في الخلفية عدة تحولات أساسية: التقارب التدريجي بين تركيا بقيادة الحزب الاسلامي ومعسكر المقاومة مع ضعضعة تدريجية لعلاقاتها الاستراتيجية مع اسرائيل؛ وعدم الاستقرار المزمن الذي ما زال يميز العراق ولا سيما بعد خروج أكثر القوات الامريكية منه، وهو وضع تراه عناصر المقاومة فرصة لتثبيت التأثير في هذه الساحة؛ وضعف الولايات المتحدة الذي أخذ يزداد في المنطقة والذي ينبع في ضمن ما ينبع منه من عدم نجاحها المستمر في تثبيت استقرار في مراكز عملها ولا سيما افغانستان والعراق. لكن يبدو بنظرة أوسع ان الزعزعة في المنطقة ولا سيما الثورة في مصر – قائدة العالم العربي منذ سنين كثيرة – هي لبنة مركزية في مسار طويل لضعف العالم العربي واستقواء القوى المحيطة غير العربية بالمنطقة. هذا المسار مستمر منذ عشرات السنين ولا سيما منذ انهارت فكرة القومية العربية في أواخر الستينيات من القرن الماضي، وبلغ ذروته في العقد الاخير الذي وقعت فيه عدة ازمات صادمة بالنسبة للعالم العربي. كانت الازمة الرئيسة احتلال الولايات المتحدة للعراق واسقاط نظام صدام حسين العظيم القوة الذي كان درعا مركزية للعالم العربي السني في وجه أعدائه وعلى رأسهم المعسكر الشيعي بقيادة ايران.
 إن الزعزعة الحالية تسبب انطواء أكثر اللاعبين العرب داخل دولهم وبهذا يزداد عدم قدرتهم على توحيد أنفسهم والعمل مثل جماعة. أما الفراغ الذي نشأ فتملؤه بالتدريج قوى غير عربية على أطراف العالم العربي وعلى رأسها ايران وتركيا واسرائيل. فهذه تُعمق بالتدريج تأثيرها في ساحات رئيسة في المنطقة وعلى رأسها العراق والخليج الفارسي والساحة الفلسطينية ولبنان ومنطقة البحر الاحمر. قد ترى هذه اللاعبات ولا سيما ايران الزعزعة الاقليمية فرصة لتعميق آخر لتأثيرها في الساحات التي تجري عليها زعزعات قوية مثل مصر وشمال افريقيا أو شبه الجزيرة العربية.
 البُعد الدولي: "مورثات جينية عربية" و"مورثات جينية امريكية"
 خُصصت تحليلات كثيرة في الساحة الدولية في الاشهر الاخيرة لوصف الخطأ وعدم الفهم الأساسيين الكامنين في رد الولايات المتحدة على الزعزعة في الشرق الاوسط، وقد صُرف انتباه خاص الى التخلي عن مبارك وهو من أهم حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، من اجل تأييد مثال دفع الديمقراطية الى الأمام في كل منطقة في العالم من غير حساب ظروفها الخاصة وحتى لو كان ذلك من مصلحة عناصر تعادي الغرب في الأساس.
 شبّه كثيرون سلوك اوباما بسلوك الرئيس جيمي كارتر نحو شاه ايران عشية الثورة الاسلامية. ففي نهاية السبعينيات حاول الشاه ان يصد مقدمات الثورة التي نشأت في الدولة لكن ضغط الولايات المتحدة اضطره الى ان يُليّن يده القاسية، وسبب ذلك اضرارا شديدا بصورته في الداخل وتقليلا ملحوظا لثقته بنفسه في مواجهة المعارضة. الى جانب الماضي البعيد يُثار تساؤل يتعلق بعدم تعلم الولايات المتحدة من تجربة الماضي القريب مثل: الضغط على مصر لاجراء انتخابات نزيهة في سنة 2005 وهي التي عززت قوة الممثلين الموالين للاخوان المسلمين في مجلس الشعب المصري؛ وتأييد الولايات المتحدة لاجراء انتخابات حرة في السلطة الفلسطينية في سنة 2006 بمشاركة حماس وهي التي مكّنت من سيطرة الحركة على الادارة الفلسطينية.
 أخذت الادارة في واشنطن من الزعزعة الاقليمية بموقف مغروس عميقا في التصور العام الامريكي المشترك بين جميع الادارات في واشنطن. وهو تصور يعبر عن مناصرة لكفاحات شعبية من اجل الحرية، وايمان لا يهتز بانتصار الديمقراطية في كل منطقة في العالم. يمكن ان يكون قد اندمج في اجراءات واشنطن في ضمن ما اندمج فيها، ان النهج الجديد – القديم قد يعيد بناء الصورة السلبية التقليدية للولايات المتحدة في نظر الجماهير في الشرق الاوسط، بل كان في الولايات المتحدة من حاولوا تطوير هذه النقطة بزعم ان مصادر موجة الثورات الحالية في العالم العربي هي في اسقاط الامريكيين لنظام صدام حسين. وقالوا ان اسقاط واحدة من الجمهوكيات الأقوى في العالم العربي والاعتقال المغطى اعلاميا لصدام حسين أفضيا الى الانحلال التدريجي لحاجز الخوف عند الجماهير العربية من نظم حكمها وهو مسار بلغ ذروته في الاشهر الاخيرة. لكن يبدو الآن ان اجراءات واشنطن أحرزت نتيجة عكسية: ففضلا عن ان الولايات المتحدة لا تحظى بالولاء أو بالاعتراف بالجميل بسبب وقوفها الى جانب الاحتجاج الشعبي عمّقت التصور الذي يراها جهة انتهازية انتفاعية، تُثور ما يحدث في العالم العربي، وفي الوضع الذي دُفعت اليه الولايات المتحدة تكاد تكون كل خطوة تخطوها نحو الاحداث في المنطقة، تُفسر تفسيرا سلبيا في نظر العالم العربي: إن التدخل في الاحداث يُعد تعبيرا عن سياسة عدوانية تنبع من اهتمام بمصالح اقتصادية في حين ان عدم التدخل يُعبر عن نفاق القوة العظمى الذي ينبع ايضا من بواعث مادية (ولا سيما الخوف من ارتفاع اسعار النفط العالمي). تمسك اوباما محصورا بين الخيارات المعقدة بالامتناع في الأساس من تورط امريكي بتدخل بري كما برز ذلك في ليبيا. وذلك في الأساس بسبب طموحه الى الامتناع من اجراء يُعمق الاضرار بمكانته في الساحة الداخلية.
 إن سلوك الادارة يسبب الآن كما يبدو ضررا استراتيجيا للولايات المتحدة وذلك في حين أخذ تأثيرها يقل في الشرق الاوسط. يؤثر سلوكها في ثقة حليفاتها في المنطقة بأنفسها وفي ثقتها بالولايات المتحدة باعتبارها دعامة استراتيجية – لا في مجابهة التهديدات الخارجية كايران بل في مجابهة تحديات داخلية ايضا. وكل هذا في حين تواجه الادارة الامريكية مشكلات هي ملزمة من اجل حلها ان تجند حليفات اقليمية وهذه المشكلات هي: اقرار الوضع في العراق؛ والقضاء على الجهاد العالمي في افغانستان؛ وزيادة الضغط الدولي على ايران. إن التباشير الاولى للمس بمكانة واشنطن تظهر في السعودية التي يلوح انها أصبحت بسبب التحولات الاخيرة زعيمة المعسكر العربي المعتدل. يبدو ان قادتها لم يُعلموا الادارة في واشنطن سلفا بشأن ادخال جيشها في البحرين (آذار 2011)، بل ألغوا في الاسابيع الاخيرة زيارة متوقعة لوزيرة الخارجية الامريكية ووزير دفاع الولايات المتحدة الى المملكة.
 يوجد تجسيد يثير الاهتمام للتفسير الاشكالي من الادارة الامريكية لما يجري في الشرق الاوسط في تحليل فؤاد العجمي الذي نشر قبل شهر فقط من نشوب التحولات في المنطقة. فقد اعترف العجمي في مقالته "البقاء العجيب لنظم الحكم العربية الاستبدادية" انه قبل نصف عقد قدّر ان يخطو العالم العربي برعاية الادارة الامريكية نحو عصر "ربيع ديمقراطي". وقد سحرته سحرا خاصا الاحداث التالية: "ثورة الأرز" في لبنان على أثر مقتل رفيق الحريري التي أفضت الى انسحاب قوات سوريا من الدولة؛ والانتخابات الحرة الاولى لمجلس النواب والرئاسة في العراق في سنة 2005؛ والضغط الذي بدأ في مصر من اجل اصلاحات سياسية في نصف العقد السابق. وبعد نصف عقد كما يقول لم تعد الرؤيا لامعة جدا: فالعراق بعيد عن ان يكون ديمقراطية مستقرة، تكون قدوة تُحتذى من دول المنطقة؛ والتحولات الدرامية في لبنان ابتلعتها موجة الحرب التي دهور حزب الله الدولة اليها في سنة 2006؛ وانشقت الادارة الفلسطينية الى اثنتين. بحسب وجهة نظر العجمي، أفضت النتائج المعوجة للتجربة الديمقراطية في العالم العربي بالعرب وبواشنطن الى الرجوع عنها في هذا الوقت. وذلك عن فهم ان المنطقة غير ناضجة لمحاولات كهذه وان دفعها الى الأمام قد يضعضع الاستقرار فيها. يبدو اذا ان خبيرا ذا جلالة مثل العجمي لم يُقدر تقديرا صحيحا الضعف الأساسي لأكثر النظم الاستبدادية وقوة الحماسة الشعبية للتغيير، لكنه لم يُقدر ايضا استعداد الولايات المتحدة لمعاودة التمسك بفكرة تأسيس ديمقراطية في المنطقة مع تجاهل تعقيدها.
 خلاصة واستشراف المستقبل
 وجهة النظر الاسرائيلية: طاقة كامنة على تحولات الظروف الاستراتيجية
 أصبح للتحولات في الشرق الاوسط عامة وفي مصر خاصة الآن معان استراتيجية ثقيلة الوزن من وجهة نظر اسرائيل:
 أ. تقوم في المركز مسألة استقرار اتفاق السلام مع مصر – وهو أساس استراتيجي عظيم الأهمية بالنسبة لاسرائيل، أُسس عليه جزء كبير من تصورها الأمني في العقود الثلاثة الأخيرة. إن كل تغيير لنظام الحكم، ولا سيما امكانية زيادة قوة حركة الاخوان المسلمين، يجسد طاقة كامنة على تغيير تصور اسرائيل الأمني. في الأمد القصير وما ظل جيش مصر يسيطر على الادارة في الدولة، يبدو ان اتفاق السلام سيظل مستقرا، لكن اسرائيل ملزمة من جهتها بمتابعة حريصة لآثار الوضع الداخلي في مصر على سياستها الخارجية وتصورها الامني ولا سيما بعد الانتخابات المرتقبة في الدولة في نهاية السنة الحالية كما يبدو.
 ب. صرف الانتباه العالمي، ولا سيما انتباه الولايات المتحدة، الى ما يجري في العالم العربي، أصبح يصرف الانتباه عن قضايا اخرى ذات أهمية استراتيجية بالنسبة لاسرائيل وعلى رأسها الذرة الايرانية. والى ذلك فان الزعزعة التي جربتها المنطقة قد تزيد في عمق صدود عدة دول عن ان تخطو خطوات مضادة لايران في الصعيدين الاقتصادي والسياسي فضلا عن العسكري خوفا من ان تزيد في عدم الاستقرار الاقليمي.
ج. فيما يتعلق بمعسكر المقاومة – يبدو انه يستمد تشجيعا كبيرا من ضعف نظم الحكم العربية المعتدلة والحيرة العميقة التي دُفعت اليها الولايات المتحدة. قد ترى عناصر المقاومة في هذا منفذا الى مجالات عمل أسهل في جميع الصعد وفي ضمنها العسكري، وفرصة لتعميق تأثيرها في دول المنطقة التي هي الآن في مرحلة صوغ من جديد. فقد أصبحت تحاول الآن الفحص عن مجال عملها بواسطة ارسال السفينتين الحربيتين الايرانيتين الى البحر المتوسط مثلا (شباط 2011) أو محاولات نقل ارساليات وسائل قتالية من ايران الى قطاع غزة بمسارات بحرية وبرية (آذار 2011). في مقابلة هذا – قد تضر ضعضعة سلطة بشار الاسد في سوريا بقوة ووحدة معسكر المقاومة عامة وبتأثير ايران في المنطقة خاصة. في سيناريو يقترب فيه نظام بشار الاسد من نهايته قد تدفع بعض العضوات في معسكر المقاومة بالتصعيد مع اسرائيل في محاولة لمنع انهيار نظام البعث في دمشق.
د. في الساحة الفلسطينية. قد تُعمق الزعزعة الاخيرة الشعور بالازمة الاستراتيجية التي يخضع لها نظام أبو مازن ولا سيما إزاء فقدان حليف اقليمي عظيم القوة في صورة نظام مبارك والشكوك العميقة التي تثور في استقرار الدعامة الامريكية. كل هذه التوجهات تصب في مصلحة حماس التي تشعر – مثل سائر العناصر في معسكر المقاومة – بأن التحولات في المنطقة تصب في صالحها ولا سيما ضعف النظام المصري الذي استعمل ضغطا ثقيلا على سلطة حماس في القطاع، وامكانية ان يقوي الاخوان المسلمون، وهم الحركة الأم لحماس، مكانتهم في الادارة المصرية. في هذا الوضع يبدو أن أبو مازن يخشى مصيرا يشبه مصير مبارك. ولمنع هذا السيناريو يتخذ في الشهور الاخيرة اجراءات ترمي الى كسر الجمود في التفاوض مع اسرائيل وفي الحلبة الداخلية: فهو يوميء الى نية الدفع قدما باتصالات المصالحة مع حماس ويقدم اجراءات دولية لضرب اسرائيل. في النظر الى المستقبل يغلب على الظن ان تحاول ادارة أبو مازن ان تدفع الى الأمام بخطوات أكثر جرأة وعلى رأسها اعلان دولة مستقلة في حدود 1967 (وهذه فكرة تحظى بتأييد أخذ يزداد في الساحة الدولية)، وربما ايضا زيادة الاحتكاك مع اسرائيل في الضفة الغربية.
هـ. في الجانب السياسي – الاعلامي - يبدو الآن ان الزعزعة الحالية غير قادرة على تقويض الفرض الاساسي السائد عند الجماعة الدولية عامة وعند الولايات المتحدة خاصة والذي يقول ان الصراع الاسرائيلي الفلسطيني هو مصدر عدم الاستقرار الاقليمي. وعلى ذلك فان التحولات الحالية لا تخفف في هذه الاثناء الضغط السياسي على اسرائيل لتقدم المسيرة السياسية مع الفلسطينيين، بل انها لا تساعد في اضعاف مسار سلب اسرائيل شرعيتها والذي يزداد في الساحة الدولية.
و. في الصعيد الامني – إن ضعف قوة فرض سلطات مصر للقانون في شبه جزيرة سيناء يُسهل الآن تهريب وسائل القتال والنشطاء العسكريين الى قطاع غزة. وهذا الامر يساعد في تعجيل بناء القوة العسكرية للجهات الارهابية في المنطقة بواسطة التسلح بسلاح ذي قدرة محسنة على الاصابة ولا سيما قذائف صاروخية لمدى بعيد ووسائل قتالية متطورة مضادة للدبابات ومضادة للقطع البحرية والطائرات، قد تحد من مجال عمل الجيش الاسرائيلي في قطاع غزة.
 إن التطورات الاخيرة في العالم العربي، ولا سيما الثورة في مصر والزعزعة العميقة في سوريا، تشير في هذه الاثناء في الاساس الى كثرة التحديات الامنية وقلة فرص تقديم اجراءات سياسية بالنسبة لاسرائيل. إن التحولات الاقليمية هي وبقدر كبير مرحلة اخرى من مسار سوء وضع اسرائيل الاستراتيجي الاقليمي في العقد الأخير. هذا مسار مركب فيه ما يشبه التناقض الداخلي: فعلى مر السنين كانت قوة اسرائيل العسكرية والتقنية تزداد ومنعتها الاقتصادية تقوى لكن يلاحظ في نفس الوقت تغير سلبي متواصل أمام المنطقة يعبر عنه في الاساس كثرة التهديدات التي تواجهها وقوتها العسكرية والسياسية (ولا سيما قوة مكانة ايران في المنطقة وسعيها الى امتلاك قدرة ذرية وكذلك رسوخ معسكر المقاومة بقيادة طهران)، وبازاء ذلك – تضاؤل الفرص السياسية وعلى رأسها الدفع قدما بمسيرات سياسية في الصعيدين السوري والفلسطيني.
 وجهة النظر الاقليمية: كيف سيبدو صباح ما بعد الثورة
 ما تزال الازمة في الشرق الاوسط في مراحل التكون. فمن السابق لأوانه تلخيصها وصوغ تقديرات استراتيجية بعيدة المدى لواقع لم يره أحد قبل اشهر معدودة سيناريو ذا صلة. إن صورة الشرق الاوسط التي تظهر من خلال غيمة الازمات التي لم تحسم بعد هي مزيج من ظواهر جديدة وقديمة. يحتاج حل هذه الصورة الى فهم التيارات العميقة فيها لكنه يحتاج ايضا الى تحرر من تصورات وادراكات صاحبت عشرات السنين من تحليل الاحداث في المنطقة.
 إن ما اشتعل باعتباره نضالا طلائعيا مغلفا بالنشوة من اجل الديمقراطية قد أصبح في عدة مراكز في المنطقة مجابهات ذات مميزات معروفة من الماضي. فتحت غطاء مكافحة الطغيان عادت وظهرت الصراعات ذات الخلفية العرقية والدينية والطائفية والعقائدية. وإن انفجارها يسبب إحياء ظواهر مغروسة عميقا في واقع المنطقة: فهناك مستبدون لا ينفرون من قمع أبناء شعبهم بالقوة، وقبائل وطوائف يحارب بعضها بعضا، والخطر الدائم للانزلاق الى فوضى داخلية يتوقع ان يربح منها في الأساس العناصر المتطرفة في المنطقة. تبرز هذه الظواهر بروزا خاصا في ليبيا وسوريا واليمن وفي البحرين كذلك، حيث الصراع الذي يزداد فيها بين الاكثرية الشيعية والأقلية السنية الحاكمة يؤجج الخوف العميق في العالم العربي من دسائس ايران والتوتر العميق بين السنيين والشيعة. تضاف هذه التطورات الى مشكلات أقدم تهدد سلامة الدول في المنطقة. ونذكر في هذا السياق في الأساس السودان الذي يواجه انقساما الى دولتين؛ والعراق الذي يعاني ضعفا عميقا للسلطة المركزية، وقوة كبيرة للأطراف (ولا سيما الادارة الكردية ذات الحكم الذاتي في شمال الدولة)؛ ولبنان الذي يحتله حزب الله بالتدريج؛ والسلطة الفلسطينية التي انقسمت الى كيانين جغرافيين وسياسيين مستقلين يعادي بعضهما بعضا. إن الدولة العربية ما تزال باقية في الحقيقة برغم جميع التحديات الصعبة التي تواجهها، لكن صورتها في أكثر الحالات تتغير وتقل قوة الحكم المركزي. كلما كانت الدولة العربية أكثر تجانسا في خصائصها كمصر وتونس كانت الثورة فيها أقل عنفا والنضال من اجل الديمقراطية أكثر وضوحا ومراحل الانتقال الى الادارة الجديدة منظمة نسبيا. وفي مقابلة ذلك، في دول أقل تجانسا وأقل مأسسة، تكون الثورات مصحوبة بظواهر عنف وفوضى شديدة.
 يلاحظ في أكثر دول المنطقة انهيار لنظام الحكم التقليدي الذي سادها أو انه يهتز اهتزازا أساسيا. إن النظام القديم لنظم الحكم الاستبدادية يحل محله نظام جديد يطمح الى ان يُبنى على قواعد اللعبة الديمقراطية. مع هدوء العاصفة تقوم في بعض دول المنطقة قوتان مركزيتان: الجيوش التي تمثل بقدر كبير النظام القديم وفي ضمنه الحفاظ على العلاقة بالغرب والوقوف في وجه معسكر المقاومة بقيادة ايران – ويفترض ان تكون بمثابة "حلقة وصل" بين فترتين؛ والتيار الاسلامي، وهو الجهة الجماهيرية والسياسية الكبرى والأكثر تنظيما في أكثر الدول والتي تستعد للاندماج في النظام الجديد بل لتثبيت مكانة مهيمنة فيه. إن العناصر السياسية والجماهيرية غير المتدينة تحشد قوة بالتدريج لكن تأثيرها أقل كما يبدو من تأثير العناصر الاسلامية. وعلى ذلك توجد علامة سؤال كبيرة تتعلق بقدرتها على حصد نجاحات في امتحانات قريبة، ولا سيما انتخابات ديمقراطية على نحو يُمكّنها من تثبيت هيمنة في السلطة.
 هذا الوضع قد يولد تكرارا لعدة سوابق وقعت في المنطقة ولا سيما في دول جربت ثورات حاسمة: السيطرة التدريجية للتيار الاسلامي على الادارة مع اضعاف المؤسسة العسكرية كما في تركيا (وهذا سيناريو يتوقع ان يكون ذا صلة خاصة في مصر)؛ ومنع الجيش للتيار الاسلامي السيطرة ومواجهة عنيفة بين الاثنين كما حدث في الجزائر؛ أو انهيار مؤسسة الحكم وسيطرة التيار الاسلامي عليها بالقوة، كما في حالة حماس في قطاع غزة. يمكن الى جانب ذلك ان نرسم سيناريوهات لا يكون فيها للجهات الاسلامية مكانة مهيمنة مثل نقل سليم للسلطة الى جهات غير متدينة ليست لها أي علاقة بالحركات الاسلامية على أثر اجراء انتخابات ديمقراطية، لكن احتمال تحقق هذه السيناريوهات يبدو ضئيلا الآن. إن تطور السيناريوهات المختلفة في دول المنطقة، أو نشوء سيناريوهات جديدة يتعلقان بعدة متغيرات وهي: قوة الجيوش؛ وقوة حركة الاحتجاج ومعارضة نظم الحكم، ولا سيما الجهات الاسلامية؛ وسياسة اللاعبات الدوليات ولا سيما الولايات المتحدة؛ وكذلك شكل تطور خطوط الانشقاق الداخلي في المراكز المختلفة في العالم العربي.
 في الصيحات التي تصحب موجة الاحتجاج الاقليمي اليوم تكمن كما يبدو بذور الثورات القادمة. ففي الغضب الضخم الذي وجه على الواقع الطويل الذي لا أمل فيه يوجد قدر كبير من تجاهل – عدد من اللاعبين المحليين وبعض المحللين الخارجيين ايضا – كون ذلك ينبع من مشاكل اجتماعية وسكانية واقتصادية عميقة يُشك في ان يكون لها حل أو حل بالسرعة التي تأملها الجماهير. يمكن كما في سوابق ثورية كثيرة ان تواجه الموجة الحالية خلال زمن قصير ازمة توقعات شديدة. قد يلعب هذا الوضع لمصلحة الجهة التالية التي ستضمن الخلاص لأبناء المنطقة، لكنه قد يساعد ايضا على نشوء ظواهر استبداد وعنف. كما حدث مرات كثيرة في التاريخ عن ثورات رفعت على علمها رؤيا متفائلة.


 

2011-05-10 12:27:59 | 2105 قراءة

التعليقات

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد
مركز باحث للدراسات الفلسطينية والاستراتيجية